حكاية متتحكيش (الفصل الخامس: أقنعة تتهاوى)
الفصل الخامس: أقنعة تتهاوى
.........
الفصل الخامس: "أقنعةٌ تتهاوى"
كان طاهر يلتقط أنفاسه بصعوبة، منحنيًا على ركبتيه، والعرق يختلط بقطرات الدم المنسابة من جانب رأسه في مشهدٍ يمزج بين الهيبة والانكسار.
حوله تناثر الرجال أرضًا، يئنّون بين الألم والغيظ، كأنهم حطام معركة خسروا فيها كرامتهم قبل قوتهم.
خلفه مباشرة، كان أحدهم لا يزال ممسكًا بشومة، يغمز لبقية الرجال في إشارة خفية للهجوم الغادر.
لم يحتج طاهر لأكثر من لمحة بطرف عينه؛ استدار سريعًا بذكاء الفهد، وقبل أن يرفع الرجل ذراعه، كانت لكمة طاهر قد استقرت في وجهه بقوة جعلت عظام فكه تصرخ.
—: "مين وراك يا واد؟ مين اللي مشغّلك؟ انطق بقولك!"
لكن الإجابة لم تأتِ.. بل جاءت الضربة الغادرة؛ شومة ارتطمت برأسه من الخلف بقوة وحشية. اختلّ توازنه، وتراجع خطوتين وهو يشعر بدوارٍ عنيف، وضع يده على موضع الجرح فاستشعر دفء الدم ينساب بغزارة تحت أصابعه، وطنيناً حاداً يضرب أذنيه كأنه صفير الموت.
وقبل أن يستوعب ما حدث، ارتفع صراخ حاد من أمامه.
رفع رأسه بصعوبة ليرى شاباً لم يكن بينهم من قبل، يقف في منتصف الدائرة ببرودٍ غريب وثقة لا تهتز.
لم يكن ضخم البنية، لكنه يتحرك برشاقةٍ قاتلة؛ لكمة، ثم التفاف، ثم إسقاط أرضي سريع.. وخلال لحظات، كان الرجال يتساقطون أمام عينيه كما لو أنهم يتدربون على السقوط لا القتال.
اقترب الشاب من طاهر، ومدّ يده إليه مبتسمًا ابتسامة غامضة:
—: "واضح إن أحبابك كتير أوي."
نظر إليه طاهر بنصف ابتسامة رغم الألم الذي يفتك برأسه:
—: "فوق ما تتخيل… معرفش الناس حباني كدة ليه."
أمسك يده ونهض ببطء، وتلاقت أعينهما لحظة أطول مما ينبغي، كأن كل واحد منهما يحاول قراءة ما وراء ملامح الآخر.
—: "إنت مين؟ أول مرة أشوفك هنا."
ابتسم الشاب، لكن عينيه لم تبتسما؛ كانت نظراته حادة كالنصل:
—"خالد… ولسه جاي من القاهرة."
— "نورت الفيوم."
— "منوّرة بأهلها."
ساد صمت قصير، لكنه لم يكن صمت غريبين… بل صمت اختبار عميق.
قال طاهر وهو يمشي بجانبه بخطواتٍ مثقلة:
— "جاي زيارة؟ ولا ناوي تعشش ؟"
تأخر خالد لحظة قبل الرد، وكأن الكلمات تزن جبالاً:
— "هي كانت زيارة… بس النصيب وبقت اقامة."
توقفت خطوات طاهر قليلًا والتفت إليه:
— "نصيب إيه؟"
نظر خالد إليه نظرة عابرة لكنها عميقة نفذت إلى روحه:
— "نصيب اللي ليّا هنا… واللي اتاخد مننا."
لم يعلّق طاهر، فقط راقبه بعينين صقريتين.
أكمل خالد بهدوء:
— "خالي كان عايش هنا… هو وابنه. ماتوا الاتنين."
— "ماتوا إزاي؟"
خفض خالد عينيه لحظة، ثم قال بثباتٍ غريب أرعب طاهر داخلياً:
— "حادثة… وهقيم هنا مع جدتي."
نظر له طاهر بهدوء:
— " البقاء لله! ربنا يرحمهم؟"
— "ونعم بالله آمين"
بادره طاهر بسؤال:
_"ألا قولي جدتك دي عايشة فين؟ "
_: "عايشة في آخر الشارع الي عند السرايا بتاعت العمدة."
كان خالد يراقب ملامح طاهر بتركيز مريب، كأنه يضع الملح على الجرح.
لاحظها طاهر وابتسم بخفة:
— "أكيد عارف بيت العمدة."
— "اللي ميعرفوش يبقى غريب عن البلد."
وصلا إلى الوحدة الصحية، فقال خالد وهو يشير للباب بشيء من الأمر الخفي:
— "ادخل بسرعة، جرحك لسه بينزف." ثم التفت فجأة: "تصدق نسيت أسألك عن اسمك؟"
— "طاهر."
ابتسم خالد بخفة مسمومة:
— "ويا ترى ليك نصيب من اسمك؟"
رفع طاهر حاجبيه بسخرية حادة :
— " كل انسان ليه نصيب من اسمه يا....خالد يعني انت مثلًا مش عارفين هتتخلد ولا هتموت بدري بدري"
ضحك خالد ببرود، وكذلك طاهر الذي قال ببرود قد غلف وجهه تلقائيًا :
— "بس غريبة يعني واحد لسة نازل من القاهرة… بدل ما يقعد في البيت قاعد بيتفرج على القرية."
قالها ببرودٍ وكأنه لم يكن يضحك منذ قليل.
_: "بالعكس لازم نعرف المكان الي هنعيش فيه كويس! بس قولي صح العيال الي اضربت منهم دول...
قاطعه طاهر وهو يقول: هوووب هووووب الي ايه ياخويا؟ الي ايه؟
رد خالد بضحك: قصدى الي ضربتهم.. تمام كدة! ايه مشكلتهم معاك بقا؟
ابتسم طاهر بهدوء ثم تحولت ملامحه لجدية غريبة قائلًا: لما تقولي انت مين؟ وايه جايبك هنا؟ وايه غايتك؟!
قد فجر قنبلته بوجه خالد ودخل بكل هدوء الوحدة
وقف خالد مكانه لحظة، يراقب الباب المغلق بابتسامةٍ باردة وهمس لنفسه:
— "غايتـي… لسه بدري تعرفها يا طاهر."
بس مطلعتش سهل يا ابن الريـــان، طلعت سم زي ابوك.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بمنزل الريان
كان السكون يملأ المكان، سكون ثقيل… ليس هدوءًا بل إرهاقًا مزمنًا يسكن الجدران.
ألمٌ اعتادت عليه سعاد حتى صار جزءًا من يومها، كجرعة مريرة تتجرعها قسرًا كل صباح.
في غرفته، كان أحمد الريان يمسك بصورة قديمة، صورة لفتاة شابة تبتسم بعينين صادقتين كالفجر.
مرر أصابعه على ملامحها بحذر، كأنه يخشى أن يخدش الزمن ما تبقى منها من ذكرى.
— "الحب الأولاني مبيتنسيش يا عفاف… كنتِ دايمًا بتقولي كدة.
ومكنتيش تعرفي إنك الحب الأول والأخير… مفيش قبلك ولا بعدك."
كانت سعاد تقف خلف الباب، ممسكة بصينية طعامه المفضل، سمعت كل كلمة كأنها طعنات في صدرها.
تراجعت خطوة، ولم تكن الدموع في عينيها دموع ندم… بل كانت نيران غيرةٍ متوحشة تنهش روحها.
"فلاش باك"
كانت عفاف في منزلها، وميار رضيعة على السرير تبكي صراخاً يمزق الصمت.
دخلت سعاد منزل عفاف بسرية بعدما علمت بزواجه منها.
وقد كانت تتذكر وهي تقف امام الباب مواجتها له بانهيار، لكنه قال لها ببرودٍ ذبحها:
"كنتِ فاكرة إني بحبك؟ عمري ما حبيتك! كنتِ بنت عمي وبس!"
— "وذنب إيه إني حبيتك يا أحمد؟!"
— "كنتِ عارفة إني بحب عفاف."
خرجت سعاد مكسورة… لكنها لم تكن مهزومة.
تفوهت بتلك الجملة لنفسها وهي أمام باب المطبخ، أمسكت بعلبة الدواء، وبدّلت دواء السكر الخاص بعفاف بآخر قاتل بدمٍ بارد.
وعند خروجها، رآها طاهر الصغير، فأمسكته بسرعة، وضغطت على فمه بقسوة أرعبت براءته:
"إوعي تتكلم! أنا مرات أبوك… ولو فتحت بقك، أمك دي هتشوف أيام سودة."
بعد أيام… توفيت عفاف، وأخذ الريان أطفاله إلى السرايا، والقاتلة تسكن بينهم.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بســرايا الريــــان
صباح جديد مشوب بالشك
على مائدة الإفطار، قالت سعاد بهدوء مصطنع يحاول إخفاء العاصفة:
— "يا حاج، إيه رأيك نعزم النهاردة زيدان وابنه إسلام وعبلة؟"
— "يشرفوا."
همست ميار بخفوت وهي تنظر لسعاد باحتقار: "الحرابيق هيتجمعوا النهاردة."
سمعتها سعاد، وابتلعت غضبها بصعوبة.
سأل الريان:
"فين طاهر؟"
نظرت سعاد للريـان بحقد حينها، فلم يكترث لغياب نادر ابدًا ولكنه اهتم لطاهر.
نزل طاهر من أعلى الدرج بطلته المهيبة، والجرح في رأسه واضحٌ كوشم معركة.
نهضت ميار مسرعة إليه بقلبٍ يرتجف:
"إيه اللي حصل؟ إيه الي حصل تاني ياطاهر؟مين عمل فيك كدة؟"
ابتسم لها بحنانٍ لا يظهره إلا لها:
"أنا كويس يا حبيبة أخوها وزي الحصان اهو."
لكن الريان لم يبتسم، بل كانت نظراته قاسية:
"إيه اللي عمل فيك كدة؟"
جلس طاهر بهدوء، أمسك كوب الماء، ثم قال بصوتٍ رخيم هز أركان الغرفة:
— "اللي حصل امبارح مش خناقة عادية.
كنت بجري ورا واحد بيوزع مخدرات، وأول ما قربت منه… اختفى.
فجأة لقيت نفسي محاط برجالة كأنهم مستنيّني."
ساد الصمت الثقيل.
ونظرات طاهر لم تكن عادية اطلاقًا فقد كانت مليئة بالشك
— "مش صدفة إنهم يظهروا في نفس اللحظة.
ومش صدفة إن الضربة تيجي من ورا."
نظر لوالده مباشرة بعينين تشعان شكاً:
— "اللي بيدخل المخدرات البلد دي مش حد صغير.
حد اسمه تقيل.
حد قادر وعنده القوة والميزانية.
والبلد دي مفيهاش عائلات اسمها تقيل غيرنا… أو عمي زيدان… أو عمران."
سقطت الملعقة من يد سعاد وارتطمت بالطبق بضجيجٍ فضيحة.
أكمل طاهر بصوت منخفض لكنه أشد وطأة:
— "ولو عرفت إن واحد منهم ورا ده… حتى لو من دمي… مش هرحمه."
نهض فجأة وغادر السرايا، وبقيت خلفه نظرات متبادلة، خوف، شك، وأسرار قديمة بدأت تتنفس من جديد.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
جهنم حســام الطحاوي
استيقظت سيرين على أشعة الشمس المزعجة التي كانت تخترق جفونها كالإبر، وكان الألم يفتك برأسها كأن هناك من يطرق داخل جمجمتها.
جلست على السرير وهي تغمض عيناها بشدة، تحاول تجميع شتات نفسها، وتتذكر ما الذي حصل البارحة.. لكن الذاكرة كانت حفرة سوداء.
في حين كانت تحاول التذكر، استمعت لصوت صراخ والدتها، فوقفت مسرعة فكادت أن تقع من الدوار، لكنها تمسكت بالحائط وأصابعها ترتجف.
اقتربت ببطء وهي تسمع أصواتاً مبهمة، فتحت الباب ببطء ونظرت من خلاله، فوجدت بآخر الطرقة والدتها مريم وزوجها حسام يتحدثان بشرارة ونبرات حادة.
ابتسمت سيرين بسخرية مريرة؛ فهي ترى كيف أن والدتها تعشقه بذاك القدر الأعمى الذي يجعلها لا تسمع صراخ ابنتها ولا ترى دمعها.
ولكن أوقفتها جملة والدتها مريم وهي تقول باكية بضعفٍ يمزق القلب:
"أنا بنتي بقت بتضيع مني يا حسام! سيرين.. سيرين بقت مريضة بجد.. البنت حطت سيناريو في دماغها خلاص وصدقته وعايشاه فعلًا!."
تلك الكلمات كانت كخنجرٍ مسموم في صدر سيرين؛ أمها تتهمها بالجنون!
اقترب منها حسام وهو يحتضنها بمكر الذئاب: "متخافيش يا حبيبتي! سيرين هتبقى كويسة.. الدكتور..."
أوقفت حديثه مريم وهي تبتعد بانهيار:
"دكتور إيه بقى يا حسام.. الدكتور اللي بيعالجها سنين! واستفدنا منه إيه يعني؟ ماهو مفيش جديد! مفيش تقدم.. البنت امبارح لو مكنتش أديتلها الدوا مكنتش هديت أبدًا! بنتي عايشة على الأدوية يا حسام."
اقترب منها حسام ثم قبل مقدمة رأسها بتمثيلٍ متقن:
"هعالجها… هعالجها وهترجع زي الأول وأفضل."
في تلك اللحظة، شعرت سيرين برغبة في الصراخ حتى تنفجر رئتاها.. ابتسمت بسخرية لاذعة وهي تحدث نفسها:
"سأعود لماذا؟
وقد لطخت حياتي بأكملها بسواد قلبك؟
إلى إيه سأعود؟ وأنا منذ رأيتك مازالت أعيش بذلك الجحيم الخاص بك!."
شعرت بمرارة الدواء في حلقها، وبثقلٍ في روحها يجعل حتى التنفس مهمة شاقة.
أكمل حسام حديثه وهو يقول بخبثٍ مبطن:
"هنروح النهاردة تونس.. هتلاقي هناك طبيعة وجو جميل... وهنحاول نبعد عنها الأدوية دي كلها.. وتحاولي تكوني جنبها، إيه رأيك؟"
ابتسمت مريم وهي تحتضنه بامتنان، لا تعلم السر وراء ذهابه ذاك؛ فقد ظنت بجهلها أنه يضحي لأجل ابنتها.
أما سيرين، فكانت تلك الحيل لم تصدقها أبداً؛ شعرت بخوفٍ يتسلل لعظامها.. تونس؟ المكان الذي بدأت فيه كل الكوابيس؟
فكرت أن تفتح الباب وتندفع باتجاه ذلك "العجوز الوسيم" لتبعثر وجهه وتكشف حقيقته، ولكنها تجمدت.. تذكرت ما الذي سيفيد؟
ماذا إذا أعطاها كمية مضاعفة من ذاك الدواء الذي يأكل جسدها ويخدر عقلها؟
ماذا إذا انطفأت تماماً؟
لم تستطع التفكير أكثر، فحتى التفكير أصبح يهلكها، يؤلم روحها المنهكة.
لم تعد تريد شيئًا سوى السكون… والأمان الذي يبدو بعيد المنال كنجوم السماء.
نهاية البارت.
هل بدأ طاهر بالشك اتجاه خالد؟
هل الريـان له علاقة بتجارة المخدرات؟
واذا لم يكن فهل سيسامح ابنه؟
ما السر خلف ذهاب حسـام لتونس؟.
للكاتبة: هدى نجيب/نور أحمد