رواية القاتل بيننا (كاملة)
القاتل بيننا
المقدمه القاتل بيننا الفصل الاول في بلدة صغيرة اعتاد أهلها علي الصمت ولكن استيقظ الجميع على صرخة لم يُسمع لها صوت بل رائحة دم لم تختفِ مع شمس الصباح. ليلى، المحققة الجديدة القادمة من المدينة، لم تكن تتوقع أن أول قضية قتل لها ستكون في مكان ظنت أنه الأهدأ. لكن البلدة تخفي أسرارًا، والجميع يبتسم... حتى القاتل. والريشة السوداء التي عثرت عليها بجانب الجثة قد تكون الدليل الوحيد قبل أن يسقط ضحية أخرى.
الفصل الاول البلدة كانت لسه ساكتة، بس المرة دي السكون ما كان هدوء... كان خوف. بعد ما لقوا الجثة، محدش بقى بيتكلم مع حد. كل البيوت قفلت على نفسها أكتر من العادي، كأن الليل هو الأمان الوحيد، والناس بتستخبى جواه من حاجة مش شايفينها، بس حاسين بيها بتعدي بينهم. ليلى كانت قاعدة في أوضة التحقيق الصغيرة، قدامها طاولة خشب، وبتحقق مع ماجد — شاب في التلاتينات — آخر واحد شاف سلمى قبل ما تموت. ماجد كان ساكت، بيخبط صباعه على الطاولة، وعينيه لتحت، كأنه بيسمع همس من الأرض نفسها، بس مش عايز يسمعه. قالت ليلى بهدوء: "يا ماجد... إنت قلت إنك كنت آخر واحد شاف سلمى. فاكر آخر حاجة قالتها لك قبل ما تمشي؟" رفع راسه ببطء، وعينيه مليانين بحاجات غريبة... خوف؟ ندم؟ ولا حاجة تانية مش مفهومة. قال بصوت واطي: "قالت إنها هتقول لكل الناس... قالت إنها خلاص مش قادرة تسكت." ليلى بصّت بسرعة على أبو علي اللي كان واقف وراها، حاطط إيديه ورا ضهره وضاغطهم ببعض. قالت: "هتقولهم عن إيه يا ماجد؟" سكت شوية، وبعدها قال: "ماعرفش، والله ما قالتلي... بس كانت خايفة. قالتلي إن في حد بيراقبها." طلعت ليلى كيس بلاستيك صغير، جواه ريشة سودة، وحطته قدامه على الطاولة. قالت: "الريشة دي لقيناها جنب جثة سلمى... تعرف جات منين؟" بص ماجد على الريشة، وإيده ارتعشت، وبعدين خبى إيده في حجره. قال بصوت خافت جدًا: "دي... دي مش ريشة عادية." ليلى رفعت حاجبها وقالت: "يعني إيه؟ إيه هي بالظبط؟" بص في عينيها وقال بصوت مليان خوف: "دي العلامة... علامة اللي بيراقبنا كلنا." الفصل الثاني ليلى حسّت بقشعريرة جريت في جسمها، بس حاولت تفضل ملامحها ثابتة ومتماسكة. قبل ما تسأل السؤال اللي بعدها، حد خبط على الباب بقوة. دخل شاب صغير بيجري ناحيتها، ماسك ورقة بإيده اللي كانت بترتعش: "آنسة ليلى... الورقة دي... لقيناها على باب المركز." ليلى خدت الورقة منه، وفتحتها بهدوء. الخط كان مش منتظم، كأنه مكتوب بسرعة أو بخوف. كان مكتوب فيها: "لو عايزة تعرفي الحقيقة، توقفي. ماتدوريش. الريشة تحذير... مش رسالة." رفعت ليلى عينيها تبص على ماجد، اللي وشّه كان شاحب خالص. نطق بصوت واطي جدًا، بالكاد سمعته: "قلتلك... مش هيسيبنا نعيش لو اتكلمنا." في اللحظة دي، ليلى فهمت إن الجريمة دي مش كانت البداية... دي كانت أول إنذار بس. الليل كان تقيل على البلدة، حتى الهوا كان ماشي بحذر، كأنه خايف يعدّي من شوارعها الضيقة. ليلى كانت قاعدة على مكتبها في مركز الشرطة، بتبص على رسالة التهديد للمرة العاشرة. كل ما تقراها تاني، تحس إن في حاجة ناقصة... كأن الورقة عايزة تقول أكتر من اللي مكتوب فيها، بس في حاجة مخبيّة تحت الحبر. قرأت الجملة تاني: "لو عايزة تعرفي الحقيقة، توقفي. ماتدوريش. الريشة تحذير... مش رسالة." مسكت الريشة السودة في إيدها، وقربتها من النور، ولاحظت نقطة دم صغيرة جدًا على طرفها. دخل أبو علي ومعاه كباية شاي، حطها قدامها وقال: "ليلى، لو أنا مكانك، كنت سبت الموضوع. البلدة دي ما تستحملش دم جديد." بصّت له، وبعدين بصّت تاني على الريشة، وقالت بصوت هادي وواثق: "عشان كده بالذات... مش هسكت." الفصل الثالث قبل ما ليلى تسيب المركز، وصلها مسج غريبة على موبايلها: "لو فعلاً عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي البيت المهجور اللي ورا المقبرة... الليلة." وقفت شوية محتارة، قلبها بيقولها ترجع، بس فضولها كان أقوى. أخدت نفس عميق وخرجت، سايبة وراها البلدة الميتة من الصمت والليل. البيت المهجور كان واقف لوحده، كأنه شبح. الشبابيك مكسورة، والباب مخلوع، بيتهز كأنه فم مفتوح مستني يبلع أي حد يدخل. ليلى كانت ماشية بحذر، ماسكة كشاف صغير بيشق الظلام، والغبار مالي الجو بريحة العفن والرطوبة. فجأة سمعت صوت خفيف... كأن حاجة اتحركت فوقها، وبعدها حاجة وقعت من الدور اللي فوق. رفعت الكشاف بسرعة، قلبها بيدق بجنون... بس مافيش حد. قررت تطلع السلم الخشبي اللي بيصرّخ مع كل خطوة كأنه بيحذرها "ارجعي!". وصلت أوضة صغيرة، بابها نص مقفول، دفعت الباب بهدوء. على الأرض، شافت دفتر أسود قديم، عليه بقعة دم ناشفة. انحنت تمسكه، لكن قبل ما تلمسه، سمعت وراها صوت خطوات... بطيئة... بتقرب... وبتقرب... لحد ما وقفت. حبست نفسها، واستدارت ببطء، رافعة الكشاف ناحية الصوت. كان واقف قدامها... بيبصلها بابتسامة غريبة، وعينيه سودا كأنهم حفرتين في الليل. قال بصوت واطي، بس كلماته كانت تقيلة كأنها طلعت من أعماق البيت نفسه: "قلتلك يا ليلى... توقفي... قبل ما تبقي إنتي الضحية الجاية الفصل الرابع الصمت كان بيصرخ في ودانها، وهي واقفة تبصله في البيت المظلم ده، عينيه فيها نظرة غريبة، مش قادرة تفهمها. رفع إيده ببطء، وأشار للدفتر الأسود اللي في إيدها، اللي كان عليه دم ناشف، وقال بهدوء غريب كأنه بيقول حاجة عادية جدًا: "الدفتر ده... هو اللي هيقتلك يا ليلى." وبكل بساطة، لف وبدأ يمشي ناحية الباب. صرخت ليلى بصوتها المرتعش: "استنى! إنت مين؟ وليه قتلت سلمى؟!" وقف ثانية، بس ما بصش وراه، وقال: "سلمى ما كانتش الأولى... ومش هتكون الأخيرة." وبعدها اختفى في الظلام، كأنه عمره ما كان موجود. جسم ليلى كله كان بيرتعش، مسكت الدفتر بقوة، وفتحته بإيدين بتتهز، والنور الخافت من الكشاف بيكشف كل حرف على الورق. في أول صفحة، مكتوب بخط مش متزن: "كلهم عارفين... بس سكتوا. وأنا اللي دفعت التمن." قلبت الصفحة بسرعة، لقت فيها أسماء ناس من البلدة... ومن بينهم اسم "ماجد". وتحت اسمه مكتوبة كلمة واحدة: "الكِدبة." وشها شحب، والدنيا بدأت تلف حواليها، بس كملت تقلب. في الصفحة اللي بعدها، كانت في صورة قديمة... سلمى واقفة فيها وسط مجموعة ناس، كلهم بيضحكوا. بس اللي خوّفها فعلاً إن كل الوجوه كانت متشطّبة بقلم أسود... ما عدا وشّ سلمى. وفجأة، الكشاف انطفى. البيت غرق في ظلام تقيل، صمت يخنق. سمعت صوت خطوات سريعة في الدور اللي تحت، بعدين باب اتقفل بقوة... وبعدين ولا صوت. حاولت تشغّل الكشاف تاني، ما اشتغلش. طلعت الموبايل عشان تنوّر بيه، بس فجأة هو كمان اتطفى. همست بصوت واطي: "ده مش حقيقي... أكيد أنا بحلم." بدأت تنزل السلم ببطء، وإيديها بتترعش، وكل درجة بتصرخ بصوت يخوّف. وصلت للباب، حاولت تفتحه، بس كان مقفول جامد. وقتها سمعت همسة قريبة جدًا من ودنها: "قلتلك... توقفي..." لفت بسرعة، بس ما شافتش حد. وفجأة، إيد قوية خرجت من الظلام، مسكتها من معصمها بقسوة، وخطفت الدفتر من إيدها. حاولت تصرخ، بس صوتها ما طلعش، كأن الهواء اختفى. حست بأنفاس سخنة بتقرب من وشّها، وصوت واطي قال: "الدفتر ده مش ليكي... ولو فتحتيه تاني، هتبقي إنتي الجاية." وبعدين، ضربة قوية على راسها... وكل حاجة بقت سواااد. الفصل الخامس أول حاجة حست بيها ليلى كانت ريحة الغبار والرطوبة، قبل ما تفتح عينيها. ما كانتش عارفة بقالها قد إيه مغمى عليها، بس لما فتحت عينيها، لقت نفسها مرمية على أرض خشب بارد، والمكان كله ظلمة إلا شق صغير من النور داخل من شباك عالي. حاولت تقوم، بس أول ما اتحركت حسّت بوجع شديد في راسها من مكان الضربة. حطت إيدها عليه، ولما شافِت صوابعها، لقت عليها دم ناشف. الذكريات رجعت بسرعة... الدفتر، الشخص الغامض، والإيد اللي خطفته منها. بصّت حواليها، لقت نفسها في أوضة قديمة فاضية، غير صندوق خشب مكسور في الركن، والريحة كانت خانقة من العفن. فجأة، الباب صرّ بصوت مزعج، وفتح ببطء. دخل أبو علي ماسك مصباح صغير، ووشه مليان قلق: "ليلى! الحمد لله إنك بخير. لقيناكي هنا بعد ما حد بلّغ إنك محتاجة مساعدة." حاولت تقوم، بس رجليها ما شالتهاش، فمسكها أبو علي وسندها تقعد على الصندوق المكسور. بصّت له بشك وقالت: "مين اللي قالكم أنا هنا؟" سكت لحظة، وبعدين قال بصوت متردد: "شخص مجهول اتصل بالمركز... وقال: (أنقذوها قبل ما تختفي للأبد)." ليلى خدت نفس عميق، وكل اللي حصل رجع في دماغها... الدفتر، الأسماء، كلمة "الكِدبة" تحت اسم ماجد. قالت بحزم وهي تبصله: "أبو علي، أنا مش هقدر أوقف دلوقتي. البلدة دي فيها حاجة أكبر من جريمة قتل." أبو علي بص بعيد عنها وقال بصوت واطي: "ليلى... في حاجات هنا ما تفهميهاش. أسرار لو اتفتحت... مش هتتقفل تاني." ليلى قربت منه وقالت بحدة: "يعني إيه؟ تقصد إيه؟" قرب منها، وقعد قدامها، وقال بصوت محبوس: "سلمى كانت بتدور على حاجة هنا قبل ما تموت... حاجة ليها علاقة بالدفتر الأسود." قلبها بدأ يدق بسرعة: "إنت تعرف حاجة عن الدفتر؟" هز راسه ببطء وقال: "الدفتر ده ظهر من عشر سنين... وكل واحد حاول يعرف سره، اختفى." قبل ما ليلى تلحق تسأله، الباب خبط جامد فجأة، وفتح بسرعة. دخل ماجد، وشّه شاحب، وعينيه مليانة رعب. قال وهو بيحاول ياخد نفسه: "ليلى... لازم تمشي من هنا... دلوقتي!" ليلى وقفت بسرعة وقالت: "ماجد! في إيه؟ مين اللي قتل سلمى؟ وإيه علاقتك إنت بالدفتر؟!" قرب منها بسرعة، مسكها من كتفها بقوة وقال بصوت مبحوح: "الدفتر... الدفتر فيه أسامي الناس اللي شاركوا..." الفصل السادس "أشوفكم كلكم اتجمعتوا هنا... حان الوقت نخلص المهزلة دي." تجمّدت ليلى في مكانها، والرجل اللي لابس معطف أسود واقف عند الباب، عينيه باردة ومخيفة. أبو علي حاول يقف قدامها، صوته كان بيرتعش: "عايز إيه؟" ضحك الرجل ضحكة قصيرة، بلا أي روح: "عايز؟ أنا بس عايز أرجّع اللي ما كانش المفروض يخرج من مكانه أبداً." ليلى رفعت راسها، صوتها كان فيه غضب رغم الخوف: "الدفتر؟ إنت اللي قتلت سلمى، مش كده؟" ما ردش، بس قرب منها بخطوات بطيئة، وكل خطوة كانت بتدوّي في الأرض كأنها طبول بتخبط في صدرها. ماجد قال بصوت مكسور: "أرجوك... ما كانش قصدي اللي حصل... والله ما كان قصدي." بصله الرجل ببرود وقال: "قصْد؟ قصد إنك فتحت بقك وخنت الكل... والوقت جه عشان الكل يسكت." مدّ إيده في جيبه، وليلى اتجمدت، فاكرة إنه هيطلع سلاح. صرخت: "لا!" بس اللي طلّعه ما كانش سلاح... كان مفتاح قديم وصدي، متعلّق فيه قطعة معدن صغيرة مكتوب عليها رقم (7). رمى المفتاح عند رجلها وقال: "لو فعلاً عايزة تعرفي الحقيقة... هتلاقيها ورا الباب اللي عليه الرقم ده." ماجد قال بخوف: "لا، ما تروحيش! ده فخ!" الرجل استدار وهو رايح ناحية الباب، وقبل ما يخرج، بص عليهم نظرة أخيرة وقال: "قدامك ليلة واحدة يا ليلى... قبل ما الأبواب تتقفل للأبد." وبهدوء، خرج وساب الباب يقفل وراه، والصمت رجع يغطي المكان كله. ليلى نزلت تبص على المفتاح بإيد بترتعش، الرقم “7” كان كأنه بيبصلها. قالت لأبو علي بصوت فيه إصرار: "لازم أعرف الباب ده وراه إيه." أبو علي مسك دراعها وقال بقلق: "ليلى، وقّفي! كفاية، هتضيّعي نفسك. إنتِ مش عارفة بتتعاملِي مع مين." بصّت له والدموع في عينيها وقالت: "كل ده بدأ بموت سلمى... وأنا مش هسكت زي الباقيين." طلعت بسرعة من الأوضة، رغم وجع راسها، وماجد كان بيصرخ وراها: "ليلى! اسمعيني! لو رحتي هناك... مش هتخرجي زي ما دخلتي!" بس ليلى ما وقفتش. الهوى البارد كان بيضرب في وشّها، شوارع البلدة فاضية إلا من ظل الشجر اللي بيتمايل مع الريح. كانت عارفة طريقها... للمبنى المهجور اللي على طرف البلدة، اللي أبوابه المعدنية باهتة وعليها أرقام. وقفت قدام الباب رقم (7)، حطت المفتاح في القفل، وإيدها بتتهز، وكل الدنيا حواليها ساكتة. أخدت نفس عميق... ولفّت المفتاح. صدر صوت "طَق" تقيل... وبعدها الباب فتح ببطء، صريره مزّق الصمت. خرجت ريحة عفن وغبار قديم كأنها من سنين طويلة. رفعت الكشاف ووجّهت النور لجوه... وشافت حاجة خلتها تتجمد مكانها، مش قادرة حتى تصرخ: على الحيطة، عشرات الصور القديمة لناس من البلدة... كل وشوشهم متشطّبة بالأسود. وفي النص، صورة كبيرة لسلمى. وتحتها مكتوب بخط عريض بالسواد: "إنتِ الجاية... يا ليلى." الفصل السابع "إنتِ الجاية يا ليلى." ليلى وقفت متسمّرة قدام الحيطة اللي مليانة صور مشطوبة، وقلبها بيخبط في صدرها كأنه طبول حرب. خطت خطوة بطيئة لجوه، الهوا كان تقيل، مليان ريحة العفن، كأن المكان نفسه بيختنق من كتر الأسرار اللي جواه. كل الصور كانت لناس من البلدة... المدرس، صاحب الدكان، ست كبيرة، واتنين شباب تعرف وشوشهم بس مش فاكرة أساميهم. كل الوجوه متشطّبة بخط أسود غليظ. وفي النص، صورة سلمى... عينيها كانت باصة مباشرة على ليلى، وتحتها مكتوب: "إنتِ الجاية يا ليلى." قربت منها بخطوات مترددة، ومدّت إيدها المرتعشة تحاول تشيل الصورة من الحيطة. وأول ما سحبتها، لقت وراها صندوق معدني صغير، ملزوق في الحيطة بلاصق قديم. سحبته وفتحته بسرعة... جواه شريحة ذاكرة صغيرة. حست بدقات قلبها تعلى أكتر، وعقلها بيصرخ: "دي سلمى! هي اللي سابتلي دي قبل ما تموت؟!" طلعت بسرعة من الأوضة، ماسكة الشريحة بإيدها بقوة، بتجري في الشارع الفاضي، والهواء بيخبط في وشها. ما وقفتش غير لما وصلت بيتها. قفلت الباب كويس بالمفتاح، وقعدت على الأرض، بتحاول تلم نفسها، أنفاسها سريعة، وراسها لسه بيوجعها. طلعت اللاب، وحطّت الشريحة. ظهر ملف واحد بس على الشاشة، اسمه: "لو متّ... شوفي ده." دموعها نزلت من غير ما تحس، وضغطت "تشغيل". ظهر وش سلمى... باين عليها التعب، عينيها حمرا من كتر البُكا. قالت بصوت متقطع: "ليلى... لو الفيديو ده وصلك... يبقى هم قتَلوني." ليلى حطّت إيدها على بُقّها، بتحاول تكتم شهقتها، وسكتت تستنى تكمل. سلمى قالت وهي بتنهج: "كل حاجة بدأت من عشر سنين... في الليلة ديك... لما كلنا غلطنا." ليلى شهقت، والدنيا دارت حواليها، بس فضلت مركزة. سلمى كملت: "في حاجة في البلدة... حاجة مخفية... والأسامي اللي في الدفتر... هم اللي شاركوا... شاركوا في..." وفجأة، الصوت اتقطع! الفيديو سكت، وبقي صامت ثواني طويلة، ووش سلمى لسه ظاهر، عينيها مرعوبة. وبعدين... ظهر ظلّ شخص وراها! سلمى شهقت، حاولت تبص وراها... لكن الشاشة سَوِدّت فجأة. ليلى صرخت: "لأ! لأ! لأ!" حاولت تشغّله تاني، لكن طلع قدامها رسالة على الشاشة: "تم حذف الملف نهائيًا." الفصل الثامن ليلى... افتحي الباب... لازم نتكلم... قبل ما يفوت الأوان." ليلى وقفت مكانها، مش قادرة تتحرك، عينيها على الباب المقفول، وصوت الخبط عليه كان بطيء كأن الزمن نفسه وقف. قربت بخطوات خفيفة، ومدّت إيدها ناحية المقبض، وهمست: "مين هناك؟" جالها الصوت من ورا الباب، متوتر ومضطرب: "ليلى... أنا ماجد." اترددت ثواني، وبعدين فتحت الباب بحذر. ماجد دخل بسرعة وقفله وراه بقوة، نفسه متلاحق، وعينيه مليانة خوف. قال بسرعة: "لازم نتحرك فورًا! شافونا وإحنا بنفتح الباب رقم 7... هييجوا ياخدوك!" ليلى صرخت فيه: "مين هما؟! وإيه اللي حصل لسلمى؟ ليه قتلوها؟!" ماجد حط إيديه على راسه وقعد على الكنبة، شكله كان مكسور، كأنه شايل جبل فوق ضهره: "أنا ما كنتش أقصد... ما كنتش أقصد اللي حصل..." ليلى قربت منه بخطوات سريعة، صوتها مليان غضب وخوف في نفس الوقت: "كفاية كلام! احكيلي! إيه اللي حصل قبل عشر سنين؟ وإيه حكاية الدفتر الأسود؟!" رفع وشه ليها، وعينيه مغرقة دموع: "قبل عشر سنين... ليلة الحريق اللي حصل في المخزن القديم... كنا هناك، أنا، وسلمى، وناس تانية من البلدة. كنا فاكرينها لعبة شجاعة... بس اللي لقيناه ما كانش لعبة." ليلى شدّت نفسها وقالت بسرعة: "لقيتوا إيه؟!" ماجد بلع ريقه بصعوبة وقال: "لقينا في القبو صندوق مليان ملفات وصور ودفاتر... لأسماء ناس كبيرة في البلدة، فيها أسرار... فلوس... حاجات محدش المفروض يعرفها." ليلى بصوت بيرتعش: "وساعتها عملتوا إيه؟" نزل ماجد راسه وقال: "سلمى قالت لازم نبلغ الشرطة... بس بعدها بيومين اختفت. قالوا انتحرت... بس احنا عارفين إنها ما انتحرتش." ليلى قعدت على الأرض، دموعها نازلة بهدوء، صوتها خافت: "يعني الدفتر... هو نسخة من الملفات دي؟" ماجد هز راسه: "أيوه... سلمى كانت شايلة نسخة، وقررت تفضح الكل. دلوقتي هما عايزين يرجعوه قبل ما تفتحي السر اللي جواه." ليلى قالت بسرعة: "طب والرجل اللي بالمعطف الأسود؟ مين ده؟" جسم ماجد كله ارتعش، وصوته نزل خافت جدًا: "ده مش شخص واحد... ده الاسم اللي بيستعملوه للِّي بيشتغلوا في الظل... هو الواجهة بس... واللي وراه أكبر بكتير، ليلى." الفصل التاسع اللعبة خلصت يا ليلى." حسّت ليلى إن الأرض اختفت من تحت رجليها لما شافت الراجل اللي في المعطف الأسود رافع الدفتر في وشها ويبتسم ببرود، كأنه بيراقبها من الأول. ماجد مسك إيدها بقوة وهمس: "لازم نهرب." قبل ما يتحركوا، قال الراجل بصوت عالي: "ماجد... شاطر." ليلى اتجمدت، وبصت على ماجد تدور في عنيها تفسير. بس ماجد ما بصش في وشها، كان باصص للأرض وضاغط على إيديه جامد. صرخت ليلى: "يعني إيه الكلام ده؟!" ماجد رفع راسه، ودموعه بتنزل ساكت: "آسف يا ليلى... ماكانش بيدي... هددوني إقتلوا أمي لو ماقولتش مكانك." حست ليلى إن قلبها اتكسّر، وورّت لورا بصدمة: "كنت واثقة فيك... وسلمتني ليهم؟!" ماجد قال وبيبكي: "أقسم ماكنتش أعرف إنهم هييجوا الليلة... كنت عايز أحمي أمي بس." ضحك الراجل في المعطف بقهقهة باردة: "الضعف دايمًا بيكشف الكل... إنتو مش أكتر من عيال." الراجل قرب خطوة بخطوة من ليلى، وهي ماسكة تليفونها بإيد بترتعش تدور على رقم تنقذ بيه نفسها. قال الراجل: "إرجعي الدفتر يا ليلى وهرّيك تعيشي." صرخت وهي بتتحدّاه: "الدفتر ده مش ملكك! إنتو قتلتوا سلمى عشان الدفتر ده!" الرجل رد بهدوء: "اللي في الدفتر ممكن يحرق البلد كلها... وأنا هنا أوقف ده." عين ليلى لمعت بالغضب: "هفضحكم كلّكم." الراجل ضحك وقال: "مش هتعرفي." وبعدين أشار بإيده للباب، وفجأة دخل اتنين لابسين أسود، مسكوا ماجد، وماجد صار بيصرخ: "لأ! قلت مش هتأذوها!" الراجل في المعطف أشار لهم يسكتوه، وبعدين اتقدّم ناحية ليلى وقال: "هاتِ النسخة اللي معاكي." ليلى شهقت: "نسخة؟ عن إيه؟" قال ببرود: "في نسخة تانية معاكي، سلمى كانت معطياك نسخة قبل موتها، مش كده؟" ليلى تراجعت خطوة: "أنا... ماعنديش حاجة." الراجل رفع راسه وبص في عنيها ببرود: "لو مادّيتيهاش، هخلي موتك أبطأ من موت سلمى." وفي اللحظة دي تليفون ليلى رن فجأة، وعلى الشاشة رسالة ماقدرتش تقراها، وهي استغلت لخبطة الراجل وضربته بالمصباح اللي في إيديها على دماغه، وقع مغشي عليه. صرخت: "ماجد، يلا!" جريت ناحية الشباك، كسرته وقفزت بره رغم ألم في إيدها، وماجد وراه بيصرخ: "ليلى، استني!" هربت في شوارع البلدة المظلمة، مش عارفة رايح على فين، ووراها صوت جري بيقرب. طلعت تليفونها وبصت على الرسالة اللي وصلت لها. كانت رسالة من رقم مجهول: "تعالي المخزن القديم دلوقتي، هاقولك مين قتل سلمى." رفعِت راسها، والدمع والدم ماشيين على وشها، وقالت بصوت واطي: "لو دي النهاية... هاعرف الحقيقة بنفسي." الفصل العاشر استدارت ليلى ناحية طريق المخزن القديم، وأضواء عربية سودة بدأت تمشي وراها ببطء من بعيد. جريت ليلى وسط الشوارع الضيّقة والمظلمة، أنفاسها تقيلة وقلبها بيخبط جوه صدرها كأنه طبل حرب. شافت المخزن القديم قدامها، بابه الحديد نصه مخلوع، كأنه بيفتح بقه مستنيها تدخل. طلعت موبايلها تبص على الرسالة تاني: "تعالي المخزن القديم دلوقتي، هاقولك مين قتل سلمى." دفعت الباب بشويش، فتحة صغيرة دخلت منها. جوه كان ضلمة تقيلة، والهوا مليان تراب وريحة عفن، والمصابيح اللي فوق كانت بتتهز وتصدر صوت مزعج مع الريح. وفجأة سمعت صوت خطوات وراها. استدارت بسرعة... كان الراجل بالمعطف الأسود واقف على بعد كام متر، رافع إيديه بهدوء. قال بصوت بارد: "إنتِ شجاعة يا ليلى… جيتي لوحدك." ردت بصوت بيرتعش: "مين اللي قتل سلمى؟ وليه؟" ضحك ضحكة قصيرة وقال: "سلمى كانت عارفة أكتر من اللي المفروض تعرفه… بس ماكنتش عارفة أنا مين فعلاً." ورفع إيده وشال القناع اللي مغطّي نص وشه. شهقت ليلى بقوة، حسّت الهوا اختفى من حواليها: "مستحيل… إنت…!" كان وش أبو سلمى. قال بصوت مبحوح: "بنتي كانت بتحفر في حاجات ما تخصهاش. كانت فاكرة إن لو كشفت الفساد اللي في البلد، الدنيا هتتعدل… بس ماكنتش عارفة إن الكل متورّط." سألته ليلى ودموعها بتلمع: "قتلت بنتك بإيدك؟!" صرخ فجأة: "ماقتلتهاش! هم اللي قتلوها… خلّوني أشهد على موتها عشان أسكت!" قرب منها وقال بصوت مكسور: "كنت عايز أساعدها، بس هي كانت ناوية تفضحهم، وكنت عارف إنهم هيقتلوها… وماقدرتش أحميها." سألته ليلى: "طيب… ليه أنا هنا؟" مد إيده وطلع نسخة من الدفتر الأسود. قال: "سلمى خبّت النسخة دي، وقالت لو حصلها حاجة أوصلها للي بتثق فيه… وإنتِ الوحيدة اللي وثقت فيها." ليلى خدت الدفتر بإيد بترتعش، فتحته، وشافت: أسماء سياسيين، ضبّاط، تجار كبار، كلهم مشاركين في شبكة فساد، وسرقات، وجرائم قتل لأي حد يعارضهم. قال الراجل بهدوء: "دلوقتي إنتِ عرفتي الحقيقة… القرار ليكي يا ليلى." بصّت له باستغراب: "يعني إيه؟" قال: "يا تحتفظي بالدفتر وتعيشي… يا تنشريه وتموتي زي سلمى." قبل ما ترد، سمعوا صوت عربية بتقف بره المخزن. بص لها بعين يائسة وقال: "لقونا… اهربي يا ليلى." شدت الدفتر وركضت ناحية الباب الخلفي، بينما دخل رجالة لابسين أسود من الباب الأمامي، وصرخ أبو سلمى: "ليلى، ما تضيعيش دم بنتي!" خرجت تجري في الشوارع والليل حواليها، ماسكة الدفتر على صدرها والدموع نازلة على خدها. رفعت راسها للسماء وقالت بصوت مكسور: "سامحيني يا سلمى… أنا هكمّل اللي بدأتيه." وفي اللحظة دي، سمعِت طلقة رصاص من جوه المخزن. وقفت مكانها، جسمها اتجمد، والدموع غرقت وشها. مسحت دموعها بسرعة، وكملت جري ناحية البلد، وهي بتفتح الموبايل وتصور صفحات الدفتر وتنشرها واحدة ورا التانية. قبل ما توصل، جالها إشعار برسالة جديدة: "إنتِ بدأتي حرب يا ليلى." ابتسمت رغم الألم وقالت بصوت ثابت: "خليها تبدأ." إنتِ بدأتي حرب يا ليلى." بس المرة دي، ليلى ما خافتش… ولا حتى فكّرت ترجع ورا. جريت بأقصى سرعتها ناحية مركز الشرطة، والدفتر الأسود في إيدها، ووشها كله جروح ودموع نشفت من كتر التعب. دخلت على مكتب رئيس الشرطة من غير ما تستأذن، ورمت الدفتر قدامه وقالت بصوت مبحوح: "ده كل اللي محتاجه عشان تعرف الحقيقة." فتح الراجل الدفتر بهدوء، وكل ما يقلب صفحة، ملامحه بتتغير… أسماء رجال أعمال، تجار، ضباط، وسياسيين كبار… كلهم متورطين في شبكة فساد وقتل وسرقة. رفع راسه وبصّ لها بصدمة وقال: "عارفة يا ليلى إيه اللي هيحصللك بعد ما ده يتنشر؟" ردت بثبات وعيونها فيها نار: "مش فارق… مش هسكت زي الباقيين، وهكمّل اللي بدأتُه أنا وسلمى." تاني يوم… البلد كلها اتقلبت. الدفتر انتشر على السوشيال ميديا، ومعاه تسجيل صوتي للراجل اللي بالمعطف الأسود، صوته بيرتعش وهو بيقول: "سلمى كانت عارفة… قتلوها عشان كانت ناوية تفضحهم… أنا كنت بمراقبها، أيوه، بس ماقتلتهاش… القاتل كان…" وفجأة ظهر في الفيديو وش القاتل الحقيقي… رئيس البلدية نفسه. الناس اتجننت، والشرطة بدأت تقبض على واحد ورا التاني، رجال أعمال، تجار، ضباط كبار… كلهم اتكشفوا، واتصادرت فلوسهم، واتقفلت شركاتهم. وفي صباح مشمس بعد أيام قليلة، كانت ليلى في المحكمة، واقفة بتتفرج على رئيس البلدية وهو داخل مكبّل بالإصفاد، بيبصلها بنظرة كلها حقد. وقفت ليلى على المنصّة وقالت بصوت ثابت: "إنتو قتلتوا سلمى، بس هي ما ماتتش… الحقيقة بتاعتها هي اللي فضحتكم." صدر الحكم: السجن المؤبد لرئيس البلدية وكل اللي معاه. خرجت ليلى من المحكمة، أخدت نفس عميق من الهوا النضيف، وبصّت للسماء وابتسمت ابتسامة حزينة: "خدتِ حقك يا سلمى." وفي نفس اليوم، استدعاها رئيس الشرطة مكتبه، وقف مبتسم، ومدّ إيده ليها وهو بيقول: "البلد محتاجة ناس شجاعة زيك يا ليلى… لو مشيتِ، مين هيكمّل الطريق؟" ابتسمت ليلى بخفة وقالت: "أنا ما بمشيش… أنا ببدأ من جديد
