خرجت من الحمام و أنا أحمل منشفة أجفف بها شعري، فوضعت يدي على عنقي و تذكرت الوشاح المفضل عندي و الذي أعطته لي جدتي رحمها المولى عندما كنت صغيرة، و الذي خسرته بسبب غبائي و ارتباكي , حين حملته الرياح لمكان لا يعلمه إلا الله .
لقد عدت و أنفاسي لا تكاد تملئ رئتاي لأنني تأخرت فطرقت الباب و لم يجب أحد، فعاودت الكرة لا مجيب، لكن لحسن الحظ ابي دائما يخبئ مفتاح احتياطي تحت المزهرية لحالات الطوارئ مثل هذه، فحملته و فتحت الباب، فإذا به غارق في الظلام، لوهلة ظننت أن يكون هناك لص قد اقتحم البيت و قتلهما أو وحوش متعطشة للدماء، فحتى في هذه المواقف دائما ما يبدأ عقلي بتأليف أفكار خيالية صعبة التصديق.
فنفضت عني هذه الأفكار الطفولية و أشعلت الضوء لينير البيت بأكمله، فجلت ببصري في أنحائه و أنا أتساءل .. أين هما ؟! انها السادسة مساءا لكن لم أعر للأمر إهتماما كبيرا، فذهبت لآخذ حماما ساخنا يزيل عني تعب الطريق و برده و ينعش أوصالي المتجمدة.
و ها أنا ذا أسرح شعري أمام المرآة، وأنا أرى انعكاس وجهي، فأنا لست بفائقة الجمال أو بالقبيحة البشعة، كلمة " عادية " هي الأقرب لوصفي، بشرة خمرية، عينان سوداويتان كبيرتان مع أهداب طويلة، و أنف مدبب و فم صغير، لا شيء مميز، لعل ما يميزني هو شعري الأسود الطويل و المجعد، فدائما ما كنت محط غيرة الفتيات بسببه.. ليس بسببه فقط بل بسبب عاديتي فهم يرونني تلك المميزة الآسرة و هم لا يعلمون بأن تلك الآسرة عاشت وحيدة بقدر ما نبذوها و شعروا بالغيرة منها.
فجأة تسلسل ذلك الغريب لأفكاري، أو كما سميته منقذي الغامض.. أعلم إنني طفولية جدا ! لكن تفاصيله المميزة مازالت راسخة في ذهني كأنني أراه أمامي... تلك التفاصيل التي جعلتني أغرق في عينيه .. أغوص و أغوص لكن لا أمل في النجاة ، تلك العينين التي تجعلك تهتدي بعد ضلالك الدائم و تحيا بعد مماتك الأزلي.. و ذلك الشعر الليلي المصفف بعناية و الذي يجعلك تريد دخوله رغم ظلامه الدامس، و صوته الرجولي العميق الذي أطرب قلبي كل أذني ، كمعزوفة اجتمعت فيها جميع الألحان العذبة، ناهيك عن تفاصيله الأخرى التي لم أنتبه لها ، فما شدني اليه كان صوته و عينيه .
فأنا لم أرى في حياتي شخصا بهذه الهالة القوية و الباردة , فوجهه ليس به تلك الوسامة التي تجعل الرؤوس تدور و القلوب تذوب، لكن به تلك الجاذبية و الغموض الذي يجعلك تريد التعرف على أعماقه و استكشافه مهما كانت الأخطار محيطة به.
ببساطة هو من ذلك النوع الذي يجعلك تخاطر و تضحي بكل شيء لديك في سبيل كلمة أو نظرة منه.
لكنني نسيت أهم شيء أنه غريب، نعم غريب عني، لا أعرف عنه أي شيء سوى ملامحه المميزة، فتلك الثواني جعلتني أعرف أنه ليس بالنوع السهل اللين.. لا أنكر أن وقعه في قلبي كان قويا و مربكاً ، لكن هل من الممكن أن يكون حب من النظرة الأولى؟ لا، لا أظن! بالنسبة لي أعتبره ضربا من الخيال و وهم لا ينفك الساذجون تصديقه ، كيف يمكن للشخص أن يحب الآخر دون معرفة أعماقه الداخلية ، أو بالأحرى من النظرة الأولى.
فالحب بالنسبة لي هو تلك النبضة الأولى و الارتباك الخجول، أنا لا أنكر أن ذلك هو بداية التهاب المشاعر و لهفة القلب.. لكن أن تحب شخصا دون أن تضربك أمواجه العميقة و دون أن تعرف متى تكون تقلبات طقسه فأنت انبهرت بالبحر دون الغوص فيه ،و أنت بعيد كل البعد عنه.
ببساطة ما شدك اليك هو زرقته الدائمة و أمواجه الهادئة التي تسر ناظريك ، أما أعماقه فيدخلها كل محب يريد الاكتشاف و الاستطلاع، لتقبله أو الفرار منه دون رجعة.. فالقرار في الأخير يعود لك.
فما الإعجاب الا الانبهار الأول بالتفاصيل مع تقديس اللحظات العابرة , أما الحب فيكون بين المد و الجزر .. بين الانطفاء و التوهج .. بين بداية الارتباك و التعلق و ما يليها تكون تلك التقلبات الكئيبة بين نسيانٍ صعب و البقاء رغم التعاسة فتقودك في الأخير الى الاختيار بين البقاء ألما أو الهـُروب.
ابتعدت من أمام المرآة و ذهبت للمطبخ لأجد ماذا أعد للعشاء، فأنا أقر بأنني لست مثل بعض الفتيات اللاتي يجدن الطبخ ، فأمي كما كان يقول أبي عنها أنها الأولى في العالم و في قلبه في الطبخ .
لقد كانت دائما تخبرني بأنني يجب أن أتعلم من أجل الزواج بعريس اللقطة ، الا أنني لم أعر للأمر أهمية كبيرة لأنني لست مهتمة لا بالزواج ولا بالحب بحد ذاته , لذا تركت لها هذه المهمة فكل ما استطعت فعله هو مساعدتها و كل ما تعلمته منها هو كيفية إعداد الأرز بالخضار لأنه المفضل عندي، لذا و بما أنهما غير موجودان سأفاجئهما وأطبخ لأول مرة طعامي المفضل.
بعد انتهائي رحت أعد الطاولة و أنا اغني بشجن مع صوت فيروز في اغنية سألتك حبيبي المنبعثة من الراديو القديم .. فأنا لا طالما عشقت فيروز و الأغاني العربية القديمة ، لطالما عشقتها وعشقت معها كل ما هو كلاسيكي و قديم ، الأشعار .. الموسيقى.. و الأشخاص .. و حتى الحب نفسه, فالحب قديما كان يقتصر على تلك الرسائل المكتوبة بحروف اللهفة لتكون شاهدة على حكايات الحب جميعها، السعيدة منها و التعيسة، الخيالية منها و الواقعية.. كأنه الشاهد الوحيد على جريمة تسمى " الحب " .
تلك الرسالة التي ما ان يفتحها العاشق حتى تلمسه تلك الرائحة المليئة بالشجن و الحنين ، فتُقرأ تلك الكلمات بالقلب قبل العين، فتكتمل الجريمة ما ان تصل المشاعر و تستقر في المكان الذي تنتمي إليه من الاول ،فيسكت العقل و يسكت كل شيء، إلا واحد لا شريك له ، واحد له كل الحق في الكلام، واحد هو مخطط الجريمة الكاملة و هو المسبب و السبب الوحيد الذي تحيا به الحياة.
فالعاشق يعد على اصابع يديه و قدميه و الثواني و الدقائق و الساعات و حتى أشهر لرؤية وجه من نبض له القلب عشقا لمدة لا تتعدى دقيقة .. ثواني و ساعات و أشهر من الشوق و الانتظار لتلك الدقيقة.. دقيقة يتجدد فيها الحب مع سيمفونية عالية يلحنها القلب .
هكذا كانت معادلة حب الزمن الجميل .
اما حب الحاضر فهو شيء آخر، شيء بعيد كل البعد عن الجمال و الحنين، تلك الرائحة التي دخلت عليها تكنولوجيا الهاتف لتقلص المسافات البعيدة ،والتي استولت على رائحة الشوق .. لا وجود للعد، و لا للانتظار، و لا للحب، العد ذهب مع ذهاب الحب و الشوق ذهب مع ذهاب الانتظار المؤلم ، فكل شيء متاح في هذا الزمن حتى الرسائل الورقية اختفت و تم استبدالها بذلك الجهاز الذي يسمى الهاتف و الذي جعل الحب يتنفس أنفاسه الأخيرة و يحتضر تحت ما يسمى تكنولوجيا.
و كما كان الحال فقد استوطن على الحب و جعله روتيني مليء بالملل.
فالحب يكمن في حماسة البدايات و ذكاء المسافة ، أن تجعل كل شيء في وقته جميلا و ذو قيمة ، أن لا تتحمس كثيرا فتفقده و ألا تقترب كثيرا فتحترق ، و ألا تبتعد كثيرا فتنطفئ.
في المنتصف بين حماسة التوهج و الإنطفاء .
انتهيت من اعداد الطاولة ثم ذهبت و وقفت أمام النافذة و أنا أستمع إلى صوت قطرات المطر و هبوب الرياح القوية، فانتبهت الى رجل غريب مار يهمهم بكلمات غير مفهومة ، غير مبالي لا بالمطر و لا بالرياح و لا حتى بالقطط التي تحوم حوله طلبا الطعام، غريب أمر هذا الرجل كيف أنه غير مبالي هكذا ، أم أنه فقد الشعور بكل من حوله؟ فحتى تلك القطرات لم ترحمه و جعلت من الرياح بردا هز أوصاله هزا. مسكين اتمنى ان يجد مكان يحتمي فيه .
فصرفت نظري لأضواء السيارات العابرة التي تأتي و تذهب غير عابئة بالسيول القوية و لا الرياح العاتية ، و أنا أشاهدها و أتمنى من كل قلبي ان تكون احداهما سيارة والديَّ.. فابتعدت من أمام النافذة، و رحت أشغل نفسي بتنظيف و ترتيب البيت محاولة مني لعدم التفكير.
و بعدها لم أشعر الا و انا احمل هاتفي و أتصل بأمي ، فإذا به يرن و أنا أنتظر و أتمنى أن يجيبني الصوت المحبب لقلبي فإذا بأمنيتي تجاب و سمعت صوتا يعادل صوت أجمل الأشياء :
- زهرتي.
- أمي لماذا تأخرتما ! إنها السابعة مساءا . قلتها بصوت حاولت جاهدة اظهاره طبيعيا قدر المستطاع.
- أعلم يا توليب فأنا و والدك كنا في الشركة و كان لدينا عمل ضروري و نحن في طريقنا .
- اااه اذا سأنتظركما على العشاء يا امي لا تتأخرا ، و ابلغي سلامي لأبي .
- حسنا يا زهرتي اهتمي بنفسك و كوني بخير.
- حسنا يا امي و قودا بحذر فالمطر شديد.
***
ان أكثر الأشياء ارباكا هي متابعة دقات الساعة وهي تتحرك بحركة رتيبة روتينية تتابعها و أنت تنتظر المجهول, فتنتظر و تتمنى أن يظهر لك اي منفذ ليخرجك من افكارك التي تتدفق كتدفق المياه الجارية.
فمنذ حديثي مع امي و أنا تارة أتابع دقات الساعة و تارة اخرى النافذة المطلة على الطريق، و بين هذا و ذاك انقضت ساعة و دقيقة، فدوامة القلق و الأفكار السيئة بدأت تعصف بعقلي وصولا لقلبي، فأبت أن تفارقني كظلي الملتصق ، فحملت هاتفي و اتصلت بأمي فإذا بها تلك الغبية تخبرني أن الهاتف خارج نطاق التغطية، حسنا! ربما فصل شاحنه و انطفأ، سأتصل بأبي ، لكن تلك الغبية أخبرتني نفس الجواب . اهدئي يا توليب ! حتما من الممكن أنه انطفئ أو هما في مكان لا يوجد به تغطية و من الممكن أن عملا آخر مهم قد طرأ ، لا تقلقي ،لكن هيهات فكلماتي لم تستطع مواساة قلبي فكان وقعها أشبه بالتحدث لشخص أصم، لماذا تأخرا؟!
فمن المفترض أن يتصلا و يخبرانني ، فأخذت الأفكار تعمل عمل السحر داخلي تأتي و تذهب دون مفارقتي و سيئها أكثر من جيدها.. فكانت القشة التي أفاضت قلقي حين وصلت لنهاية الأفكار بحدوث شيء لهما، فطفقت لبالي فكرة أن أذهب إلى هناك ، لكنني استبعدتها اولا خشية ان يأتيا و لا يجدانني و ثانيا لسوء الطقس و غزارة مطره .
يا إلهي ما العمل أكاد اجن !
فأنا لا أعلم كم مر من الوقت و أنا في مكاني لا اتحرك وحدها افكاري من كانت تجوب و تعصف داخلي, هل مرت دقيقة أم ساعة ؟ لماذا أشعر ان الوقت يمر ببطيء؟ و لماذا أشعر أن الدقائق ساعات و أن الساعات أشهر، و الأشهر أعوام فما بالي و ما بال الوقت لا يمر و أنا على حافة الجنون لا أتقدم و لا أتراجع في المنتصف لا أدري ماذا أفعل.
كل شيء أصبح باهت و عقلي يدور و يدور دون التريث لثانية، و جميع الأحداث تقفز الى ذهني دون أن تعطيني فرصة للتنفس, في المنتصف أنا تحاوطني أفكاري و أسئلتي البعيدة مع عقلي المضطرب الذي كاد يأخذني لحافة الجنون لولا أنني استجمعت شتات نفسي ، فأنا لم و لن أستسلم لها .
فعادت لي تلك الفكرة الأولى في الخروج و البحث عنهما، لا أعلم أين بالضبط لكنني يجب أن أفعل شيء فأنا لن أقف مكتوفة الأيدي !
فنهضت و ارتديت ملابسي و حملت المظلة و خرجت للبحث ، نعم خرجت في الليل أمشي في الطرقات الكئيبة التي كانت خالية من أي كائن حي ، وحدها القطرات من كانت ترتطم بها و بمظلتي برفق، فلم أعلم إلى أين أذهب بالتحديد، لكن الذي أعلمه أنني لو بقيت دقيقة واحدة سأفقد عقلي من التفكير ، فرحت أجوب الطرقات الخالية ليلا علي أجدهما ، مشيت و مشيت حتى وجدت نفسي أمام مركز الشرطة ، فرحت أفكر هل أقدم بلاغ أم لا ؟ فحسمت أمري و دخلت يجب أن أفعل شيئا ما!.
***
-مرحبا أود أن أقدم بلاغ اختفاء .
قلتها و أنا بالكاد أستطيع التقاط أنفاسي ، و بالكاد أيضا أحافظ على هدوئي وعلى نبضات قلبي ،فسمعت صوت رجل يقارب للخمسين يتمتم :
- من الذي ستبلغين عنه ؟
- سأبلغ عن اختفاء والديَّ ، أرجوك يا سيدي أن تساعدني فأنا لا أعرف ما الذي أفعله أو سأفعله.
هنا فقدت رباط جشأي و بدأت أتحدث بهيستيرية ،لا أعلم لماذا لكنني أشعر أن شيء سيئ قد حصل لهما.
- يا آنسة اهدئي ارجوكِ و أخبريني لماذا تريدين التبليغ عنهما . فشرعت احكي له منذ لحظة تحدثي معهما وصولا لهنا.
- اسمعي يا آنسة من المحتمل ان يكونا قد تأخرا بسبب زحمة المرور أو ان لهما طريق آخر لا تقلقي .
- أنا أعلم لأنني وضعت كافة الاحتمالات الممكنة ، لكن لماذا هاتفهما مغلق ؟ أنا أعلم والديَّ فهما دائما يتصلان ليطمئناني فهما يعلمان انني حساسة و قلقة جدا فعقلي لا يكف عن تأليف مشاهد سيئة ، عوضا عن انني خائفة عليهما ، فماذا تريدني ان أفعل ، فهذا هو الحل الوحيد الذي وجدته امامي .
- أنا اعلم يا انسة انك خائفة، فمن الممكن ان يكونا في مكان لا يوجد فيه تغطية ، فكل شيء وارد الآن لكن اعلمي اننا لا نستطيع تقديم بلاغ و التحرك الا بعد مرور ٢٤ ساعة هذه هي القواعد.
فأطرقت رأسي بأسى و أنا أشعر أنني سأبكي في اي لحظة.
- لا تقلقي يا أنسة سيكونان بخير ، اعطيني رقم هاتفك و اذا حدث شيء سأتصل بك .
فخرجت و أنا أجر أذيال الخيبة في طريقي للمنزل ، منكسة الرأس و دموعي تهدد بالسقوط و ما زادها الا المطر الغزير الذي يرتطم بالمظلة بقوة ، فرفعت رأسي للسماء و بحركة سريعة و برضى تام أنزلت مظلتي و المطر يربت على رأسي كأنه يخبرني بأنني لست وحدي و أنه لأجلي ، صحيح بأنني ابدو كالمختلة تماما لكن شعور بأنه هناك من معي رغم غربة الطريق و برده أشعرني لا اراديا بالدفء , فالبرغم من البرد القارص و الرياح القوية إلا أنني كنت ممتنة لأن الطقس و على الأقل يشبهني.
دخلت للمنزل و المطر كان قد نال مني, فذهبت مسرعة لأغير ملابسي و لمحت المائدة و الارز الذي طبخته لأول مرة و قلبي يواصل انقباضاته, و الخوف كان قد تمكن مني كل التمكن فلم أعد أعرف هل اصدقه ام افنده ككل مرة .
لكن هذه المرة كان هناك شيء داخلي يخبرني أن هذه المرة مختلفة .. حتما مختلفة .
ثم ذهبت الى مكاني المفضل في غرفتي و الذي اطل عليه على الشارع الكئيب اترقب و افند كل دقة في قلبي و أنا أتابع بعينين ملتاعتين اثرهما المختفي و كلي انتظار لكن ما الذي أنتظره بالتحديد؟ امي و ابي ؟ ام فرحة رؤيتهما ؟ام ارتياح عدم تحقق شعوري المقلق ؟ ام عذاب سيغير حياتي و يقلبها رأسا على عقب ؟ .
قطع حينها شرودي صوت الهاتف فحملته بلهفة متوقعة أنهما والدي فرأيت أن الرقم غير مسجل ، فتعجبت للحظة لأنه نادرا ما يتصل بي رقم غير مسجل .
-الوو!
- هل معي ابنة السيدة ياسمين و فخر الدين ؟
فأجبت و التعجب و الخوف قد طغى على صوتي و جعله مهتزا هامسا:
- نعم أنا هي ، لكن من انت ؟
-لقد أخبرتك أنه إذا حدث شيئا لوالديك سأتصل بك .
فتذكرت ذلك الشرطي الذي أعطيته رقمي ، فقلت بلهفة و قلق بنفس الوقت :
- اااا اذا انت هو الشرطي من المرة الماضية ، هل لديك اخبار عن والدَّي ؟.
فسكت لبرهة قبل أن يقول ما كانت دقات قلبي تخبرني به :
-يؤسفني أن أخبرك أنه حدث لهما حادث مرور و هما الآن في العناية المركزة .
و بعدها فقدت الإحساس بكل شيء ، لم أشعر لا بصوت الرجل في الهاتف و لا بقلبي ، و لا بصوت الرياح و الأمطار لم أشعر بشيء إلا و الأرض تميد بي و بظلام يحيط بي من كل جانب و بصوت ذلك الشرطي يتردد من بعيد .
- آنستي هل أنت بخير .؟!
***
شعاع شمس لطيف تسلل ببطء و أخذ يداعب وجهي برفق ، ففتحت عيني قليلا و اذا بصداع قوي يداهمني و بألم حاد في رقبتي وفي ظهري ، فتحاملت على نفسي و نهضت و أنا لا أتذكر أي شيء ، فتساءلت أين انا؟ و لماذا أنا نائمة هنا؟, فتذكرت ذلك الكابوس الذي راودني ليلة أمس، و الذي كان قريبا للواقع أكثر من كونه حلم.
فلمحت المكان حولي فإذا بي أجد اول أرز طبخته في حياتي و الذي كان في الحلم ولاحظت أن ملابسي نفسها أيضا ، لحظة واحدة ! ..هل يعقل أن ؟!! ، فنظرت للهاتف المنطفئ بجانبي و حملته فإذا ببطاريته نفذت ، فذهبت سريعا و وضعته على الشاحن لأتأكد إذا كان الكابوس حقيقة أم لا، فذهبت إلى قائمة الاتصال، لأجد أن آخر من اتصل بي كان رقم غير مسجل و عدد المكالمات منه تجاوزت العشرة فعاودت الاتصال به و بأيدي مرتعشة ضغطت على زر الاتصال و كلي ترقب و انتظار فاذا بصوت رجل اجش يقول لي :
- آنستي هل أنت بخير ؟
- من أنت؟! .. هل تعرفني ؟
- اهدئي قليلا و اسمعيني هل تتذكرين ماذا حدث بالأمس؟
- هل هناك شيء يجب أن أتذكره و الأهم من أين أتيت برقم هاتفي ؟
- آنستي هل تتذكرين الشرطي الذي أتيت إليه للإبلاغ عن والديك ؟
فرحت أسترجع ذاكرتي فبدأت الصورة تتضح شيئا فشيئا و الكابوس بدأ تجسد أمامي فقلت بصوت مهزوز و مرتعش :
- هل تخبرني أن و الد...
- للأسف حالتهما خطيرة و هما الآن في العناية المركزة ، أنا أعلم أنك في صدمة الآن، لكن إهدئي قليلا .
ما الذي يقوله هذا المعتوه، كيف يخبرني أن أهدأ ؟! ، كيف يخبرني و عقلي لحد الساعة لم يتقبل الفكرة بعد ؟ كيف و هما الوحيدان المتبقيان لي و الآن يصارعان الموت و الحياة ، كيف يخبرني هذا الغبي أن أهدأ و قلبي يأبى الهدوء .
لكنني في الاخير تحاملت على نفسي و صمدت أمام الأهوال التي ضربت قلبي دفعة واحدة فلملمت شتات روحي و قلت له بصوت خالي من الحياة :
- في أي مستشفى ؟.