اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

رواية الرجل الذي وصل مبكرًا جدًا (مكتملة)

جاري التحميل...

الرجل الذي وصل مبكرًا جدًا

يجد إيثان نفسه مقذوفاً في متاهة مرعبة من الأكوان المتداخلة والممزقة، حيث قوانين الفيزياء تنهار، والموت لم يعد النهاية. يطارده كيان كوني يعتبره سرطاناً يجب استئصاله، وصديق قديم يرى أن الإبادة الجماعية لأكوان كاملة هي "الحل الطبي" الوحيد، وامرأة مقاتلة غامضة تظهر في كل خط زمني، إما لتقتله... أو لتنقذه.

تحميل الفصول...
المؤلف

لدينا جميعاً تلك اللحظة... اللحظة التي نتمنى لو عاد بنا الزمن لتغييرها، مهما كان الثمن.

ولكن، هل سألت نفسك يوماً: لماذا يغلق الكون أبواب الماضي بإحكام؟

ربما هذا المنع ليس قسوة... بل رحمة.

لأنك حين تفتح باباً كان يجب أن يظل مغلقاً للأبد، قد تكتشف أن ما يقبع خلفه... أسوأ بكثير من ندمك.

***

3:17 فجراً.

الأرقام الحمراء في المنبه الرقمي بجانب رأسي تحفر طريقها إلى شبكية عيني، متوهجة كجمرٍ يرفض أن ينطفئ.

رمشتُ ببطء، محاولاً طرد الغشاوة العالقة في ذهني، وتنفستُ بعمق.

رائحة الغرفة كانت مزيجاً من القهوة الباردة المنسية منذ أيام، والغبار الذي بدأ يستوطن الأرفف، ورائحة أخرى خفيفة... رائحة تشبه الأوزون المحترق، كتلك التي تخلفها الصواعق بعد ضرب الأرض.

جلستُ على حافة السرير.

ملمس الملاءة الباردة تحت كفي جعل قشعريرة تسري في عمودي الفقري.

مددتُ يدي لألتقط كوب الماء، لكن أصابعي توقفت في منتصف الطريق.

السكون في الغرفة لم يكن طبيعياً.

ليس هدوء ما قبل الفجر المعتاد في هذه المدينة الصناعية الكئيبة، حيث تسمع عادةً همهمة الشاحنات البعيدة أو صوت الثلاجة القديمة في المطبخ.

لا، هذا كان صمتاً مطلقاً. وكأن الهواء نفسه قد تحجر.

نظرتُ إلى المنبه مرة أخرى.

03:17.

نهضتُ وسرتُ نحو النافذة.

الشارع بالأسفل غارق في الظلام، أعمدة الإنارة مطفأة، ولا توجد سيارة واحدة تعبر.

انتظرتُ دقيقة، ثم دقيقتين.

عدتُ بنظري إلى المنبه.

ما زالت 03:17.

إيثان: هل نفدت البطارية؟

صوتي خرج مبحوحاً، خشناً، وكأنه لم يُستخدم منذ دهر.

سحبتُ سلك المنبه من الكهرباء، متوقعاً انطفاء الشاشة.

لكن الأرقام ظلت مضيئة، ثابتة، ساخرة.

03:17.

تراجعتُ للخلف، فاصطدم كعبي بطرف السجادة وكدتُ أختل.

قلبي بدأ يضرب بقوة في صدري، ضربات متسارعة، عنيفة، أسمع صداها في أذني.

هذا ليس عطلاً كهربائياً.

هذا شيء آخر.

شيء كنتُ أخشاه وأبحث عنه في آنٍ واحد منذ أن فقدتُهما.

رنّ الهاتف.

لم يكن هاتفي المحمول.

كان الهاتف الأرضي القديم المعلق في الردهة، ذلك الجهاز المغطى بالغبار الذي لم يرن منذ عامين، منذ تلك الليلة المشؤومة التي تلقت فيها زوجتي المكالمة الأخيرة قبل خروجها.

الرنين كان عالياً، حاداً، يمزق سكون الشقة وكأنه صرخة ميكانيكية.

سرتُ نحوه بخطوات مرتعشة.

يدي امتدت لرفع السماعة، العرق البارد يتجمع في باطن كفي.

رفعتُ السماعة ووضعتها على أذني ببطء، وأنا أحبس أنفاسي.

الصوت: لا تفتح الباب يا إيثان.

تجمدتُ في مكاني.

الدم هرب من وجهي.

الصوت كان مألوفاً لدرجة مرعبة.

نفس نبرة الصوت، نفس التردد، نفس البحة الخفيفة عند نطق الحروف الساكنة.

إنه صوتي.

لكنه... أكبر سناً.

أثقل.

محملٌ بتعب سنوات لا أعرفها.

إيثان: من... من يتحدث؟

الصوت: استمع إليّ جيداً.. الزمن لم يتوقف، الزمن انكسر.. أنت الآن تقف على الحافة.. إذا فتحت الباب، ستنتهي قبل أن تبدأ.. انظر في المرآة.

انقطع الخط.

عادت نغمة الحرارة المعتادة، لكنها بدت مشوهة، بطيئة، كأنها تأتي من تحت الماء.

أعدتُ السماعة إلى مكانها ويدي ترتجف بعنف لدرجة أنني لم أستطع تثبيتها من المرة الأولى.

انظر في المرآة.

تحركتُ نحو الحمام في نهاية الردهة.

باب غرفة ابنتي المغلقة كان على يميني.

وقفتُ أمامه لحظة.

مقبض الباب عليه طبقة خفيفة من التراب.

لم أمتلك الجرأة لفتحه منذ الحادث.

وضعتُ جبهتي على خشب الباب البارد.

الألم القديم، ذلك الثقب الأسود في منتصف صدري، بدأ يتوسع.

إيثان: أنا أفقد عقلي، العزلة نالت مني أخيراً.

دخلتُ الحمام ووقفتُ أمام الحوض.

رفعتُ رأسي لأنظر إلى المرآة الملطخة ببقع معجون الأسنان القديمة وبخار الماء.

رأيتُ وجهي.

شاحب، هالات سوداء غائرة تحت العينين، لحية غير مشذبة غزتها شعيرات بيضاء لم تكن موجودة بالأمس.

رفعتُ يدي اليمنى لألمس خدي في الانعكاس.

لم تتحرك اليد في المرآة.

شهقتُ وتراجعتُ للخلف مصطدماً بالحائط خلفي.

أنفاسي تلاحقت بصوت مسموع.

في المرآة، كنتُ لا أزال واقفاً ويداي مسبلتان لثوانٍ كاملة.

ثم، ببطء شديد، رأيتُ انعكاسي يرفع يده ليلمس خده، بتأخير زمني مرعب.

التأخير كان ثانية كاملة، وربما أكثر.

إيثان: هذا مستحيل... مبدأ السببية... الضوء...

عقلي الفيزيائي بدأ يعمل تلقائياً، محاولاً إيجاد معادلة تبرر ما يحدث.

سرعة الضوء ثابتة.

الانعكاس يجب أن يكون فورياً في هذه المسافات.

إلا إذا... إلا إذا كان الضوء نفسه يواجه مقاومة.

أو أن الزمن في هذه الغرفة لم يعد خطاً مستقيماً.

خرجتُ من الحمام مسرعاً، متجهاً نحو المختبر.

تلك الغرفة التي كانت يوماً ما غرفة المعيشة، والآن تحولت إلى مقبرة للأجهزة الإلكترونية، واللوحات المليئة بالمعادلات، والأسلاك المتشابكة مثل أمعاء وحش ميكانيكي.

في وسط الغرفة، كان جهازي المبتكر Chronos-1.

هيكل معدني قبيح، مجمّع من بقايا مسرعات جزيئية وأجهزة خردة اشتريتها من السوق السوداء.

المؤشرات كلها كانت في المنطقة الحمراء.

الشاشات تعرض بيانات تتدفق بسرعة جنونية.

جلستُ أمام الحاسوب.

أصابعي تطايرت فوق لوحة المفاتيح.

إيثان: قراءات طاقة بيتا تتجاوز الحدود القصوى.. التمزق المحلي يتوسع.

فجأة، طفا قلم الرصاص الذي كان بجواري في الهواء.

ارتفع ببطء، دار حول نفسه دورة كاملة، ثم تفتت إلى نشارة خشب وجرافيت ناعم سقط على الأرض. الجاذبية تتذبذب.

القوانين الأساسية للكون تتفكك في شقتي.

تذكرتُ كلمات ماركوس هيل، شريكي السابق، قبل أن نفترق.

ماركوس: أنت تلعب بالنار يا إيثان.. الحزن يعميك.. لا يمكنك استعادتهم بكسر القوانين التي تحكم الوجود.

إيثان: (مخاطباً الفراغ) لكنك كنت مخطئاً يا ماركوس.. أنا لم أكسرها فقط... أنا حطمتها.

صوت طرقات على الباب الرئيسي.. طرقات قوية، واثقة.

نظرتُ نحو الباب.

الصوت في الهاتف قال لا تفتح الباب.. لكن الطرقات استمرت.

الغريب: إيثان كول! نعلم أنك في الداخل.. افتح الباب، ليس لدينا وقت!

الصوت غريب، لكنه يحمل نبرة آمرة.

اقتربتُ من العين السحرية ونظرت.

ما رأيته جعل ركبتي تخذلاني.

الممر الخارجي لم يكن ممر البناية المتهالك الذي أعرفه.

الجدران كانت مصنوعة من معدن لامع ونظيف، والإضاءة كانت زرقاء معقمة.

والرجل الواقف بالخارج يرتدي بزة عسكرية سوداء لا تحمل أي شعارات، لكن وجهه... وجهه مغطى بقناع زجاجي يعكس صورة باب شقتي المتهالك بشكل مشوه.

تراجعتُ.

لم أفتح الباب.

بدلاً من ذلك، ركضتُ نحو الجهاز.

إذا كان هذا العالم ينهار، أو إذا كان شخص ما يحاول اختراقه، فلن أنتظر هنا لأكون الضحية.

وضعتُ يدي على القاطع الرئيسي للجهاز.

إيثان: إذا كان الزمن قد انكسر... فلندخل عبر الشقوق.

رفعتُ القاطع.

صوت طنين هائل ملأ الغرفة، ارتفع حدته حتى أصبح صفيراً يخترق الجمجمة.

الضوء الأبيض انفجر من قلب الجهاز، مبتلعاً الأثاث، الجدران، وحتى جسدي.

لم أشعر بالألم.. شعرتُ بالسقوط.. سقوط لا نهائي في بئر بلا قاع.

رأيتُ ومضات من حياتي تمر أمامي، لكنها لم تكن ذكرياتي.

رأيتُ نفسي أرتدي معطف طبيب في غرفة عمليات.

رأيتُ نفسي متسولاً في شارع ممطر.

رأيتُ نفسي أحمل سلاحاً وأطلق النار على شخص يرجوني ألا أفعل.

ذكريات... ليست لي، لكنها ملكي.

ثم، الارتطام.

فتحتُ عيني.

كنتُ ممداً على أرضية صلبة وباردة.

الهواء هنا مختلف.

رائحته تشبه المعدن والدم.

نهضتُ بصعوبة، جسدي كله يؤلمني وكأنني سقطت من طابق عاشر.

تحسستُ وجهي، أطرافي... كل شيء سليم.

نظرتُ حولي.. أنا لست في شقتي.. ولست في المختبر.

كنتُ أقف في زقاق ضيق، السماء فوقي ليست سوداء، بل رمادية ثقيلة، وسحب كثيفة تحجب أي ضوء للنجوم أو القمر.

المباني شاهقة الارتفاع، ناطحات سحاب بتصاميم قوطية مرعبة، تتصل ببعضها بجسور معلقة.

أضواء النيون الحمراء والبنفسجية تنعكس على الأرضية المبللة.

خرجتُ من الزقاق إلى الشارع الرئيسي.

صدمة حضارية ضربت عقلي.

السيارات تطير على ارتفاع منخفض، لكنها ليست سيارات أنيقة، بل مركبات ضخمة ومصفحة تنفث دخانًا كثيفًا.

الناس في الشوارع يرتدون ملابس رثة وكمامات واقية من الغاز.

شاشات عملاقة على واجهات المباني تعرض وجه رجل واحد... رجل يخطب في الجموع بصوت جهوري.

رفعتُ رأسي لأنظر إلى الشاشة العملاقة.

الرجل في الشاشة كان يرتدي بدلة رسمية فاخرة، وعيناه تشعان قوة وسلطة.

دققتُ النظر في ملامحه.. الأنف المعقوف قليلاً، الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر، طريقة زم الشفاه عند الصمت.

إيثان: لا... هذا لا يعقل.

الرجل الذي يحكم هذا العالم، الرجل الذي تملأ صوره كل زاوية، هو أنا.

إنه إيثان كول.. لكنه ليس العالم الفيزيائي المحطم.. إنه زعيم.

شعرتُ بيد ثقيلة توضع على كتفي من الخلف.

التفتُ بسرعة، جاهزاً للدفاع عن نفسي.

كان رجلاً ضخماً، يرتدي معطفاً طويلاً وقبعة تخفي عينيه.

الرجل الضخم: أنت لست من هنا، أليس كذلك؟

إيثان: كيف عرفت؟

أشار الرجل بإبهامه نحو الشاشة العملاقة حيث يظهر إيثان الآخر وهو يلقي خطابه، ثم نظر إليّ بابتسامة ساخرة كشفت عن أسنان صفراء.

الرجل الضخم: لأن الحاكم لا يتجول في المناطق السفلية بملابس النوم، ولأنك تنظر إلى العالم وكأنك طفل يرى النار لأول مرة.. تعال معي إذا كنت تريد أن تعيش لأكثر من خمس دقائق.. دوريات التطهير قادمة.

قبل أن أتمكن من الرد، سمعتُ صوت صفارات إنذار مرعبة تقترب.

لم تكن صفارات شرطة عادية، بل صوت وحشي يشبه عواء الذئاب الميكانيكية.

نظرتُ إلى الرجل، ثم إلى الشاشة، ثم إلى الشارع المظلم.

لم يكن لدي خيار.

ركضتُ خلفه.

وهكذا، بدأت رحلتي في عالم حيث وجهي هو رمز الرعب.

***

أنفاسي كانت تخرج كبخار ساخن يمتزج بالضباب الكيميائي الأصفر الذي يغلف المدينة.

الركض خلف الرجل الغريب لم يكن خياراً، بل ضرورة حتمية للبقاء.

الأرض تحتنا تهتز بشكل إيقاعي، ليس زلزالاً، بل وقع أقدام آلية ثقيلة تضرب الأسفلت في الشارع الموازي.

الرجل الغريب دفعني بقوة داخل فتحة صرف صحي جانبية، ثم سحب الغطاء المعدني فوقنا بسرعة مذهلة.

الظلام ابتلعنا، ورائحة الرطوبة والعفن والزيت المحروق ملأت رئتي.

الرجل الغريب: اصمت.. إذا سمعت المستشعرات دقات قلبك المتسارعة، سننتهي.

وضعتُ يدي على صدري لا شعورياً، أحاول كتم الصوت الذي بدا لي وكأنه طبول حرب تقرع في جمجمتي.

فوقنا، صوت الأقدام المعدنية يقترب.

أزيز محركات هيدروليكية، وصوت مسح ضوئي تزززت... تزززت يمسح الرصيف بحثاً عن أي حياة غير مصرح بها.

مرت الدقائق كساعات.

عندما ابتعد الصوت، أشعل الرجل الغريب عود ثقاب، فانبعث ضوء برتقالي خافت أضاء وجهه المليء بالندوب.

إيثان: من أنت؟ وما هذا المكان؟

الرجل الغريب: (ينفث دخان سيجارة رخيصة أشعلها للتو) السؤال الأهم يا سيد كول... هو كيف تمكنت من الدخول إلى المنطقة المحرمة بملامحك هذه دون أن يتم قنصك فوراً؟ أنت تحمل وجه المهندس.. وجه الحاكم.

إيثان: الحاكم؟ تقصد الشخص الذي يظهر على الشاشات؟

الرجل الغريب: (يضحك بمرارة) الشخص الذي بنى هذا السجن الكبير وسماه المدينة الفاضلة. انظر، لا يهمني من تكون، ربما أنت مستنسخ هارب، أو توأم مجنون. لكنك تذكرتي للخروج من هذا الجحيم. الحراس سيأخذونك إليه عاجلاً أم آجلاً. وعندما يفعلون...

لم يكمل جملته. الجدار خلفنا انفجر. ليس انفجاراً نارياً، بل موجة صوتية صامتة فتتت الطوب وحولته إلى غبار. قبل أن أستوعب ما يحدث، كانت أضواء ليزر حمراء تتركز على جبيني وجبين رفيقي.

رجال يرتدون دروعاً سوداء مصقولة كالمرايا اقتحموا المكان.

لا وجوه لهم، فقط خوذات ملساء.

أحدهم تقدم نحوي، وبحركة خاطفة، غرز حقنة في رقبتي. العالم تمايل. السقف أصبح أرضاً، والأرض سماءً. آخر ما سمعته كان صوت الجندي عبر مكبر الصوت في خوذته.

الجندي: الهدف تم تأمينه. المهندس ينتظره.

استيقظتُ وأنا مقيد إلى كرسي جلدي فاخر.

الرائحة هنا مختلفة تماماً. لا توجد رائحة عفن أو زيت. رائحة خشب الصندل، وعطر باهظ الثمن، وبرودة تكييف مركزي تجعل الهواء نقياً بشكل مصطنع.

فتحتُ عيني ببطء. كنتُ في غرفة واسعة، جدرانها زجاجية بالكامل، تطل على المدينة من ارتفاع شاهق.

من هنا، لا يبدو البؤس في الأسفل واضحاً. فقط أضواء النيون التي ترسم خرائط هندسية دقيقة، وحركة المرور الطائرة المنتظمة كدورة دموية في جسد ميت.

أمامي، كان يقف رجل يعطيني ظهره، يتأمل المدينة. يرتدي بذلة رمادية مفصلة بعناية، شعره مصفف بإتقان، وفي يده كأس كريستالي به سائل كهرماني.

إيثان: هل أنا... هل أنا ميت؟

استدار الرجل ببطء. كان ينظر إليّ. أو بالأحرى، كنتُ أنظر إلى نفسي، لكن بعد إزالة كل ذرة ضعف، كل ذرة ندم، وكل ذرة إنسانية.

عيناه باردتان، صافيتان، خاليتان من الهالات السوداء التي لازمتني لسنوات. بشرته نضرة، ووقفته مستقيمة كعمود رخامي.

إيثان الآخر: (يبتسم ابتسامة لا تصل لعينيه) الموت فكرة بدائية يا إيثان. نحن تجاوزنا الموت منذ زمن. مرحباً بك في إيثوبيا. أو كما أحب أن أسميها... النسخة التي نجحت.

تقدم نحوي، وضع الكأس على طاولة زجاجية، وجلس على حافة مكتبه، يتفحصني كما يتفحص عالم حشرة غريبة تحت المجهر.

إيثان: أنت أنا. لكن... كيف؟ الزمن...

إيثان الآخر: الزمن ليس نهراً كما علمونا في الجامعة. الزمن محيط. وأنت مجرد غريق سبح إلى شاطئي بالخطأ. أنت تتساءل الآن: أين سارة؟ أين إيميلي؟.

بمجرد نطق أسماء زوجتي وابنتي، شعرتُ بغليان في دمائي. حاولتُ فك القيود، لكن الجلد كان قوياً.

إيثان: أين هما؟ إذا كنت النسخة الناجحة، فلا بد أنك أنقذتهما! لا بد أنهما هنا!

ضحك إيثان الآخر. ضحكة هادئة، مهذبة، ومستفزة لأقصى حد. نهض وسار نحو الحائط الزجاجي، ضغط زراً فانفتح جزء من الحائط ليدخل هواء المدينة الملوث قليلاً.

إيثان الآخر: أنقذتهما؟ يا لك من ساذج. في كونك، ماتتا في حادث سيارة لأنك كنت مشغولاً بعملك، أليس كذلك؟ هنا... أنا من قتلهما.

تجمد الدم في عروقي. الكلمات نزلت عليّ كالصاعقة.

إيثان: ماذا... تقول؟

إيثان الآخر: (ببرود قاتل) كانا العائق. سارة كانت تريدني أن أتوقف عن أبحاث المادة المظلمة. كانت تريد حياة طبيعية. وإيميلي... كانت مريضة، ضعفها كان يشتت تركيزي. لكي أبني هذا العالم، لكي أفرض النظام على الفوضى، كان يجب أن أتخلص من كل ما يجعلني بشرياً وضعيفاً. قطعتُ الفرامل بنفسي.

صرختُ. صرخة قهر ويأس وغضب، صرخة رجل يرى أسوأ كوابيسه يتجسد في لحم ودم.

إيثان: أنت وحش! أنت لست أنا! أنا لم أفكر يوماً في إيذائهما!

إيثان الآخر: (يقترب مني حتى أصبح وجهه ملاصقاً لوجهي) بلى، فكرت. في تلك الليالي التي كنت تتمنى فيها لو يتركونك وحدك لتعمل. الفرق بيني وبينك، يا عزيزي، هو أنني امتلكت الشجاعة لأحول الفكرة إلى فعل. والنتيجة؟ انظر حولك.

أشار بذراعيه إلى المدينة الممتدة تحته.

إيثان الآخر: لا توجد حروب هنا. لا توجد جريمة عشوائية. الجميع لديه دور. الجميع لديه وظيفة. النظام كامل. نعم، قد يختفي بضعة آلاف في عمليات التطهير الشهرية، لكن الملايين يعيشون في أمان. لقد قايضتُ الحرية بالأمان، والحب بالقوة. ونجحت.

إيثان: هذا ليس نجاحاً... هذا قبر كبير وأنت حارسه.

تغيرت ملامح إيثان الآخر. اختفت الابتسامة المصطنعة، وحل مكانها غضب بارد.

سار نحو مكتبه وفتح درجا، أخرج منه مسدساً فضياً بتصميم غريب، فوهته تشع بضوء أزرق خافت.

إيثان الآخر: مشكلتك، ومشكلة كل النسخ الأخرى التي جاءت قبلك، أنكم عاطفيون. تأتون إلى هنا، تطلقون أحكامكم الأخلاقية، ثم تحاولون إصلاحي. أنت زائد عن الحاجة يا إيثان. وجود نسختين في نفس الحيز الزمني يسبب تذبذباً في حقل الطاقة الخاص بمدينتي. وأنا ... لا أحب الفوضى.

رفع المسدس وصوبه نحو رأسي. يده كانت ثابتة تماماً. لا تردد. لا رحمة.

نظرتُ في عينيه، أبحث عن أي ذرة ندم، أي أثر للرجل الذي كنته يوماً. لم أجد سوى الفراغ.

إيثان: إذا قتلتني... ستقتل الجزء الوحيد المتبقي منك الذي يتذكر كيف يبدو الحب.

إيثان الآخر: (يسحب أجزاء المسدس) الحب هو خلل كيميائي في الدماغ. وقد عالجته منذ زمن.

وضع إصبعه على الزناد. أغمضتُ عيني، مستعداً للنهاية.

صوت شحن الطاقة في سلاحه بدأ يرتفع، نغمة حادة تبشر بالموت. ولكن، فجأة... توقف الصوت.

فتحتُ عيني. رأيتُ إيثان الآخر يترنح.

يده التي تحمل المسدس بدأت ترتعد بشكل لا إرادي. وجهه الشاحب بدأ يتشقق، حرفياً. خطوط سوداء رقيقة ظهرت على وجنتيه وجبهته، كأن جلده خزف ينكسر.

سقط المسدس من يده، وسقط هو على ركبتيه، يلهث وكأن الهواء اختفى من الغرفة.

إيثان الآخر: (صوته أصبح مشوشاً، مزدوجاً) ليس الآن... ليس مرة أخرى... التزامن... يفشل...

زحف نحوي، ليس ليهاجمني، بل بدا وكأنه يحاول التمسك بي.

أمسك بياقة قميصي وشدني إليه.

عيناه اللتان كانتا باردتين قبل لحظة، أصبحتا الآن مليئتين بالرعب المطلق. رعب شخص يرى شيئاً لا أستطيع رؤيته.

إيثان الآخر: أنت تعتقد... أنك البطل؟ أنك الضحية؟

بدأ جسده يتلاشى، يتحول إلى بيكسلات غبارية سوداء تتطاير في الهواء. كان يتفكك. الوجود نفسه يرفضه.

إيثان الآخر: (يهمس بصعوبة بالغة، ووجهه يختفي تدريجياً) نحن لسنا الحل يا إيثان... نحن الفيروس. نحن السبب في كل هذا الخراب.

وفي اللحظة التالية، انفجر جسده إلى سحابة من الدخان الأسود والرماد، تاركاً ملابسه الفاخرة خاوية على الأرض، ورائحة الأوزون المحترق تعود لتملأ المكان بقوة.

القيود انفتحت تلقائياً مع اختفاء سيدها.

وقفتُ، ركبتي ترتجفان، أنظر إلى كومة الملابس والرماد. نحن السبب في كل هذا الخراب.

قبل أن أتمكن من استيعاب ما حدث، انطلقت صافرات الإنذار في البرج بأكمله.

أضواء حمراء بدأت تدور في الغرفة. النظام عرف أن الحاكم قد مات. أو اختفى. وهم قادمون لي.

صوت الصفارات لم يكن مجرد ضجيج، كان يضرب جسدي كموجات فيزيائية، يهز العظام تحت الجلد.

الأضواء الحمراء الدوارة حولت المكتب الفاخر إلى مشهد من الجحيم، والظلال ترقص على الجدران بجنون.

نظرتُ إلى كومة الرماد التي كانت منذ لحظات أنا الآخر.

لم يكن هناك وقت للتفكير في فلسفة الوجود أو الأخلاق.

باب المصعد في نهاية الرواق انفتح، وسمعتُ وقع أقدام ثقيلة تجري نحوي.

الهيكل الزجاجي للبرج بدأ يهتز، شروخ رفيعة بدأت تظهر في الهواء نفسه، وكأن الواقع المحيط بهذا المكان كان مرتبطاً بحياة ذلك الطاغية، ومع موته، بدأ النسيج يتمزق.

ركضتُ نحو الباب الخلفي للمكتب، يدي ما زالت تقبض على المسدس الفضي الذي أسقطه إيثان الآخر.

لم أكن أعرف كيف أستخدمه، لكن وزنه البارد في يدي كان يعطيني شعوراً زائفاً بالأمان. فتحتُ الباب واقتحمتُ سلم الطوارئ. لكن بدلاً من الدرج الخرساني، وجدتُ نفسي أخطو إلى الفراغ.

لم أسقط لأسفل. سقطتُ إلى الجانب.

الجاذبية تغيرت فجأة. الحوائط ذابت وتحولت إلى ألوان مائعة.

شعرتُ بمعدتي تنقلب، وطعم معدني قوي يملأ فمي.

الرياح عصفت بي، رياح لا تهب من اتجاه واحد بل من كل الاتجاهات في آنٍ واحد.

أغمضتُ عيني بقوة، منتظراً الارتطام، منتظراً النهاية.

***

سكون. سكون مفاجئ ورطب.

فتحتُ عيني.

لم أعد في البرج العالي، ولم أعد في المدينة المعدنية. كنتُ مستلقياً على أرضية ترابية مبللة، ورذاذ مطر ناعم يغطي وجهي.

الرائحة هنا كانت رائحة غابة محترقة، خشب مبتل ودخان.

تحاملتُ على ذراعيّ ورفعتُ جذعي. المكان كان غريباً. أشجار ضخمة بلا أوراق، جذوعها سوداء كالفحم، والسماء فوقي بلون بنفسجي ككدمة قديمة.

إيثان: (أهمس لنفسي، صوتي يخرج كدخان أبيض) أين أنا الآن؟

سمعتُ صوت تكسر أغصان خلفي. صوت خطوات خفيفة، حذرة، لا تشبه وقع أقدام الجنود الآليين.

استدرتُ بسرعة، رافعاً المسدس الفضي بيد مرتعشة.

بين الأشجار السوداء، ظهرت هيئة بشرية.

امرأة ترتدي معطفاً طويلاً من الجلد البني، مهترئاً عند الأطراف، وشاحاً رمادياً يغطي نصف وجهها السفلي.

إيثان: قفي مكانك! لا تقتربي!

لم تتوقف. سارت نحوي بهدوء مستفز، وكأن المسدس الذي في يدي مجرد لعبة أطفال.

عيناها... كانتا الشيء الوحيد الواضح.

عينان باللون العسلي الغامق، فيهما عمق غريب، وكأنها رأت ولادة النجوم وموتها. توقفت على بعد خطوتين مني. أنزلت الوشاح ببطء.

وجهها كان مألوفاً بشكل مؤلم، رغم أنني متأكد أنني لم أقابلها في حياتي.

ملامح حادة، ندبة صغيرة بيضاء تقطع حاجبها الأيمن، وشفاه مضمومة بتوتر.

المرأة: اخفض السلاح يا إيثان. أنت لا تعرف حتى كيف تشحن خزان الطاقة فيه.

تجمدتُ. نطقت اسمي بنبرة شخص كرر هذه الكلمة ألف مرة. نبرة تخلو من التساؤل، ومليئة باليقين.

إيثان: من أنتِ؟ وكيف تعرفين اسمي؟

المرأة: (تتنهد، وتخرج علبة سجائر مجعدة من جيب معطفها) السؤال ليس كيف أعرفك... السؤال هو أي نسخة منك أنت؟ هل أنت الذي فقد عقله؟ أم الذي فقد قلبه؟ أم أنت...

اقتربت خطوة أخرى، ومدت يدها لتلمس صدري، مكان القلب مباشرة.

تراجعتُ للخلف غريزياً، لكن حركتها كانت أسرع. بمجرد أن لمست أصابعها سترتي، حدث شيء لا يمكن تفسيره.

صعقة كهربائية باردة ضربت دماغي. الواقع حولي تمزق لثانية واحدة. لم أعد في الغابة.

فلاش باك 1: غرفة دافئة، مدفأة مشتعلة. نفس المرأة تجلس أمامي، لكنها تضحك. شعرها أطول، وترتدي فستاناً أزرق. تمد لي كوباً من الشاي.

لينا (في الرؤية): عدني أنك لن تذهب غداً يا إيثان.

أشعر بحب جارف نحوها، حب يختلف عن حبي لزوجتي الراحلة، حب ولد من سنوات من الشراكة.

عدتُ للغابة. لهاثي كان مسموعاً. جثوتُ على ركبتي ممسكاً برأسي الذي يكاد ينفجر.

إيثان: ما هذا؟ ما الذي فعلتِه بي؟

المرأة: (تشعل سيجارتها، ويدها تحمي الشعلة من المطر) أنا لم أفعل شيئاً. هذه ذاكرتك... أو ذكرياتنا التي لم تحدث بعد، أو حدثت وانتهت. اسمي لينا. لينا كروس.

إيثان: أنا لا أعرفك. لم أقابلك من قبل.

لينا كروس: في هذا الخط الزمني؟ نعم، نحن غرباء. لكن الزمن ليس خطاً مستقيماً يا إيثان، إنه شبكة عنكبوت، ونحن عالقون فيها.

جلست على جذع شجرة محترق قبالتي، تنفث الدخان وتنظر إليّ بنظرة تمزج بين الشفقة والحذر.

لينا كروس: لقد رأيتك تموت مائة مرة. وفي كل مرة، أحاول الوصول إليك قبل أن تضغط على الزر، قبل أن تفتح الباب، قبل أن تدخل الجهاز. وفي كل مرة... أتأخر ثانية واحدة.

إيثان: أنتِ مسافرة عبر الزمن مثلي؟

لينا كروس: لا. أنا الثابت. أنا موجودة في كل الأكوان تقريباً، لكن بذاكرة ممزقة. عندما تفتح أنت الفجوة، تتسرب ذكريات لينا الأخرى إليّ. أنا أحمل أرشيفاً من الألم لا يخصني وحدي.

نهضتُ بصعوبة، أحاول ترتيب أفكاري المتشظية.

إيثان: إذن أنتِ هنا لمساعدتي؟

نظرت إليّ طويلاً. في عينيها رأيت صراعاً مريراً. لم تكن نظرة حليف مخلص، بل نظرة شخص يقف أمام قنبلة موقوتة ولا يعرف هل يفككها أم يهرب منها.

اقتربت مني مرة أخرى. هذه المرة لم أبتعد. وضعت يديها على كتفيّ، ووجهها أصبح قريباً جداً من وجهي. رائحتها... ياسمين وبارود. ضربتني الرؤية الثانية بقوة أكبر.

فلاش باك 2: خندق عسكري موحل. أصوات قذائف. أنا أصرخ في جهاز لاسلكي. لينا تقف خلفي، وجهها ملطخ بالطين والدم، تصرخ في وجهي بكراهية خالصة.

لينا (في الرؤية): أنت خنتنا! بعتنا للآلات لكي تنقذ نفسك! تبصق في وجهي وتلقي بقلادتها العسكرية عند قدمي.

عدتُ للواقع، سقطتُ على الأرض هذه المرة، ألهث وكأنني ركضت ميلاً.

الدم بدأ ينزف من أنفي. الرؤى كانت حقيقية جداً، المشاعر فيها خام وعنيفة. الكراهية التي رأيتها في عينيها في تلك الرؤية كانت حارقة.

نظرتُ إلى لينا الواقفة أمامي في الغابة. تعابير وجهها كانت غامضة، لا يمكن قراءتها.

إيثان: رأيتك... تكرهينني. كنتُ خائناً.

لينا كروس: (بصوت هادئ ومخيف) نعم. في الكون رقم 412، أنت بعت المقاومة البشرية مقابل تكنولوجيا إطالة العمر. أنا كنت نائبتك، وأنا من قاد الانقلاب ضدك.

إيثان: (أشعر بالدوار) وفي الرؤية الأولى... كنا عاشقين؟

لينا كروس: في الكون 89. لم تتزوج سارة قط. التقينا في الجامعة. عشنا حياة هادئة حتى بدأت تجاربك، وانفجر المختبر وأنا بداخله. حبك لي هو ما دفعك لجنون السفر عبر الزمن في ذلك العالم.

أمسكت برأسي. هذا كثير جداً. عقلي البشري غير مصمم لاستيعاب تواريخ متعددة وعواطف متناقضة لنفس الشخص.

أنظر إليها وأشعر بالحب، وبالخوف، وبالذنب في آن واحد.

إيثان: لماذا تخبرينني بهذا؟ لماذا أنا هنا الآن؟

لينا كروس: لأنك النسخة الأصلية يا إيثان. أو هكذا نعتقد. أنت النقطة التي بدأ منها التفرع. أنت الصفر. الطاغية الذي قتلته للتو؟ كان مجرد احتمال. لكنك أنت... أنت السبب.

رمت عقب السيجارة على الأرض وداسته بحذائها العسكري بقوة.

لينا كروس: أنا أبحث عنك عبر الأكوان لسبب واحد. لأعرف ما إذا كنت تستحق الإنقاذ.

إيثان: وهل أستحق؟

صمتت.

هبت الرياح مرة أخرى، محملة بصدى عوالم أخرى تصرخ في الخلفية.

اقتربت لينا مني حتى لامست جبهتها جبهتي.

كان بإمكاني رؤية الدموع تتجمع في عينيها، لكنها لم تكن دموع حزن.

كانت دموع شخص اتخذ قراراً لا رجعة فيه.

همست بصوت يرتجف، ليس من الخوف، بل من ثقل الذاكرة التي تحملها.

لينا كروس: لا تتعلق بي يا إيثان. لا تثق فيّ تماماً. لأن هذه الوجوه التي تراها... ليست كلها تحبك.

ابتعدت قليلاً، ووضعت يدها على مقبض خنجر مثبت في حزامها، وكأنها تذكرني وتذكر نفسها بما يمكن أن يحدث.

لينا: أنت رأيتني أحبك، ورأيتني أكرهك... لكن هناك شيء لم تره بعد. ذكرى أحاول نسيانها كل ليلة، لكنها تعود لتطاردني كلما نظرت في عينيك.

إيثان: ما هي؟

نظرت لي نظرة اخترقت روحي، نظرة تحمل برودة الموت وحرارة الألم.

لينا: في كون مختلف… أنا التي قتلتك بيدي.

الكلمات لم تكن مجرد صوت، كانت شفرة باردة قطعت الخيط الرفيع الذي يربطني بالواقع.

نظرتُ في عيني لينا، باحثاً عن أي تراجع، لكنني لم أجد سوى الصدق القاسي.

وقبل أن أتمكن من الرد، قبل أن أتمكن من سؤالها لماذا؟، بدأ العالم يذوب.

حرفياً يذوب. أشجار الغابة السوداء بدأت تفقد تماسكها، تتحول إلى سائل حبري يقطر نحو السماء بدلاً من الأرض.

لينا بدأت تتلاشى كصورة مرسومة بالطباشير يمسحها المطر.

مددتُ يدي لأمسك بها، لكن أصابعي عبرت خلالها وكأنها دخان.

إيثان: لينا! لا تتركيني هنا!

اختفت. واختفى معها المطر، والرائحة، والجاذبية.

وجدتُ نفسي معلقاً في الفراغ. لا يوجد أعلى أو أسفل. لا يوجد ظلام ولا نور، بل لون رمادي ميت، صامت، يمتد إلى ما لا نهاية. السكون هنا كان ثقيلاً، يضغط على طبلة الأذن حتى كدتُ أسمع صوت تدفق الدم في عروقي كهدير الشلالات.

ثم ظهر. لم يأتِ من مكان محدد، بل تكوّن من العدم أمامي.

لم يكن بشراً، ولا آلة، ولا شبحاً. كان شقاً في نسيج الفراغ. هيئة ضبابية متغيرة الشكل، حوافها تتذبذب وكأن المكان حولها يغلي.

بدا وكأنه ثقب أسود يرتدي عباءة من الضوء المكسور.

حاولتُ الصراخ، لكن صوتي لم يخرج. الهواء هنا لا يحمل الموجات الصوتية. ومع ذلك، سمعته.

الصوت دوى داخل جمجمتي مباشرة، صوت لا نبرة له، لا يحمل ذكورة أو أنوثة، صوت يشبه صوت احتكاك الصخور القديمة ببعضها البعض.

الكيان: أنت صاخب جداً يا إيثان كول. أفكارك تضج بالفوضى.

سبحتُ في الفراغ محاولاً الابتعاد، لكن المسافات هنا خدعة. مهما تحركت، ظل الكيان أمامي مباشرة، يملأ مجال رؤيتي. شعرتُ بأنني نملة تحت مجهر عملاق.

إيثان: (أفكر، وأعلم أنه يسمعني) من أنت؟ هل أنت الإله؟

اهتز الكيان، وتموجت ألوان طيفية غريبة على سطحه. هل كانت تلك ضحكة؟

الكيان: الإله يخلق. أنا فقط... أشاهد. أنا العين التي لا ترمش. أنا الأرشيف لكل ما فشلتم فيه.

إيثان: فشلنا؟

الكيان: انظر حولك.

فجأة، تحول الفراغ الرمادي إلى شاشات عرض لا نهائية.

مليارات الصور تطفو حولي.

اقتربتُ من إحداها. رأيتُ نفسي أحتضن ابنتي إيميلي، لكنها كانت تتلاشى بين ذراعي.

صورة أخرى: رأيتُ نفسي أقف فوق جثة سارة والدماء تغطي يدي.

صورة ثالثة: العالم يحترق بنيران نووية، وأنا أجلس وحيداً في قبو، أكتب معادلات لا يقرأها أحد.

الكيان: كل هذه العوالم... كل هذه النسخ منك... كلها تبحث عن شيء واحد: السيناريو المثالي. الكون الذي لا تتألم فيه. الكون الذي تنتصر فيه على الموت.

إيثان: وما الخطأ في ذلك؟ ما الخطأ في الرغبة في إنقاذ من نحب؟ ألست أنت من يراقب هذا العذاب؟ إذا كنت تملك القوة، فلماذا لا تتدخل؟ لماذا لا تصلح هذا؟

الكيان اقترب أكثر، أو ربما كبر حجمه حتى ابتلع الأفق.

شعرتُ ببرودة تخترق روحي، برودة لا علاقة لها بدرجة الحرارة، بل هي برودة العدم.

الكيان: أنت تفترض أنني كائن يملك إرادة. أنت مخطئ يا دكتور كول. أنا لست فاعلاً. أنا نتيجة.

إيثان: نتيجة لماذا؟

الكيان: نتيجة لغروركم. في كل مرة تفتح فيها فجوة زمنية، في كل مرة ترفض فيها قبول الواقع كما هو وتحاول تعديله، أنت تمزق نسيج الوجود. تلك التمزقات... هي أنا.

أنا مجموع الندوب التي خلفتموها على جسد الكون. أنا لست حارساً للزمن، أنا السرطان الذي ينمو بسبب محاولاتكم لعلاجه.

تراجعتُ مذهولاً. الكلمات كانت منطقية بشكل مرعب. نظريتي الفيزيائية كانت تقول إن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم.

إذا غيرتُ حدثاً في الماضي، فالطاقة المترتبة على ذلك الحدث الأصلي يجب أن تذهب إلى مكان ما.

هذا الكيان... هو مكب النفايات الزمنية. هو مقبرة الاحتمالات الميتة.

إيثان: يعني أن... وجودي هنا... سفري عبر الأكوان...

الكيان: ... يغذيني. يجعلك أقوى، ويجعل الواقع أضعف. أنتم تعتقدون أن الأكوان المتعددة هي هروب. فرصة ثانية لتصحيح الأخطاء. لكنها ليست كذلك. إنها سجن.

سجن من المرايا، كل مرآة تريك نسخة مشوهة عما تريده، لكنك لا تستطيع لمس الأصل أبداً.

شعرتُ بثقل هائل في صدري. اليأس بدأ يتسرب إليّ. كل خطوة خطوتها منذ وفاة سارة وإيميلي، كل معادلة، كل ليلة سهرتها لبناء الجهاز... هل كان كل ذلك مجرد حفر في قبر أعمق؟

إيثان: هل يعني هذا أنه لا يوجد أمل؟ هل كل الأكوان محكوم عليها بالفشل؟

الكيان: الوجود مبني على التوازن. الحياة والموت. الفرح والألم. أنت تحاول حذف نصف المعادلة. تحاول خلق كون فيه حياة بلا فقد. وهذا مستحيل رياضيًا ووجوديًا.

بدأ الكيان يتقلص، وتعود الصور لتتلاشى في اللون الرمادي. بدأ الفراغ يضيق حولي، وكأنني أُسحب بقوة شفط هائلة نحو نقطة مركزية.

إيثان: انتظر! أخبرني كيف أوقف هذا! كيف أعود وأصلح ما كسرته؟

توقف الشفط لحظة. عاد صوت الكيان يصدح، لكن هذه المرة كان مليئاً بنبرة حزينة، أو ربما كانت مجرد صدى لحزني أنا.

الكيان: أنت تسأل السؤال الخطأ مجدداً. أنت تسأل عن الإصلاح.

ظهر وجهي أمامي في الفراغ، وجه ضخم بحجم جبل، لكنه كان ممزقاً، عيناه تنزفان ضوءاً أسود.

الكيان: استمع جيداً يا إيثان كول. هذا هو القانون الوحيد الذي يحكمك الآن، والذي رفضتَ رؤيته طوال حياتك: كل محاولة لإصلاح الزمن... تخلق كوناً أسوأ.

إيثان: ماذا تقصد؟

الكيان: (يتلاشى صوته ببطء بينما يبدأ العالم في الدوران حولي) أنقذت سارة في الكون 12... فمات نصف سكان الأرض بوباء صنعته هي دون قصد.

أنقذت إيميلي في الكون 56... فتحولت إلى طاغية دمرت النظام الشمسي. الإصلاح هو الوهم. الكسر هو الحقيقة.

وفجأة، انهار الفراغ. سقطتُ. ليس سقوطاً في الهواء، بل سقوطاً عبر الطبقات. رأيتُ ألواناً وأشكالاً، سمعتُ صرخات وضحكات، شممتُ روائح دماء وزهور. كنتُ أسقط عبر الأكوان.

وفي وسط هذا السقوط، بدأت فكرة تتشكل في عقلي. فكرة زرعها ماركوس هيل في رأسي منذ سنوات، ورفضتها حينها.

بعض الأكوان يجب أن تُمحى. إذا كان الإصلاح يخلق الجحيم... فربما الحل ليس البناء. ربما الحل هو الهدم.

ارتطم جسدي بأرضية صلبة مرة أخرى. الغبار ملأ فمي. فتحتُ عيني بصعوبة. كنتُ في مختبر. لكنه ليس مختبري القديم المتهالك. هذا مختبر عالي التقنية، نظيف، بارد. وأمامي، يقف رجل يرتدي معطفاً أبيض، يدير ظهره لي، ينظر إلى شاشة عملاقة تعرض مخططات لتمزقات الزمن.

استدار الرجل. كان ماركوس هيل. لكنه لم يبدُ متفاجئاً لرؤيتي أسقط من السقف. ابتسم ابتسامة حزينة، وخلع نظارته الطبية يمسحها بطرف معطفه.

ماركوس هيل: أهلاً بك يا إيثان. أخيراً، قال لك المراقب ما كنت أحاول قوله لك منذ البداية، أليس كذلك؟

نهضتُ من على الأرضية الباردة، وأنا أنفض الغبار الوهمي للعوالم التي سقطتُ خلالها عن كتفي.

المختبر الذي أقف فيه الآن كان تجسيداً للنقيض التام للفوضى التي تركتها في شقتي.

كل شيء هنا أبيض، معدني، ومعقم.

الأسطح تلمع ببريق يوحي بأن لا أحد لمسها، والهواء يتم تدويره بنظام صامت تماماً.

ماركوس هيل كان يقف أمامي، لكنه ليس ماركوس الذي أتذكره.

شعره الذي كان أشعثاً في شبابنا أصبح الآن قصيراً جداً، ولحيته مشذبة بدقة جراحية. عيناه خلف النظارة الطبية كانتا هادئتين، هدوء بحيرة متجمدة تخفي تحتها وحوشاً.

ماركوس: تبدو مريعاً يا إيثان. السفر عبر التمزقات ليس مريحاً للجسد البشري، أليس كذلك؟

إيثان: (أحاول استجماع توازني) المراقب... قال لي أن الإصلاح مستحيل. قال إنني أزيد الأمر سوءاً.

ماركوس: (يصب القهوة في كوبين من الخزف الأبيض، ويضع أحدهما أمامي) وأخيراً، أدركت الحقيقة التي كنت أحاول حفرها في رأسك العنيد قبل عشر سنوات. تفضل، بدون سكر، كما تحبها.

نظرتُ إلى كوب القهوة. الرائحة كانت مألوفة، طبيعية جداً في موقف غير طبيعي.

هذا الهدوء الذي يحيط بماركوس كان أكثر رعباً من صراخ الوحوش أو تهديدات الطغاة.

إيثان: أنت لست متفاجئاً بوجودي.

ماركوس: (يرتشف من كوبه بهدوء) أنا أحسب الاحتمالات يا صديقي. كان هناك احتمال بنسبة 94% أن ينتهي بك المطاف هنا بعد انهيار النسخة الديكتاتورية منك. أنا نقطة التجميع. أنا النسخة الوحيدة التي لم تحاول السفر عبر الزمن، بل قررت دراسته من الخارج.

سار نحو لوحة تحكم ضخمة تمتد على طول الجدار. الشاشات كانت تعرض خرائط معقدة لشبكات عصبية، لكنها لم تكن أدمغة... كانت أكواناً. بعضها يضيء بالأخضر، والبعض الآخر يرمش بالأحمر الداكن.

ماركوس: هل تتذكر يومنا الأخير في الجامعة؟ اليوم الذي قررت فيه أن الأخلاق هي عائق أمام التقدم؟

أغمضت عيني، وعاد بي الزمن للوراء. ليس عبر آلة، بل عبر ذاكرة مؤلمة حفرت في وجداني.

فلاش باك: المطر يضرب زجاج نافذة المختبر الجامعي القديم.

الرائحة: قهوة محترقة وأوراق قديمة.

أنا وماركوس، أصغر بعشر سنوات، نقف أمام لوح طباشيري ممتلئ بالمعادلات.

إيثان (في الماضي): ماركوس، أنت لا تفهم! هذه المعادلة تثبت أن الماضي ليس ثابتاً! يمكننا إنقاذ الأرواح. تخيل أن نمنع الحروب، نمنع الأوبئة!

ماركوس (في الماضي): (يمسح نظارته بتوتر) وتخيل أن تمنع حرباً فتتسبب في فناء البشرية بسبب الانفجار السكاني؟ إيثان، الكون نظام مغلق. إذا أضفت شيئاً هنا، يجب أن تأخذ شيئاً من هناك. أنت تريد أن تلعب دور الإله، لكنك لا تملك حكمته.

إيثان (في الماضي): (أضرب الطاولة بقبضتي) وأنت جبان! تخاف من المجهول وتختبئ خلف نظريات الاستقرار. أنا سأمضي قدماً، معك أو بدونك.

ماركوس (في الماضي): (ينظر إليّ بنظرة حزينة) ستمضي قدماً... نحو الهاوية. وعندما تسقط، لن تجد من يمسك بيدك.

فتحت عيني في المختبر الأبيض. ماركوس كان يراقبني، وكأنه قرأ الذكرى في تعبيرات وجهي.

إيثان: كنتَ تعتقد أنني متهور.

ماركوس: ولم تخذل ظني. انظر إلى الشاشة رقم 4.

نظرتُ. الشاشة كانت تعرض بثاً حياً من عالم آخر. كانت مدينة ساحلية جميلة، الشمس تشرق على المباني، والأطفال يلعبون على الشاطئ. لكن الصورة كانت تهتز، تتموج، وكأن إشارة التلفاز ضعيفة.

ماركوس: هذا الكون... كون رقم 712. في هذا العالم، نجحت نسختك في إنقاذ إيميلي من المرض.

إيثان: (بلهفة) حقاً؟ هي حية هناك؟

ماركوس: نعم. لكن انظر عن كثب.

ضغط ماركوس بضعة أزرار فتم تكبير الصورة.

لاحظتُ شيئاً مرعباً.

الناس في الشارع... كانوا يمشون ثم يتجمدون فجأة، ثم يظهرون في مكان آخر على بعد أمتار.

الطيور في السماء تتوقف في الهواء ثم تسقط كالحجارة ثم تعود للطيران للخلف.

السماء نفسها يتغير لونها من الأزرق إلى البنفسجي في نوبات صرع كونية.

ماركوس: نسيج هذا الكون يتمزق. وجود إيميلي هناك كان خطأً في المعادلة. بقاؤها حية استنزف طاقة الاستقرار الكوني. هذا العالم يتألم يا إيثان. سكانه يعيشون في جحيم من التقطيع الزمني المستمر. هم لا يموتون، لكنهم لا يعيشون. إنهم عالقون في Glitch أبدي.

إيثان: وما الحل؟ هل يمكننا إصلاحه؟

ماركوس: (يستدير ليواجهني، وجهه خالٍ من أي تعبير) لا يوجد إصلاح للسرطان بعد انتشاره. الحل الوحيد هو البتر.

وضع يده على رافعة زجاجية حمراء في منتصف لوحة التحكم.

إيثان: ماذا ستفعل؟

ماركوس: سأفعل ما لم تجرؤ أنت على فعله. سأرحمهم.

تحركتُ نحوه لأمنعه، لكن حاجزاً غير مرئي من الطاقة صدني وألقى بي للخلف.

اصطدمت بالجدار الزجاجي وانزلقت للأرض.

إيثان: ماركوس! لا! هناك مليارات من البشر هناك! إيميلي هناك!

ماركوس: (صوته هادئ، حزين، لكنه حازم) إيميلي تلك ليست ابنتك. إنها شذوذ زمني. وهؤلاء المليارات... حياتهم عذاب محض. بقاء هذا الكون المريض يهدد بانهيار الأكوان المجاورة السليمة. إنها عملية حسابية بسيطة يا إيثان: تضحي بواحد لتنقذ العشرة.

إيثان: هذا ليس حساباً! هذا قتل جماعي!

ماركوس: لا. هذا هو الطب الكوني. وأنا الجراح.

أنزل ماركوس الرافعة.

توقعتُ صوت انفجار. توقعتُ صراخاً، نيراناً، دماراً. لكن ما حدث كان أسوأ بكثير.

على الشاشة، توقف الاهتزاز. توقفت الأمواج عن الحركة. توقف الأطفال عن اللعب. توقفت الطيور في السماء. تجمد كل شيء في لحظة سكون مطلقة. ثم، بدأ اللون ينسحب من العالم. تحولت المباني الملونة إلى رمادي باهت. تحولت السماء الزرقاء إلى بياض فارغ.

الناس... بدأوا يتلاشون. لم يتفتتوا، ولم يحترقوا. ببساطة، انخفضت شفافيتهم. أصبحوا مثل أشباح باهتة، ثم... اختفوا.

اختفت المدينة. اختفى البحر. اختفت الأرض. لم يتبق على الشاشة سوى تشويش أبيض وأسود، وصوت همهمة خافتة.

ماركوس: (ينظر للشاشة بنظرة تأملية) انتهى الأمر. لا ألم. لا خوف. مجرد... صمت.

كنتُ أجلس على الأرض، أحدق في الشاشة الفارغة. فمي مفتوح، وعقلي يرفض استيعاب ما رأيته للتو.

مليارات الأحلام، مليارات القصص، مليارات اللحظات... مُحيت بضغطة زر، لأنها كانت غير مستقرة.

التفت ماركوس إليّ، وظله الطويل يغطي وجهي.

ماركوس: أنت كنت تبحث عن طريقة لإنقاذ الجميع. وأنا أقول لك: لا يمكن إنقاذ الجميع. لكي يستمر الوجود، يجب أن نقص الأغصان الميتة.

إيثان: (أهمس بصوت مبحوح) لقد قتلتهم جميعاً...

ماركوس: (ينزل لمستواي وينظر في عيني) لا يا إيثان. أنا أنقذت البقية. والآن... جاء دورك لتختار. هل ستستمر في الركض وتدمير المزيد؟ أم ستساعدني في حمل المقص؟

نظرتُ إلى يده الممدودة لي.

يد نظيفة، لا دماء عليها، لكنها تحمل وزر كون كامل. وفي تلك اللحظة، وسط الصمت المرعب للمختبر، أدركت الحقيقة المرة التي كانت تغلف قلبي بالجليد.

منطقياً... وعلمياً... وفيزيائياً... ماركوس كان محقاً.

ماركوس كان لا يزال يمد يده لي، يده النظيفة التي محت كوناً كاملاً قبل ثوانٍ.

في عينيه، لم أرَ شراً، بل رأيت يقيناً مخيفاً.

يقين الجراح الذي يقطع الساق لينقذ الجسد. لكن عقلي كان يصرخ. صورة المليارات الذين تحولوا إلى تشويش رمادي كانت محفورة في شبكيتي.

إيثان: (أتراجع للخلف، صوتي يخرج مهزوزاً) منطقك سليم يا ماركوس... معادلاتك صحيحة. لكن إنسانيتك ميتة. وأنا أفضل أن أكون مخطئاً وإنساناً، على أن أكون إلهاً وقاتلاً.

ماركوس: (يخفض يده ببطء) العاطفة هي نقطة ضعفك الدائمة يا إيثان. وهي التي ستقودك للهلاك.

قبل أن يتمكن من التحرك، اندفعتُ نحو لوحة التحكم. لم أكن أعرف الإحداثيات، ولم أكن أبحث عن مخرج آمن.

كنت أبحث عن أي ثقب، أي مهرب بعيداً عن هذا البياض المعقم القاتل.

لمحتُ على طرف الشاشة قطاعاً معزولاً، محاطاً بخطوط حمراء وتحذيرات تصرخ: خطر بيولوجي/نفسي - الحجر الكلي.

إيثان: إذا كنت تريد تنظيف الأكوان... فلماذا تركت هذه القذارة هنا؟

ضربتُ بيدي على زر الإدخال لذلك القطاع المحظور. صرخ ماركوس لأول مرة، صرخة فزع حقيقية.

ماركوس: لا! إيثان، لا تفعل! هذا الكون ليس مجرد فشل... إنه الهاوية نفسها!

فات الأوان. الأرضية تحت قدمي انشقت. الضوء الأبيض للمختبر تحول إلى دوامة من اللون الأحمر والأسود.

شعرت وكأن خطافات غير مرئية تغرس في لحمي وتسحبني لأسفل بقوة وحشية.

لم يكن انتقالاً سلسًا كالمرات السابقة. كان تمزيقاً. سمعتُ صوت عظامي تئن تحت الضغط.

***

ارتطمتُ بالأرض. لكنها لم تكن أرضاً صلبة. كانت لزجة، طرية، ودافئة بشكل مقزز.

فتحتُ عيني بصعوبة، وكان أول ما استقبلني هو الرائحة. لم تكن رائحة تلوث أو غبار. كانت رائحة لحم محترق، ممزوجة بعبق بخور ثقيل وحلو يسبب الغثيان. رائحة الموت حين يتم تزيينه بالزهور.

نهضتُ مترنحاً. الهواء هنا كان خانقاً، السماء فوقي لم تكن لها لون محدد، بل كانت مغطاة بسحب كثيفة من الدخان الأسود تتخللها ومضات برق صامتة بلون الدم.

نظرتُ حولي.

لم أكن في مدينة، ولا في غابة. كنت في ساحة واسعة، محاطة بأعمدة حجرية شاهقة الارتفاع، منحوتة بدقة مرعبة لتشبه... عظاماً بشرية عملاقة متشابكة. وعلى مد البصر، كان هناك الآلاف.

آلاف البشر، راكعين على الأرض، وجوههم ملتصقة بالطين اللزج، يهمهمون بصوت واحد، ترتيلة منخفضة تهز الأرض.

مشيتُ بينهم بحذر. لم يرفع أحد رأسه لينظر إليّ. لاحظتُ ظهورهم العارية. كلهم... بلا استثناء... يحملون ندوباً محفورة على جلودهم. ندوباً تشكل معادلات فيزيائية.

نفس المعادلات التي كنت أكتبها في دفتري الجامعي. لقد حفروا نظرياتي على أجسادهم.

إيثان: (أهمس برعب) يا إلهي... ما هذا المكان؟

وصلتُ إلى نهاية الساحة. هناك، يرتفع هيكل هرمي ضخم، قمة الهرم مسطحة، وعليها عرش. عرش بسيط، مصنوع من بقايا جهاز Chronos-1 الخاص بي، لكنه ملطخ بالدماء الجافة. وعلى العرش، يجلس هو.

لم يكن يرتدي بدلة كـ الحاكم في الكون الثاني، ولم يكن يرتدي معطفاً طبياً.

كان عاري الصدر، يرتدي سروالاً بسيطاً من القماش الخشن. جسده كان لوحة فنية من العضلات المشدودة والجروح القديمة الملتئمة. شعره طويل، منسدل على كتفيه، وعيناه... عيناه كانتا مغطاتين بقطعة قماش سوداء.

إيثان: (أصرخ فيه) من أنت؟ ولماذا يعبدك هؤلاء الناس؟

الرجل الجالس على العرش لم يتحرك. لكن الترتيلة الجماعية توقفت فجأة.

ساد صمت مطبق، أثقل من الجبال. ابتسم الرجل. ابتسامة واسعة، وحشية، كشفت عن أسنان بدت لي أكثر حدة من المعتاد.

النسخة الأسوأ: (بصوت هادئ، لكنه يحمل صدى غريباً وكأنه يأتي من كل مكان) كنت أنتظرك. السائح. الذي يقفز بين العوالم باحثاً عن سراب.

نزل من على العرش ببطء. حركته كانت انسيابية كحركة فهد جائع.

ورغم قطعة القماش السوداء على عينيه، كان يتحرك بثقة تامة، وكأنه يرى بجلدِه.

إيثان: أنت نسخة مني. لكن ماركوس قال إن هذا الكون هو الهاوية. لماذا؟

النسخة الأسوأ: ماركوس... (يبصق الاسم وكأنه سم) ذلك المحاسب الجبان. هو يمحو الأكوان لأنه يخاف من الألم. أنا... أنا احتضنت الألم. انظر إليهم.

أشار بيده نحو الآلاف الراكعين.

النسخة الأسوأ: هؤلاء لم أجبرهم على طاعتي بقوة السلاح. هم يعبدونني لأنني أعطيتهم الحقيقة الوحيدة في هذا الوجود: المعاناة. أنا لم أعدهم بالجنة. وعدتهم بأن الألم له معنى. وفي عالم فوضوي، المعنى هو كل ما يحتاجه البشر.

إيثان: أنت مجنون. أنت لست عالماً، أنت زعيم طائفة دموية.

النسخة الأسوأ: (يضحك بصوت مرتفع) عالم؟ الفيزياء كانت مجرد أداة يا عزيزي. عندما ماتت سارة... أنت بكيت. أنت انطويت على نفسك. أنت حاولت إصلاح الزمن. أما أنا... أنا أدركت أن الكون قاسي، عشوائي، وسادي. فقررت أن أكون أقسى منه. قررت أن أكون أنا الإله الذي يوزع العذاب، بدلاً من أن أكون الضحية التي تتلقاه.

اقترب مني. كان أطول مني قليلاً، أو ربما وقفته المنتصبة جعلته يبدو كذلك.

رائحته كانت نفاذة، مزيج من العرق والدم والحديد.

إيثان: أنت لست أنا. أنا لا أستمتع بأذى الآخرين. أنا أفعل كل هذا لأنقذهم!

النسخة الأسوأ: (ينزع العصابة السوداء عن عينيه بحركة خاطفة).

شهقتُ وتراجعتُ للخلف. عيناه لم تكن موجودة. محاجر عينيه كانت فارغة، سواد حالك، وحولها حروق قديمة.

النسخة الأسوأ: أنا فقأت عيني بيدي في اليوم الذي ماتت فيه إيميلي. لكي لا أرى هذا العالم القبيح مرة أخرى. لكي أرى فقط ما في الداخل. وأنت تعلم ما في الداخل يا إيثان، أليس كذلك؟

بدأ يطوف حولي كحيوان مفترس يحاصر فريسته. صوته أصبح همساً يدخل مباشرة إلى أذني.

النسخة الأسوأ: تذكر اللحظة التي تلقيت فيها خبر الحادث. تذكر الثانية الأولى. قبل الحزن... ماذا شعرت؟ شعرت بالغضب. غضب أسود، حارق. تمنيت لو تحرق المدينة بأكملها. تمنيت لو تمسك السائق الذي صدمها وتمزقه بأشداقك. تمنيت لو تدمر الإله الذي سمح بحدوث هذا.

إيثان: (أضع يدي على أذني) اصمت! هذا كان مجرد رد فعل... أنا لم أفعل ذلك!

النسخة الأسوأ: أنت لم تفعل ذلك لأنك خائف. خائف من نفسك. خائف من الوحش القابع في قبو عقلك. أنت صنعت آلة زمن لتهرب من غضبك. أنا... أنا أطلقتُ الوحش. أنا حولتُ غضبي إلى ديانة. انظر إلى هذا العالم! إنه انعكاس لداخلك الحقيقي الذي تخشى النظر إليه في المرآة!

أمسك بكتفي. قبضته كانت قوية كالفولاذ، أصابعه تغرز في لحمي.

إيثان: ابتعد عني! أنا لست أنت!

النسخة الأسوأ: (يقرب وجهه المشوه من وجهي، أنفاسه تلفح بشرتي) لا تكذب على نفسك. نحن واحد. الفرق الوحيد بيني وبينك ليس في الأخلاق، ولا في الظروف.

دفعني بقوة فسقطت على الأرض الموحلة. وقبل أن أقف، وضع قدمه الحافية على صدري، مسمراً إياي في مكاني.

انحنى فوقي، والظلام في محاجر عينيه بدا وكأنه يبتلع الضوء القليل المتبقي في هذا العالم.

النسخة الأسوأ: الفرق يا إيثان... أنني اعترفت بما نريده حقاً. السيطرة. الانتقام. القوة المطلقة. أنت ترتدي قناع المنقذ، وأنا خلعت القناع.

حاولتُ إزاحة قدمه، لكنه كان ثقيلاً كصخرة الجرانيت. شعوري بالعجز أمامه كان مرعباً. ليس لأنه أقوى جسدياً، بل لأنه يواجهني بأفكار دفنتها في أعمق زوايا عقلي الباطن.

انحنى أكثر، حتى كادت جبهته تلامس جبهتي، وهمس بتلك الجملة التي جمدت الدم في عروقي، جملة لخصت كل الرعب في هذا اللقاء.

النسخة الأسوأ: أنا أنت… لكن بلا خوف.

وفجأة، بدأت الأرض تهتز. السماء القاتمة انشقت عن ضوء أزرق ساطع.

المراقب يتدخل؟ أم أن ماركوس وجدنا؟ النسخة الأسوأ رفعت رأسها نحو السماء وصرخت، ليس خوفاً، بل تحدياً.

النسخة الأسوأ: فليأتوا! فليدمروا هذا العالم! أنا بنيت جحيماً لا يمكن للموت أن يطفئه!

استغللتُ انشغاله، وركلت ساقه بكل قوتي، ثم دحرجت جسدي بعيداً.

كان عليّ الهروب. ليس لإنقاذ حياتي فقط، بل لأنني أدركت الآن أن العدو الحقيقي ليس الزمن، ولا ماركوس... العدو الحقيقي هو ما أحمله بداخلي.

ركضتُ نحو الضوء الأزرق الذي بدأ يتشكل كبوابة في الهواء. وخلفي، سمعتُ ضحكات نسختي الأسوأ تلاحقني، ضحكات ممتزجة بصراخ الآلاف، سيمفونية من الجنون ستطاردني للأبد.

***

خرجتُ من البوابة الزرقاء، وارتطم جسدي بأرضية مختبر ماركوس مرة أخرى.

لكن المكان لم يعد كما تركته. البياض المعقم اختفى، والهدوء الصامت تحول إلى ضجيج كوني يصم الآذان.

الجدران الزجاجية للمختبر كانت تتشقق، وعبرها لم أكن أرى الفراغ الأبيض، بل كنت أرى الجنون بعينه.

رأيتُ ناطحات سحاب تنمو من قيعان المحيطات.

رأيتُ غابات استوائية تحترق في وسط الفضاء الخارجي.

رأيتُ جيوشاً من العصور الوسطى تشتبك مع روبوتات عملاقة، والدماء والزيت يختلطان في نهر واحد.

الأكوان لم تكن تتمزق فحسب... كانت تتداخل. الحدود بين ما هو كائن وما كان يجب أن يكون ذابت تماماً.

ماركوس كان يركض بين لوحات التحكم، شعره الذي كان مرتباً أصبح الآن مشعثاً، وسترته الطبية ملطخة بسائل أزرق يتسرب من الأنابيب المنفجرة.

ماركوس: (يصرخ دون أن ينظر إليّ) لقد تأخرت! التفاعل المتسلسل بدأ! الانهيار وصل إلى المرحلة الحرجة!

نهضتُ بصعوبة، جسدي لا يزال يحمل كدمات المواجهة مع نسختي الوحشية، وروحي مثقلة بكلماته: أنا أنت بلا خوف.

إيثان: ماذا يحدث؟ اعتقدت أنك بترت الأكوان المريضة!

ماركوس: (يستدير، وعيناه تعكسان رعباً حقيقياً) السرطان انتشر أسرع من مشرطي. كل مرة قفزتَ فيها، كل مرة تدخلتَ فيها، خلقتَ شقوقاً مجهرية. الآن، هذه الشقوق اتصلت ببعضها. الواقع ينهار على نفسه. في غضون دقائق، سيصبح الوجود كله مجرد حساء من الجسيمات العشوائية. لا زمن، لا مكان، لا شيء.

فجأة، تموج الهواء بجانبي، وظهرت لينا كروس. لم تخرج من بوابة، بل بدت وكأن الواقع لفظها إلى هنا. كانت تبدو شاحبة، شفافة قليلاً، وكأنها تفقد تماسكها المادي.

لينا كروس: (تلهث، وتمسك ذراعها كأنها مصابة) إيثان... الأصوات... أسمعهم جميعاً يصرخون في رأسي. مليارات النسخ مني تموت في نفس اللحظة.

ركضتُ نحوها وأمسكت بكتفيها لتثبيتها. ملمسها كان بارداً، بارداً جداً.

إيثان: تماسكي يا لينا! سنجد حلاً!

ماركوس: (يضرب بيده على الطاولة المعدنية) لا يوجد حلول يا إيثان! يوجد فقط تضحيات!

شاشة ضخمة في منتصف القاعة أضاءت باللون الأحمر القاني، عارضة مخططاً بيانياً لنقطتين مضيئتين وسط الظلام الدامس.

ماركوس: (يشير للشاشة) انظر. الحسابات انتهت. بقي أمامنا خياران فقط. طريقان لا ثالث لهما، وكلاهما مرير.

تقدمتُ نحو الشاشة، ولينا تستند عليّ، خطواتنا ثقيلة وسط اهتزاز الأرضية المستمر.

إيثان: ما هما؟

ماركوس: الخيار الأول: التثبيت القسري. نستخدم كل الطاقة المتبقية في المفاعل لدمج كل الأكوان في كون واحد فقط. كون هجين. سننقذ الوجود المادي، لكن... الذكريات، التواريخ، الهويات... ستختلط. ستكون فوضى، لكن البشر سيعيشون. سيعيشون وهم لا يعرفون من هم، أو من كانوا.

إيثان: (أبتلع ريقي) مسخ مشوه للحياة. وما الخيار الثاني؟

ماركوس صمت للحظة. نظر إليّ، ثم إلى لينا، ثم عاد لينظر إلى عينّي مباشرة. نظرة فيها حزن عميق، حزن صديق يودع صديقه.

ماركوس: الخيار الثاني هو استئصال الورم.

إيثان: ومن هو الورم؟

ماركوس: أنت.

ساد صمت ثقيل في المختبر، لم يقطعه سوى صوت انهيار مبنى ضخم في أحد الأكوان الظاهرة خلف الزجاج.

ماركوس: أنت المتغير يا إيثان. أنت المسافر الأول. بصمتك الزمنية موجودة في كل تمزق. إذا تمكنا من عزلك... إذا تمكنا من محو وجودك من المعادلة تماماً، ليس قتلك الآن، بل منعك من الوجود كـ مسافر أصلاً...

إيثان: (أكمل الجملة بدلاً منه) ... فإن كل التفرعات ستنهار وتعود إلى الخط الأصلي. الزمن سيصلح نفسه، لكنني... لن أكون موجوداً.

لينا كروس: (تشد على ذراعي بقوة) لا! ماركوس، أنت تطلب منه الانتحار الوجودي! إذا فعل هذا، فلن يذكره أحد. سيمحى من ذاكرة الكون!

ماركوس: (بصوت هادئ ومميت) ومقابل ذلك، ستعود سارة. ستعود إيميلي. سيعود العالم كما كان قبل أن يخترع هذا المجنون آلته. الجميع سيعيشون حياتهم الطبيعية... باستثناء إيثان كول.

نظرتُ إلى الفوضى في الخارج. رأيتُ وجوه الناس المرعوبة في العوالم المتداخلة.

تذكرتُ نسختي الديكتاتورية، ونسختي الوحشية. تذكرتُ كلام المراقب: أنت لست الحل، أنت الفيروس.

ماركوس محق. طالما أنا موجود، طالما لدي القدرة والرغبة في تغيير الماضي، فالكون في خطر. أنا الخطر.

أفلتُّ يدي من لينا برفق، وتقدمتُ خطوة نحو ماركوس.

إيثان: كيف نفعلها؟

ماركوس: (يومئ برأسه احتراماً) غرفة النواة. يجب أن تدخل إلى قلب الطاقة مباشرة. جسدك سيتحلل، وطاقتك ستستخدم كلحام لإغلاق الشقوق.

لينا: إيثان، لا!

استدرتُ إليها. كانت تبكي. دموع حقيقية، ليست دموع لينا المحاربة، ولا لينا العدوة. دموع امرأة ترى شيئاً غالياً يضيع.

إيثان: لينا... لقد رأيتِ النسخ الأخرى مني. رأيتِ ما يمكن أن أصبح عليه. الوحش الذي قابلته للتو... هو أنا بدون خوف. أنا لا أستحق هذه القوة. لكي تعيش إيميلي، لكي تعيشي أنتِ بسلام في كون واحد مستقر... يجب أن أذهب.

لينا: لكنك لا تفهم! في كل الأكوان التي رأيتها... أنت الوحيد الذي كان يحاول دائماً فعل الصواب، حتى لو كانت النتائج كارثية! نيتك كانت نقية!

إيثان: النوايا لا تهم الفيزياء يا لينا.

سرتُ نحو غرفة النواة.

باب دائري ضخم بدأ يفتح ببطء، كاشفاً عن ضوء أبيض ساطع ومحرق في الداخل.

الحرارة كانت تلفح وجهي. وقفتُ على الحافة. نظرتُ إلى ماركوس للمرة الأخيرة.

إيثان: ماركوس... تأكد أنهم سيكونون بخير.

ماركوس: (يضغط زر التشغيل والدموع تلمع خلف نظارته) أعدك.

أغمضتُ عيني، واستعددتُ للخطوة الأخيرة. الخطوة نحو العدم. ولكن... يد ناعمة، لكنها قوية، أمسكت بمعصمي وسحبتني للخلف بقوة هائلة لم أتوقعها.

فتحتُ عيني. لينا كانت تقف بيني وبين النواة. ظهرها للضوء الساطع، ووجهها نحوي. شعرها كان يتطاير بفعل تيار الطاقة، وجسدها بدأ يتوهج.

إيثان: لينا! ماذا تفعلين؟ ابتعدي!

لينا: (تبتسم، ابتسامة حزينة ومليئة بالحب) قلت لك إنني موجودة في كل الأكوان... أنا الثابت. وأنت المتغير.

دفعتني بقوة بعيداً عن الباب.

لينا: المعادلة تحتاج إلى طاقة مفارقة لتغلق. وأنا أكبر مفارقة هنا. ذكرياتي من ألف كون ستكون كافية لإعادة كتابة الواقع.

إيثان: (أحاول النهوض والركض نحوها) لا! الاتفاق كان أنا! ستموتين!

بدأ الضوء يبتلعها. جسدها بدأ يتحلل إلى جزيئات من الضوء الذهبي.

نظرت إليّ، وعيناها العسليتان كانتا آخر ما تبقى واضحاً وسط التوهج.

لينا: في كون ثاني... أنا قتلتك بيدي. وفي هذا الكون ... أنا أختار ان أنقذك.

إيثان: لينا!!!

لينا: (صوتها أصبح صدى بعيداً) لا تجعل تضحيتي تذهب سدى يا إيثان. عش. عش اللحظة التي هربت منها. واجه ألمك... ولا تعد إلى هنا أبداً.

انفجر الضوء. انفجار صامت، أبيض، نقي. ابتلع ماركوس. ابتلع المختبر. ابتلع العوالم المتداخلة. وابتلع لينا التي كانت تذوب وهي تمد يدها نحوي.

شعرتُ بجسدي يتمزق، ليس من الألم، بل من السرعة. كنتُ أسحب للخلف عبر نفق من الضوء والذكريات.

رأيتُ كل شيء يعود أدراجه. المباني تعود لأماكنها. الحرائق تنطفئ. المياه تعود لمجاريها. وآخر شيء رأيته قبل أن يطبق السواد على عيني، كان وجه لينا وهي تهمس بكلمة واحدة لم أسمعها، لكنني قرأتها على شفتيها المتلاشيتين.

وداعاً.

***

فتحتُ عيني. لم يكن هناك انتقال تدريجي من الظلام إلى النور. لم يكن هناك إفاقة بطيئة. كانت عودة مفاجئة، عنيفة، وكأن أحدهم صفع الوجود ليعود إلى مكانه.

شهقتُ بقوة، وسحبتُ كمية هائلة من الهواء إلى رئتي، وكأنني كنتُ أغرق لسنوات تحت سطح الماء.

صدري ارتفع وهبط بعنف. جسدي كان يتصبب عرقاً بارداً، والملاءة ملتصقة بظهري.

جلستُ على السرير بسرعة، وعيني تبحث في الظلام بجنون. أين المختبر الأبيض؟ أين ماركوس؟ أين الانهيار الكوني؟ وأهم من كل ذلك... أين لينا؟

الهدوء. هدوء مطلق يلف الغرفة.

نظرتُ إلى جانبي، نحو المنضدة الصغيرة. الأرقام الحمراء المتوهجة كانت تحدق بي من وسط الظلام.

03:17.

رمشتُ عدة مرات. هل توقفت الساعة؟ أم أنني لم أغادر أبداً؟

مددتُ يدي المرتعشة ولمستُ سطح المنبه البلاستيكي. كان بارداً وواقعياً. الغبار المتراكم عليه ملموس.

نظرتُ إلى يدي. لا توجد آثار حروق من الإشعاع. لا توجد كدمات من قتال نسختي الوحشية. جلدي سليم تماماً، وكأن شيئاً لم يحدث.

إيثان: (أهمس بصوت مبحوح) هل كان حلماً؟ هل فقدت عقلي أخيراً؟

نهضتُ من السرير. ساقاي كانتا ضعيفتين، لكنهما حملتاني.

الأرضية الخشبية تحت قدمي أصدرت نفس الصرير المعتاد في اللوح الثالث من جهة الباب.

كل التفاصيل هنا تصرخ بالواقعية. سرتُ نحو النافذة.

الشارع بالأسفل غارق في سكون ما قبل الفجر.

أعمدة الإنارة المطفأة. لا سيارات. لا وحوش تركض، لا مباني تنهار، لا سماء بنفسجية تحترق.

عدتُ إلى الردهة. وقفتُ أمام المرآة. تذكرتُ الرعب الذي شعرتُ به في المرة الأولى حين تأخر انعكاسي. رفعتُ يدي ببطء أمام وجهي. في المرآة، ارتفعت اليد في نفس اللحظة تماماً.

حركتُ رأسي يميناً ويساراً. الانعكاس كان متزامناً بدقة تامة. الفيزياء تعمل. الضوء والزمن يسيران في خطوط مستقيمة. العالم أُصلح.

لكن... لماذا أشعر بهذا الثقب في صدري؟

وضعتُ يدي على قلبي. الألم كان حقيقياً. ذكرى لينا وهي تتلاشى في الضوء الأبيض كانت واضحة وحادة كشفرة سكين.

لا يمكن أن يكون عقلي قد اختلق كل ذلك.

تفاصيل وجهها، رائحة البارود والياسمين، صوت ماركوس اليائس، برودة نظرة نسختي الشريرة.

إيثان: (أنظر لانعكاسي) هي ضحت بنفسها... لتعيدني إلى هنا. لتعيد كل شيء إلى نقطة الصفر.

دخلتُ إلى المختبر في غرفة المعيشة.

جهاز Chronos-1 كان يقبع هناك، كتلة صامتة من المعدن والأسلاك.

المؤشرات كلها مطفأة. القاطع الرئيسي في وضعية الإغلاق. لم أقم بتشغيله بعد. في هذا الخط الزمني، أنا لم أضغط على الزر. لم أمزق الواقع.

سرتُ حول الجهاز، أتلمس برودة المعدن. كل شيء يبدو طبيعياً... زيادة عن اللزوم.

هناك نظافة غريبة في الجو. ليس نظافة الغبار، بل نظافة في الإحساس.

وكأن العالم تم غسله بمبيض قوي أزال منه كل الألوان والشوائب. الهواء ساكن لدرجة الاختناق. جلستُ على الكرسي أمام الجهاز.

إيثان: إذن... هذا هو الثمن. أنا حي. العالم آمن. لكنني وحيد. وحيد مع ذكريات لا يشاركني فيها أحد في هذا الكون.

نظرتُ إلى الساعة المعلقة على الحائط. العقرب يتحرك ببطء شديد.

تيك... تيك... تيك.

مرت دقيقة. أصبحت الساعة 03:18.

الزمن يتقدم. لقد كسرتُ الحلقة. لقد نجوت.

شعور غريب بالفراغ بدأ يتسلل إليّ. ليس فراغ الوحدة، بل فراغ المعنى.

إذا كانت كل تلك الأكوان قد مُحيت، فهل كانت موجودة أصلاً؟

هل تضحية لينا حقيقية إذا لم يتذكرها أحد غيري؟

أنا الشاهد الوحيد. أنا المقبرة الحية لكل تلك الاحتمالات.

وفجأة... قطع الصمت صوت رنين. قفز قلبي في صدري. الهاتف الأرضي في الردهة. نفس الهاتف. نفس الرنين الحاد الذي سمعته في بداية الكابوس.

تجمّدتُ في مكاني. هل يعقل؟ هل عادت الدائرة لتدور؟ لكن المرآة كانت طبيعية.

الزمن يتقدم. ماركوس ولينا أصلحوا كل شيء. من يتصل في الثالثة فجراً؟

رن الهاتف للمرة الثانية.

وقفتُ وسرتُ ببطء نحو الردهة، وكأنني أسير نحو حبل المشنقة. كل خطوة كانت تزن طناً.

رن للمرة الثالثة. وصلتُ إلى الهاتف. يدي امتدت نحو السماعة. كانت ترتجف، تماماً كما حدث في المرة السابقة.

إيثان: (أحدث نفسي) لا ترد. إذا رددت، سيبدأ كل شيء من جديد.

رن للمرة الرابعة. الصوت كان يصرخ بي: ارفع السماعة.

لم أستطع المقاومة. الفضول، الرعب، والأمل الغريب في أن أسمع صوتاً يعرف ما مررت به.

رفعتُ السماعة ووضعتها على أذني ببطء. حبستُ أنفاسي.

إيثان: ... ألو؟

صمت لثانية واحدة على الطرف الآخر. ثم جاء الصوت. لم يكن صوتي الأكبر سناً كما في المرة الأولى. لم يكن صوت ماركوس. ولم يكن صوت لينا.

كان صوتي أنا... لكنه بدا ميتاً. صوت خالٍ من أي مشاعر، صوت يشبه صوت المراقب في حياده، لكن بنبرتي البشرية. الصوت الذي يأتيك من قاع بئر عميق.

الصوت: وصلت متأخراً.

انقطع الخط. وعادت نغمة الحرارة المستمرة.

توت... توت... توت...

أنزلتُ السماعة ببطء وأنا أحدق في الفراغ.

وصلت متأخر. نظرتُ إلى المنبه الرقمي في غرفة النوم من موقعي. كانت الأرقام تشير إلى 03:17. مرة أخرى.

لكن العقرب في ساعة الحائط كان قد تحرك سابقاً.

كيف عادت؟

ركضتُ نحو المرآة. نظرتُ إلى وجهي. أنا أصرخ في المرآة، وفمي مفتوح.

لكن الانعكاس... الانعكاس كان يبتسم.

ابتسامة هادئة، باردة، ومخيفة. ابتسامة إيثان الذي بلا خوف.

أدركتُ الحقيقة في تلك اللحظة المرعبة.

لينا لم تنقذني بإعادتي للماضي.

لينا دفعتني إلى غرفة انتظار.

أنا لم أعد للبداية.

أنا الآن... خارج الزمن تماماً.

أنا المراقب الجديد.

والرنين سيتكرر.

إلى الأبد.

 

 

تمت
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.