مملكة الرماد (رواية مكتملة)
مملكة الرماد
نجت "نور" من عاصفة بحرية مميتة لترسو بيختها المحطم على شاطئ جزيرة استوائية تبدو كقطعة من الجنة، لكن الجنة كذبة تنتهي مع آخر خيط لغروب الشمس. في الظلام، تستيقظ قوانين أخرى، وتزحف كائنات بلا عيون تتغذى على الخوف وتخشى الضوء الذي يمثل سلاح نور الوحيد للنجاة. كل ليلة هي معركة استنزاف، وكل جرح تكتشفه في جسدها هو تذكرة عبور بطيئة لعالم أشد رعبًا يختبئ داخل فنار الجزيرة المهجور. هل ستتمكن من إبقاء شعلتها مضيئة وتنقذ ما تبقى من إنسانيتها قبل أن ينفد الوقود؟ أم أن الخلاص الحقيقي يكمن في إطفاء النور للأبد.. واكتشاف ما ينتظرها في العتمة؟
فتحت عيني بصعوبة، جفوني كانت تقيلة كأن فيها رمل، أو يمكن ده كان رمل فعلاً.
أول حاجة حسيت بيها كانت السخونية.. شمس حامية ضاربة في ضهري، وصوت الموج الهادي وهو بيخبط بإيقاع منتظم، إيقاع مستفز عكس الدوشة اللي كانت في ودني من شوية.
حاولت أقوم، بس جسمي كله كان مكسر.
كل عضلة بتصرخ.
تفيت رمل ومية مالحة كانت محشورة في زوري، وأخدت أول نفس طويل.
الهوا كان نضيف.. نضيف بزيادة.
ريحته فيها يود وملح وشجر استوائي.
بصيت حواليا وأنا لسه نايمة على بطني، الرؤية كانت مشوشة، ألوان زرقا وصفرا داخلة في بعضها.
لما قدرت أركز، الصدمة خلتني أنسى الوجع ووقفت مرة واحدة.
قدامي، على بعد كام متر، كان لومينا.
أو اللي باقي منه.
اليخت بتاعي، شريك رحلتي، وحلمي اللي بقالي سنين بجهزلوا.. كان عبارة عن هيكل مكسور نصه غاطس في المية والنص التاني مرمي على الشط كأنه لعبة طفل زهق منها وكسرها.
نور: لا.. لا مستحيل!
صوتي طلع مبحوح، ضعيف، والكلمة دابت في الهوا ولا كأن حد سمعها.
جريت ناحية الحطام، رجلي كانت بتغرز في الرمل الناعم، وكل خطوة كانت بتفكرني بآخر حاجة فاكراها.
كنت ماسكة الموبايل، الكاميرا شغالة لايف.
يا جماعة، الموج عالي أوي النهاردة، بس لومينا قدها، دي مجرد عاصفة استوائية وهتعدي.. استنوني بكرة هكون عديت خط العرض وهحتفل معاكم.
الكومنتات كانت بتجري بسرعة: خدي بالك يا نور، الجو شكله مش مطمن، ارجعي.
وأنا كنت بضحك ببرود أعصاب مصطنع عشان المتابعين، وعشان الرعاة اللي دافعين أرقام خيالية.
بعدها بدقائق.. الدنيا اتقلبت.
الموجة مكنتش مية، كانت حيطة سودا بلعتني أنا واليخت.
وصلت عند الحطام، وبدأت أدور بجنون وسط الخشب والفايبر جلاس المتكسر.
شنطة المعدات، الأكل، المية.. أي حاجة.
نور: يا رب، مش هينفع أموت هنا.. مش بعد كل ده.
لقيت صندوق الطوارئ البلاستيك، لونه البرتقاني كان باين وسط الركام.
فتحته بلهفة وإيدي بتترعش.
إشارة ضوئية -فلير-، علبة اسعافات أولية صغيرة، ولاعة، وكشاف يدوي.. وبطاريات احتياطي.
حضنت الصندوق كأنه كنز.
دي الحاجات اللي هتخليني عايشة لحد ما فرق الإنقاذ توصل.
أكيد شافوا اللايف، أكيد عارفين إحداثياتي قبل ما الـ GPS يفصل.
قعدت على الرمل، وبدأت أبص للجزيرة لأول مرة بتركيز.
المكان كان.. خيالي.
بجد، لو شوفت صورة للمكان ده في مجلة سياحة هقول فوتوشوب.
المية تركواز صافية لدرجة إنك شايف الصخور والمرجان تحتها، الرمل أبيض كإنه بودرة ناعمة، والنخل والشجر الكثيف ورايا لونهم أخضر زاهي ومغري.
مفيش زبالة بلاستيك، مفيش صوت عربيات، مفيش أي أثر لبشر.
جنة.
أنا وقعت في جنة.
نور: ماشي يا نور.. إهدي.. إنتي عايشة.. معاكي ماية تكفيكي يومين لو دورتي في الحطام هتلاقي أكتر.. معاكي وسيلة إشارة.. المكان هنا أمان.. مفيش حيوانات مفترسة في الجزر الصغيرة دي.
كنت بكلم نفسي بصوت عالي عشان أتأكد إني لسه موجودة، وعشان أكسر حاجز الصمت الغريب اللي في المكان.
الصمت كان هو الحاجة الوحيدة اللي مش راكبة.
مفيش صوت طيور.
طبيعي في جزر زي دي تسمع صوت طيور النورس، أو أي طيور استوائية بتصرخ في الغابة.
لكن هنا.. مفيش غير صوت الموج، وصوت نفسي المكتوم.
قضيت الساعات اللي بعد كده بشتغل زي الآلة.
ده كان طبعي، لما بتوتر بشتغل.
بدأت أجمع أي خشب ناشف من الحطام وأركنه على جنب عشان أعمل نار بالليل.
مش عشان البرد، الجو كان حر، بس عشان الإشارة.
أي طيارة معدية لازم تشوف دخان أو نار.
سحبت شراع ممزق من اليخت وعملت بيه خيمة بدائية ثبتها بين نخلتين على طرف الغابة، بعيد عن المية شوية عشان المد والجزر.
وأنا بظبط الخيمة، لاحظت حاجة غريبة في الرمل عند طرف الغابة.
كان فيه آثار.. مش آثار أقدام.
حاجة تانية.
كأن حد كان بيزحف، أو بيجر حاجة تقيلة.
الخطوط كانت متداخلة وعشوائية.
قلبي دق بسرعة للحظة، وبعدين ضحكت على نفسي.
نور: سلاحف.. أكيد سلاحف بتطلع تبيض هنا.
رجعت أكمل شغل.
الشمس كانت بدأت تميل للغروب.
وهنا حصلت أول حاجة خوفتني بجد.
الغروب مكنش تدريجي.
في العادي، السما بتحمر، وبعدين الدنيا بتبقى برتقاني، وبعدين شفق، وبعدين ضلمة.
عملية بتاخد وقتها.
لكن هنا، بمجرد ما قرص الشمس لمس المية.. الضوء اتسحب من الكون.
كأن حد ماسك ديمر (مفتاح نور) ووطاه فجأة.
الظل بتاع النخل طول بسرعة مرعبة، والألوان الزاهية بتاعة الجزيرة اتحولت لرمادي كئيب في ثواني.
قعدت قدام الخيمة بتاعتي، ولعت نار صغيرة باستخدام الخشب اللي جمعته.
النار كانت بتطقطق وصوتها بيديني ونس كداب.
طلعت الكشكول بتاعي من شنطة الضهر اللي كانت لسه متعلقة بكتفي وقت الغرق (عازلة للمية، نعمة من عند ربنا).. والقلم الجاف.
فتحت صفحة جديدة.
التاريخ: مش عارفة.
الوقت: بعد الغروب.
كتبت: اليوم الأول.
المركب راحت.
أنا لوحدي في جزيرة مجهولة.
المكان شكله أمان، بس هادي بزيادة.
عندي أمل إن بكرة حد هيعدي.
لازم أوفر في الأكل والمية.
قفلت الكشكول وبصيت للنار.
فجأة، حسيت ببرودة غريبة مش في الجو.. في عضمي.
الصمت اللي كان قلقني الصبح، اتبدل.
سمعت صوت جاي من عمق الغابة اللي ورايا.
صوت طقطقة.. زي ما يكون حد بيكسر عضم ناشف.
طقطقة.. وسكون.. وبعدين صوت حفيف على الرمل.
مسكت الكشاف اليدوي بتاعي ونورته ناحية الصوت.
شعاع النور قطع الضلمة الحالكه ودخل بين الشجر.
مفيش حاجة.
مجرد جذوع نخل وشجيرات متشابكة.
طفيت النور عشان أوفر البطارية.
نور: تهيؤات.. إنتي تعبانة ومرهقة يا نور... نامي.
حطيت راسي على الشنطة وحاولت أغمض عيني.
النار كانت هادية جنبي.
بس الصوت رجع تاني.
المرة دي أقرب.
ومش من اتجاه واحد.
من اليمين.. ومن الشمال.
قمت قعدت بسرعة، قلبي كان بيدق في زوري لدرجة إني حاسة إني هتقيأه.
مسكت حتة خشبة مولعة من النار في إيدي اليمين، والكشاف في إيدي الشمال.
نور: مين هناك؟.. في حد هنا؟
سؤالي كان غبي.
مين هيكون هنا؟
الرد جالي بطريقة خلت الدم يتجمد في عروقي.
صوت هسسسس طويل.. زي فحيح تعبان ضخم، بس طالع من حنجرة بشرية.
وبعدين، شوفتهم.
على حدود الضوء الخافت بتاع ناري، خرج أول واحد من بين الشجر.
كان طويل، جسمه هزيل جداً لدرجة إن ضلوعه باينة ومغطية بجلد لونه رمادي زي الرماد.
واقف على أربع أطراف زي الحيوان، بس تركيبه التشريحي بشري.. إيدين ورجلين.
الرعب الحقيقي مكنش في جسمه.
كان في وشه.
مفيش ملامح.
مفيش مناخير، مفيش شفايف، بس فتحة بوق واسعة مليانة سنان صغيرة ومشرشرة.
والألعن.. مفيش عيون.
مكان العين كان جلد أملس وممسوح تماماً.
نور: .. اا.. ااه..
الصوت اتحبس.
رجعت لورا خطوة، واتكعبلت في الخشب.
الكائن ده رفع راسه لفوق، كأنه بيشم الهوا.
وبعدين لف وشه ناحيتي بالظبط.
هو مش شايفني.. هو شامم خوفي.
هو سامع دقات قلبي.
فجأة، طلع وراه اتنين كمان.
نفس الشكل، نفس الجلد الرمادي المقزز.
بدأوا يقربوا.. حركتهم سريعة ومتقطعة زي العناكب.
واحد منهم قرب من دايرة النور بتاعة النار بتاعتي، وفجأة صرخ.
صرخة خلتني أحط إيدي على ودني من كتر حدتها.
الكائن رجع لورا بسرعة واتكور على نفسه وهو بيحمي وشه بدراعاته الطويلة.
لاحظت حاجة.. جلده كان بيدخن لما قرب من النور!
فهمت في لحظة.
النور بيوجعهم.
النور هو اللي حاميني.
بسرعة، رميت الخشبة المولعة اللي في إيدي ناحيتهم.
الخشبة وقعت قريب منهم، والشرار طار في الهوا.
التلاتة صرخوا في نفس النفس ورجعوا لورا جوه ضلمة الغابة، بس ممشيوش.
أنا سامعة صوتهم.
واقفين هناك.
مستنيين.
مستنيين النار تنطفي.
بصيت على كومة الخشب اللي جمعتها.
كانت صغيرة.
مش هتكفي ساعة كمان.
ولو النار انطفت.. هيمزقوني.
جريت على شنطة الطوارئ، طلعت مسدس الشماريخ.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إن الطلقة وقعت مني في الرمل.
نور: ركزي.. ركزي يا غبية! جبت الطلقة وحشيتها في المسدس.
رفعت إيدي وضربت طلقة في الهوا، مش عشان حد يشوفني.. لا.. عشان أنور المكان.
الشمروخ انطلق بصفارة عالية، وانفجر فوقنا بلونه الأحمر الدموي.
الجزيرة كلها نورت للحظات بضوء أحمر مرعب.
وفي الضوء ده.. شوفت الكابوس.
مكانوش تلاتة.
الشط كله، وحدود الغابة.. كان مليان بيهم.
عشرات.. يمكن مئات.
واقفين صامتين، وشوشهم الممسوحة باصة ناحيتي.
جيش من المسوخ الرمادية، واقفين مستنيين اللحظة اللي الضوء الأحمر ده يختفي فيها.
الشمروخ بدأ ينزل ببطء وهو بيتحرق، والظلال بدأت ترجع تاكل المكان تاني.
عرفت ساعتها إن الليلة دي مش هتكون ليلة نوم.
دي ليلة حرب.
القاعدة الأولى في الجزيرة دي اتكتبت دلوقتي في عقلي بحروف من رعب: أوعى النور يطفي.
جمعت كل ورقة، كل خشبة، كل فتفوتة بلاستيك من الحطام جنبي، وبدأت أغذي النار بجنون.
النار بتعلى، وهم بيبعدوا خطوة.
النار تهدى، أسمع صوت زحفهم بيقرب خطوة.
لعبة توازن مميتة.
أنا، وشوية خشب، ضد مملكة كاملة من الظلام.
الساعات كانت بتمر زي السنين.
عيني مابتغمضش.
كل عضلة في جسمي مشدودة.
كنت قاعدة ضامة رجلي لصدري، ماسكة السكين الصغير اللي كان في شنطتي، وعيني بتتنقل بين حدود الظلام وبين لهب النار اللي بياكل الخشب بسرعة مرعبة.
بدأت أكلمهم.. أو أكلم نفسي، مش عارفة.
نور: مش هتاخدوني.. سامعين؟ أنا موصلتش لهنا عشان انتهي وجبة لمسوخ عميـة زيكم!
رميت كتاب كنت واخداه معايا للقراءة في النار.
الورق ولع بسرعة واداني دقيقتين إضافيين من الضوء والأمان.
يا للسخرية.. الثقافة والأدب بيتحرقوا عشان أنجو بحياتي البدائية.
ومع أول خيط للفجر.. مع أول لون رمادي يظهر في السما من ناحية الشرق.. حصلت المعجزة العكسية.
زي ما الظلام نزل فجأة، الضوء بدأ يكسر شوكتهم.
مجرد ما السما بدأت تنور، الكائنات دي بدأت تصرخ بصوت واطي ومتألم، وجريوا كلهم بسرعة رهيبة ناحية عمق الغابة، كأن الشمس بتحرق جلدهم زي النار بالظبط.
لما الشمس طلعت بالكامل، ورجعت الجزيرة لشكلها الجنة البريء، كنت أنا قاعدة وسط دايرة من الرماد، وشي مهبب بالسواد، وعيني حمرا من قلة النوم والدخان.
بصيت للنار اللي كانت خلاص عبارة عن جمر بيموت.
وبصيت للغابة الخضرا الجميلة اللي بتلمع تحت الشمس.
دلوقتي بس فهمت الخدعة.
الجزيرة دي مش جنة.
الجزيرة دي فخ.
بالنهار بتديك الأمان، وبالليل بتسحب الروح.
قمت وقفت، وبصيت لجسمي.. سليم، مفيش خدوش كبيرة غير كدمات الغرق.
بس وأنا بنفض الرمل عن دراعي، لاحظت حاجة.
في دراعي الشمال، كان فيه خدش صغير.. جرح سطحي جداً، يمكن من صخرة أو خشب الحطام.
بس الجرح مكنش بينزف دم أحمر.
كان فيه سائل أسود لزج، زي الزفت، متجمع على الجرح.
مسحته بصباعي، ولما شميته، كانت ريحته زي ريحة الحريق.. زي ريحة الرماد.
قلبي اتقبض.
ده مش مجرد جرح وتلوث.
دي كانت بصمة المكان عليا.
أنا لسه معرفش وقتها.. إن الجرح ده هو بداية النهاية، وإن اللي شوفته إمبارح بالليل كان مجرد ترحيب بسيط.
وقفت، وأخدت قرار.
مش هينفع أفضل على الشط المكشوف ده.
لازم ألاقي مكان أحصن فيه نفسي قبل ما الليل ييجي تاني.
ولازم ألاقي مصدر ضوء دايـم.
الخشب اللي على الشط خلص تقريباً في ليلة واحدة.
بصيت ناحية أعلى نقطة في الجزيرة.. كان فيه تلة صخرية عالية وسط الغابة.
وهناك.. شوفت حاجة خلت الأمل يرجع، وفي نفس الوقت خلت القلق يزيد.
مبنى قديم.. شكله زي فنار مهجور.
فنار يعني ضوء.
وضوء يعني حياة.
بس عشان أوصله.. لازم أدخل الغابة.
لازم أدخل بيتهم.
نور: يا نعيش.. يا نموت واحنا بنحاول.
شديت شنطتي على ضهري، ومسكت السكينة، وأخدت أول خطوة ناحية الجحيم الأخضر.
أول ما عديت خط الأشجار الفاصل بين الشط والغابة، حسيت بتغيير فوري في الجو.
الهوا مكنش بس أبرد، لا، كان أتقل.
الرطوبة هنا كانت بتلزق في الجسم، وريحة المكان كانت خليط بين عفن الورق المبلول وحاجة تانية.. ريحة حديد مصدي أو دم قديم.
الشمس اللي كانت بتحرق ضهري على الشط، هنا بقت مجرد خيوط ضوء رفيعة بتعافر عشان تعدي من بين فروع الشجر المتشابكة فوقي زي السقف المقفول.
مشيت بحذر، عيني على الأرض عشان أتفادى الجذور البارزة اللي طالعة من الأرض زي التعباين الضخمة، وعيني التانية بتلف في كل حته حواليا.
الهدوء هنا كان ليه طعم تاني.. طعم الترقب.
كل خطوة كنت بخطيها على الورق الناشف كانت بتعمل صوت خشخشة بيسمع في الغابة كلها، وكنت بوقف كل كام متر، أكتم نفسي، وأسمع.
نور: مفيش حاجة.. مفيش غير الشجر... كملي.
كنت بكلم نفسي بصوت واطي جداً، خايفة حتى صوتي يستفز حاجة نايمة في الظل.
الطريق للفنار مكنش سالك.
الغابة كانت عبارة عن متاهة من النباتات المتسلقة والصخور الحادة.
الفنار كان باين من الشط إنه قريب، لكن جوه الغابة، المسافات بتخدع.
كل ما أمشي، أحس إنه بيبعد، أو إن الغابة بتتمط عشان تأخر وصولي.
بعد حوالي ساعة مشي، العطش بدأ يقرصني في حلقي.
طلعت إزازة المية المعدنية اللي لقيتها في الحطام.
كانت نصها مليان.
نور: بوق واحد بس.. بوق واحد يا نور.
شربت شوية صغيرين، المية كانت دافية وطعمها بلاستيك، بس نزلت في زوري زي الترياق.
قعدت أريح دقيقة على جذع شجرة ضخم واقع على الأرض ومغطيه طحالب خضرا.
وأنا قاعدة، عيني جت على دراعي الشمال تاني.
الجرح.
شمرت الكم المبلول عرق وبصيت عليه بتركيز في ضوء النهار الخافت اللي نازل من بين الورق.
الخضة خلتني أقوم أقف.
الجرح مكنش بيلم.
بالعكس، كان شكله اتغير تماماً عن الصبح.
الخدش الصغير كان وسع، والحواف بتاعته مبقتش حمرا وملتهبة زي الجروح العادية..
كانت رمادية.
واللون الأسود اللي كان مجرد سائل لزج الصبح، دلوقتي كان بدأ يرسم خطوط رفيعة جداً تحت جلدي، زي شبكة عنكبوت سودا بتمتد من الجرح وطالعة لفوق ناحية كتفي.
مفيش وجع.. ودي كانت المصيبة.
مفيش أي إحساس بالألم، بس فيه إحساس تنميل بارد، كأن الدم اللي ماشي في عروقي في المنطقة دي اتبدل بمية ساقعة بتجري ببطء.
نور: ده إيه ده؟.. تسمم؟ غرغرينا؟
حاولت أضغط على المنطقة اللي حوالين الجرح عشان أنزل أي صديد أو دم فاسد.
اللي خرج مكنش دم.
خرجت نقطة سودا تقيلة، زي الزيت المحروق، وقعت على ورقة شجر خضرا جنبي.
بصيت بذهول للورقة.. النقطة السودا بدأت تاكل في الورقة.
الورقة دبلت واسودت في المكان اللي النقطة لمستها فيه، كأنها اتحرقت بنار غير مرئية.
مسحت إيدي في بنطلوني بسرعة ورعب حقيقي بدأ يتملك مني.
أنا مش بس محبوسة في جزيرة مع وحوش.. أنا في حاجة بتمشي جوه جسمي.
حاجة غريبة.
الوحوش دول.. مكنوش بياكلوني ليلة إمبارح..
يمكن كانوا بيحاولوا يغيروني؟ الفكرة دي لوحدها خلتني عايزة أرجع أصرخ، بس كتمت الصرخة.
الصريخ مش هيحل حاجة.
الصريخ هيجيبهم.
بصيت لساعتي، العقارب كانت واقفة، باظت من المية.
بس الشمس كانت بدأت تميل.
الوقت بيجري أسرع مما أتخيل.
لازم أتحرك.
لازم أوصل لمكان عالي ومكشوف قبل الليل.
الغابة دي بالليل هتتحول لمقبرة لو فضلت فيها.
كملت مشي، بس المرة دي بخطوة أسرع.
كنت بضرب الفروع بالسكينة عشان أوسع لنفسي طريق.
فجأة، الجو بدأ يتغير تاني.
الهوا تقل أكتر، والسما اللي كانت زرقا صافية فوق الشجر، بدأت تتغطى بسحاب رمادي تقيل وكثيف.
صوت رعد مكتوم سمعته من بعيد، هز الأرض تحت رجلي.
لا.. لا مش وقت مطر.
المطر يعني الخشب هيتبل.
المطر يعني مفيش نار.
ومفيش نار.. يعني موت.
نور: يا رب.. متعملش فيا كده.. مش النهاردة.
بدأت أجري.
مبقاش هاممني الصوت اللي بعمله.
كنت بتكعبل وأقوم، وأكمل جري.
عيني بتدور على أي كهف، أي تجويف صخري، أي حاجة أستخبى فيها.
نقط المطر بدأت تنزل.
كانت تقيلة وسخنة.
مع كل نقطة بتنزل، ريحة الغابة كانت بتتحول لريحة عفونة نفاذة.
السما ضلمت بدري عن ميعادها بسبب السحاب.
الغابة دخلت في مرحلة نصف الضوء.. المرحلة اللي الخيالات بتبدأ تلعب فيها بعقلك.
وأنا بجري، لمحت حاجة على يميني.
مش كهف.. كانت زي خيمة معمولة من جلد وشجر، بس قديمة ومتهالكة.
وقفت وبصيت عليها وأنا بنهج.
دي علامة إن كان في بشر هنا قبل كده.
قربت بحذر، السكينة في إيدي.
نور: في حد هنا؟
مفيش رد.
زقيت الجلد المتهالك ودخلت.
المكان كان ضيق، يادوب يساع شخص واحد نايم.
الريحة جوه كانت لا تطاق.
على الأرض، لقيت بقايا..
مش عضم.. لقيت ملابس.
جاكيت مقطع، جزمة جلد قديمة، وشنطة قماش متاكلة.
فتشت في الشنطة بسرعة، إيدي بتترعش.
لقيت كشكول.. كان مبلول ومليان عفن، ومعاه قلم رصاص.
فتحت الكشكول، الورق كان لازق في بعضه، والكتابة باهتة.
قدرت أقرأ جملة واحدة بس مكتوبة بخط كبير وضاغط على الورق في صفحة في النص: بيخافوا من الضوء.. بس الضوء بيجيب الأكبر منهم.
الرعد ضرب تاني، والمرة دي كان فوقي بالظبط.
المطر نزل زي السيول.
الخيمة دي مش هتحميني.
المية بدأت تدخل من كل حتة.
والجملة اللي قريتها رنت في ودني.. الضوء بيجيب الأكبر منهم.
يعني إيه؟ يعني النار اللي عملتها إمبارح كانت غلط؟
لخبطة.. رعب.. وتشتت.
خرجت من الخيمة وبصيت حواليا.
لمحت تجويف صخري طالع من جانب تل صغير على بعد خمسين متر.
ده الحل الوحيد.
جريت تحت المطر، الزحلقة كانت هتكسر رقبتي مرتين.
وصلت للتجويف، رميت شنطتي جوه ودخلت زحف.
المكان كان ضيق، وريحته تراب، بس كان ناشف.
قعدت وضهري للحيطة الصخرية، وبصيت بره.
الغابة بقت شلال مية.
الدنيا ضلمت تماماً.
الليل نزل.
وأنا معيش خشب ناشف.
معيش نار.
طلعت الكشاف اليدوي.
ده أملي الوحيد.
نور: البطارية.. يا رب البطارية تكفي.
شغلت الكشاف وحطيته جنبي، موجهة نوره لمدخل التجويف الصخري.
ضوء أبيض بارد ومخروطي بيقطع ستارة المطر والضلمة.
قعدت أضم ركبي لصدري، البرد بدأ يتسرب لجسمي بسبب هدومي المبلولة.
بس البرد مكنش هو المشكلة.
المشكلة كانت في اللي أنا حساه في دراعي.
الجرح بدأ ينبض.
مش نبض القلب.. نبض تاني.. منتظم.. وتقيل.
وكل نبضة، كنت بسمع معاها صوت بره في الغابة.
نبضة.. (صوت فرع بيتكسر).
نبضة.. (صوت زحف على الطين).
نبضة.. (صوت فحيح مخنوق).
هم جم.
ومش محتاجين يشوفوني.
الجرح اللي في دراعي ده.. عامل زي جهاز تتبع (GPS) ليهم.
هم شامين ريحة عفنهم فيا.
بصيت لمدخل التجويف.
في وسط صوت المطر، شوفتهم.
مش واحد ولا اتنين.
كانوا واقفين في نص الدايرة اللي راسمها ضوء الكشاف بتاعي.
المرة دي كانوا مختلفين.
مش خايفين أوي زي إمبارح.
واقفين بيترعشوا تحت المطر، جلدهم الرمادي بيلمع باللزوجة.
عيونهم الممسوحة موجهة ليا.
وواحد منهم.. كان أكبر من الباقيين.. حجمه ضخم، وضهره محني بحدبة كبيرة، قرب ببطء من حدود الضوء.
مد إيده الطويلة، اللي صوابعها بتنتهي بضوافر سودا زي الخناجر، ناحية النور.
كان بيختبره.
حط صباعه في الضوء.. جلده دخن وطلع صوت تششش، سحب إيده بسرعة.
بس مخرخش.
مصوتش.
أصدر صوت قرقرة واطي من زوره.. صوت ضحكة؟ ولا صوت أمر؟
نور: ابعدوا.. ابعدوا عني!
صوتي كان مهزوز، ضعيف.
الكائن الضخم شاور بإيده للباقيين.
بدأوا يتحركوا.
مش بيهجموا مرة واحدة.
بيتحركوا في دوائر حوالين مدخل التجويف.
بيحاصروني.
عايزين يخلصوا بطارية الكشاف.
عارفين إن الضوء ده مش أبدي.
قاعدين مستنيين اللحظة اللي النور فيها يرمش ويموت.
مسكت السكينة في إيد، والمسدس بتاع الشماريخ في الإيد التانية.
باقي معايا طلقتين بس.
لو ضربت واحدة دلوقتي، هشوفهم كلهم، بس هخسر سلاح.
ولو استنيت.. ممكن يهجموا في الضلمة قبل ما ألحق أضرب.
فجأة، حسيت بحاجة جوه التجويف معايا.
صوت خربشة ورايا.
لفيت الكشاف بسرعة للعمق المضلم بتاع التجويف الصخري اللي أنا قاعدة فيه.
نفسي اتقطع.
مكنش كهف فاضي.
في الركن، في أقصى الضلمة، كانت فيه مجموعة من العضم.. جماجم بشرية.. مرصوصة بشكل هرمي دقيق.
وعلى الحيطة فوق الجماجم، مرسومة رسمة بدائية بمادة سودا.. نفس المادة اللي بتخرج من جرحي.
الرسمة كانت شكل فنار.
وتحت الفنار.. ناس ساجدين.
دماغي لفت.
المكان ده مش مجرد جحر حيوانات.
دي مزار.
ده مكان مقدس ليهم.
أنا دخلت معبدهم بالغلط.
عشان كده الكبير بتاعهم واقف بره ومهجمش لسه.. هو مش عايز ياكلني بس.. هو عايزني قربان.
رجعت ضهري للحيطة، وعيني على المدخل وعيني على الجماجم.
المطر بره كان بيزيد، وصوت الرعد بيغطي على صوت أنفاسهم.
الساعات بتعدي ببطء قاتل.
كل شوية الكشاف يرمش.. وقلبي يوقف معاه.
وأخبط عليه بإيدي عشان يرجع ينور قوي تاني.
مع كل رمشة للكشاف، الكائنات دي بتقرب خطوة.
بقوا على بعد مترين من المدخل.
أنا شايفة سنانهم بوضوح.
شايفة اللعاب اللي نازل من بقهم اللي ملوش شفايف.
نور: مش هموت هنا.. مش هنتهي عضم في الركن ده.
بصيت للجرح في دراعي.. السواد وصل للكوع.
حسيت برغبة غريبة.. رغبة إني أطفي النور.
صوت جوايا بيوشوشني: اطفي النور والوجع هيروح.. اطفي النور وهتبقى واحدة مننا.. مفيش خوف في الضلمة.
هزيت راسي بعنف عشان أطرد الصوت ده.
دي هلوسة.
دي الحمى.
وفجأة..
الكشاف انطفى.
مش رمش.. ده فصل تماماً.
الضلمة طبقت عليا زي الكفن.
سمعت صوت حركتهم الجماعية.. صوت اندفاع ناحية المدخل.
صرخت، ورفعت مسدس الشماريخ وضربت من غير تفكير ناحية المدخل.
الطلقة خبطت في صدر الكائن الضخم اللي كان في الوش.
انفجرت فيه.
النار مسكت في جلده الرمادي، وتحول لكتلة لهب بتصرخ بصوت يشبه صوت القطر.
رجع لورا وهو بيخبط في اللي حواليه، النار مسكت في اتنين كمان جنبه.
الريحة كانت بشعة..
ريحة شياط لحم فاسد.
استغليت حالة الهرجلة والرعب اللي هم فيها.
طلعت من التجويف جري.
مشيت وسطهم وهم بيحاولوا يطفوا نفسهم في مية المطر والطين.
دوست على أطرافهم، زقيت واحد كان بيحاول يمسك رجلي.
وجريت.
جريت في الغابة الضلمة، معتمدة بس على ضوء البرق اللي كان بينور الطريق كل كام ثانية زي الفلاش المتقطع.
كل برقة، أشوف شجر، وجذور، وخيالات بتجري ورايا.
رجلي كانت بتغرز في الطين، والشوك بيقطع وشي وإيدي.
بس مكنتش حاسة بحاجة غير الخوف.
وفجأة، الأرض اختفت من تحت رجلي.
كنت بجري بسرعة ومخدتش بالي من المنحدر.
وقعت.. اتدحرجت على صخور وطين وشوك لمسافة طويلة جداً.
جسمي كان بيتخبط في كل حاجة، والسكينة طارت من إيدي.
لحد ما خبطت في جذع شجرة كبير وقف سقوطي.
الضربة كانت قوية.
الهوا خرج من صدري.
نمت على ضهري، باصة للسما اللي بتمطر، ومش قادرة أتحرك.
حاولت أقوم.. مقدرتش.
أنا انتهيت.
هم جايين.
أنا سامعة صوتهم فوق المنحدر.
بس وأنا باصة لفوق.. شوفت حاجة خلت عيني تدمع.
مش من الوجع.. من الأمل الكاذب.
من بين فتحات الشجر.. وعلى بعد مش كبير أوي.. شوفت شعاع ضوء قوي بيلف.
الفنار كان شغال! مكنش مهجور زي ما افتكرت.
في كهربا.. في نور.. في بشر!
نور: هناك.. النجاة هناك..
حاولت أزحف.. بس جسمي رفض.
أغمى عليا من الألم والإرهاق، وآخر حاجة شوفتها كانت شعاع الفنار وهو بيمسح السما فوقي، وكأنه بيقولي: تعالي.. أنا مستنيكي.
ومحستش بالظلال اللي بدأت تنزل من المنحدر ورايا.. ولا بالعيون اللي كانت بتبص عليا من وسط الشجر، بس المرة دي.. مكنوش بيقربوا.
كانوا واقفين يتفرجوا عليا وأنا بفقد الوعي تحت نور الفنار.
كأنهم عارفين.. إن اللي مستنيني هناك.. أسوأ بكتير من اللي هم ممكن يعملوه فيا.
الريحة كانت أول حاجة ميزتها قبل ما أفتح عيني.
ريحة جاز.. وسولار محروق.. وزيت مكن.
ريحة صناعية قديمة، فكرتني بورش العربيات في القاهرة، أو غرف الماكينات في المراكب القديمة.
الريحة دي كانت بالنسبة لي دلوقتي أحسن من ريحة الشانيل وأغلى العطور الفرنسية.
دي ريحة حضارة.
ريحة بشر.
فتحت عيني، الرؤية كانت مزغللة.
أنا نايمة على أرضية أسمنتية باردة.
فوقي سقف عالي مليان مواسير وكابلات كهربا قديمة ومعزولة بقماش.
حاولت أقوم، صرخة مكتومة خرجت مني لما حملت على دراعي الشمال.
بصيت عليه.. الكم كان مقطوع ومتبهدل طين ودم ناشف، والجرح.. الجرح كان بقى شكله مرعب.
الخطوط السودا اللي كانت عند الكوع، دلوقتي وصلت للكتف.
والأسوأ.. الجلد نفسه حوالين الجرح بقى ناشف ولونه رمادي، زي جلدهم بالظبط.
نور: أنا بتتحول.. أنا ببقى زيهم.
قلتها بصوت واطي مرعوب، بس الصوت المرة دي مكنش له صدى في الفراغ.
كان فيه صوت تاني مغطي عليه.
صوت زن قوي ومنتظم.
صوت مولد كهربا ضخم شغال.
قمت وسندت على الحيطة.
أنا جوه الفنار.
باب حديد ضخم ومصدي كان مفتوح ورايا، بيدخل نسمة هوا باردة من بره.
أنا شكلي زحفت لحد هنا وأنا مش دريانة، أو يمكن حد سحبني؟ لا.. لو حد سحبني كان زمانه جنبي دلوقتي بيسعفني.
بصيت على الأرض عند المدخل، لقيت آثار زحف ودم ووحلة.. دي آثاري أنا.
زقيت الباب الحديد بكل عزم ما فيا.
كان تقيل جداً ومفصلاته بتزيق صوت يضرس، بس قفلته.
لفيت الترس الكبير عشان أقفله بالترباس.
صوت التكة المعدنية لما اللوك قفل.. كان أجمل صوت سمعته في حياتي.
أنا جوه.
وهم بره.
أنا في النور.
وهم في الضلمة.
المكان من جوه كان عبارة عن دور أرضي واسع، فيه مولد ديزل ضخم جداً وقديم، شغال وبيهتز بعنف، وجنبه براميل وقود مرصوصة.
وفي الجنب، سلم حلزوني حديد طالع لفوق لحد ما يختفي في السقف.
مشيت ناحية المولد، حطيت إيدي عليه.
السخونية بتاعته كانت بتدفي عضمي المرتعش.
نور: شكراً.. شكراً يا بطل إنك لسه شغال.
بس وأنا بلف حوالين المولد، لاحظت حاجة خلت الفرحة تتكسر.
الأرضية حوالين المولد مكنتش نضيفة.
كان فيه هدوم مرمية.. ومعدات صيانة.. وأطباق أكل فاضية وعليها عفن بقاله شهور.
المكان مش بس مهجور.. المكان ده اتساب بسرعة.
اللي كان هنا مشي، أو اختفى، فجأة.
طلعت إزازة مية تانية من شنطتي (كنت حريصة إني محافظش على أي أكل أو شرب من الغابة، بس المية المعلبة أمان).
شربت وغسلت وشي.
لازم أطلع لفوق.
غرفة التحكم أكيد فوق.
يمكن ألاقي لاسلكي.
يمكن ألاقي طريقة أكلم بيها حد.
بدأت رحلة الصعود على السلم الحلزوني.
كل درجة سلم كانت عذاب.
رجلي وارمة، وجسمي كله كدمات.
بس اللي كان مخوفني أكتر هو الإحساس اللي في دراعي.
مبقاش مجرد تنميل.. بقى إحساس بـ غربة.
كأن دراعي ده مش بتاعي.
كنت بحس برغبة غريبة إني أخبطه في الحيطة، أو أقطعه.
وكنت سامعة صوت نبض فيه.. صوت وشوشة واطية مالهاش تفسير.
وصلت للدور الأول بعد طلوع السلم.
كانت غرفة معيشة صغيرة.
مكتب قديم، سرير مبهدل، ومطبخ صغير.
اللمبة الصفرا اللي في السقف كانت بترعش شوية مع صوت المولد.
قربت من المكتب.
كان عليه ورق كتير، وخرائط للجزيرة مرسومة بالإيد، وجهاز لاسلكي قديم متكسر نصين..
كأن حد ضربه بآلة حادة.
مسكت سماعة اللاسلكي..
السلك كان مقطوع.
نور: مفيش اتصال.. تمام.. مش مشكلة.. المهم إني في أمان.
عيني وقعت على دفتر جلد سميك محطوط في نص المكتب.
كان مفتوح على صفحة، وعليها قلم حبر ناشف.
قربت وقريت.
الصفحة كانت مكتوبة بخط مهزوز، كأن اللي بيكتب كان بيترعش أو مستعجل.
التاريخ: غير معروف.
النص: الوقود قرب يخلص.
المحاولات فشلت.
التركيبة مش علاج.. التركيبة كانت فيروس.
إحنا اللي عملناهم.
إحنا اللي صحينا الجزيرة.
دكتور عصام مات إمبارح.. اتحول وهو بيصرخ.
قتلته بإيدي.
النور هو الحاجة الوحيدة اللي بتوقفهم.. بس النور بيعذبهم في نفس الوقت عشان بيفكرهم باللي كانوا عليه.
لو حد لقى المذكرة دي.. أرجوك.. متخليش النور يطفي.
أو.. اقتل نفسك قبل ما يطفى.
أنا نازل للمولد.. هحاول أصلح التسريب.. لو مرجعتش..
الكلام وقف هنا.
قفلت الدفتر وإيدي بتترعش.
الكلام ده معناه كارثة.
أولاً: الوحوش دول كانوا بشر.
كانوا طاقم علمي أو بحثي هنا.
ثانياً: السواد اللي في إيدي ده.. مش سم.. دي عدوى.
وأنا بتحول لواحد منهم.
ثالثاً: والأهم.. المولد فيه تسريب.
رميت الدفتر وجريت ناحية السلم تاني عشان أكمل طلوع لقمة الفنار.
لازم أشوف اللمبة الكبيرة.
لازم أشوف الوضع من فوق.
طلعت بسرعة، نسيت الوجع.
وصلت لغرفة العدسات الزجاجية اللي في قمة الفنار.
المنظر كان مهيب ومرعب.
العدسات الضخمة كانت بتلف ببطء، وشعاع النور القوي بيقطع ظلام الليل والبحر والغابة، بيمسح العالم كله بدايرة ضوء عملاقة.
وقفت ورا الزجاج وبصيت لتحت.
الجزيرة كلها كانت تحت رجلي.
بحر من السواد والأشجار.
بس لما دققت النظر في المنطقة اللي تحت الفنار مباشرة.. المنطقة اللي النور مبيوصلهاش لأنها في ضل البرج نفسه..
شوفتهم.
مكانوش ميات زي ما كنت فاكرة.
كانوا آلاف.
بحر من الرؤوس الرمادية والوشوش الممسوحة.
واقفين حوالين قاعدة الفنار.
صامتين تماماً.
رافعين وشوشهم لفوق.. ناحيتي.
مش بيهاجموا الباب.. مش بيحاولوا يكسروا الحيطان.
هم عارفين.
عارفين اللي أنا لسه مكتشفاه دلوقتي لما بصيت على لوحة التحكم اللي في الغرفة.
مؤشر الوقود.
العقرب كان في المنطقة الحمراء.
Empty.
اللمبة الحمرا الصغيرة بتاعة التنبيه كانت بتنور وتطفي بهدوء مستفز.
المولد مبيزنش عشان شغال بكفاءة.. ده بيزن حلاوة روح.
بيكح الكحة الأخيرة.
نور: لا.. لا والنبي.. مش بعد ما وصلت.
خبطت على الزجاج بقهر.
هم واقفين تحت مستنيين اللحظة دي.
لحظة السقوط.
لحظة ما الشمس الصناعية دي تموت، ومملكتهم ترجع تسيطر تاني.
وفجأة، لمحت حركة غريبة في انعكاس الزجاج.
مش بره.. جوه الغرفة معايا.
لفيت بسرعة، والسكينة في إيدي.
في الركن الضلمة من غرفة العدسات، ورا التروس الكبيرة بتاعة الموتور اللي بيلف اللمبة.. كان فيه حد قاعد.
مش وحش.. كان إنسان.
أو كان بقايا إنسان.
راجل عجوز، شعره أبيض طويل ومنكوش، لابس بالطو معمل أبيض بس مليان شحم ودم ناشف.
كان قاعد على الأرض، ماسك في إيده جركن وقود فاضي، وحاضنه زي العيل الصغير.
رفع وشه ليا.. نص وشه اليمين كان طبيعي.. عين بنية وتجاعيد وتعب.
نص وشه الشمال.. كان رمادي.
ممسوح.
العدوى واكلة نصه، وهو بيقاوم.
عينه السليمة بصت لي، وبوقه اللي نص شفته متاكل ابتسم ابتسامة مكسورة.
الرجل: .. إنتي.. اتأخرتي أوي.. يا بنتي.
صوته كان زي حفيف الورق الناشف.
ده أكيد كاتب المذكرة.
الناجي الأخير.
قربت منه بحذر، السكينة لسه مرفوعة.
نور: إنت مين؟.. وإيه اللي بيحصل هنا؟.. وإزاي نوقف التحول ده؟
شاور بإيده المرتعشة، اللي صوابعها كانت سودا تماماً، على لوحة التحكم.
الرجل: مفيش وقوف.. دي النهاية، الوقود خلص.. وأنا.. أنا خلصت، كنت مستني حد ييجي.. عشان أسلمه المفتاح.
نور: مفتاح إيه؟ مفتاح مركب؟ مخبأ؟
ضحك ضحكة قصيرة قلبت بكحة دموية.
الرجل: لا.. مفتاح الحقيقة، مفتاح الخلاص..
أو الدمار.. إنتي وقرارك.
مد إيده في جيب البالطو وطلع فلاشة ميموري صغيرة مربوطة في سلسلة.
وبعدين طلع مسدس.. مسدس حقيقي، مش شماريخ.
حطه على المكتب وزقه ناحيتي.
الرجل: ده ليكي.. فيه طلقتين، واحدة ليكي..
وواحدة للرحمة لو حد غالي عليكي اتحول، أنا.. أنا ماليش حد يرحمني.
قبل ما أستوعب هو بيعمل إيه، وقبل ما ألحق أمنعه.
هو مكنش مطلع المسدس عشان يهددني.
هو كان مطلعه عشان يديني الخيار اللي هو خلاص خده.
فجأة، جسمه اتشنج، والنص الرمادي في وشه بدأ يزحف بسرعة على النص السليم، وعينه البنية بدأت تبيض وتتمسح.
هو بيتحول.. دلوقتي حالاً.
المقاومة اللي كان عاملها انهارت بمجرد ما شاف بشر تاني.
كأن مهمته انتهت.
نور: لا.. استنى! قولي أعمل إيه بالجرح اللي في إيدي!
صرخ صرخة مش بشرية، وبدأ يقوم.
ملامحه البشرية ضاعت خلاص.
بقى واحد منهم..
بس ده لابس بالطو.. ومعاه عقليته العلمية لآخر لحظة.
بصيت للمسدس اللي على المكتب.
وبصيت للوحش اللي كان عالم من ثواني.
وبصيت لمؤشر الوقود اللي نزل تحت الصفر.
المولد سعل سعلة قوية.. والضوء الكبير رمش.
الظلال بره قفزت لفوق.
مسكت المسدس.
إيدي كانت ثابتة المرة دي.
الرعب لما بيوصل لأقصى درجاته، بيتحول لبرود.
وجهت المسدس لراس الدكتور.
نور: شكراً على الهدية.
ضغطت الزناد.
صوت الطلقة كان عالي جداً في المكان المقفول، والزازج اهتز.
الوحش وقع مكانه.. انتهى.
بس الصوت ده كان إشارة البدء للي تحت.
هم سمعوا.
وعرفوا إن الحامي الأخير مات.
والنور بدأ يضعف فعلياً.. سرعة دوران العدسة بتقل.
سمعت صوت خبط تحت.. عند الباب الحديد اللي قفلته.
خبط.. وبعدين صوت طحن معدن.
بيكسروا الباب.
جريت على الفلاشة أخدتها، وحطيتها في جيبي.
وبصيت حواليا.. مفيش مخرج.
أنا في أعلى نقطة.. وهم جايين من تحت.
إلا إذا..
بصيت لفوق.. لسقف الفنار من بره.
فيه سلم طوارئ خارجي رفيع جداً بيطلع لسطح العدسة من فوق.
مكان خطر.. ومكشوف.. ولو طلعت هناك هبقى واضحة للسما وللأرض.
بس ده المكان الوحيد اللي ممكن أستخبى فيه من الجيش اللي طالع على السلم الحلزوني دلوقتي.
وكمان.. لازم أعمل حاجة أخيرة.
لازم أشوف الفلاشة دي فيها إيه.. ولو هتكون آخر حاجة أعملها.
أنا معايا لابتوب صغير في شنطتي كنت باخده عشان المونتاج والبث.. يا رب يكون لسه شغال وفيه روح.
فتحت باب الطوارئ الزجاجي، وخرجت للهوا والعاصفة والمطر اللي لسه شغال.
أنا دلوقتي فوق قمة العالم.. والعالم بيتحرق تحتي.
والضوء ورايا بيموت ببطء.
والسلم الحلزوني جوه الفنار بيتهز من وقع أقدام اللي طالعين يرحبوا بيا في مملكتهم.
نور: تعالوا.. العرض لسه بيبتدي.
الهوا فوق سطح الفنار كان زي الكرباج.
كل نقطة مطر كانت بتنزل زي الرصاصة، بتخبط في وشي وجسمي بلا رحمة.
كنت قاعدة ورا سور حديد قصير بيحاوط قمة الفنار، ضامة ركبي لصدري، وبحاول أحمي اللابتوب بجسمي والجاكيت المقطع بتاعي.
تحتي، من ورا الزجاج السميك بتاع غرفة العدسة، كنت شايفة النور الكبير بيلف اللفة الأخيرة.
الحركة بقت بطيئة جداً، وصوت المولد تحت بقى عبارة عن سعال متقطع ومخنوق.
مع كل لفة للضوء، كنت بلمح خيالاتهم وهم طالعين على السلم الحلزوني جوه البرج.
ظل طويل.. وراه ظل أقصر.. وراه ميات.
زي النمل اللي طالع على قصب السكر.
فتحت اللابتوب.
الشاشة نورت بضوء أزرق باهت في وسط الضلمة.
البطارية 12%.
يا دوب تلحق.
إيدي كانت بتترعش وأنا بحط الفلاشة في المدخل.
الرعشة مكنتش من البرد بس، كانت من السواد اللي وصل لرقبتي.
حاسة بتنميل في نص وشي الشمال.
وعيني الشمال الرؤية فيها بدأت تبقى غريبة.
مش مزغللة.. لا.. بالعكس.
كنت شايفة نقط المطر وهي بتنزل بوضوح رهيب، كأن الزمن بيقف.
وكنت شايفة حرارة خارجة من إيدي.. هالة حمرا باهتة.
أنا بتغير.
حواسي بتتبدل عشان تناسب الصياد، مش الضحية.
الفلاشة فتحت.
ملف واحد بس فيديو بعنوان: Project Genesis - Final Log (مشروع التكوين - السجل الأخير).
ضغطت عليه.
الفيديو اشتغل.
الصورة كانت مهزوزة، والمكان كان معمل مكركب، وفي الخلفية صوت صريخ وإنذارات وضرب نار.
واللي ظهر في الكادر كان هو.. الدكتور اللي قتلته تحت من شوية.
بس هنا كان لسه بشر بالكامل.
لابس بدلة نضيفة، بس وشه كان مليان يأس.
الدكتور (في الفيديو): لو حد بيشوف الفيديو ده.. يبقى إحنا فشلنا في الاحتواء.. ونجحنا في المهمة.. مفارقة مضحكة، مش كده؟
أخد نفس عميق، وولع سيجارة بإيد بتترعش.
الدكتور (في الفيديو): العالم بره بيغرق.. الاحتباس الحراري، التلوث، الشمس اللي بتحرق الزرع.. البشرية كانت محكوم عليها بالإعدام، إحنا هنا في الجزيرة مكناش بنحاول نلاقي علاج لمرض.. إحنا كنا بنحاول نطور الإنسان.. كنا عايزين نخلق بشر يقدروا يعيشوا في عالم ميت، بشر مش محتاجين شمس.. مش محتاجين أكل مطبوخ.. بشر جلدهم يقدر يتحمل الإشعاع والحرارة، واستخدمنا جينات من كائنات بحرية بتعيش في أعماق المحيط، في الضلمة التامة.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.
يعني دول مش مرضي؟ دول النسخة الجديدة مننا؟
الدكتور (في الفيديو): المصل نجح.. نجح بزيادة.. الخلايا تكيفت بسرعة مرعبة.. بس نسينا حاجة واحدة.. نسينا الروح.. لما الجينات اتغيرت، الجزء الإنساني اختفى... الرحمة، الحب، المنطق.. كل ده اتبدل بغريزة البقاء الصافية.. بقوا قطيع.. بقوا خلية نحل بتدور على ملكة.
والألعن.. إنهم بيكرهوا الضوء.. الضوء بيفكرهم باللي فقدوه.. الضوء بيحرق جلدهم الجديد المتكيف مع الظلام.. إحنا خلقنا شياطين عشان نورث الأرض.
صوت خبط قوي هز الكاميرا في الفيديو، وصوت زمجرة وحشية قربت من الباب اللي ورا الدكتور.
الدكتور (في الفيديو): هم كسروا الباب.. أنا حقنت نفسي بالمصل بالغلط أثناء العراك..
العدوى سريعة.. أنا حاسس بيها في دمي، برودة.. وهدوء.. اسمعني كويس يا اللي بتشوف الفيديو.. المسخ ده مش بيموت بالرصاص، بس.. بيموت بالنور المكثف، أو بقطع الاتصال بالعقل الجمعي.
بس فيه حل تاني.. لو مش قادر تهزمهم.. قودهم.. العدوى لو في بدايتها، ومقاومة عقلك قوية.. ممكن تسيطر.. ممكن تكون أنت الوعي اللي ناقصهم... بس التمن.. إنك هتنسى إنك كنت إنسان.
الفيديو قطع وشاشة سودا ظهرت.
الابتوب عمل صوت تيت تيت.. البطارية ماتت.
الشاشة انطفت، ورجعت تاني للضلمة والعاصفة.
نور: أقودهم؟..
بصيت لإيدي.
العروق السودا كانت بارزة ونابضة.
أنا نصي وحش دلوقتي.
ونصي لسه نور.
الفكرة كانت مرعبة ومغرية في نفس الوقت.
هم مبيهاجموش بعض.
هم جسد واحد.
لو أنا بقيت جزء منهم.. مش هيأذوني.
بس هبقى مسخ.
هعيش أكل لحم ني وأزحف في الضلمة.
قطع تفكيري صوت زجاج بيتكسر تحت رجلي.
بصيت من سور السطح على الغرفة اللي تحت (غرفة العدسة).
الباب الحديدي بتاع الغرفة طار من مكانه، ووقع على التروس.
ودخلوا.
مش واحد ولا اتنين.
العشرات اندفعوا جوه الغرفة الضيقة.
كانوا بيدوسوا على جثة الدكتور اللي قتلته، وبيهجموا على المولد، وعلى اللمبة الكبيرة.
المنظر كان سيريالي.
الضوء القوي كان بيحرقهم، بشوف جلد اللي بيقرب بيتشال ويتحرق، بس اللي وراه بيزقه ويكمل.
موجة من اللحم الرمادي بتغطي مصدر الضوء.
صوت المولد اتغير من السعال لصوت أنين طويل.. وبعدين.. صمت.
المولد وقف.
العدسة الكبيرة لفت نص لفة بالقصور الذاتي.. والضوء ضعف.. بقى أصفر.. بعدين برتقاني.. بعدين أحمر خافت.. وبعدين انطفى.
الظلام بلع الجزيرة كلها في ثانية.
مبقاش فيه غير ضوء البرق اللي بيضرب كل كام ثانية عشان يكشفلي الكارثة.
تحت، في غرفة العدسة، الوحوش سكتت.
مبقاش فيه صريخ.
بقى فيه هسسسس جماعي.. صوت تنفسهم.
هم حاسين بيا فوق.
باب الطوارئ اللي أنا خرجت منه.. هو الحاجز الوحيد بيني وبينهم.
وأنا سامعة خربشتهم عليه دلوقتي.
الزجاج بتاع الباب بدأ يشرخ.
وقفت، وسندت ضهري لسور الفنار.
الهوا كان بيطير شعري المبلول.
الرعب راح.
بجد، مكنتش خايفة.
يمكن عشان عرفت الحقيقة؟ ولا عشان التحول وصل لمراكز الخوف في مخي ولغاها؟ أنا شايفة بوضوح دلوقتي في الضلمة.
شايفة تفاصيل السحاب الأسود، وشايفة الموج الهائج تحت.. وشايفة العيون الممسوحة وهي بتبصلي من ورا زجاج الباب المشروخ.
نور: عايزين تدخلوا؟.. اتفضلوا.
طلعت المسدس من جيبي.
فاضل طلقة واحدة.
الدكتور قال طلقة للرحمة.
رفعت المسدس وحطيته على صدغي.
أسهل حل.
أنهي كل ده دلوقتي.
لا تحول، ولا قيادة، ولا وجع قلب.
ضغطة واحدة وأبقى حرة.
صباعي شد على الزناد.
غمضت عيني، وافتكرت صورة أمي، وصورة البحر وهو هادي، وصورة لومينا قبل ما تغرق.
بس قبل ما أضغط.. حسيت بحاجة.
نبضة قوية جداً جت من دراعي الشمال، وانتشرت في صدري زي الكهربا.
ومعاها.. سمعت صوت.
مش صوت بودني.. صوت جوه راسي.
أصوات كتير متداخلة.
جوع..
برد..
خوف..
فين القائد؟..
فين النور؟..
إحنا تايهين.
نزلت المسدس ببطء.
دول مش وحوش.. دول أيتام.
دول ضحايا تجربة، رموا أرواحهم وبقوا تايهين في الضلمة، بيدوروا على أي حاجة تمشيهم.
الدكتور كان غلطان.
هم مش بيكرهوا النور عشان بيحرقهم.. هم بيكرهوا النور عشان بيعريهم.
وهم محتاجين حد يشوفهم في الضلمة.
باب الطوارئ انفجر.
الزجاج اتنثر في كل حتة، وطلع من الفتحة أول واحد.
كان ضخم، وعضلاته مفتولة، وعينه ممسوحة تماماً.
وقف قدامي، بينه وبيني خطوة.
المطر نازل علينا إحنا الاتنين.
رفع إيده بمخالبه الحادة.. كان ممكن يقطع راسي بضربة واحدة.
أنا متحركتش.
بصيت له.. مش بعيني البشرية اليمين.. لا.
ركزت بعيني الشمال اللي بتشوف الحرارة والظلمة.
وبعتله رسالة.. مش بكلام.. بـ إرادة.
نور (بهمس): اركع.
الوحش وقف إيده في الهوا.
جسمه ارتعش.
الرابط الذهني بيني وبينه كان زي كابل كهربا عريان.
هو حس بدمي.. حس بالفيروس الملكي اللي بيجري في عروقي دلوقتي.
حس إني مش فريسة.
إني الأمل الجديد بتاعهم.
ببطء.. ببطء شديد.. نزل إيده.
وثنى ركبته المشوهة.
وركع على الأرض المبلولة قدامي.
ومن وراه، طلع اتنين كمان.. وعشرة.. وزحموا السطح الصغير.
وكلهم عملوا نفس الحركة.
ركعوا.
وقفت أنا في النص، المسدس لسه في إيدي اليمين مدلدل جنبي.
والفلاشة في جيبي الشمال.
والسواد بيغطي نص وشي.
البرق ضرب ضربة قوية نورت السما كلها، وكشفت المشهد الأسطوري ده.
فتاة بشرية مكسورة، واقفة ملكة على جيش من الشياطين فوق قمة فنار مطفي.
بس القصة مخلصتش هنا.
لأن مع ومضة البرق دي.. شوفت حاجة في البحر.
بعيد.. على خط الأفق.
أضواء.
كشافات قوية بتقطع البحر وبتقرب ناحية الجزيرة.
سفينة إنقاذ؟ ولا قوات بحرية جاية تمحي الجزيرة باللي فيها عشان تدفن السر؟
لو كانوا جايين ينقذوني.. فهم اتأخروا.
نور اللي يعرفوها ماتت.
ولو جايين يحاربوا.. فأنا معايا جيش.
بصيت للوحش اللي راكع قدامي، ومديت إيدي وحطيتها على راسه الأصلع واللزج.
نور: قوموا.. ضيوفنا وصلوا.
الوحش أصدر صوت زمجرة عالي، صوت فيه نغمة انتصار.
والصوت انتقل للباقيين، ومنهم للي تحت في البرج، ومنهم للي في الغابة.
الجزيرة كلها بدأت تصرخ بصوت واحد.
صوت بيرحب بملكتهم الجديدة.. وبيتوعد القادمين.
***
وقفت عند حافة السور، والهوا بيضرب في وشي بقوة، شعري اللي كان ناعم وبيطير، دلوقتي بقى تقيل وملبد بالمية والطين، كأنه تاج مصنوع من فوضى الجزيرة.
السفينة اللي في البحر كانت بتقرب.
دي مش سفينة صيد، ولا يخت سياحي زي لومينا.
دي كانت قطعة بحرية سودا، مفيش عليها أي علم، محاطة بهالة من الكشافات اللي بتقلب الليل نهار.
وصوت موتوراتها كان هدير مرعب بيشق صوت الموج.
نور: استنوا..
الهمس بتاعي كان كافي.
الجيش اللي ورايا، واللي مالي السلم الحلزوني تحت، جمد في مكانه.
الرابط اللي بيني وبينهم كان بيقوى كل دقيقة.
أنا سامعة دقات قلوبهم البطيئة، حاسة بجوعهم، وحاسة برعبهم من الضوء اللي جاي من البحر.
الضوء ده مش جاي ينقذنا.
الضوء ده جاي يحرقنا.
السفينة دي أكيد تابعة لنفس الجهة اللي بعتت الدكتور وفريقه.
جايين ينضفوا المكان.
جايين يمسحوا غلطتهم بأستيكة من نار.
نزلت من على سطح الفنار، ودخلت غرفة العدسة تاني.
الوحوش اللي كانوا راكعين وسعولي الطريق في صمت وهيبة.
مشيت ناحية جثة الدكتور.
وقفت فوقه وبصيت لوشه اللي نصه متاكل.
مديت إيدي وجبت المسدس بتاعه من على الأرض.
فاضل طلقة.
حطيت المسدس في جيبي جنب الفلاشة.
وبدأت رحلة النزول.
كل خطوة كنت بنزلها على السلم الحلزوني، كنت بشوف مشهد جديد من شعبي.
متعلقين على الحيطان، واقفين على الدرابزين، عيونهم الممسوحة بتتبع حركتي بقدسية.
ريحة العفن والدم مبقتش تضايقني.
بالعكس، بقيت شاماها ريحة بيت.
وصلت للدور الأرضي، عند المولد اللي سكت للأبد.
فتحت الباب الحديدي الكبير، وخرجت للشط.
العاصفة كانت هديت شوية، بس الموج كان لسه عالي.
اللنشات السريعة بدأت تنزل من السفينة الأم وتقرب من الشط.
كانوا تلات لنشات.
على كل واحد فيه 4 أشخاص.
لابسين بدل سودا كاملة، أقنعة غاز، ومعاهم أسلحة آلية.. وفي إيد واحد منهم.. قاذف لهب.
عرفت ساعتها إني كنت صح.
دول مش منقذين.
دول عاملين إبادة.
وقفت في نص الشط، لوحدي.
الوحوش كلها كانت مستخبية في خط الأشجار ورايا، مستنيين الإشارة.
أول لنش وصل للرمل.
نزلوا منه بحرص عسكري، وشكلهم مدربين كويس.
سلطوا كشافات أسلحتهم عليا.
الضوء عور عيني الشمال (عين الوحش)، بس عيني اليمين (البشرية) دمعت من قوته.
رفعت إيدي الاتنين ببطء، عشان يشوفوا إني عزلاء (ظاهرياً).
القائد (بصوت مكبر وعالي): ارفعي إيدك فوق راسك! اثبتي مكانك! أي حركة هتتضربي بالنار!
سمعت صوته.. صوت بشري.. متكبر.. واثق.
فكرني بصوتي زمان وأنا بعمل لايف.
قرب القائد مني، ومعاه اتنين موجهين سلاحهم لصدري.
لما قرب كفاية، الكشاف بتاعه كشف وشي.
وقف لحظة مذهول.
هو متوقع يلاقي مسخ، أو يلاقي ضحية منهارة وبتعيط.
بس هو شاف نور.
نص وش جميل وبريء.. ونص وش كابوس أسود بعروق نافرة.
القائد (في اللاسلكي): القيادة.. لقينا ناجية.. بس.. الحالة إيجابية.. العدوى في مرحلة متأخرة، الإجراء القياسي؟
سكت لحظة بيسمع الرد في السماعة اللي في ودنه.
بعدين بصلي من ورا قناع الغاز بتاعه.
عينه مفيهاش رحمة.
القائد: تمام.. علم وينفذ.
رفع سلاحه ناحية راسي.
الإجراء القياسي هو الإعدام.
مفيش شهود.
مفيش ناجين.
السر لازم يندفن في الجزيرة.
نور: إنت غلطت غلطة واحدة بس.
القائد نزل السلاح سنة صغيرة، مستغرب إني بتكلم بوعي.
القائد: إيه؟
نور: إنك فكرت إن أنا لوحدي.
ابتسمت.
الابتسامة كانت بإلشفة المشقوقة والسنان اللي بدأت تطول وتسنن.
وفي اللحظة دي.. أطلقت الصرخة.
مش صرخة خوف.
كانت صرخة حرب.
تردد عالي جداً وحاد، خلى الجنود يحطوا إيدهم على خوذهم من الألم.
ومن ورايا.. الغابة انفجرت.
مش ميات.. آلاف.
زي السيل الأسود، اندفعوا من بين الشجر.
السرعة كانت مرعبة.
الجنود ملحقوش حتى يضغطوا الزناد.
أول واحد طار في الهوا وجسمه اتقسم نصين قبل ما يلمس الأرض.
قاذف اللهب حاول يضرب، بس تلات وحوش قفزوا عليه ووقعوه، والنار ضربت في السما بشكل عشوائي.
الرصاص بدأ يلعلع، بس كان ولا حاجة قصاد الطوفان ده.
صريخ.. دم.. وفوضى.
أنا واقفه في مكاني، متحركتش سنتيمتر واحد.
الدم كان بيطرطش على وشي، وكنت بمسحه بهدوء.
كنت شايفة المعركة بنظرة تانية.
دي مش وحشية.
دي حماية.
دول بيدافعوا عن أرضهم.. وعن ملكتهم.
في أقل من تلات دقايق، السكون رجع للشط.
الـ 12 جندي بقوا مجرد أشلاء ومعدات متكسرة.
الوحوش اتلموا حواليا، وحوالين الجثث.
كانوا بيبصولي، مستنيين الإذن.
نور: ..... كلوا.
هجموا على الوليمة.
مشهد كان ممكن يخلي نور القديمة يغمى عليها أو ترجع.
بس أنا.. أنا حسيت بالشبع.
بصيت للبحر.
السفينة الأم لسه هناك.
أكيد شافوا اللي حصل.
وأكيد هيمشوا دلوقتي، أو هيضربوا الجزيرة بصواريخ.
لازم نتحرك.
جريت ناحية واحد من اللنشات اللي لسه سليمة وموتورها داير.
نطيت فيه.
و شاورت لأقوى 5 وحوش عندي.. الحرس الملكي بتاعي.
نطوا معايا في اللنش.
نور: هنروح لهم.
سقت اللنش بأقصى سرعة ناحية السفينة الكبيرة.
هم مش متوقعين هجوم.
هم فاكرين إننا حيوانات محبوسة على جزيرة.
ميعرفوش إننا بنتعلم.
وصلنا لجانب السفينة قبل ما يلحقوا يوجهوا المدافع.
الوحوش بتوعي اتسلقوا جسم السفينة الحديدي بمخالبهم زي العناكب.
وأنا طلعت وراهم على سلم الحبال اللي كان ممدود.
اللي حصل فوق السفينة كان مجزرة سريعة وخاطفة.
الظلام كان حليفنا.
سيطرنا على غرفة القيادة.
الوحوش قتلوا كل الطاقم، وسابوا القبطان حي زي ما أمرتهم ذهنياً.
دخلت غرفة القيادة، شكلي كان مرعب.
مبلولة دم ومطر، ماسكة مسدس في إيد، والفلاشة مدلدلة من رقبتي زي القلادة.
القبطان كان راجل عجوز، قاعد على الأرض وبيرتعش.
القبطان: .. إنتي.. إنتي إيه؟
قربت منه، وشديت أجهزة الاتصال من الحيطة كسرتها.
وقفت قدام لوحة التحكم بتاعة السفينة.
شاشات الرادار، الخرائط، أجهزة الـ GPS.
العالم كله كان قدامي على الشاشة.
أوروبا.. أمريكا.. مدن مليانة أضواء.. ومليانة بشر.. ومليانة كدب.
العالم اللي رماني هنا ونسيني.
العالم اللي بعت ناس يقتلوني.
نور: أنا.. المستقبل.
بصيت للقبطان.
نور: السفينة دي هتمشي من هنا حالاً.
القبطان: ع.. على فين؟
ابتسمت، وشاورت على الخريطة المضيئة.
مش على ميناء.. ولا على مدينة.
شاورت على نقطة تانية في المحيط.
أرخبيل جزر مهجور ومظلم.
نور: هنوسع المملكة.
خرجت لسطح السفينة.
الهوا كان بارد ومنعش.
الوحوش بتوعي كانوا واقفين على السور، بيبصوا للجزيرة اللي بتصغر ورانا.
جزيرة الرماد.. كانت البداية بس.
طلعت مسدس الشماريخ من جيبي.. كان لسه معايا طلقة أخيرة.
الطلقة اللي كنت شايلاها للنجاة.
رفعت إيدي للسما.
وضربت الطلقة.
الشمروخ انطلق، وانفجر بلون أحمر قاني فوق السفينة.
بس المرة دي.. مكنش استغاثة.
كان إعلان.
راية حمرا بتعلن ميلاد قوة جديدة.
في ضوء الشمروخ الأحمر، شوفت انعكاس صورتي في زجاج كبينة القيادة.
العين اليمين انطفت أخيراً.
السواد غطى وشي كله.
مبقاش فيه نور.
نور ماتت على الشط مع حطام لومينا.
اللي واقفة هنا دلوقتي.. هي الملكة.
حطيت إيدي على بطني.. كان فيه نبض غريب وجديد بدأ يتكون هناك.
مش بس عدوى في الدم.
ده جيل جديد.. جيل هيتولد من رحم الظلام.. ومقاوم للضوء.
أنا مش بس بقودهم.
أنا أمهم.
نور (بهمس أخير للعالم): استنونا.. إحنا جايين.. والمرة دي.. النور مش هيحميكم.
انطفى الشمروخ.
والسفينة ابتلعها الظلام وهي بتبحر ناحية المجهول.
وكل اللي فضل وراهم.. صوت الموج، ورماد جزيرة كانت في يوم من الأيام.. جنة.
تمت