اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

رواية مشنقة الحبر - كاملة

جاري التحميل...

مشنقة الحبر

في كوخ جبلي معزول يغرق في الضباب الكثيف، يبحث الروائي الشهير "طارق" عن ملاذ أخير للهروب من حبسة الكتابة التي تعتصر إبداعه. ترافقه "ليلى"، شابة هشة وغامضة، ظن أنها ستكون مجرد ملهمة عابرة أو صفحة بيضاء يفرغ عليها إحباطاته.

تحميل الفصول...
المؤلف

قطرات المطر تضرب زجاج النافذة العريض بإيقاع غير منتظم، يشبه تمامًا النبض المضطرب للرجل الجالس في الزاوية المعتمة من قاعة الدعم النفسي.

طارق يراقب الفراغ. أصابعه تطرق على مسند الكرسي الخشبي بحركة عصبية متواصلة.

رائحة المطهرات الطبية تمتزج برائحة القهوة الباردة المتروكة على الطاولة البلاستيكية، تخلق مزيجًا يثير الغثيان في معدته.

لم يأتِ إلى هنا بحثًا عن العلاج. شاشته البيضاء الفارغة في شقته الفاخرة، ومؤشر الكتابة الذي يومض كعين تسخر من عجزه منذ ثمانية أشهر، هما ما دفعاه للتسلل إلى هذا المكان بهوية مزيفة. هو يبحث عن فريسة، عن جرح مفتوح ينزف حبرًا.

تتوقف أصابعه عن الطرق فجأة. يثبت بصره نحو الباب.

دخلت بخطوات بالكاد تلامس الأرض، كما لو كانت تعتذر عن وجودها في العالم.

سحبت كرسيًا في الدائرة وجلست، تضم حقيبتها الجلدية المهترئة إلى صدرها كدرع.

خصلات شعرها الداكنة تنسدل لتخفي نصف وجهها، لكن طارق التقط تفاصيل يديها؛ الأظافر مقضومة حتى حافة اللحم، والمفاصل بيضاء من شدة القبض على حزام الحقيبة.

كانت ترتجف، ليس من برد نوفمبر، بل من صقيع داخلي عميق.

المشرف: دورك اليوم يا ليلى، هل تودين مشاركة شيء معنا؟

انكمشت على نفسها أكثر. صدرها يعلو ويهبط بسرعة مفرطة. ابتلعت ريقها بصعوبة، وصوتها خرج خافتًا، متصدعًا كزجاج يُطحن تحت الأقدام.

ليلى: الأصوات لا تتوقف. في غرفتي.. في رأسي. كلما أغمضت عيني، أرى الرماد. أشم رائحة احتراق الأشياء التي أحبها.

انحنى طارق بجذعه إلى الأمام. اتسع بؤبؤ عينيه، وتبددت سحابة الملل التي غلفت ملامحه منذ الصباح.

راقب ارتعاشة شفتيها السفلية، والدمعة الوحيدة التي شقت طريقها على خدها الشاحب، قبل أن تمسحها بعنف وكأنها تعاقب نفسها على ضعفها. لم يرَ امرأة محطمة؛ رأى الفصل الأول من روايته الجديدة. رأى شخصية معقدة، مليئة بالعقد والظلال، مادة خامًا مثالية لانتشاله من مستنقع النسيان الأدبي.

بعد انتهاء الجلسة، وقف طارق قرب آلة القهوة في الممر الضيق.

راقبها وهي تلف معطفها الصوفي حول جسدها النحيل، تتلفت يمينًا ويسارًا كطائر حبيس في قفص زجاجي. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، محسوبة، ورسم على وجهه قناعًا من التعاطف الهادئ.

طارق: القهوة هنا تشبه طعم الهزيمة، أليس كذلك؟

انتفضت ليلى متراجعة خطوة إلى الوراء. عيناها اتسعتا برعب غير مبرر، تتفحصان ملامحه باحثة عن أي تهديد.

ليلى: أنا.. لم ألحظ طعمها.

طارق: أنا طارق. أجلس في الزاوية المقابلة لكِ دائمًا. لم أتحدث قط في الجلسات، لكنني.. استمعت إليكِ اليوم.

أرخت قبضتها عن حقيبتها قليلًا، لكن نظرتها ظلت معلقة بحركة يديه.

ليلى: لا أحد يستمع حقًا. الجميع هنا ينتظر دوره ليتحدث عن مأساته.

طارق: ربما لأن مآسيهم عادية. لكنكِ تحملين ثقلًا مختلفًا. المدينة تزيد الأمر سوءًا، أليس كذلك؟ الضجيج، الأضواء، العيون التي تراقب كل زلة.

نظرت ليلى إلى الأرض. عضت على شفتها حتى كادت تدميها، وأومأت برأسها حركة خفيفة، بالكاد تُرى.

هذا التأكيد الصامت كان كل ما يحتاجه ليغوص أعمق في جرحها.

***

في مساء اليوم ذاته، وتحت إضاءة خافتة في مقهى بعيد عن صخب العاصمة، جلس طارق يمرر إصبعه على حافة فنجانه.

كانت ليلى تجلس أمامه، تتنفس بصعوبة وكأن الأكسجين في المكان ينفد.

أخرج هاتفه، وفتح معرض الصور، ثم دفعه ببطء على سطح الطاولة نحوها.

طارق: هذا المكان أنقذني عندما كنت على حافة الانهيار. كوخ خشبي في جبال الشمال. لا إرسال هاتفي، لا جيران، لا ضجيج. فقط صوت الريح واحتراق حطب التدفئة.

تأملت ليلى الصورة.

غابة كثيفة من الصنوبر تحيط بكوخ منعزل، غارق في ضباب رمادي كثيف.

امتدت أصابعها المرتجفة لتلمس الشاشة، وكأنها تحاول استشعار برودة المكان من خلال الزجاج.

ليلى: لماذا تريني هذا؟

طارق: لأنكِ لن تتعافي هنا. الجدران في هذه المدينة لها آذان وأنياب. هناك، يمكنكِ التنفس. يمكنكِ الصراخ دون أن يسمعك أحد. أنا سأسافر غدًا. سأكتب، وأرتب أفكاري. الكوخ كبير بما يكفي.. أطرح عليكِ مرافقتي. كملاذ. كحماية.

رفعت عينيها إليه. نظرة طويلة، متشككة، لكنها غارقة في يأس يجعله يوقن أنها ستوافق. كانت تتضور جوعًا لأي طوق نجاة، وهو يرمي لها طوقًا من الرصاص.

ليلى: لا أعرفك.

طارق: وتعرفين من في هذه المدينة؟ من أنقذكِ حين احترق عالمكِ؟

صمتت. التوى وجهها بألم أثلج صدره.

كان يضرب على الوتر الصحيح ببراعة جراح يستأصل ورمًا.

بعد اثنتين وسبعين ساعة، كان إطار سيارته يسحق أوراق الشجر الجافة المتساقطة على الطريق الترابي المؤدي إلى الكوخ.

الهواء في الخارج يلسع الوجه ببرودته القاسية.

أوقف المحرك، وعمّ صمت ثقيل، لا يقطعه سوى حفيف الأشجار.

دخلت ليلى الكوخ بخطوات حذرة. الأرضية الخشبية تئن تحت قدميها. رائحة الغبار القديم وزيت المصابيح تملأ المكان.

وقفت في منتصف غرفة المعيشة، تلف ذراعيها حول نفسها، تتأمل الظلال التي ترسمها أضواء الشفق الباهتة على الجدران.

طارق لم يعرها انتباهًا مباشرًا. اتجه فورًا إلى الطاولة الخشبية العريضة قرب النافذة.

أخرج آلته الكاتبة القديمة، تلك التي يفضلها على الحواسيب، ووضعها بعناية طقسية.

ثم التفت إليها.

بدأت نوبة الهلع الأولى.

صدر ليلى راح يعلو ويهبط بعنف.

تراجعت حتى التصق ظهرها بالجدار الخشبي.

انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض، تضم ركبتيها إلى صدرها.

عيناها شخصت نحو زاوية فارغة في السقف، وشفتاها ترتجفان بكلمات غير مسموعة. أصابعها غرست في فروة رأسها، تشد خصلات شعرها بقوة.

طارق لم يركض إليها. لم يجلب لها كوب ماء. لم يقل كلمات مطمئنة.

وقف في مكانه، متكئًا على حافة الطاولة، يراقبها بعينين تلمعان بافتتان مريض.

راقب تحول لون بشرتها إلى زرقة خفيفة حول الشفتين.

درس حركة عضلات وجهها المتقلصة، وحفظ إيقاع أنفاسها المتقطعة.

تركها تغرق في جحيمها لمدة ثلاث دقائق كاملة، يسجل كل تفصيلة في ذاكرته، قبل أن يقرر أخيرًا التدخل.

اقترب منها، وجثا على ركبتيه. أمسك بيديها الباردتين كالثلج، وأبعدهما عن شعرها برفق مفتعل.

طارق: انظري إليّ. فقط إليّ. لا يوجد شيء هنا يؤذيك.

كانت نظراتها تائهة، تعبر من خلاله ولا تراه، قبل أن تستقر أخيرًا على وجهه.

تشبثت بأصابعه كغريق.

في تلك الليلة، بعد أن تأكد من نومها في الغرفة المجاورة بعد جرعة من المهدئات، جلس طارق أمام آلته الكاتبة.

أضاء المصباح الصغير.

صمت الكوخ المطبق كسره صوت طرق المفاتيح المعدنية على الورق.

ضربات قوية، متلاحقة، محمومة.

الحروف تتشكل لتصنع بطلته الجديدة؛ امرأة هشة، مسلوبة الإرادة، تقع في أسر رجل ينقذها من جنونها.

كل قطرة عرق سقطت من جبين ليلى، كل ارتعاشة، صاغها في فقرات مبهرة.

شعر بقوة هائلة تسري في عروقه. لقد استعاد صوته المفقود، استعاد سلطته كخالق عوالم.

سحب الورقة الأخيرة بانتصار. نظر إلى النص المكدس أمامه. ابتسم ابتسامة باهتة، وأطفأ المصباح.

استلقى على الأريكة، واستسلم لنوم عميق، خالٍ من الأحلام، منتشيًا بوهم السيطرة المطلقة على مجريات الأمور.

في الغرفة المجاورة، وسط الظلام الدامس، توقف صوت أنفاس ليلى المضطربة فجأة.

انفتحت عيناها في العتمة. لم يكن فيهما أثر للذعر، ولا شبح للدموع.

كانتا جافتين، باردتين كسطح بحيرة متجمدة في ليلة خالية من النجوم.

أزاحت الغطاء الصوفي الثقيل عن جسدها بحركة ثابتة وصامتة.

جلست على حافة السرير، تعدل ياقة قميصها بدقة متناهية لا تتناسب مع امرأة عانت من انهيار عصبي قبل ساعات.

نهضت وتوجهت نحو باب الغرفة بخطوات لا تصدر أي صوت، كظل ينفصل عن جدار.

وقفت على عتبة الباب تراقب جسد طارق المسترخي على الأريكة، وتستمع إلى شخيره المنتظم.

التوى جانب فمها الأيسر في سخرية مريرة.

تجاوزته ببطء شديد، مقتربة من الطاولة الخشبية.

لمست الأوراق المكدسة بأطراف أصابعها. أخرجت قلمًا من جيبها، وبلا أي تردد، مررت الحبر على جملة كتبها طارق تصف ضعفها واستسلامها، ثم كتبت فوقها بخط دقيق، يشبه نقوش شاهد قبر قديم، كلمات ستنسف عالمه قريبًا.

***

برودة خشب الأرضية تسللت إلى قدمي طارق العاريتين حين نهض من الأريكة الجلدية، يفرك عنقه المتصلب بعد ليلة من النوم غير المريح.

رائحة الحطب المحترق في المدفأة الحجرية تحولت إلى رماد لاذع يزكم الأنف، ممتزجًا برطوبة الغابة الصنوبرية التي تحاصر الكوخ وتعزله عن العالم.

اتجه نحو الطاولة الخشبية العريضة بخطوات ثقيلة، عيناه نصف مغلقتين، تطلعاته تسبقه إلى الورق المكدس بجوار الآلة الكاتبة.

أراد قراءة انتصاره الصباحي، أراد تذوق طعم السلطة التي مارسها البارحة على الورق وعلى المرأة النائمة في الغرفة المجاورة.

توقفت أصابعه في الهواء قبل أن تلامس الورقة الأولى. ثمة شيء خاطئ في المشهد.

انحنى بجذعه إلى الأمام، مقربًا وجهه من السطور المطبوعة بحبر أسود باهت.

خط دقيق، أزرق داكن، يشق كلماته المطبوعة كجرح قطعي في جسد أبيض.

كان قد كتب في نهاية الفصل: "استسلمت لانهيارها، ذائبة في حمايته المطلقة، لا تملك من أمرها سوى الطاعة."

الخط الأزرق شطب الكلمات ببراعة هادئة، وكتب فوقها في الفراغ الأبيض: "القفص المفتوح لا يعني أن العصفور أعمى عن رؤية فخ الصياد."

تجمد الدم في عروق طارق. اتسعت حدقتاه وهو يحدق في الكلمات الدخيلة.

التفت ببطء شديد، كآلة صدئة، نحو باب غرفتها المغلق.

هل فعلت هي ذلك؟ متى؟ كيف تمكنت من الخروج دون أن توقظه وهو الذي ينام بنصف عين مفتوحة؟

اقترب من الباب الخشبي، ووضع أذنه على السطح البارد.

أنفاسها منتظمة، عميقة، كأنها في غيبوبة دوائية ثقيلة.

تراجع خطوة إلى الوراء، يحدق في الورقة مجددًا.

هل كتبها هو في حالة سكر ليلي أو نوبة من المشي أثناء النوم؟

الخط لا يشبه خطه المتعجل والفوضوي، بل يحمل أناقة مرعبة، دقة شخص لا يرتجف، شخص يمتلك سيطرة تامة على أصابعه.

طوى الورقة بسرعة وبحركة عصبية غاضبة، ودسها في جيب بنطاله، يرفض بشراسة السماح لثغرة كهذه بإفساد خطته المحكمة لاستغلالها.

انزلق بخفة نحو المطبخ الصغير المفتوح على غرفة المعيشة.

فتح الخزانة العلوية حيث تحتفظ ليلى بزجاجات دوائها البرتقالية التي تبقيها على قيد الحياة، أو هكذا تعتقد.

التقط الزجاجة الخاصة بمثبطات القلق والهلع. رجّها بخفة قرب أذنه.

صوت الحبوب البلاستيكية الصغيرة بدا كأجراس إنذار باهتة.

فتح الغطاء البلاستيكي، وسكب أكثر من نصف المحتوى في حوض الغسيل المعدني، ثم فتح صنبور المياه الباردة إلى أقصى حد، يراقب الحبوب البيضاء تذوب وتتفكك وتختفي في دوامة الصرف الصحي بلا رجعة.

أعاد الزجاجة إلى مكانها بعناية، وأغلق الباب الخشبي بهدوء تام.

كان يحتاج إلى جرعة أكبر من ألمها وتوترها.

الكتابة تطلب المزيد من الدماء النفسية، والهدوء الزائف الذي غلفت به نفسها البارحة لم يكن كافيًا لتغذية وحشه الإبداعي الجائع.

صوت احتكاك الباب الخشبي المفصلي أعلن خروجها من غرفتها.

وقفت في الممر الضيق، ترتدي كنزة صوفية رمادية واسعة تبتلع جسدها النحيل وتجعلها تبدو كشبح متعب.

عيناها محاطتان بهالات داكنة عميقة، وشعرها مشعث يسقط على وجهها الشاحب.

ليلى: هل رأيت أدويتي؟

طارق: في الخزانة العلوية يا ليلى، كما تركناها البارحة تمامًا.

اتجهت نحو المطبخ بخطوات مترددة.

طارق وقف متكئًا على إطار الباب، يكتف ذراعيه على صدره، ويراقبها بعينين ثاقبتين كصقر ينتظر سقوط فريسته المنهكة.

مدت يدها المرتجفة بوضوح، التقطت الزجاجة البرتقالية، ونظرت إلى قاعها عبر البلاستيك الشفاف.

توقفت حركتها تمامًا. تسمرت في مكانها. لم تصرخ، لم تبكِ، ولم تنهار كما توقع ورغب. فقط وقفت هناك، تحدق في الفراغ داخل الزجاجة.

طارق: هل هناك مشكلة ما؟

ليلى: الزجاجة شبه فارغة. كنت متأكدة، بل أقسم أنني اشتريتها ممتلئة قبل يومين فقط.

طارق: ربما أخذتِ أكثر من جرعتكِ المعتادة دون أن تنتبهي. أنتِ مشوشة جدًا يا ليلى، هل تذكرين؟ الطبيب حذركِ من فقدان الذاكرة القصير المدى بسبب الصدمات.

عضت على شفتها السفلية بقوة حتى كادت الدماء تفر منها.

أصابعها اعتصرت الزجاجة بقسوة، وكتفاها انخفضا في استسلام مأساوي قاتم.

هذا الانكسار المطلق، هذه الطاعة العمياء لفكرته المريضة عنها، أثارت نشوة عارمة، سوداء، في صدره.

اتجه فورًا، وبخطوات واسعة، إلى آلته الكاتبة ليوثق هذا الانتصار.

صوت طرق المفاتيح المعدنية عاد ليمزق صمت الكوخ الجبلي.

كان يضرب بقوة، يصف ارتباكها بدقة جراح يشرّح جثة، يصف شكها في عقلها، انسلاخها التدريجي عن يقينها، واعتمادها الكلي عليه. لكن، وبينما كانت أصابعه ترقص على لوحة المفاتيح، بدأ شيء غريب وغير مريح يتسرب إلى النص المكتوب.

توقفت أصابعه ببطء. سحب الورقة قليلاً وقرأ الفقرة الأخيرة التي كتبها للتو.

المفردات لم تكن له. طريقة بناء الجملة المعقدة، الاستعارات المظلمة الثقيلة، الإيقاع المتسارع الكئيب.. كان أسلوبًا يعرفه جيدًا، أسلوبًا دفنه بيديه منذ سنوات طويلة.

"الجدران تتنفس خطاياها بصمت، والضوء ليس سوى كذبة نصدقها لننام بأعين مفتوحة."

هذه الجملة التعبيرية.. لم يكتبها هو. أو بالأحرى، لم يكن طارق الحالي هو من صاغها.

كانت تحمل بصمة لا تخطئها عينه. بصمة "يوسف".

يوسف، صديقه القديم، الذي احترقت جثته في تلك الشقة القذرة، ومعه المخطوطة الأصلية التي سرقها طارق لاحقًا لتكون روايته الأولى والوحيدة التي صنعت مجده.

مسح طارق وجهه بكفيه بقوة وعنف. العزلة الجبلية تبدأ في اللعب بعقله وإرباك حواسه.

لا بد أنه يستحضر أسلوب صديقه القديم دون وعي تحت وطأة الضغط النفسي والرغبة في النجاح مجددًا.

في تلك الأثناء الدقيقة، كانت ليلى تتحرك في الخلفية كشبح لا كيان له.

لم تكن تبكي في غرفتها منهارة كما كان يكتب ويظن.

كانت تقف بهدوء مرعب أمام مرآة الحمام المكسورة في الزاوية، تمرر طرف سبابتها على الشق الطويل الحاد الذي يقسم انعكاس وجهها إلى نصفين غير متطابقين.

لم تتناول أي حبة دواء حقيقية منذ وصولهما إلى الكوخ.

الحبوب التي ألقاها طارق في الحوض باستمتاع كانت مجرد فيتامينات رخيصة استبدلتها هي مسبقًا.

المهدئات الحقيقية، ومسكنات الألم، كانت مخبأة بعناية فائقة في بطانة حقيبتها الجلدية الممزقة.

ابتسمت ليلى لانعكاسها في المرآة. ابتسامة لم تصل إلى عينيها الداكنتين، خالية من أي هشاشة أو ضعف.

ثم مدت يدها الثابتة نحو مصباح الحمام المتدلي، وبحركة دقيقة ومدروسة، فكت المصباح قليلاً جدًا حتى بدأ يومض بضعف، يخلق ظلالًا متحركة ومضطربة، كالأشباح الراقصة، على الجدران الخشبية.

***

حل المساء ثقيلًا، خانقًا، محملًا برطوبة الغابة.

الكوخ بدا وكأنه يتقلص من حولهما ليخنقهما معًا.

طارق يجلس على الأريكة المتهالكة، يفرك صدغيه النابضين بالألم.

الإضاءة المتقطعة والمستمرة القادمة من الحمام المفتوح تثير أعصابه المتوترة أصلاً وتخدش استقراره.

طارق: هل يمكنكِ إصلاح ذلك المصباح اللعين؟ أو إغلاقه تمامًا؟

خرجت ليلى من الظلام المحيط بالممر، تقف على مسافة مترين منه، تلف ذراعيها حول خصرها.

ليلى: أي مصباح تتحدث عنه؟

طارق: مصباح الحمام. إنه يومض منذ ساعة ويصيبني بالغثيان.

أمالت رأسها قليلًا ببطء، نظرت نحو الحمام المظلم تمامًا، ثم عادت بنظرها الهادئ إليه.

ليلى: الحمام مظلم يا طارق. أنا لم أفتحه منذ الصباح الباكر. هل أنت بخير؟

انتفض واقفًا بسرعة أسقطت المجلة من حجره.

تقدم بخطوات غاضبة وحازمة نحو الممر الصغير.

نظر إلى الداخل متوقعًا رؤية الوميض.

كان الحمام مظلمًا تمامًا، كقبر مغلق. لا وميض. لا ضوء. لا شيء.

برودة زاحفة، لا علاقة لها بطقس الجبل تسللت إلى عموده الفقري ببطء.

التفت إليها بحدة. كانت تقف في نفس المكان، تنظر إليه بشفقة، نفس الشفقة المتعالية التي كان يغدقها هو عليها منذ التقيا.

طارق: كان يومض. أقسم لكِ أنه كان يومض.

ليلى: ربما أنت متعب جدًا. أنت تكتب بلا توقف. العزلة تفعل هذا بالعقول، أليس كذلك؟ هكذا قلت لي في المقهى.

استخدمت كلماته ضده ببراعة غير متوقعة.

شعر بضيق شديد في صدره وانقطاع في أنفاسه.

تجاهل نظراتها تمامًا وعاد مسرعًا إلى طاولته الخشبية، يبحث عن الأمان والسيطرة في مفاتيح الآلة الكاتبة.

سيطارد هذا الخلل الوهمي عبر الكتابة. سيجعل بطلته هي من تتوهم الأضواء والظلال، سيعكس جنونه العابر عليها ليتخلص منه نهائيًا ويطهر عقله.

جلس بقوة، وسحب ورقة بيضاء جديدة، وبدأ يضرب على المفاتيح بعنف أدمى أطراف أصابعه حرفيًا.

كتب حتى خدرت يداه تمامًا، حتى امتلأت منفضة السجائر الزجاجية بأعقاب محترقة تنفث دخانًا سامًا، حتى سقط رأسه الثقيل على الطاولة، غارقًا في نوم عميق ومفاجئ، ناتج عن الإرهاق الذهني والنفسي المتراكم.

***

 

رائحة الورق القديم المائل للاصفرار، والحبر السائل النفاذ، أيقظته ببطء.

لم يكن هذا حبر آلته الكاتبة الجاف المعتاد.

رفع رأسه الثقيل بصعوبة بالغة. الرؤية مشوشة في عينيه، ورقبته تؤلمه بشدة كأن أحدهم حاول خنقه.

الساعة المعلقة على الجدار الخشبي تشير إلى الثالثة فجرًا. الكوخ غارق في سكون ميت، مرعب.

مسح عينيه بكفيه بقسوة، ونظر إلى الطاولة أمامه.

لم تكن هناك ورقة واحدة بيضاء. بدلًا من ذلك، كانت هناك رزمة من الأوراق المسطرة، مكدسة بعناية فائقة وترتيب مثالي.

لم تكن مطبوعة بالآلة الكاتبة. كانت مكتوبة بخط اليد. بخط يده هو.

امتدت يده المرتجفة بعنف لتلتقط الورقة الأولى.

الحبر الأسود اللامع يعكس ضوء القمر الشاحب المتسلل من النافذة.

قرأ السطر الأول، فتوقفت رئتاه عن سحب الهواء تمامًا.

"النار لم تكن سريعة بما يكفي لتمحو صوت استغاثته، والباب الذي أغلقته من الخارج كان ثقيلًا كذنب لن يُغفر أبدًا."

قرأ السطر الثاني، والثالث. الورقة بأكملها، والصفحات التي تليها، لم تكن عن بطلته الهشة. لم تكن عن ليلى.

كانت سردًا تفصيليًا، دقيقًا، ومرعبًا لليلة التي مات فيها يوسف.

تفاصيل درجة حرارة مقبض الباب النحاسي حين أقفله عليه من الخارج، رائحة البنزين الخانقة، وملمس المخطوطة الجلدية التي خبأها تحت معطفه المبلل وهو يهرب من المبنى المحترق تاركًا إياه للموت.

تفاصيل لم يخبر بها أحدًا في هذا العالم. تفاصيل كان يعتقد أنه دفنها في أعمق وأحلك بقعة من عقله الباطن.

أسقط الأوراق من يده وكأنها جمر مشتعل يحرق جلده. تراجع بكرسيه بعنف حتى اصطدم بالجدار الخشبي بقوة. أنفاسه تخرج في حشرجات متقطعة ومذعورة.

نظر إلى يديه، يتفحص أصابعه المرتجفة في الظلام.

هناك بقع حبر أسود سائل على أطرافها.

هل كتب هذا وهو نائم كالمغيب؟ هل جنّ تمامًا وفقد عقله؟ أم أن هناك من حفر داخل جمجمته واستخرج هذه الجثث ليعرضها أمامه؟

رفع نظره ببطء ورعب نحو الممر المظلم.

باب غرفتها كان مفتوحًا قليلاً، وشق رفيع من الظلام المطلق يراقبه بصمت، كعين وحش يتغذى على رعبه الخالص.

رفع نظره ببطء ورعب نحو الممر المظلم. باب غرفتها كان مفتوحًا قليلاً، وشق رفيع من الظلام المطلق يراقبه بصمت، كعين وحش يتغذى على رعبه الخالص.

اندفع نحو الباب بخطوات ثقيلة ومترنحة، يسحق الأوراق تحت قدميه العاريتين دون اهتمام.

ركل الباب الخشبي بقدمه لينفتح على مصراعيه، مصطدمًا بالجدار الداخلي بصوت مدوٍ يشبه طلقة رصاص في سكون الغابة.

الضوء الشاحب المتسرب من الصالة شق عتمة الغرفة، ليسلط بقعة صفراء باهتة على الزاوية المقابلة للسرير.

لم تكن نائمة. كانت تجلس القرفصاء على الأرضية الخشبية الباردة، تدفن وجهها بين ركبتيها، وتلف ذراعيها حول ساقيها بقوة تمنع وصول الدم إلى أطراف أصابعها التي بدت بيضاء كالشمع.

انحنى طارق بجذعه، يلهث بقوة وكأن الهواء يرفض الدخول إلى رئتيه، ممسكًا بالورقة الأخيرة الملطخة بحبر اعترافاته المكتوبة بخط يده.

طارق: هل تعتقدين أنكِ ذكية؟ هل تتسللين في الظلام لتعبثي برأسي؟

لم ترفع وجهها. جسدها بدأ يرتجف بعنف، ارتجافة بدأت خفيفة ثم تصاعدت لتشمل كل عضلة فيها.

اقترب منها خطوتين، مد يده ليجذبها من كتفها بقسوة غير معتادة.

طارق: انظري إليّ عندما أتحدث! من أين لكِ بهذه التفاصيل؟ كيف عرفتِ؟

بمجرد أن لامست أصابعه نسيج كنزتها الصوفية، أطلقت صرخة.

لم تكن صرخة أنثوية معتادة، بل عواءً حيوانيًا ممزقًا، يخرج من قاع حنجرة تحترق.

رفعت رأسها فجأة. عيناها كانتا متسعتين حتى برز بياضهما، تنضحان برعب نقي، أعمى، ومعدٍ.

تراجعت إلى الخلف حتى التصق ظهرها بالجدار الخشبي، وبدأت أظافرها المقضومة تخدش ذراعيها العاريتين بوحشية، تمزق الجلد الرقيق لتترك خطوطًا حمراء رفيعة تنزف ببطء.

ليلى: النار! الباب مغلق! لا تتركني أختنق! رائحة اللحم... إنها تلتصق بحنجرتي!

تراجع طارق خطوة إلى الوراء، كما لو أن تيارًا كهربائيًا ضرب صدره.

الورقة سقطت من يده المرتجفة لتستقر على الأرض بجوار قطرات دمها.

ملامحه الغاضبة ذابت في ثوانٍ، ليحل محلها فزع مشوش.

الكلمات التي كانت تصرخ بها.. إنها نفس الكلمات التي كتبها هو في الورقة قبل قليل عن يوسف.

هل تقرأ أفكاره؟ أم أن هلوساتها تتقاطع مع ذكرياته المكبوتة بمحض الصدفة الملعونة؟

محاولتها لتمزيق جلدها لم تتوقف. الدم بدأ يلطخ أكمامها الرمادية.

سقط طارق على ركبتيه أمامها، ناسيًا تمامًا غضبه وشكوكه.

تحول فجأة من سجان يبحث عن اعتراف، إلى وحش يشعر بالذنب لأنه أيقظ شياطين ضحيته.

حاول الإمساك بيديها الملطختين بالدماء، لكنها قاومته بشراسة، تضرب صدره ووجهه بيديها المغلقتين.

طارق: ليلى، توقفي! لا توجد نار هنا. أرجوكِ، أنتِ تؤذين نفسكِ.

استمرت في الصراخ والانتفاض لدقائق بدت كأعوام ثقيلة، قبل أن تنهار فجأة.

انطفأت طاقتها كشمعة سُكب عليها ماء مثلج. سقط رأسها على صدره، وأنفاسها تخرج في شهقات متقطعة، ضعيفة.

أحاط ظهرها بذراعيه، يمسح على شعرها المشعث بيد ترتجف، مغمضًا عينيه بقوة، يحاول طرد رائحة الدخان الوهمية التي بدأت تزكم أنفه هو الآخر.

في تلك اللحظة، وهو يحتضنها محاولًا تهدئة روعها، لم يرَ الابتسامة الباردة والقصيرة التي ارتسمت على شفتيها المخفيتين في تجويف صدره. لقد ابتلع الطُعم بالكامل.

صباح اليوم التالي لم يكن هناك ضوء للشمس. غيوم رمادية ثقيلة ابتلعت الجبل، والضباب زحف ليلامس نوافذ الكوخ، يغلق منافذ الرؤية ويحولهما إلى سجينين في صندوق خشبي معلق في الفراغ.

طارق لم ينم دقيقة واحدة. جلس على كرسي المطبخ المعدني، يحدق في كوب القهوة الباردة، وعيناه محاطتان بهالات سوداء تشبه الكدمات.

عروق صدغيه تنبض بألم إيقاعي يطرق جمجمته من الداخل.

صوت احتكاك النعال الخفيفة بالأرضية أعلن حضورها.

خرجت ليلى من الحمام، تلف منشفة حول رأسها، وبشرتها تبدو نضرة بشكل يتناقض تمامًا مع مجزرة البارحة.

الضمادات البيضاء النظيفة تغطي خدوش ذراعيها.

جلست على الكرسي المقابل له، تسحب الكوب البارد من أمامه بهدوء.

ليلى: لا يمكنك الاستمرار هكذا يا طارق. أنت تحترق من الداخل. أسمعك تهمس في الليل بكلمات غير مفهومة.

طارق: أنا بخير. فقط أحتاج إلى التركيز. الرواية... الرواية لا تتقدم.

نظرت إليه بشفقة مصطنعة، ومررت يدها الناعمة على ظهر يده الخشنة.

ليلى: الطبيب أخبرني مرة أن العقل البشري يختلق أعداء وهميين عندما يفقد السيطرة على الواقع. صداعك هذا ليس طبيعيًا. خذ هذه. ستساعدك على النوم العميق، والتوقف عن التفكير في... الأوراق والخطوط.

فتحت كفها لتكشف عن كبسولتين زرقاوين داكنتين.

لم يسألها عن ماهيتهما. لم يناقشها في مصدرهما وهي التي تدعي أن أدويتها نفدت.

الألم في رأسه كان يعميه عن المنطق.

التقط الكبسولتين وابتلعهما دفعة واحدة، يشرب خلفهما ما تبقى من القهوة المرة.

بحلول الظهيرة، بدأت أبعاد الكوخ تتغير.

طارق كان مستلقيًا على الأريكة، يراقب سقف الغرفة.

الألواح الخشبية بدأت تتماوج كسطح بحيرة راكدة أُلقي فيها حجر.

الظلال المنبعثة من زوايا الغرفة طالت، امتدت، واتخذت أشكالًا بشرية مشوهة.

حاولت أطرافه التحرك، لكن جسده كان مشلولًا بخدر ثقيل، لزج، يسحبه نحو قاع مظلم.

صوت طقطقة حطب المدفأة تضخم في أذنيه ليصبح كصوت تكسر عظام بشرية.

رائحة الغابة الرطبة اختفت، وحلت محلها رائحة مألوفة، خانقة، رائحة بنزين رخيص وورق يحترق.

أدار مقلتيه بصعوبة بالغة نحو النافذة المقابلة.

كان هناك ظل يقف خلف الزجاج المتسخ بالضباب.

ظل لرجل طويل، يرتدي معطفًا أسود يحترق من أطرافه ببطء، دون لهب، فقط جمر أحمر يتآكل في النسيج. الوجه كان ممحوًا، مجرد مساحة سوداء متفحمة.

طارق: يوسف... أنت ميت. لقد تأكدت من ذلك بنفسي.

الظل لم يتحرك، لكن صوتًا عميقًا، قادمًا من داخل جمجمة طارق نفسها، تردد بوضوح مرعب، ينسخ نبرة ليلى الهادئة تمامًا.

"الموتى لا يكتبون يا طارق، لكنهم يملون عليك ما تستحقه."

غاب عن الوعي بعدها، ليغرق في كوابيس دموية لا نهاية لها.

استيقظ طارق والشمس توشك على المغيب.

جسده يتصبب عرقًا باردًا يلتصق بملابسه.

الصداع تراجع قليلًا، تاركًا مكانه إحساسًا حادًا بالبارانويا، رغبة مسعورة في تمزيق هذا الوهم الذي يلتف حول عنقه كأفعى عاصرة.

نهض بصعوبة، يتخبط في الأثاث.

الكوخ كان خاليًا. نظر من النافذة ليرى ليلى تقف بعيدًا بين الأشجار، تجمع بعض الحطب الصغير، تبدو بريئة وهادئة كلوحة ريفية.

هذه هي فرصته. الوحيدة.

اندفع نحو غرفتها. لم تكن هناك أوراق للبحث فيها، فهو يعرف الآن أنها لا تكتب، بل تعبث بعقله لجعله هو من يكتب. لكن لا بد أن هناك شيئًا يربطها بهذا الجنون، خيطًا خفيًا يفسر معرفتها العميقة بتفاصيل جريمته القديمة.

بدأ يفتش الأدراج بوحشية، يقلب الملابس، يمزق الأكياس البلاستيكية.

لم يجد سوى مستحضرات تجميل بسيطة، وملابس خالية من أي جيوب سرية.

سقطت عيناه على حقيبتها الجلدية المهترئة، ملقاة بإهمال متعمد أسفل السرير.

سحبها بقوة. فتح السحاب المعدني الصدئ. قلب محتوياتها على السرير؛ فرشاة شعر، مرآة صغيرة، بعض العملات المعدنية.

تحسس بطانة الحقيبة من الداخل بأصابعه المرتجفة. القماش كان سميكًا، مبطنًا بعناية.

مرر إصبعه السبابة على الحافة السفلية للبطانة، فشعر ببروز غير طبيعي، خيط مقطوع ببراعة.

غرس أصابعه في الشق الصغير، ومزق القماش بقوة أصدرت صوتًا حادًا.

أدخل يده في التجويف السري أسفل الجلد. التقطت أصابعه شيئًا مسطحًا، قاسيًا.

سحبه ببطء، وكأن قلبه يتوقف مع كل مليمتر يخرج من العتمة.

كانت صورة فوتوغرافية قديمة، ألوانها باهتة ومائلة للاصفرار من الأطراف.

مسح الغبار عنها بإبهامه المتسخ بالحبر الجاف.

الصورة لم تكن لليلة الحريق. لم تكن دليلاً على جريمة. كانت أبسط من ذلك بكثير، وأكثر تدميرًا بألف مرة.

ظهرت ليلى في الصورة، تبدو أصغر بسنوات، تبتسم ابتسامة حقيقية، مشرقة وخالية من أي ظلال مرضية.

كانت تقف في شرفة شقة قديمة، الشقة ذاتها التي التهمتها النيران.

لكنها لم تكن تقف وحدها. كانت تلف ذراعيها بمحبة تامة حول عنق رجل ينظر إلى الكاميرا بثقة واعتزاز، رجل يرتدي معطفًا أسود مألوفًا جدًا، ويمسك بيده اليمنى لفافة من الأوراق المجلدة بالجلد البني.

يوسف.

الصورة انزلقت من بين أصابعه المتيبسة لتهبط على غطاء السرير ببطء شديد، كحكم إعدام كُتب في الماضي ونُفذ هذه اللحظة.

لم تكن ليلى ضحية التقطها بالصدفة. لم تكن مريضة نفسية.

كان هو الفريسة التي تم استدراجها بعناية، وهذا الكوخ الجبلي المعزول لم يكن فخه الذي نصبه لها.

لقد كان مسلخها الذي اختارته بدقة لتجريده من عقله، قطعة خلف قطعة.

سمع صوت صرير الأرضية الخشبية في الصالة الخارجية. خطوات هادئة، موزونة، تقترب من باب الغرفة المفتوح. التفت ببطء مريع.

ليلى كانت تقف في إطار الباب، تحمل فأس تقطيع الحطب في يدها اليمنى، ترتخي بجانب جسدها، وتنظر إلى الصورة الملقاة على السرير.

الابتسامة التي رسمتها على شفتيها الآن لم تكن تخفي أي هشاشة، كانت ابتسامة المنتصر المطلق، الذي أطاح بملك الرقعة أخيرًا.

ليلى: هل أعجبك خطي القديم يا طارق؟ أم أنك تفضل أسلوبي في المخطوطة التي سرقتها منه؟

الكلمات سقطت في أذنيه كمسامير تدق في تابوت وعيه.

الغرفة بدأت تدور به بعنف، والظلام تسلل من زوايا الرؤية ليغلف عينيه تمامًا.

لم يعد هناك مهرب. الخيوط اكتملت، والدمية أدركت أخيرًا من يمسك بها حقًا.

انهار جسد طارق على حافة السرير المهترئ، كيسًا فارغًا من العظام واللحم.

الرؤية تتقلص لتصبح نفقًا ضيقًا في نهايته تقف ليلى، الفأس تتدلى من يدها باسترخاء مميت.

حاول تحريك شفتيه، إخراج صوت، أي صوت، لكن الكبسولتين الزرقاوين كانتا قد بدأتا في تذويب الروابط العصبية بين إرادته وعضلاته.

الهواء المحبوس في صدره خرج كحشرجة ذبيح.

لم تكن هذه نوبة هلع، ولم يكن هذا إرهاقًا. كان هذا سمًا يسري ببطء، يحول دمه إلى رصاص منصهر يجمد أطرافه ويشعل دماغه في آن واحد.

ليلى: هل تشعر بالثقل يا طارق؟ هذا ليس ندمًا. إنه مجرد تفاعل كيميائي بسيط لمركب مهلوس استخلصته بعناية. المادة الفعالة التي أطعمتك إياها طوال الأيام الماضية في قهوتك الصباحية المرة، واليوم في تلك الكبسولات التي ابتلعتها بيدك. الجرعة الآن تكفي لجعل كوابيسك تتجسد أمامك لحمًا ودمًا، لكنها لن تقتلك. الموت السريع رفاهية لا تستحقها بعد.

الرعب النقي حقن الأدرينالين في عروق طارق المتصلبة، كاسرًا حاجز الشلل لثانية واحدة.

في حركة يائسة، أخيرة، ووحشية، دفع ثقل جسده بالكامل نحو خزانة الملابس الخشبية الطويلة بجوار السرير.

الخزانة ترنحت، ثم سقطت بوزنها الهائل في اتجاه الباب، لتسد الطريق بينه وبين ليلى بجدار من الخشب المكسور والملابس المتناثرة.

لم ينتظر ليرى رد فعلها، ولم ينظر إلى الخلف. اندفع نحو نافذة الغرفة الزجاجية المغلقة التي تطل على الغابة.

رفع كرسيًا خشبيًا صغيرًا بكل ما تبقى له من قوة وضرب الزجاج بشراسة.

تناثرت الشظايا اللامعة كحبات ألماس ملطخة بالدماء في هواء الغرفة البارد.

تجاهل طارق الجروح العميقة التي مزقت ساعديه وقدميه العاريتين وهو يقفز من إطار النافذة المحطم إلى الخارج.

الأرض الطينية المتجمدة تحت قدميه كانت كأشواك من الجليد تغرس في لحمه مع كل خطوة.

الغابة الصنوبرية كانت تغرق في ضباب مسائي أزرق داكن، يبتلع الأشجار ويحولها إلى شواهد قبور عملاقة صامتة.

ركض نحو سيارته المتوقفة على بعد عشرين مترًا من الكوخ.

أنفاسه تحرق قصبته الهوائية كالنار، طعم الصدأ يملأ حلقه.

كل خطوة كانت تتطلب مجهودًا خرافيًا، فالأرض بدت وكأنها تموج تحت قدميه كبحر أسود، والأشجار تنحني لتراقبه بعيون خفية متلألئة.

 الهلوسة الكيميائية بدأت تتشكل وتنهش حواسه.

وصل إلى السيارة. مد يده المرتجفة والملطخة بالدماء نحو مقبض الباب المعدني.

كان مفتوحًا. ألقى بجسده المنهك داخل مقصورة القيادة الجلدية الباردة.

رائحة معطر الجو الاصطناعية ضربت أنفه، معيدة إياه للحظة عابرة إلى عالمه المتحضر، عالمه الآمن الذي فقده للأبد.

بحث في جيب بنطاله عن المفتاح. أصابعه تلمست المعدن البارد كالجليد.

أدخله في فتحة التشغيل بيده المرتعشة وأداره بقوة وعنف.

نقرة معدنية جافة. لا شيء آخر.

أعاد المحاولة. نقرة أخرى أضعف من سابقتها. المحرك ميت تمامًا، كجثة هامدة.

ضرب مقود السيارة بقبضتيه الداميتين وهو يصرخ صرخة مكتومة، يائسة، مزقت أحباله الصوتية.

رفع عينيه نحو مقدمة السيارة. عبر الزجاج الأمامي المغطى بندى المساء، لاحظ أن الغطاء المعدني الثقيل للمحرك لم يكن مغلقًا بإحكام. كان مواربًا قليلاً، وهناك أسلاك ملونة مقطوعة تتدلى منه كأحشاء ممزقة.

لقد عبثت به ببرود. لقد قطعت أوردة سيارته كما قطعت أوردة عقله بمنهجية شيطانية.

مد يده نحو درج التابلوه الأمامي بحركة محمومة.

هاتفه المحمول كان هناك. سحبه بسرعة كغريق يتشبث بقشة. الشاشة سوداء تمامًا.

ضغط على زر التشغيل حتى ابيضت مفاصل إصبعه.

ومضت الشاشة بضوء خافت، لتظهر علامة بطارية فارغة تمامًا، إشارة حمراء تومض بسخرية، قبل أن تنطفئ إلى الأبد.

هو الآن في قاع بئر مظلمة جدًا، والغطاء قد أُحكم إغلاقه بخراسانة مسلحة.

 

 

صوت احتكاك نصل معدني خشن يجر على الحصى الطيني لفت انتباهه المشتت.

نظر في المرآة الجانبية للسيارة.

كانت ليلى تمشي بخطوات متمهلة، إيقاعية، تخرج من الضباب الكثيف المحيط بالكوخ الخشبي.

لم تكن تركض. لم تكن تبدو غاضبة على الإطلاق.

كانت تجر الفأس خلفها بيد واحدة مسترخية، نصلها المعدني الثقيل يخدش الأرض ويترك مسارًا كأفعى تزحف في الطين البارد.

ارتدت معطفًا أسود طويلًا. معطف يوسف.

كان واسعًا عليها، يتأرجح حول جسدها النحيل بشراسة الريح، لكنه أضفى عليها هالة من السلطة الجنائزية المرعبة التي شلت أطرافه.

طارق: ابتعدي! اتركيني وشأني!

صرخ بها من خلف الزجاج المغلق، لكن صوته كان ضعيفًا، مهزوزًا، بالكاد يسمعه هو نفسه.

وصلت ليلى إلى مقدمة السيارة. وقفت هناك بصمت، تحدق فيه عبر الزجاج الأمامي مباشرة.

عيناها كانتا خاليتين من أي تعبير إنساني مألوف.

كانتا بئرين من السواد المطلق يعكسان رعبه الخالص.

ببطء شديد، وبحركة مسرحية مدروسة لا تناسب امرأة هشة، رفعت الفأس بكلتا يديها إلى أعلى نقطة فوق رأسها.

طارق غطى وجهه بذراعيه في حركة دفاعية غريزية محاولًا حماية عينيه.

هوى النصل المعدني الثقيل على الزجاج الأمامي بانفجار مدوٍ.

لم ينكسر الزجاج فورًا، بل تشقق بشبكة كثيفة من الخطوط البيضاء المتشابكة، كشبكة عنكبوت عملاقة فصلت بين وجهيهما وشوهت ملامحها.

ضربة ثانية أشد قسوة وتركيزًا. الزجاج انهار أخيرًا للداخل كشلال من الإبر الجليدية الحادة، متساقطًا على وجه طارق.

الهواء الجبلي المتجمد اقتحم المقصورة بوحشية، حاملاً معه رائحة الطين ورائحة عطر يوسف القديم، العطر الرخيص المنبعث من معطفها الأسود.

ليلى: انزل يا طارق. المسرحية لم تنتهِ بعد، والبطل لا يجوز له مغادرة المسرح قبل أن يؤدي المشهد الأخير أمام الجمهور.

أراد أن يقاوم، أراد أن يركل باب السيارة ليفتحه ويهرب إلى أعماق الغابة المجهولة، لكن الهلوسة الكيميائية بلغت ذروتها القاتلة.

المعطف الأسود الذي ترتديه ليلى بدأ يتمزق من الأطراف في عينيه، يتفحم ببطء، والدخان الرمادي يتصاعد من خيوطه.

وجهها بدأ يذوب ويتغير، يفقد ملامحه الأنثوية ليتحول تدريجيًا إلى وجه يوسف المشوه بالنار، يبتسم له بأسنان مسودة وعين جاحظة.

طارق: يوسف... أنا لم أقصد... أقسم لك أنني لم أرد قتلك.

الكلمات تسربت من شفتيه المتشققتين كاعتراف كاهن يحتضر في معبد مهجور.

امتدت يد ليلى، الباردة والقوية بشكل يتناقض تمامًا مع بنيتها، لتمسك بياقة قميصه الممزق من بين حطام الزجاج.

سحبته من نافذة السيارة المحطمة بقوة أدهشته، أو ربما كان جسده قد تخلى عن أي وزن أو رغبة في المقاومة.

ألقته على الأرض الطينية القذرة. طعم الوحل الممزوج بدمائه الحارة ملأ فمه وأنفه.

ليلى: انهض الآن. الآلة الكاتبة تنتظرك في الداخل. لقد ألّفتَ عني فصلاً كاملاً البارحة ببراعة. دوري الآن لأملي عليك الفصل الأخير بكل تفاصيله الدقيقة.

ساقته أمامها كحيوان مذعور، ضربات الفأس الخفيفة على الأرض خلفه تدفعه للتحرك نحو الكوخ المفتوح.

كل خطوة كانت عذابًا خالصًا. الهلوسات جعلت الأشجار تهمس له بجرائمه بصوت يوسف، تصف له رائحة اللحم المحترق وصوت استغاثاته خلف الباب المغلق.

عندما دخلا الكوخ مجددًا، كانت الإضاءة قد تغيرت بالكامل.

مصابيح الغاز القديمة كانت مشتعلة كلها، تلقي بظلال صفراء مريضة، راقصة ومضطربة على الجدران الخشبية المتآكلة.

دفعته ليلى بقوة ليسقط على الكرسي الخشبي الصلب أمام الطاولة العريضة.

الآلة الكاتبة كانت في مكانها المعتاد، لكنها لم تكن فارغة. كانت هناك ورقة بيضاء جديدة ملفوفة بعناية حول الأسطوانة المطاطية، تنتظر الحبر الأسود.

وقفت ليلى خلفه مباشرة كظل الموت.

أنفاسها الباردة تضرب مؤخرة عنقه المتصلب.

وضعت نصل الفأس المعدني البارد والملطخ بالطين على كتفه الأيمن، ضاغطة بخفة مرعبة تنذر بالذبح.

ليلى: ضع أصابعك على المفاتيح يا طارق. لا تضيع وقتنا.

رفع طارق يديه المرتجفتين الملطختين بالدماء والطين والوحل.

أطراف أصابعه تلامست بصعوبة مع الأزرار المعدنية الباردة.

كان يبكي بصمت مهين. دموع ساخنة تحرق خديه المخدوشين وتختلط بالدماء.

طارق: ماذا تريدين مني؟ سأوقع لكِ على تنازل قانوني كامل عن حقوق الرواية. خذي مالي كله. خذي اسمي ومكانتي. فقط دعيني أذهب من هنا. أنا أعتذر... أعتذر ليوسف على كل شيء.

صوت ضحكتها كان منخفضًا، جافًا، ويخلو من أي مرح بشري.

خفضت رأسها حتى لامست شفتيها أذنه اليسرى، تهمس فحيحًا كأفعى.

ليلى: أنت تعتذر للرجل الخطأ تمامًا يا طارق. أنت تظن أن خطي القديم في تلك الصورة كان مجرد إهداء لصديقك العبقري؟ أنت تظن أن يوسف كان كاتبًا موهوبًا مات مبكرًا؟

توقف نبض طارق لثانية كاملة.

الكلمات لم تستوعبها خلايا عقله المشوشة فورًا، بقيت معلقة في الهواء كألغاز سامة.

ليلى: يوسف لم يكتب سطرًا واحدًا في حياته البائسة. كان مجرد لص وسيط، قواد نصوص أدبية. سرق المخطوطة من غرفتي عندما كنت في المصحة العقلية أتعافى من أول انهيار عصبي لي بسبب فقدان عائلتي. أخذ ألمي الصادق، عصارة روحي، وعرضها عليك لتشتريها وتضع اسمك عليها. ثم اختلفتما على السعر المدفوع. أنت قتلته لتسرق ما سرقه هو مني.

ضغطت نصل الفأس قليلاً حتى قُطع النسيج الرقيق لقميصه ولامس جلده العاري، باعثًا قشعريرة موت حقيقية في عموده الفقري.

ليلى: أنت لم تقتل المؤلف الأصلي في تلك الليلة المظلمة يا طارق. أنت قتلت اللص فقط. المؤلفة الحقيقية كانت تقف في الشارع المقابل تمامًا، تراقب ألسنة اللهب تلتهم شقتها وذكرياتها، وتراقبك وأنت تخرج مسرعًا من الباب الخلفي والمخطوطة الجلدية مخبأة تحت معطفك المبلل. لقد انتظرتك ثماني سنوات كاملة لتفرغ من أفكاري المسروقة وتصاب بالجفاف الإبداعي الذي تستحقه. والآن، سنكتب معًا اعترافك بالتفصيل الممل، ثم نكتب كيف قرر الروائي العظيم، تحت وطأة تأنيب الضمير والجنون، أن يشنق نفسه بحبل غليظ في سقف كوخ معزول في الجبل.

الظلام الذي كان يزحف في أطراف عينيه لم يعد هلوسة. لقد كان حقيقة تتشكل بقسوة.

أصابعه استقرت على لوحة المفاتيح، والورقة البيضاء أمامه بدت ككفن مفتوح، بينما الكلمات الأولى بدأت تفرض نفسها على عقله المحطم، ليس كإلهام مبدع، بل كحكم إعدام يُملى عليه حرفًا بحرف.

ابتلع ريقه الجاف، وبدأ يضرب على المفاتيح ببطء شديد، خاضعًا بالكامل لإرادتها القهرية.

نقر إصبعه المرتجف بقوة على الحرف الأول، تاركًا بصمة دموية صغيرة على المفتاح البارد، لتبدأ الآلة الكاتبة في دق مسامير نعشه بصوت إيقاعي يتردد في صمت الغابة الميت.

لكن طارق توقف فجأة بعد كتابة الكلمة الأولى وتجمد في مكانه.

بؤبؤ عينه اتسع وهو يحدق في حرف الـ "أ" المطبوع للتو على الورقة البيضاء.

كان الحرف يميل قليلاً إلى اليسار، نفس الميل المعيب والفريد الذي كان يميز آلته الكاتبة القديمة في شقته... الآلة الوحيدة التي احترقت وتفحمت مع يوسف في تلك الليلة المشؤومة ولم يأخذها معه إلى هذا الكوخ أبدًا.

التبس عليه الواقع بالهلوسة تمامًا.

التفت ببطء مريع نحو ليلى ليسألها عن هذه الآلة المستحيلة الوجود، لكن الكرسي بجواره كان فارغًا تمامًا.

الفأس ملقاة على الأرض تعكس ضوء المصابيح الباهت، ولا أثر لليلى في الغرفة بأكملها.

فقط صوت خافت جدًا، صوت خطوات مألوفة، ثقيلة ومترددة، يأتي من الممر المظلم المؤدي إلى الحمام.

خطوات لا تنتمي لامرأة نحيلة تمشي بخفة، بل لرجل يجر قدمه اليمنى المحترقة بصعوبة بالغة.

تسمر طارق في مقعده، وعيناه معلقتان بفتحة الممر المظلم، بينما دقات قلبه تضرب قفصه الصدري بعنف يكاد يكسر أضلاعه.

احتكاك القدم الثقيلة بالأرضية الخشبية كان يتردد في تجويف جمجمته، يتزامن مع ومضات الهلوسة الكيميائية التي بدأت تحيل جدران الكوخ إلى لوحات تذوب وتنزف لونًا رماديًا.

رائحة اللحم المحترق التي طاردته في كوابيسه لسنوات، تكثفت فجأة في الهواء البارد، لتصبح ملموسة، لزجة، وتخنق أنفاسه.

من بين ستارة العتمة، برز الظل تدريجيًا. لم يكن جسدًا متفحمًا عائداً من الموت، ولم يكن طيفًا صنعه عقله المحتضر.

كانت ليلى. لكنها لم تكن تمشي بخطواتها المعتادة.

كانت ترتدي في قدمها اليمنى حذاءً جلديًا ضخمًا، ممزقًا ومحترقًا من حوافه، يكسوه طبقة سميكة من السخام القديم.

كانت تتعمد جر الحذاء الثقيل على الألواح الخشبية الخشنة، تضغط بكامل وزنها على ساقها اليمنى لتنتج ذلك الصوت الإيقاعي البطيء، الميت.

وفي يدها اليسرى، كانت تحمل مسجلًا صوتيًا قديمًا ذا شريط مغناطيسي، يصدر أزيزًا خافتًا لنيران تشتعل في خشب جاف، مع همهمات مكتومة ومتقطعة تشبه استغاثة رجل يختنق.

وقفت أمامه مباشرة، تحت الضوء الأصفر المريض المتدلي من السقف.

أسقطت المسجل الصوتي على الطاولة الخشبية بجوار الآلة الكاتبة، ثم انحنت ببطء، غير مبالية بنظرات الرعب المطلق التي تفترس وجهه، وفكت أربطة الحذاء المحترق.

خلعته، وتركته يسقط بجوار قدميه العاريتين والملطختين بالدماء.

امتدت يدها الشاحبة لتلامس الهيكل المعدني البارد للآلة الكاتبة.

مررت أطراف أصابعها على الأزرار الصدئة بحنان أمومي مرعب، قبل أن تستقر سبابتها على حرف الألف المائل.

التقط طارق أنفاسه بصعوبة، محاولًا التراجع بكرسيه، لكن جسده كان مشلولًا تمامًا، مستسلمًا لثقل السموم التي تسري في أوردته.

انحنت ليلى فوقه، وجهها على بُعد إنشات من وجهه. عيناها كانتا خاليتين من أي غضب أو انفعال؛ كانتا مسطحتين، باردتين، كسطح بحيرة متجمدة تخفي جثثًا في قاعها.

لم تنطق بكلمة واحدة. لم تكن بحاجة إلى الشرح. المشهد بأكمله كان إجابة قاطعة، ساحقة، لكل الأسئلة التي مزقت عقله.

الآلة الكاتبة لم تكن هلوسة. لقد بحثت ليلى في أنقاض الشقة المحترقة بعد الحادثة بأيام، نبشت في الرماد الأسود بيدين عاريتين، حتى استخرجت الهيكل المعدني المشوه لآلته التي كتب عليها كل أكاذيبه. أصلحتها، نظفتها، واحتفظت بها كشاهد قبر معدني ينتظر يوم الحساب.

مدت ليلى يدها إلى جيب معطف يوسف الأسود الذي ترتديه، وأخرجت زجاجة صغيرة شفافة تحتوي على سائل أزرق فاتح، وبجوارها حقنة طبية معقمة.

وضعت الزجاجة والحقنة على الطاولة، قبالة عينيه المتسعتين.

ثم سحبت الفأس الملقاة على الأرض، وأسندتها إلى الجدار الخشبي خلفها.

تراجعت خطوتين إلى الوراء، وعقدت ذراعيها على صدرها، تراقب أصابعه المرتجفة التي ما زالت تستقر فوق لوحة المفاتيح.

المعادلة كانت واضحة، دقيقة، وقاسية.

الترياق أمامه، يلمع تحت الضوء الباهت كشعلة نجاة وحيدة في محيط من الظلام.

لكن ثمنه كان مكتوبًا على الورقة البيضاء الملفوفة في الأسطوانة.

حاول طارق إزاحة عينيه عن الزجاجة، لكن الهلوسة عادت لتضربه بموجة أعتى وأكثر وحشية.

ألواح الأرضية الخشبية تحت قدميه بدأت تتشقق، ينبعث منها دخان أسود كثيف يلسع عينيه ويحرق حلقه.

الجدران بدأت تتقوس للداخل، تتقلص، تحاصره كما حوصر يوسف في تلك الغرفة المغلقة.

شعر بحرارة لافحة تضرب ظهره، كأن قميصه قد اشتعلت فيه النيران بالفعل.

التفت برعب يمينًا ويسارًا، يرى ألسنة لهب وهمية تلعق أطراف الأثاث، وتزحف نحو الطاولة.

الصراخ الذي كان ينبعث من المسجل الصوتي تضخم، تداخل مع صوت دقات قلبه، ليصبح هديرًا يصم الآذان، يمزق طبلة أذنه، ويردد اسمه بنبرة يوسف المتفحمة.

صرخ طارق صرخة مكتومة، رافعًا يديه ليحمي وجهه من نار لا وجود لها إلا في خلايا دماغه المسممة.

الهواء في الكوخ أصبح ثقيلًا، معدوم الأكسجين.

نظر إلى ليلى، كانت تقف هناك وسط الدخان الوهمي، هادئة، لا تمسها النيران، تراقب احتراقه الداخلي ببرود صنم حجري.

أدرك في تلك اللحظة الفاصلة أنه لا يقاتل امرأة، بل يقاتل عقله الذي انقلب عليه.

لا يوجد مفر. لا توجد غابة ليهرب إليها، ولا سيارة لتقله، ولا هوية ليتخفى خلفها.

"الكاتب العظيم" الذي عاش في قمة المجد لثماني سنوات، مات في هذه الغرفة.

ما تبقى منه ليس سوى قاتل جبان، يرتجف رعبًا من أشباح ماضيه.

هبطت أصابعه على المفاتيح المعدنية بوحشية.

لم يكن يكتب، كان ينزف.

ضربات قاسية، متتالية، تمزق صمت الكوخ الحقيقي وسط ضجيج كوابيسه.

الحبر الأسود طبع الكلمات على الورق كجروح غائرة.

كتب عن الليلة الممطرة. كتب عن رائحة البنزين الرخيص الذي سكبه تحت عقب الباب.

كتب عن وقوفه في الشارع المظلم، يراقب النوافذ تتحطم من شدة الحرارة، بينما يحتضن المخطوطة الجلدية المسروقة كأنها طفله الأول.

كتب عن ليلى، عن استغلاله لهشاشتها التي ظنها حقيقية، عن غروره الذي أعماه عن رؤية الفخ الذي نُصب له ببراعة معمارية محكمة.

الدماء المتخثرة على أطراف أصابعه امتزجت بحبر الآلة، تاركة بصمات حمراء داكنة على الحروف البارزة.

لم يتوقف حتى وصل إلى أسفل الصفحة.

سحب ذراع الأسطوانة بقوة، مخرجًا الورقة بصوت تمزق حاد. أمسك القلم المعدني الموضوع بجوار الزجاجة، وذيل الصفحة بتوقيعه الحقيقي، توقيع طارق الذي لم يكتب سطرًا ذا قيمة في حياته سوى هذا الاعتراف.

أسقط الورقة على الطاولة. يداه سقطتا بجانبه كقطعتي خردة بلا فائدة. صدره يعلو ويهبط في لهاث متواصل، وعيناه مسمرتان على زجاجة الترياق الأزرق.

تقدمت ليلى بخطوات هادئة. لم تنظر إليه. التقطت الورقة من على الطاولة، طوتها بعناية شديدة، مرتين، ثم ثلاثًا، ودستها في الجيب الداخلي لمعطفها الأسود.

طارق مد يده المرتعشة، أطراف أصابعه تكاد تلامس الزجاجة الباردة التي تفصله عن الجنون المطبق.

لكن يد ليلى كانت أسرع. بحركة دقيقة ومدروسة، التقطت الزجاجة الزجاجية، ونظرت إليها للحظة في مواجهة الضوء، ثم أدارت يدها ببطء، وأفلتتها.

تحطمت الزجاجة على الأرضية الخشبية. السائل الأزرق تناثر كشظايا أمل كاذب، وتبخر فورًا في الهواء، تاركًا بقعة داكنة تبتلعها الألواح العطشى.

اتسعت حدقتا طارق حتى كادتا تمزقان محجريهما.

الحشرجة التي خرجت من حلقه لم تكن بشرية.

حاول النهوض، حاول الانقضاض عليها، لكن عضلاته رفضت الاستجابة.

الهلوسة عادت لتطبق على حواسه بضعف القوة. النيران الوهمية التي انحسرت قليلاً أثناء الكتابة، اندلعت الآن لتلتهم سقف الكوخ بالكامل. الدخان سد قصبته الهوائية.

استدارت ليلى بهدوء، سحبت كرسيًا خشبيًا صلبًا من زاوية الغرفة، ووضعته في منتصف المسافة بين الطاولة والباب. ثم نظرت إلى الأعلى.

رفعت يدها وسحبت خيطًا سميكًا كان مخفيًا بين عوارض السقف الخشبية الداكنة.

انزلقت حلقة من حبل غليظ، معقودة بعناية فائقة، لتتدلى مباشرة فوق الكرسي الخشبي. كانت تتدلى على الارتفاع المثالي تمامًا.

نظرت إليه للمرة الأخيرة. لم تبتسم، ولم تظهر أي علامة من علامات التشفي المنتصر.

اكتفت بتعديل ياقة المعطف الأسود حول عنقها، ثم استدارت نحو باب الكوخ.

فتحت الباب الخشبي الثقيل، لتسمح للضباب الكثيف والبارد بالتدفق إلى الداخل كأنفاس غابة تحتضر.

خطت إلى الخارج، واختفت في العتمة الرمادية دون أن تلتفت إلى الوراء.

الباب لم يُغلق تمامًا، بقي مواربًا، يصفق بخفة مع هبات الريح المتجمدة.

بقي طارق وحيدًا.

الحرارة في عقله بلغت نقطة الغليان. الجدران تحترق، الأثاث يتفحم، وصوت يوسف يصرخ في أذنيه من كل زاوية، يطالبه بفتح الباب الموصد.

رفع يديه المرتجفتين ليتحسس وجهه، فشعر بجلده يتقشر تحت أصابعه، ذائبًا في وهم النيران.

الهواء لم يعد كافيًا. الاختناق يعتصر رئتيه، والألم الكيميائي يمزق شبكته العصبية خلية تلو الأخرى.

وسط هذا الجحيم المتخيل، كان هناك شيء واحد فقط يبدو باردًا، حقيقيًا، ومريحًا.

الدائرة الخشنة المعلقة في الهواء فوق الكرسي. الحل الوحيد لإطفاء الحريق المشتعل داخل جمجمته.

نهض طارق ببطء، جسده يتحرك بآلية مرعبة، مدفوعًا بغريزة الهروب من الألم المطلق.

خطا خطواته الثقيلة نحو منتصف الغرفة. الحبل يتمايل بخفة في مسار الريح المتسللة من الباب.

صعد بقدميه الداميتين على الكرسي الخشبي. النيران الوهمية كانت تلفح ساقيه، والدخان يعمي بصيرته تمامًا.

رفع يديه، وأمسك بالحبل الخشن، يمرر الحلقة المجدولة حول عنقه.

الخشونة الباردة للحبل كانت التلامس الحقيقي الوحيد في عالمه المنهار.

أغمض عينيه بقوة، محاولًا طرد صورة يوسف الذي يقف الآن أمامه مباشرة، يبتسم بوجه نصف متفحم. لم يتبق سوى فعل أخير واحد لينتهي هذا العذاب.

دفع الكرسي بقدمه بقوة، تاركًا جسده يسقط في الفراغ.

صوت انكسار الخشب حين تدحرج الكرسي على الأرضية امتزج بخشخشة الحبل المتوتر فجأة.

في اللحظة التي اشتد فيها الحبل حول عنقه، مانعًا الهواء تمامًا، اختفت النيران الوهمية دفعة واحدة.

تبدد الدخان، وصمتت الأصوات.

عاد الكوخ إلى برودته الموحشة، هادئًا، غارقًا في الصمت والضباب.

فقط ظل ثقيل يتأرجح ببطء، جيئة وذهابًا، يعكسه الضوء الباهت على الجدار الخشبي المواجه للنافذة المحطمة، بينما الآلة الكاتبة تستقر على الطاولة، باردة وصامتة، لا تنتظر المزيد من الكلمات.

 

تمت
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.