اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

رواية مؤنسة العزلة (كاملة) | نوفلاي

جاري التحميل...

مؤنسة العزلة

أُرسلت الجنية المرعبة "زمهرير" لاغتيال الشاب المكتئب "يوسف" لحماية العالم السفلي من طاقة يأسه التي تبتلع الجحيم نفسه، لكن مهمة الإعدام اتخذت مسارًا كارثيًا لم يتوقعه سادة الهاوية. فماذا سيحدث عندما يقرر الشاب الذي فقد رغبته في الحياة أن يخوض حربًا انتحارية ضد قضاة الجن لحماية حاصدة أرواحه؟

تحميل الفصول...
المؤلف

الساعة كانت تلاتة الفجر، أو يمكن أربعة، الحقيقة إني مش فاكر ومش مهتم أعرف.

الشتا السنة دي كئيب بزيادة، الهوا بيخبط في شيش البلكونة المكسور وبيعمل صوت تزييق مستفز، بس أنا قاعد مكاني على الكنبة اللي هبطت من كتر ما لزقت فيها، كإني جزء من فرش الشقة القديم.

النور مقطوع، أو يمكن أنا اللي مكسل أقوم اشغله.

قاعد باصص لشاشة التليفزيون السودة. مفيش حاجة شغالة، ومفيش حاجة أصلاً في الدنيا دي تستاهل تتشاف.

ريحة التراب المكتوم في الشقة بقت جزء من تنفسي الطبيعي، وكوباية القهوة اللي جنبي على الترابيزة بردت وعملت وش غريب يشبه خريطة قارة كئيبة محدش عايز يزورها أبداً.

حياتي كلها عبارة عن شريط مسجل بيلف في دايرة مفرغة من اللامبالاة.

الاكتئاب مبقاش مجرد زائر تقيل، ده بقى صاحب البيت، وأنا اللي ضيف شرف.

فقدت الشغف، وفقدت معاه الخوف.

الموت والحياة بالنسبالي بقوا مجرد كلمتين ليهم نفس المعنى الفارغ.

بس فجأة، ومن غير أي مقدمات درامية، حسيت بهزة خفيفة في الأرض.

قولت في سري يمكن زلزال، يا ريت، أهو يهد العمارة على دماغي ونخلص من المسرحية البايخة دي.

بس الهزة زادت، والسيراميك اللي تحت السجادة البهتانة بدأ يطق ويعمل صوت فرقعة عالي.

شق طويل ظهر في نص الأوضة، طلع منه نور أحمر دموي قوي، وريحة كبريت بشعة ضربت في مناخيري لدرجة إني كحيت مرتين بملل، ومسحت مناخيري في كم الترنج الكحلي اللي لابسه بقالي أسبوع.

من الشق المفتوح ده، طلعت هي.

كيان ضخم، مرعب، واصل لسقف الأوضة.

قرون سودا متشعبة زي فروع شجرة محروقة طالعة من راسها، عيون بتغلي زي الجمر المشتعل، وأنياب طويلة بتقطر سايل أخضر لزج بينزل على السجادة ويحرقها.

السجادة اللي لسه دافع قسطها الأخير الشهر اللي فات.

الكيان ده فتح بقه وطلع زئير المفروض إنه يوقف قلب أي بني آدم طبيعي في ثانية واحدة.

زئير هز أطباق الصيني في النيش اللي ملوش أي لازمة في الصالة.

صوت الزئير كان عالي لدرجة إن ودني صفرت.

الكيان المرعب ده فضل يرفرف بأجنحة جلدية ضخمة خلت تراب الشقة كله يطير ويعمي عيني.

فضلت باصص للكيان ده، أو خلينا نقول "ليها"، لإن ملامحها رغم بشاعتها المفرطة كان فيها طابع أنثوي شيطاني واضح.

رمشت بعيني مرتين ببطء، مسحت التراب من على وشي، وسندت دقني على إيدي، كإني بتفرج على إعلان ممل قاطع فيلم قديم.

زمهرير: أنا الموت الزؤام! أنا زمهرير، حاصدة الأرواح، من رتبة مثيري الرعب في قلوب البشر! ارتعد يا ابن آدم، فلحظتك الأخيرة قد حانت، وروحك ستُنزع بجلطة من الخوف المحض لتكون وساماً جديداً في سجلاتي!

بصيت لها من فوق لتحت، وحللت كلامها في دماغي.

جلطة من الخوف؟ هو أنا أصلاً حاسس بنبض قلبي عشان يجيلي جلطة؟

اتنهدت تنهيدة طويلة طلعت معاها كل الفراغ والعدم اللي جوايا.

يوسف: معلش يا أستاذة زمهرير، ممكن بس توسعي خطوتين يمين؟ إنتي كده مدارية التليفزيون، وأنا بحب أبص في الشاشة.

زمهرير: ماذا؟ التلفاز؟ أي تلفاز تتحدث عنه أيها الأبله؟ إنه مطفأ! شاشته سوداء كروحك البائسة!

يوسف: ما أنا عارف إنه مطفأ. أنا بتفرج على انعكاس لمبة الشارع اللي ضاربة في الشاشة. مريحة للأعصاب أكتر من خضتك والدوشة دي. وبعدين خدي بالك والنبي عشان ضوافرك الطويلة دي بتخربش الباركيه، وصاحب البيت رخم وهيطردني لو شاف المنظر ده.

زمهرير: هل تسخر مني؟ أنا التي يرتعد لاسمها سادة العالم السفلي؟ سأريك الجحيم بعينه!

وبدأت حفلة تنكرية مرعبة مكلفتهاش كتير من الجهد بس كلفتني أنا صداع.

اتحولت لعنكبوت بحجم التلاجة، بيمشي على الحيطة وعيونه الكتير بتبصلي.

أنا بس ربعت إيدي وبصيت على خيوط العنكبوت اللزجة اللي سابتها على الحيطة، وقولت في سري مين هينضف القرف ده كله بكرة.

بعدين اتحولت لجثة متحللة طالع منها دود، بتقرب مني وتمد إيدها المعضمة.

ريحتها كانت بشعة، زي ريحة الأكل اللي نسيته في التلاجة من شهرين وعفن.

يوسف: بقولك إيه، الريحة دي صعبة أوي، أنا عندي جيوب أنفية ومش ناقص كتمة نفس. لو هتبطلي الأشكال دي وتثبتي على شكل واحد نضيف ياريت.

وقفت مكانها متصلبة.

الجثة المتحللة دي رمشت بذهول واضح.

ثواني ورجعت تاني لشكلها الشيطاني الأولاني، بس المرة دي أجنحتها كانت نازلة لتحت كأنها مكسورة، والنار اللي في عينيها طفت وبقت مجرد شرار بيطقطق بضعف شديد.

زمهرير: هذا مستحيل... لماذا لا تصرخ؟ لماذا لا تركض مجنوناً وتستجدي الرحمة؟ لقد حصدت أرواح ملوك وقادة وجبابرة بمجرد ظهوري أمامهم! ما خطبك أيها البشري البائس؟

بصيت لها ببرود.

سؤالها كان غريب، بس خلاني أفكر للحظة.

فعلاً، ليه يبعتوا جنية من النخبة، واسمها بيثير الفخر في عالمهم زي ما بتقول، لواحد زيي؟

واحد ملوش قيمة، ملوش طموح، عايش على هامش الحياة ومستني الموت يريحه من غير مجهود.

إيه المميز في روحي المطفية دي عشان تستدعي كل المهرجان الرخيص ده؟

ده أنا حتى مكسل أنتحر، يقوموا يبعتولي دليفري رعب من العالم السفلي لحد باب الشقة؟

أكيد في حاجة غلط في الموضوع، بس مكنش عندي طاقة أحلل.

يوسف: بصي، أنا ماليش في الجري والصريخ والتلزيق ده. الحياة أصلاً مرعبة أكتر منك بكتير، إنتي مجرد مؤثرات بصرية متكلفة على الفاضي. لو جاية تاخدي روحي، خديها وإنتي ساكتة، بس والنبي من غير دوشة عشان أنا بجد مصدع وتعبان.

زمهرير: لا أستطيع! القواعد تنص على أن روحك يجب أن تخرج من فرط الرعب! إن لم تخف، لن يتوقف قلبك، ولن تخرج الروح!

يوسف: يبقى حظك وحش معايا. شوفي زبون تاني يخاف منك وخلصي التارجت بتاعك بعيد عني.

الساعات عدت تقيلة ومملة.

زمهرير عملت كل اللي في الكتالوج بتاعها.

أصوات ناس بتتعذب، خيالات سودا بتجري في الصالة وتصرخ، دم بينزل من السقف وبينقط على الترابيزة.

وأنا قاعد في مكاني، أحياناً بتثاوب، وأحياناً بغير قعدتي عشان ضهري وجعني من الكنبة.

المشهد كان كوميدي جداً بشكل عبثي، بس أنا مكنتش قادر أضحك، مفيش طاقة لأي رد فعل.

لحد ما فجأة، كل حاجة وقفت.

الشق اللي في الأرض قفل لوحده من غير صوت.

الدم اللي على السقف اختفى كإنه مكنش موجود.

زمهرير اتنهدت تنهيدة طويلة جداً كأنها بالونة ونفست هواها كله.

الدخان الأسود اللي حواليها اتلاشى.

شكلها المرعب كله اختفى في ثانية.

ظهرت في شكل بنت عادية جداً، ملامحها حادة شوية وجميلة بشكل غريب، بشرتها شاحبة زي التلج، بس لسه محتفظة بقرنين صغيرين فوق راسها وشوية لمعان أحمر خفيف في عينيها الواسعة.

بصتلي بكسرة نفس حقيقية، ورمت نفسها على الكنبة اللي قصادي.

قعدت مربعة رجليها، حطت وشها بين إيديها الصغيرين، وبدأت تعيط.

أيوة، جنية من النخبة بتعيط زي طفلة ضاع منها مصروفها في أول يوم مدرسة.

زمهرير: لقد انتهيت! مستقبلي المهني تدمر بالكامل! مائة عام من التفوق والترقيات في سجلات حصد الأرواح، تضيع هباءً أمام بشري متبلد المشاعر لا يكترث لشيء! ماذا سأقول لرؤسائي في الهاوية؟ كيف سأنظر في وجوه أقراني من مثيري الرعب؟ أنا أصبحت أضحوكة العالم السفلي الآن بفضلك!

بصيت لها وهي بتشهق وتمسح دموعها اللي كانت بتنزل زي جمرات صغيرة تحرق نقط في السجادة وتطلع دخان خفيف.

حسيت بشوية شفقة، مش عليها هي شخصياً، بس على الموقف العبثي اللي إحنا الاتنين فيه.

إحنا الاتنين فاشلين، كل واحد بطريقته الخاصة.

هي مش عارفة تموتني عشان أنا مش خايف، وأنا مش عارف أعيش عشان أنا مش حاسس.

قمت من مكاني ببطء شديد.

عضمي طرقع في السكوت التام بتاع الشقة.

مشيت ناحية المطبخ الصغير بتاعي بخطوات تقيلة.

فتحت نور المطبخ الضعيف، حطيت مياه في الكاتل، وطلعت فتلتين نعناع من علبة صفيح مصدية.

عملت كوبايتين نعناع، وريحتهم ملت المكان وكسرت ريحة الكبريت.

رجعت الصالة، وقفت قدامها.

كانت لسه موطية راسها وبتتشحتف وصوت عياطها بيقطع القلب الشيطاني.

مديت إيدي بالكوباية السخنة ناحيتها.

يوسف: خدي. اشربي ده. نعناع دافي بيريح الأعصاب شوية.

رفعت راسها ببطء، بصت للكوباية اللي بيطلع منها بخار، وبعدين بصتلي باستغراب كإني أنا اللي كائن فضائي نزل من السما مش هي اللي طالعة من تحت الأرض.

زمهرير: ما هذا؟ أتحاول تسميمي أيها البشري الماكر؟

يوسف: أسمم مين بس؟ ده نعناع، بيهدي الأعصاب ويروق الدم. أمسكي الكوباية بسرعة عشان إيدي اتلسعت ووجعتني.

مدت إيدها المرتجفة بتردد، مسكت الكوباية بأطراف صوابعها.

الدفا بتاع النعناع خلى ملامحها المشدودة تلين شوية.

شربت بق صغير جداً، وبعدين كحيت كحة خفيفة.

زمهرير: طعمه... ليس سيئاً تماماً. ولكنه بالتأكيد لا يقارن بحمم الهاوية المغلية.

يوسف: معلش، أبقى أعملك حمم مغلية المرة الجاية لما ننزل نشتري طلبات. المهم تهدي بس وتبطلي عياط عشان الصداع.

قعدت جنبي على الكنبة، بيني وبينها مسافة صغيرة.

هي بتشرب النعناع وبتبص للفراغ قدامها، وأنا بشرب النعناع وببص للتليفزيون المطفي زي عادتي.

سكون غريب نزل على الشقة، بس لأول مرة من شهور طويلة، مبقاش سكون خانق ومميت.

كان سكون... مشترك.

كأن في حد بيشاركني العزلة دي.

بصيت لقرونها الصغيرة وسألت نفسي وأنا باخد آخر بق من النعناع: إيه اللي هيحصل بكرة؟ الجنية دي شكلها مش ناوية تمشي خالص، وأنا معنديش أي طاقة إني أطردها أو أتجادل معاها.

وجودها هنا، في عزلتي المظلمة دي، ممكن يقلب الموازين كلها.

كوباية النعناع خلصت، بس الليل لسه طويل، ومصيري مع "زمهرير" لسه بيبدأ.

هل هتقدر ترجع عالمها، ولا إحنا الاتنين علقنا مع بعض في الهاوية الخاصة بيا؟

 

صحيت تاني يوم الظهر.

الشمس كانت بتحاول تخترق تراب الشيش المكسور من غير فايدة.

فتحت عيني ببطء، متوقع إني هكون لوحدي زي كل يوم، بس ريحة الكبريت اللي مخلوطة بالنعناع فكرتني بمهزلة إمبارح.

لفيت وشي الناحية التانية، لقيتها قاعدة ومربعة رجليها وبتبصلي بعيون حمرا نص مطفية.

يوسف: إنتي لسه هنا؟ مفيش وراكي شغل في جهنم ولا إيه؟

زمهرير: لن أعود. العودة الآن تعني العار الأبدي. سيسخر مني صغار الشياطين قبل كبارهم. جنية من نخبة مثيري الرعب تعود خالية الوفاض من شقة بشري بائس؟ مستحيل. سأبقى هنا حتى تنتزع روحك من الخوف، حتى لو استغرق الأمر مائة عام.

يوسف: مائة عام إيه بس، أنا آخري شويتين تلاتة وأموت من البرد أو القرف. عموماً خليكي، الشقة أصلاً كئيبة، وإنتي مش بتستهلكي أكسجين كتير، بس متعمليش دوشة عشان أنا بنام تلات أرباع اليوم.

وهكذا، بدأ بروتوكول التعايش مع كائن لا مرئي للناس، بس مرئي ومزعج جداً ليا.

الأيام الأولى كانت عبارة عن شد وجذب.

هي تحاول تطلعلي من تحت السرير في نص الليل بوش مشوه، وأنا أرد عليها إني أطلب منها تناولني إزازة الماية اللي جنبها عشان عطشان.

شوية بشوية، كبريائها الشيطاني بدأ ينهار، وتحولت من حاصدة أرواح لـ "مساعد خفي" تحت الطلب.

في يوم كنت نايم على الكنبة، ومكسل أمد إيدي أجيب الريموت من على الترابيزة.

يوسف: زمهرير، معلش زقي الريموت ده ناحيتي شوية.

زمهرير: ويحك أيها البشري الفان! هل تظنني خادمة في بلاطك؟ أنا سيدة الكوابيس! أنا من ترتعد لاسمها...

يوسف: خلاص خلاص، هقوم أجيبه أنا، بس لو قمت هقفل التليفزيون ومش هتتفرجي معايا على ناشونال جيوغرافيك.

بصتلي بغيظ، وبعدين الريموت طار في الهوا ونزل على صدري خبطني بقوة.

زمهرير: خذه! ولكن إياك أن تعتاد على هذا، أنا أفعل ذلك فقط لأنني أريد رؤية كيف تفترس الأسود فرائسها، ربما أتعلم تقنية جديدة لإخافتك.

الوضع اتطور لما قررت أروح الشغل بعد غياب أسبوع.

أنا شغال مدخل بيانات في شركة مديرها اسمه "أستاذ وائل"، كائن متضخم الأنا بيعامل الناس كإنهم عبيد عنده.

روحت المكتب، وزمهرير كانت ماشية جنبي ومحدش شايفها غيري.

وائل بدأ يزعقلي قدام الموظفين عشان اتأخرت في تسليم تقرير ملوش أي تلاتين لازمة.

وائل: إنت فاكر الشركة دي تكية أبوك يا أستاذ؟ أنا ممكن أرفدك بجرة قلم!

كنت باصص في الأرض، مش عشان خايف، بس عشان مش مهتم أرد.

فجأة، سمعت صوت زمهرير بتهمس في ودني.

زمهرير: هل أقتلع عينيه؟ أم أجعله يبتلع لسانه؟

يوسف: لأ، بلاش دم، إحنا في مكان مقفول. خليه بس يندم على صوته العالي.

في ثانية، كوباية القهوة المغلية اللي قدام وائل اتقلبت لوحدها على بنطلونه.

الراجل صرخ صرخة رجت الشركة، وبدأ يتنطط زي القرد وهو بيمسح البنطلون، وبعدين الكرسي بتاعه اتسحب من تحته فجأة فوقع على ضهره بشكل يضحك.

الموظفين كانوا بيكتموا الضحك بالعافية.

أنا لأول مرة من سنين، حسيت بعضلة في وشي بتتحرك.

مبتسمتش أوي، بس على الأقل ملامحي اتغيرت.

يوسف: تسلم إيدك يا سيدة الكوابيس.

زمهرير: هذا أقل ما يمكنني فعله، صوته كان يزعجني أكثر منك.

لما رجعنا الشقة، الجو كان مختلف.

حواجز كتير وقعت بينا.

بالليل، المطر كان بيخبط على القزاز، والكهربا قطعت تاني.

ولعنا شمعة يتيمة وقعدنا في الصالة.

زمهرير كانت بتبصلي بتركيز غريب.

زمهرير: يوسف، لقد راقبتك طوال الأسابيع الماضية. أنت لا تبكي، لا تغضب، لا تضحك، ولا تخاف. حاولت أن أبحث عن تعويذة أو لعنة شيطانية أصابتك فلم أجد. ما هذا الظلام الذي يسكن صدرك؟ هل ابتلعت شيطاناً دون أن تدري؟

اتنهدت وبصيت لنور الشمعة اللي بيرقص بضعف.

يوسف: ولا شيطان ولا حاجة يا زمهرير. ده اسمه اكتئاب. عامل زي ما يكون حد طفى النور جواك، وكسر المفتاح. إنتي متخيلة إن عالمكم السفلي مرعب؟ عالمكم فيه نار، وعذاب، وحركة. أنا عالمي فاضي. العدم أرعب من الجحيم، لإن الجحيم على الأقل فيه إحساس بالألم، لكن العدم مفيهوش أي حاجة خالص. مفيش زعل، مفيش فرح. بس فراغ بياكل في روحك كل يوم حتة، لحد ما تبقى مجرد خيال مآتة مستني دوره يقع.

 

زمهرير قربت مني، وبصت في عيني أوي.

عينيها الحمرا كانت بتلمع في الضلمة.

لأول مرة، حسيت إنها مش بتحاول تخوفني، هي بتحاول تفهمني.

زمهرير: عيناك... إنها تشبه الثقب الأسود. عندما أنظر داخلهما، أشعر أن طاقتي تُسحب ببطء. وكأن روحك تبتلع كل شيء حولها. الآن أفهم.

يوسف: تفهمي إيه؟

زمهرير: لا شيء، مجرد أفكار لا قيمة لها.

سكتت ومرضيتش توضح، بس كلامها ساب جوايا علامة استفهام مكسل أدوّر على إجابتها.

الأيام كملت، وبدأنا نتعود على بعض لدرجة إنها بقت بتستناني أرجع من الشغل عشان نحكي.

الشقة اللي كانت مقبرة، بقى فيها روح، حتى لو الروح دي بتاعة جنية المفروض إنها جاية تقبض روحي.

في يوم، الهوا كان شديد جداً.

شيش البلكونة المكسور كان بيخبط بعنف لدرجة إنه كان هيطير ويقع على العربيات في الشارع.

قمت متضايق، جبت كرسي خشب قديم من المطبخ عشان أقف عليه وأربط الشيش بحبل.

الكرسي كان مكسور، بس أنا مكنتش مهتم. وقفت عليه، وبدأت أشد الحبل.

زمهرير: احذر أيها البشري الأحمق، هذا الخشب بالٍ ولن يتحمل وزنك!

يوسف: فكك، هيظبط، بس ناوليني طرف الحبل التاني.

قبل ما تمد إيدها، الكرسي طرقع تحتي.

رجلي فلتت، وجسمي مال لورا.

البلكونة سورها واطي جداً، وأنا فقدت توازني بالكامل.

في اللحظة دي، الزمن كإنه بطأ.

شفت السما المغممة، حسيت بالهوا الساقع على وشي.

مكنتش خايف.

بالعكس، حسيت براحة غريبة.

أخيراً، الشريط البايخ ده هيخلص، ومن غير ما أضطر أعمل مجهود.

غمضت عيني واستسلمت للوقعة.

لكن فجأة، حسيت بقوة رهيبة بتخبطني في ضهري.

هالة لونها بنفسجي مشع نورت البلكونة كلها.

قوة مش طبيعية زقتني لقدام، ورمتني على أرض الشقة جوه.

فتحت عيني وأنا بنهج، لقيت زمهرير واقفة قدامي، إيديها الاتنين ممدودين ناحيتي، وبيطلع منهم دخان بنفسجي كثيف.

ملامحها كانت مرعوبة، مش مني، لكن من اللي هي عملته.

يوسف: إنتي... إنتي أنقذتيني؟ مش المفروض جاية تموتيني؟

زمهرير: تباً... تباً لك ولغبائك! لقد استخدمت "درع الأرواح المعكوس"! هذا سحر محظور من الدرجة الأولى! لم يكن يجب أن أتدخل في مصيرك!

قبل ما أرد عليها، الشقة كلها اتهزت هزة أعنف 100 مرة من اليوم الي هي ظهرت فيه.

الكوبايات اللي في المطبخ فرقعت، ورسمة غريبة بدأت تظهر على حيطة الصالة كإنها بتتحرق من جوه لبره.

زمهرير بصت للحيطة، ووشها الشاحب بقى أبيض زي الأموات بجد.

رجعت خطوتين لورا وهي بتبصلي برعب حقيقي، رعب مشوفتوش في عينيها قبل كده.

زمهرير: لقد رصدونا... رادارات العالم السفلي التقطت إشارة السحر المحظور. يوسف... نحن في ورطة حقيقية. لقد فتحت علينا أبواب الجحيم حرفياً.

بصيت للحيطة اللي بتتشقق وبيطلع منها دخان أسود تقيل، وبعدين بصيت لزمهرير اللي كانت بترتجف.

لأول مرة من سنين، قلبي دق بسرعة.

مش خوف، لكن إحساس غريب بالمسئولية.

الجنية دي خالفت قوانين عالمها عشان تنقذني، وأنا مش هينفع أفضل قاعد أتفرج.

الخوف اللي مكنش موجود عندي، الظاهر إن وقته جه، بس مش عشاني، عشانها.

الرادار لقطنا، والذئاب شمت ريحة الدم.

وبداية النهاية بتكتب أول سطورها على حيطة شقتي اللي كانت مجرد مقبرة، وبقت ساحة حرب.

 

الدخان الأسود اللي طلع من الحيطة مكنش مجرد دخان، ده كان عامل زي كائنات صغيرة حية بتزحف على السقف وبتتلوى.

الشقة اللي كنت متعود على هدوئها الكئيب، فجأة بقت مسرح لأصوات غريبة، همسات بلغات مش مفهومة بتتردد في ودني، وخربشة ورا ورق الحائط اللي بدأ يقع لوحده على السجادة.

الجو برد جداً، برد يدخل في العضم يكسره، مش برد شتا طبيعي، ده برد مقابر مرعوب منها الدفا.

بصيت على زمهرير. الجنية المرعبة، حاصدة الأرواح، كانت متكورة على نفسها في ركن الصالة جنب الكنبة، وبترتعش زي ورقة شجر في عاصفة.

قرونها الصغيرة كانت بتطلع شرار مطفي، وعينيها الحمرا كانت مليانة دموع وخوف حقيقي.

لأول مرة، الأدوار اتعكست تماماً.

الخوف اللي كنت المفروض أحسه أنا في أول يوم، هي اللي شايلاه وبترتجف منه دلوقتي.

قربت منها ببطء، خطيت من فوق حتت السيراميك اللي فرقعت وطلعت من مكانها.

قعدت على الأرض قصادها مباشرة.

مكنتش عارف أعمل إيه أو أتصرف إزاي، أنا أصلاً فاشل في المواساة والتعبير عن أي مشاعر، بس حسيت إني لازم أطمنها بأي طريقة.

يوسف: اهدي شوية، مفيش حاجة هتحصل. إحنا هنقفل الباب المكسور ده وندخل الأوضة جوه، اعتبريها زوبعة وهتعدي زي أي مصيبة بتعدي.

زمهرير: أنت لا تفهم شيئاً! هذا ليس طقساً سيئاً، إنهم المفتشون! مفتشو العالم السفلي قادمون تتبعاً لأثر السحر المحظور الذي استخدمته لإنقاذك. سيمزقون هذا المكان بحثاً عن مصدره، وسيمزقونني معك بلا رحمة!

يوسف: مفتشين إيه بس؟ هما بتوع التموين نزلوا العالم السفلي كمان؟ متخافيش، الشقة دي أصلاً مفيهاش حاجة تتسرق ولا تتبهدل أكتر من كده. قومي بس اقعدي على الكنبة وارتاحي.

زمهرير: اسكت أيها البشري الأحمق! ألا تشم هذه الرائحة المتعفنة؟ لقد وصلوا.

ريحة بشعة ضربت في مناخيري فجأة.

ريحة لحم محروق مخلوط بصديد وتراب.

النور اللي كان بيقطع وييجي في الصالة، فصل خالص وبقت ضلمة كحل.

سمعت صوت خطوات تقيلة جاية من السلم برا.

خطوات مش بتاعة بني آدمين خالص.

كل خطوة كانت بترج العمارة من ساسها لراسها.

الباب الخشب بتاع الشقة بدأ يتشقق من النص، كأن في مخالب ضخمة بتغرز فيه من برا وبتحاول تفتحه بالقوة.

زمهرير قامت بسرعة، ملامحها اتغيرت من الخوف لغريزة البقاء البحتة.

مسكتني من دراعي بقوة وجرتني وراها ناحية أوضة النوم بتاعتي في آخر الممر.

فتحت الدولاب القديم بتاعي وزقتني جواه بسرعة.

يوسف: إنتي بتعملي إيه؟ الدولاب ده ريحته كمكمة وهدومي كلها تراب من قلة اللبس.

زمهرير: ابق هنا ولا تصدر صوتاً واحداً! إذا شعروا بوجودك، سيأخذون روحك إلى الهاوية المظلمة. سأحاول تضليلهم ببعض التعاويذ المتبقية لدي في الخارج.

يوسف: تضليل مين بس؟ إنتي بترتعشي ومش قادرة تقفي. تعالي ادخلي هنا، الدولاب واسع وياخدنا إحنا الاتنين ومحدش هيحس بينا.

شدّيتها من إيدها ودخلتها معايا جوه الدولاب، وقفلنا الباب علينا بالراحة.

ضلمة تامة.

مساحة ضيقة جداً بتجمعنا.

كنت سامع صوت تنفسها السريع والمتقطع في الضلمة، وحاسس بقرونها بتخبط في كتفي كل ما تتحرك.

برا الأوضة، الباب الرئيسي اتكسر بصوت مرعب هز ودني.

خطوات كتير دخلت الصالة.

أصوات تكسير رهيبة، أطباق النيش اللي مكنش ليها أي لازمة بقت فتافيت على الأرض، والكنبة اللي كنت بنام عليها اتقلبت واتكسرت حتت.

زمهرير كانت كاتمة نفسها بالعافية.

الجو جوه الدولاب كان خانق، بس لأول مرة من سنين طويلة أحس بدفا حقيقي في حياتي.

دفا كائن تاني خايف ومحتاج حماية جنبي.

في اللحظة دي، الفراغ اللي كان مالي صدري بدأ يتملي بشيء غريب جداً ومختلف.

مش خوف على نفسي، بس رغبة قوية إني أحميها من الكيانات دي.

يوسف: هما ليه بيدوروا عليا أنا كمان؟ أنا مجرد واحد مكتئب ملوش لازمة في الدنيا دي كلها أصلاً.

زمهرير: أنت لست بلا قيمة في عالمنا كما تظن. هل ظننت حقاً أن إرسال جنية من نخبة العالم السفلي إليك تحديداً كان صدفة أو خطأ في العناوين؟

يوسف: أومال إيه؟ أنا حياتي كلها مجرد غلطة، أكيد موتي كمان هيكون بقرار إداري متلخبط من عندكم.

زمهرير: لا. روحك ليست عادية على الإطلاق. الاكتئاب الذي يسكنك ليس مجرد حزن بشري عابر. إنه فراغ عميق ومظلم، ثقب أسود يبتلع طاقة الحياة من حوله. في الفترة الأخيرة، لاحظ سادة الهاوية أن طاقة الجن تتسرب وتختفي تماماً في هذا المكان. روحك الميتة وأنت حي، كانت تمتص طاقتنا وتضعف عالمنا وتخلق خللاً في التوازن. لذا، أرسلوني لانتزاع هذه الروح وإغلاق هذا الثقب الأسود للأبد حماية لعالمنا.

بصيت في الضلمة ناحيتها، كلامها كان عامل زي جرس إنذار بينور حتت مضلمة في دماغي.

ثقب أسود؟ أنا؟

ابتسمت بسخرية خفيفة وسط الضيق ده كله.

يوسف: تصدقي إنك أول واحدة تديني أهمية كده في حياتي. طول عمري حاسس إني صفر على الشمال ماليش دية. من يوم الحادثة المشئومة، يوم ما عربية النقل دخلت في عربيتنا على الطريق الصحراوي ودغدغتها. أبويا وأمي وأختي ماتوا في نفس اللحظة قدام عيني. أنا الوحيد اللي طلعت من بين الحديد سليم. سليم جسمانياً، بس من ساعتها وأنا مش حاسس بأي حاجة في الدنيا. مفيش زعل، مفيش عياط، مفيش ضحك. كأني مت معاهم بس هما نسوا يدفنوني تحت التراب. عشان كده مبخافش منك ولا من غيرك، أنا أصلاً جثة بتمشي على الأرض بتاكل وبتشرب بس.

حسيت بإيدها الباردة بتلمس وشي في الضلمة.

لمسة رقيقة جداً، مفيهاش أي وحشية من بتاعة الشياطين.

زمهرير: ظلامك أشد قسوة من جحيمنا يا يوسف. لم أعد أعتبرك مهمة عمل قبيحة. أنت... أنت صديقي الأوحد في هذا الوجود البائس الذي نعيشه. لقد كسرت قوانين عالمي الصارمة لأنني ببساطة لم أحتمل فكرة أن ترحل وتتركني وحيدة مجدداً في عزلتي الخالدة.

كلامها لمس حاجة ميتة جوايا وصحاها بقوة.

قلبي دق.

مش دق روتيني عادي، دق حياة وشغف.

كنت لسه هرد عليها وأقولها إنها كمان بقت الحاجة الوحيدة اللي مدياني سبب أتنفس عشانه وأفتح عيني الصبح، بس فجأة، باب الأوضة اتفتح بعنف شديد.

خشب الدولاب اللي إحنا مستخبيين فيه بدأ يطقطق، كأن في حرارة رهيبة بتسيحه من برا وتأكله.

النور الأحمر الدموي اخترق شقوق الخشب القديم.

الباب بتاع الدولاب اتخلع من مكانه وطار في الهوا كأنه ورقة شجر خفيفة.

النور القوي عماني لثواني.

لما قدرت أفتح عيني، لقيت الأوضة مليانة كيانات أشكالها مستحيل العقل البشري يستوعبها أو يتخيلها.

شياطين بوشوش مطموسة تماماً، لابسين دروع سودا تقيلة، وماسكين سلاسل حديد بتطلع نار زرقا حارقة.

هما دول مفتشو العالم السفلي.

واحد منهم، كان أضخمهم وأبشعهم، قرب مننا بخطوات بطيئة.

ريحته كانت كفيلة تموت أي حد سليم.

زمهرير وقفت قدامي فوراً، فردت أيديها الاتنين كأنها بتعمل درع جسدي عشان تحميني بجسمها.

زمهرير: تراجعوا للخلف! هذا البشري في عهدتي أنا ولا يحق لكم المساس به!

الكيان الضخم: العهد سقط يا زمهرير. لقد استخدمتِ سحراً محظوراً لحماية هدفكِ بدلاً من تدميره كما تقضي الأوامر. لقد لوثتِ سمعة النخبة بخيانتكِ العظمى وتعاطفكِ المقزز مع هذا البشري الفاني الضعيف.

رفع الكيان إيده الضخمة المشوهة، والسلاسل اللي بتطلع نار زرقا لفت حوالين رقبة زمهرير وإيديها في ثانية واحدة وكتفتها.

صرخت صرخة ألم قطعت قلبي اللي لسه راجع ينبض من دقايق.

شديتها من السلاسل، حاولت أفكها بكل قوتي، بس النار لسعت إيدي وخلتني أرجع لورا من الوجع.

يوسف: سيبها ياد انت وهو! الشقة دي بتاعتي أنا وأنا اللي بقرر مين يقعد ومين يمشي فيها!

الكيان الضخم: أخرس أيها الثقب الأسود البغيض. سيأتي دورك لاحقاً لتلقي مصيرك، لكن الآن، لدينا محاكمة وعقاب عاجل للخائنة.

الكيانات بدأت تسحب زمهرير بقسوة ناحية شق جديد ظهر في أرض الصالة، شق عميق بيطلع منه أصوات عذاب وصرخات مرعبة بتهز الوجدان.

فرقة الإعدام جهزت نفسها للنزول.

زمهرير كانت بتبصلي، عينيها مليانة يأس ودموع، بس شفايفها اتحركت بكلمة واحدة من غير صوت، كأنها بتودعني للأبد.

الشق اللي اتفتح في أرضية الصالة مكنش مجرد كسر في السيراميك، ده كان بوابة لجحيم حقيقي اتفتح في نص شقتي الكئيبة.

النور الأحمر الدموي اللي طالع منه كان بيحرق السجادة البهتانة وبيدوب البلاط كأنه حتة زبدة على نار هادية.

ريحة الكبريت الصافي والدم الفاسد خنقتني، بس الغضب اللي كان بيغلي جوايا خلاني مش حاسس بأي حاجة غير رغبة واحدة مجنونة: إني أكسر دماغ الكيانات المشوهة دي.

الشقة اللي كانت من ساعات قليلة بس عنوان للهدوء الميت والاكتئاب الخانق، اتحولت لساحة معركة غير مرئية لأي حد ماشي في الشارع تحت، بس بالنسبالي، المعركة دي كانت نهاية العالم الفعلي.

الكيان الضخم، اللي ملامحه كانت عبارة عن كتلة من اللحم المحروق والدروع السودا، شد السلسلة الحديدية اللي بتطلع نار زرقا.

زمهرير صرخت صرخة خلت ودني تصفر وتنزف نقطة دم صغيرة.

في اللحظة دي بالذات، الشاب المتبلد الفاقد للشغف، اللي كان مستني الموت يريحه من كام يوم، مات وانتهى للأبد.

اتولد مكانه يوسف تاني، إنسان بيقاتل بشراسة وعناد عشان الحاجة الوحيدة اللي خلته يبتسم في وسط العتمة الطويلة دي.

جريت على المطبخ الصغير بتاعي، عقلي كان بيفكر بطريقة عبثية جداً.

إيه اللي بيطرد الجن والعفاريت في الحكايات القديمة اللي كنا بنسمعها وإحنا أطفال؟

الملح!

فتحت ضلفة الخزين المكسورة، طلعت كيس ملح خشن كنت جايبه من سنة ومفتحتوش أصلاً، ورجعت الصالة جري بأقصى سرعة عندي.

وقفت قدام الكيان الضخم اللي كان بيسحب زمهرير للشق خطوة بخطوة، وفتحت الكيس.

يوسف: بقولك إيه يا كابتن إنت وهو! سيبوها فوراً بدل ما أعملكم تخليل هنا في الصالة! الشقة دي ملكية خاصة، والقانون بيحمي الأفراد من الاقتحام بدون إذن!

رشيت حفنة ملح خشنة بكل قوتي في وش الكيان الضخم.

الملح خبط في درعه الأسود وعمل صوت طقطقة خفيفة جداً، كأني برش شوية سكر على حتة فحم مشتعلة.

الكيان بصلي ببرود مرعب، ملامحه المطموسة مكنتش بتبين أي تعبير، بس حسيت باستخفاف رهيب في وقفته وطريقة ميل راسه.

الكيان: أهذا هو سلاحك أيها البشري البائس؟ حبات من الملح؟ نحن سادة الظلام، لسنا أشباحاً ضعيفة من خرافاتكم السخيفة!

زمهرير، وهي بتكح والدخان طالع من السلاسل اللي بتعصر رقبتها، بصتلي بذهول تام.

 

زمهرير: اهرب يا يوسف! اركض بعيداً ولا تنظر خلفك! لا طاقة لك بهم على الإطلاق! إنهم حرس الهاوية الغلاظ، أسلحتك البشرية هذه مجرد لعب أطفال أمام جبروتهم!

يوسف: لعب أطفال إيه بس يا زمهرير! إنتي لسه متعرفيش أنا ممكن أعمل إيه لما بتعصب بجد! وبعدين أنا دافع إيجار الشهر ده بالعافية ومحدش هيخربلي الشقة ويمشي بالساهل كده!

رميت كيس الملح الفاضي على الأرض، ولمحت المكنسة الكهربائية مرمية في الركن جنب التليفزيون.

مسكت الخرطوم بتاعها البلاستيك، ووصلت الفيشة في المشترك اللي كان لسه شغال بأعجوبة وسط الدمار ده كله.

شغلت المكنسة على أعلى سرعة ممكنة، وصوت الموتور العالي المزعج غطى على أصوات صرخات العالم السفلي اللي طالعة من الشق.

وجهت الخرطوم ناحية الكيانات المرعبة.

يوسف: طب خدوا دي بقى وروني هتعملوا إيه! قوة شفط ألفين وات هتشفط كيانكم المشبوه ده من على وش الأرض! ده غير إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بيمنع الاعتقال التعسفي، وإنتوا واخدينها من غير إذن نيابة ولا تهمة واضحة في صحيفة السوابق!

الموقف كان سيريالي وكوميدي بشكل يبكي الحجر.

أنا واقف بخرطوم مكنسة كهربائية بهاجم فرقة إعدام كاملة من الجن، وبقرأ عليهم بنود حقوق الإنسان اللي أنا أصلاً مش مقتنع بيها في عالم البشر الطبيعي، فما بالك بعالم العفاريت والشياطين.

بس الغريب والمدهش إن المشهد العبثي ده، والدفاع اليائس الطفولي بتاعي، عمل حاجة مكنتش متوقعها أبداً ولا خططت ليها.

زمهرير، اللي كانت مستسلمة تماماً وموطية راسها في الأرض بانتظار نهايتها، رفعت عينيها ببطء.

النور الأحمر الدموي اللي كان مطفي في عينيها بدأ يلمع تاني، بس المرة دي مكنش نور شيطاني مرعب ومخيف، كان نور دافي، نور كائن لقى أخيراً حد بيحارب عشانه ومستعد يموت بداله.

السلاسل الحديدية اللي كانت بتعصرها وتكوي جلدها بدأت تتهز بعنف.

زمهرير: أنت... أنت تقف أمام غضب الهاوية الحارقة من أجلي؟ بشري ضعيف يتحدى قضاة الجحيم لحماية جنية منبوذة مثلي؟

صوتها كان بيرجف من التأثر، بس جسمها بدأ يشع طاقة بنفسجية قوية جداً.

الطاقت دي اتفاعلت مع غضبي البشري بطريقة غريبة وعجيبة.

زمهرير صرخت صرخة مدوية هزت الحيطان، والمرة دي الصرخة مكنتش رعب ولا ألم، كانت قوة صافية.

شدت السلاسل الحديدية اللي حوالين إيديها بقوة رهيبة، وكسرت حلقة كاملة منها.

الكيانات الضخمة اتراجعت خطوة لورا من هول المفاجأة.

الكيان: مستحيل! كيف استعدتِ طاقتكِ السحرية في حضرة هذا البشري الميت من الداخل؟

زمهرير: هو ليس ميتاً! روحه تنبض بالحياة الآن أكثر منكم جميعاً! لقد منحني شيئاً لم أعرفه في تاريخي الممتد لقرون طويلة... لقد منحني الانتماء الحقيقي!

بدأت المعركة الحقيقية جوه الصالة.

زمهرير بتضرب الكيانات بتعاويذ ودخان بنفسجي بيحرق دروعهم التقيلة، وأنا واقف وراها، بحاول أشتت انتباههم بأي حاجة تطولها إيدي.

رميت عليهم كوبايات الشاي، مخدات الكنبة، الكتب القديمة، حتى الريموت البلاستيك اللي كنت بكسل أجيبه من كام يوم، ضربته بقوة في وش واحد فيهم.

زمهرير كانت بتستمد قوة غريبة ومستمرة من وجودي جنبها، كل ما بحدف حاجة وتخبط فيهم، هي بتضحك ضحكة قصيرة وتضربهم بسحرها بقوة أكبر.

يوسف: اضربي في المليان يا زمهرير! محدش فيهم هيطلع من الشقة دي سليم على رجليه!

للحظة واحدة، حسيت بأمل كداب إننا هننتصر.

إننا هنقفل الشق الملعون ده ونرجع نقعد على الكنبة المكسورة في هدوء نشرب كوباية نعناع دافي.

بس الكثرة دايماً بتغلب الشجاعة، وقوانين العالم السفلي الصارمة مبترحمش حد بيخالفها.

الشق اللي في الأرض وسع فجأة بشكل مرعب.

طلع منه أربع كيانات تانية، أضخم وأسرع وأبشع من الأولانيين.

واحد منهم، كان لابس تاج من الشوك المشتعل، كان ماسك رمح طويل بيشتعل بنار سودة مظلمة.

الكيان ده مصوب رمحه ناحيتي أنا تحديداً، مش ناحية زمهرير.

الرمح انطلق في الهوا بسرعة البرق، متجه مباشرة لصدري عشان ينهي حياتي.

مكنش عندي أي وقت أتحرك أو أهرب.

الوقت كأنه اتجمد.

شفت الرمح بيقرب، حسيت بحرارته الشديدة قبل ما يوصل لجلدي.

بس قبل ما يخترق جسمي بثانية واحدة، طيف أسود وبنفسجي قفز في الهوا ووقف قدامي بالظبط.

زمهرير!

الرمح اخترق ضهرها بقوة وطلع من الناحية التانية.

الدم الشيطاني، اللي كان لونه فضي بيلمع في الضلمة، طرطش على وشي وعلى الترنج بتاعي.

زمهرير شهقت شهقة مكتومة جداً، والنور اللي في عينيها طفى فجأة زي شمعة في مهب الريح.

جسمها تقل، ووقعت على الأرض قدامي بلا حراك.

يوسف: زمهرير! لا! إنتي عملتي إيه!

رميت كل الي في ايدي ونزلت على ركبتي جنبها بسرعة.

رفعت راسها بين إيديا الاتنين.

كانت بتبصلي بابتسامة باهتة جداً وضعيفة، ابتسامة خالية من أي رعب أو كبرياء شيطاني، كانت مجرد ابتسامة نقية وصادقة.

زمهرير: بروتوكول... التعايش... كان رائعاً يا يوسف. لا تعد... لا تعد للظلام الذي يسكنك...

قبل ما أقدر أرد عليها بكلمة واحدة، الكيانات هجمت علينا بوحشية.

ضربوني بقوة خلتني أطير في الهوا وأخبط في الحيطة الناحية التانية.

عيني زغلتت، وحسيت بطعم الدم في بقي.

شفتهم وهم بيلفوا السلاسل حوالين جسمها المجروح ببرود.

سحبوها بقسوة شديدة ناحية الشق المفتوح في الأرض.

حاولت أقوم.

زحفت على بطني ناحيتهم بصعوبة، وأنا بمد إيدي المكسورة.

يوسف: سيبوها! خذوني أنا مكانها! أنا اللي روحي ميتة وتستاهل الحرق! سيبوها!

الكيان الضخم بصلي باحتقار شديد، وضرب الأرض برجله التقيلة.

الشق بدأ يتقفل بسرعة.

آخر حاجة شفتها هي وش زمهرير بيختفي في العتمة اللي تحت الأرض، والباب اتقفل تماماً بصوت رعد مرعب هز الشقة كلها.

السكون رجع احتل المكان.

سكون تام، مرعب، وخانق أكتر من الأول.

الشقة بقت عبارة عن خرابة حقيقية.

ريحة الدخان والحرق مالية المكان وبتخنق أنفاسي.

الكنبة متكسرة حتت، التليفزيون مطفي ومقسوم نصين، والملح الخشن مفروش على السجادة المحروقة زي التلج الأسود.

قعدت على الأرض، حاطط إيدي على وشي.

الاكتئاب اللي كان مالي حياتي قبل كده، مكنش موجود خالص.

الفراغ اتبخر تماماً.

مكانه دلوقتي كان في نار.

نار حقيقية بتحرق صدري وبتاكل في عروقي.

غضب عارم، مجنون، ووحشي.

قمت من مكاني ببطء شديد. بصيت للمكان اللي الشق كان مفتوح فيه.

مكنش في أي أثر ليهم، ما عدا حاجة واحدة صغيرة بتلمع في وسط الرماد على الأرض.

قربت منها ومسكتها.

كانت قلادة صغيرة من النحاس الأسود، فيها حجر بنفسجي مطفي.

التعويذة السحرية اللي وقعت من رقبة زمهرير وهي بتدافع عني وتتلقى الضربة مكاني.

مسكت القلادة بقوة لحد ما ضوافري غرزت في لحم إيدي ونزفت.

ملامح وشي، اللي كانت ميتة ومفيهاش أي تعبير لشهور طويلة، اتشدت في قسوة وتصميم مرعب.

مفيش اكتئاب بعد النهارده.

في حساب تقيل لازم يتصفي.

لو العالم السفلي فاكر إنه أخدها ومشي وقفل وراه الباب، يبقى ميعرفوش البشري اللي فقد الخوف وفقد كل حاجة ممكن يعمل إيه بجد.

هجيبها، هجيبها حتى لو هضطر أجرجر قضاة الجن بتوعهم واحد واحد من قرونهم لحد هنا.

البوابة اتقفلت، بس أنا اللي هفتحها المرة دي.

 

مسكت القلادة النحاسية في إيدي وعصرتها بكل قوتي لحد ما المعدن جرح كفي.

الحجر البنفسجي المطفي اللي فيها بدأ يسحب حرارة دمي، وفجأة نور بضوء خافت لكنه كان كافي إنه يرسم خطوط هندسية معقدة جداً على رماد السجادة المحروقة.

قريت التعويذة اللي كانت محفورة على ضهر القلادة، تعويذة كنت بتهجاها بصعوبة من كتبها القديمة اللي كانت بتسيبها مفتوحة على الترابيزة كل ليلة.

الأرض تحت رجلي اتهزت بعنف، والرماد لف في دوامة سودة سريعة، وفتح نفس الشق الملعون في أرضية الصالة.

من غير لحظة تردد واحدة، ولا ذرة تفكير في العواقب، رميت نفسي جوه الهاوية المظلمة.

الإحساس بالنزول كان مرعب، زي الغرق في بركة من التلج والقطران في نفس الوقت.

ريحة الصديد والتراب ملت رئتي لحد ما كنت هتخنق وأفقد الوعي.

فجأة، السقوط وقف بخبطة قوية، ولقيت نفسي واقع على أرضية من الحجر الأسود اللامع البارد.

رفعت راسي ببطء.

المكان كان عبارة عن قاعة محكمة عملاقة بشكل يفوق استيعاب العقل البشري، أعمدتها الحلزونية بتختفي في ضباب أحمر كثيف فوق.

مفيش أي مصدر للنور غير مشاعل ضخمة بتطلع نار خضرا باردة ومخيفة.

في آخر القاعة، كان في منصة عالية جداً من العظام الملتوية، قاعد عليها تلات كيانات ضخمة متغطية بعباءات من الظلام الخالص بيتحرك كأنه حي.

هؤلاء هم قضاة محكمة الجن العليا.

وفي النص تماماً، راكعة على ركبتيها ومقيدة بسلاسل من نار زرقا بتكوي جسدها، كانت زمهرير.

رفعت راسها بصعوبة بالغة، ولما شافتني واقف في آخر القاعة، عينيها وسعت بصدمة حقيقية وذهول.

زمهرير: يوسف؟ كيف... كيف جئت إلى هنا؟ أنت مجنون! سيحرقون روحك ويطحنون عظامك وينثرونها في الريح!

يوسف: مفيش حرق عظام النهاردة يا زمهرير. أنا جاي أخلص ورقك وأمضي استمارة الإخلاء بتاعتك بنفسي.

صوتي رن في القاعة الواسعة وكأنه ضربة جرس نشاز في مقبرة.

الكيانات التلاتة اللي على المنصة اتحركوا ببطء شديد.

عيونهم، اللي كانت عبارة عن جمرات مشتعلة، بصتلي باحتقار واستغراب عميق.

سابقة تاريخية لم تحدث من قبل؛ بشري من لحم ودم يقتحم محكمة الظلال العليا بإرادته.

القاضي الأكبر: بشري؟ في قاعة العهد القديم؟ كيف تجرأت أيتها الحشرة الفانية المريضة على تدنيس هذا المكان المقدس بخطواتك الأرضية؟

يوسف: احتراماتي يا معالي المستشار. أنا يوسف، صاحب الشقة اللي المفتشين بتوعكم كسروها وخربوها من شوية فوق. وأنا هنا مش عشان أعمل مشاكل أو أقل أدبي، أنا هنا عشان أقدم طعن رسمي وعاجل في الحكم الصادر ضد الموظفة بتاعتكم، الجنية زمهرير.

القاضي الثاني: طعن؟ أتتحدث إلينا بلغة محاكمكم البشرية المثيرة للشفقة؟ هذه الجنية خانت العهد الأكبر، تعاطفت معك، واستخدمت سحراً محظوراً لإنقاذك بدلاً من حصد روحك المريضة التي كانت تبتلع طاقتنا وتدمر توازننا.

يوسف: معلش يا فندم، راجع بس الورق والملفات اللي قدامك كويس قبل ما تصدر أحكام. زمهرير مخانتش العهد، زمهرير نفذت المهمة بتاعتها بالحرف الواحد، بس إنتوا اللي نظامكم الإداري محتاج تحديث وتطوير عشان يواكب المتغيرات.

زمهرير: يوسف، اصمت أرجوك! لا تستفزهم أكثر من ذلك، إنهم لا يعرفون الرحمة وسيمسحون وجودك بالكامل!

وقفت قدام المنصة مباشرة، وحطيت إيدي في جيبي بكل برود مصطنع، رغم إن ركبي كانت بتخبط في بعضها من الرعب الحقيقي.

بس أنا كنت براهن على الثغرة الوحيدة اللي قريتها في كتاب "قوانين العهد القديم" اللي زمهرير كانت بتذاكر منه وبتقرأه بصوت عالي في الشقة.

يوسف: البند الرابع من دستور العفاريت وقوانين الهاوية بيقول إيه؟ نصاً كده: "تُكلف النخبة بحصد الأرواح المشوهة التي تهدد توازن العالم السفلي، ولا تعتبر المهمة منتهية إلا بموت الهدف وتلاشي خطره بالكلية". صح ولا أنا قاري ترجمة مضروبة ومش معتمدة؟

القاضي الأكبر: هذا صحيح ومسجل في ألواح الطين منذ الأزل. وما علاقة هذا بخيانتها الفاضحة؟ لقد أنقذت حياتك! أنت ما زلت تتنفس، وقلبك البشري ما زال ينبض بالدماء القذرة!

يوسف: أيوة ما هنا بقى الغلطة القانونية اللي إنتوا وقعتوا فيها كمحكمة عليا. إنتوا باصين للموضوع بشكل سطحي جداً وبيروقراطي بحت. إنتوا بعتوا زمهرير عشان تخلص من "الثقب الأسود" اللي بيبتلع طاقتكم، صح؟ الثقب الأسود ده مكنش جسمي البشري، الثقب الأسود ده كان اكتئابي. كان الفراغ والعدم اللي جوايا. أنا كنت ميت إكلينيكياً وروحياً من سنين طويلة ومفيش جوايا أي نبض للحياة.

خدت نفس عميق جداً، وبصيت لزمهرير اللي كانت بتبصلي بذهول كأنها بتشوفني لأول مرة.

يوسف: لما زمهرير دخلت حياتي، هي مقتلتش جسمي، هي قتلت الاكتئاب. قتلت الشخص الميت اللي كان بيمتص طاقتكم بلا رحمة. النسخة القديمة مني، يوسف الكئيب الفاضي اللي بيتمنى الموت، ماتت وانتهت للأبد في اللحظة اللي هي وقفت فيها تدافع عني وتتلقى الضربة مكاني. الروح المظلمة اللي إنتوا كنتوا خايفين منها مبقتش موجودة أصلاً. أنا دلوقتي إنسان جديد، روحي رجعت تنبض بالحياة والغضب والمشاعر، ومش بتمتص أي طاقة من عالمكم بعد الآن. يعني الهدف الأساسي للمهمة اتحقق بنسبة مية في المية. زمهرير نفذت حكم الإعدام في "يوسف القديم"، ويوسف اللي واقف يكلمكم دلوقتي ده مواطن جديد ملوش ملف عندكم أصلاً في السجلات.

القاعة كلها سكتت. سكون تام ومطلق ومرعب. القضاة التلاتة بصوا لبعض في صمت طويل جداً، كأنهم كمبيوتر بيهنج قدام فيروس جديد مش متبرمج عليه.

البيروقراطية مش بس مرض بشري مقتصر علينا، الظاهر إنها متأصلة وموجودة في كل العوالم، حتى في أعمق طبقات الجحيم.

القاضي الثالث: هذا... هذا تلاعب سخيف بالألفاظ! أنت تتلاعب بقوانيننا الأزلية بلسانك البشري الملتوي!

يوسف: ده مش تلاعب يا سيادة القاضي، ده التزام حرفي بنص القانون اللي إنتوا حاطينه. وبعدين يا جماعة خلونا نتكلم بالمنطق والعقل. إنتوا عايزين تخلصوا من الثقب الأسود، وهو اتقفل وتلاشى خلاص. لو عدمتوا زمهرير دلوقتي، إنتوا بتعاقبوا موظفة كفاءة لأنها اختارت حل مستدام وذكي بدل الحلول التقليدية الدموية. ده غير إنكم قانونياً هتبقوا مدينين ليا بتعويض ضخم عن التلفيات اللي حصلت في شقتي بسبب اقتحام المفتشين بتوعكم بدون وجه حق ولا إذن مسبق، وممكن أرفع قضية في محكمة الأبعاد العليا وأعملكم شوشرة ملهاش أي لازمة وهتأثر على ترقياتكم.

زمهرير حطت إيدها المقيدة على وشها المليان رماد، وكانت بتكتم ضحكة هستيرية مكتومة جداً وسط دموعها اللي بتنزل.

القضاة بدأوا يتهامسوا بينهم وبين بعض بلغة غريبة كلها فحيح وزمجرة غاضبة.

بعد دقايق طويلة، حسيت إنها سنين من التوتر، القاضي الأكبر خبط بعصايته العظمية بقوة على المنصة.

القاضي الأكبر: لقد راجعنا حجة هذا البشري المعتوه والمزعج. من الناحية التقنية والقانونية البحتة، الخطر الذي كان يهدد طاقتنا قد زال وتلاشى بالفعل. روحك لم تعد ثقباً أسوداً يبتلع عالمنا. ولكن، خرق السحر المحظور لا يمكن التغاضي عنه أو تمريره مرور الكرام.

يوسف: يعني نقدر نوصل لتسوية ودية ترضي جميع الأطراف وتوفر وقت المحكمة؟

القاضي الأكبر: حُكم على الجنية زمهرير بالتجريد الكامل من كافة رتبها الشيطانية، قواها السحرية المظلمة، وقرونها. ستُصنف من الآن فصاعداً كـ"جنية منبوذة"، ويُحكم عليها بالنفي الأبدي إلى عالم البشر المنحط. لن يكون لها أي مكان بيننا في الهاوية بعد اليوم. خذها من أمامي وارحلا فوراً قبل أن أغير رأيي وأحرقكما معاً في محرقة الأرواح!

سلاسل النار اللي كانت حوالين إيدين ورأس زمهرير انطفت فجأة واتكسرت ووقعت على الأرض.

قرونها الصغيرة اللي كانت بتطلع شرار انكمشت واختفت تماماً.

وقعت على الأرض بتنهج بتعب شديد، فجريت عليها بسرعة وسندتها دراعي.

كانت أضعف من أي وقت فات، بس عينيها كانت بتلمع بفرحة وراحة عمرها ما عرفتها.

زمهرير: لقد نجحت أيها البشري الماكر... لقد خدعت محكمة الظلال العليا بقوانينهم!

يوسف: مفيش حد في الكون يقدر على بيروقراطية موظف مصري يا زمهرير. يلا بينا نرجع، ريحة المكان هنا بتجيبلي حساسية في جيوبي الأنفية.

لمست القلادة تاني بقوة، والبوابة فتحت بسرعة ورجعتنا على أرضية الصالة المتكسرة في شقتي المدمرة.

***

الصبح طلع. النور كان داخل من شيش البلكونة المكسور، بس المرة دي مكنش نور باهت وميت زي كل يوم، كان شمس دافية بجد بتنور التراب والرماد اللي مالي المكان.

وقفت في المطبخ الصغير بتاعي، ولعت عين البوتاجاز اللي نجت من المعركة بأعجوبة، وبدأت أعمل بيض مقلي وفول.

ريحة الأكل السخن ملت الشقة وغطت تماماً على ريحة الكبريت والدم الفاسد.

زمهرير دخلت المطبخ وهي بتجر رجليها بصعوبة.

كانت لابسة تيشيرت بتاعي عشان هدومها كانت متقطعة ومحروقة.

ملامحها بقت أهدى كتير، شاحبة شوية بس بشرتها بقت أقرب لبشرة البشر الطبيعيين، وعينيها الحمرا المرعبة بقت لونها بني غامق بيلمع في الشمس.

زمهرير: ما هذا الذي تفعله؟ الرائحة قوية جداً ونفاذة.

يوسف: ده فطار يا ستي. أومال هنعيش على الهوا ونتفرج على بعض؟ بما إنك بقيتي جنية منبوذة وملكيش في السحر خلاص، يبقى لازم تتعودي على الأكل البشري عشان تعيشي.

زمهرير: حسناً، سأتذوق هذا الاختراع البشري الغريب. ولكن... هناك كارثة حقيقية في الخارج. الصالة مليئة بالرماد والأطباق المحطمة والأثاث المدمر. متى سأستعيد طاقتي لأقوم بتنظيف كل هذه الفوضى بإشارة واحدة من إصبعي؟

يوسف: تستعيدي إيه بس؟ إنتي اترفدتي واتسحبت منك الصلاحيات كلها خلاص. مفيش سحر تاني ولا طيران ولا قوى خفية.

زمهرير: ماذا تقصد بكلامك هذا؟

يوسف: أقصد إنك هتشمري دراعاتك دي، وتمسكي المقشة الخشب، وتكنسي الصالة حتة حتة، وبعد الفطار اللذيذ ده هتقفي على الحوض المليان ده تغسلي الأطباق دي كلها بإيدك. مية وصابون وسلك مواعين خشن.

زمهرير: ماذا؟! أنا؟ سيدة الكوابيس السابقة ومحطمة القلوب الشيطانية أقف لأغسل الأطباق بيدي الفانيتين؟ هذا إجحاف وظلم! هذا ذل لم أعهده حتى في أحط دركات الهاوية! لو كنت أعلم أن هذه هي ضريبة النجاة والحرية لفضلت الإعدام على منصة المحكمة!

بصيتلها وهي بتنفخ بضجر كوميدي، وبتعترض على غسيل المواعين كأنها كارثة كونية أكبر من محاكمة الجن.

لأول مرة من سنين طويلة جداً، حسيت بعضلات وشي بتتحرك بانسيابية تامة.

شفايفي اتفردت، وابتسمت.

ابتسامة حقيقية، دافية، وطالعة من أعمق حتة في القلب.

يوسف: معلش يا زمهرير، قانون العزوبية أقوى بكتير من قانون العفاريت. اللي يطبخ الأكل، التاني يغسل المواعين، ده دستور الشقة دي.

حياتي مرجعتش مثالية أبداً.

الشقة لسه محتاجة تتوضب وتتفرش من أول وجديد، والذكريات القديمة لسه بتوجع أحياناً لما بفتكرها.

لكن الشقة مبقتش مقبرة كئيبة، وحياتي مبقتش فاضية وباردة.

الثقب الأسود اتقفل للأبد، وبقى مكانه بنت منبوذة من الجحيم، بس قدرت تخلقلي جنة صغيرة، حتى لو كانت الجنة دي بتبدأ بطبق فول، وخناقة كل يوم الصبح على مين اللي عليه الدور يغسل المواعين.

 

تمت
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.