اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

ثأر الغريب والناقة الملعونة | رواية مكتملة

جاري التحميل...

ثأر الغريب والناقة الملعونة

بدأت المهمة بطلب بسيط للبحث عن ناقة مفقودة، لكن رمال الصحراء كشفت لقصاص الأثر "حارث" ما هو أرعب من مجرد الضياع. هودج ممزق، دماء غريبة، وأثر أقدام يتبخر في الهواء، يطرحون لغزاً دموياً: أين اختفت ابنة الشيخ وسط هذه الفوضى؟ وقبل أن يفك طلاسم اللغز، يجد نفسه متهماً بالخطف، ومحاصراً في صحراء لا ترحم بين سهام المرتزقة ونيران الغدر. ومع دقات طبول الحرب بين أقوى قبائل العرب، يصبح الهروب داخل أحشاء الأرض المظلمة هو الأمل الوحيد للنجاة بفتاة تحمل سراً يقلب الموازين. فهل ينجح غريب أعزل في إيقاف مذبحة جيش كامل قبل شروق الشمس، أم أن خيانة "الدم واللحم" ستدفن الحقيقة تحت الكثبان للأبد؟

تحميل الفصول...
المؤلف

لم يكن الهواء في مضارب بني شيبان هواءً عادياً في تلك الظهيرة، بل كان مزيجاً ثقيلاً من غبار الصحراء ورائحة الخوف المكتوم.

وقفتُ أمام خيمة الشيخ أوس أتحسس مقبض خنجري المعقوف تحت عباءتي البالية، والعرق يسيل بارداً على ظهري رغم لهيب الشمس التي توسطت كبد السماء.

لم يستدعني الشيخ أوس يوماً لخير، فعندما يطلبون حارث قصاص الأثر، فهذا يعني أن شيئاً كارثياً قد حدث، شيئاً لا تحله السيوف، بل تحله العيون التي ترى ما لا يراه الآخرون.

رفعتُ طرف لثامي أمسح العرق عن جبيني، وتأملت الوجوه المحيطة بالخيمة.. رجال مدججون بالسلاح، عيونهم تلمع بالتوتر، وأيديهم لا تفارق مقابض سيوفهم.. الصمت كان سيد الموقف، صمت يسبق العاصفة.. تقدمتُ خطوة، فاعترض طريقي حارسان عملاقان، تقاطعت رماحهما أمام صدري كأنهما بوابة الجحيم.

الحارس الأول: توقف يا حارث.. الشيخ لا يقابل أحداً.

نظرتُ إلى عينيه مباشرة، لم أرمش، ولم أتراجع.. أعلم أن الضعف في الصحراء دعوة للموت، والتردد أمام الرجال دعوة للاحتقار.

حارث: هو من طلبني.. وإن كنتما تريان أن وقوفي هنا عبث، فسأعود لأقتفي أثر الضباء في الفيافي، فهي أكرم صحبة من وجوهكم العابسة.

هممتُ بالاستدارة، لكن صوتاً جهورياً خرج من داخل الخيمة، صوتاً يشبه صوت الرعد المكتوم في وادٍ سحيق، جمدني في مكاني وجعل الحارسين ينخفضان برأسيهما ذلاً وطاعة.

أوس: أدخلوه.. ودعوه يرى مصيبتنا.

دخلتُ الخيمة.. كانت واسعة، تفوح منها رائحة البخور الممزوج برائحة الجلد القديم.. الظلام في الداخل كان مريحاً للعين بعد سطوع الشمس القاتل في الخارج.

في صدر المجلس، جلس الشيخ أوس، وجهه محفور بتجاعيد تشبه أخاديد الأودية الجافة، وعيناه تقدحان شرراً يكاد يحرق السجاد تحته.. لم يكن وحده، بل كان بجانبه رجل لم أره من قبل، يرتدي ثياباً فاخرة لا تناسب خشونة الصحراء، ويبدو عليه القلق الشديد.

أوس: اقترب يا ابن الصحراء.. يقولون إنك تقرأ الرمل كما يقرأ الكاهن النجوم.

حارث: الرمل لا يكذب يا شيخ أوس، البشر هم من يكذبون.. أنا فقط أستمع لصدق الأرض.

نهض أوس ببطء، وحجم جسده الضخم ألقى بظلاله علي.. سار نحوي حتى صار وجهه قريباً من وجهي، شممتُ رائحة القلق في أنفاسه، رأيتُ عرقاً يلمع على صدغيه، وهذا ليس من عادة شيوخ العرب الأقحاح.

أوس: العنقاء اختفت.

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.. العنقاء ليست طائراً خرافياً هنا، بل هي ناقة الشيخ المفضلة، ناقة نادرة بيضاء كالحليب، سريعة كالريح، يقال إن سلالتها تعود لخيول سليمان من نبلها.. لكن، هل يستدعي الشيخ قصاص أثر محترفاً، ويستنفر القبيلة، لأجل ناقة؟

حارث: النوق تضيع وتعود، والذئاب كثيرة.. هل استدعيتني لأبحث عن بعير شارد؟

أوس: لو كانت مجرد ناقة لذبحت عشراً بدلاً منها وتجاهلت الأمر.. لكن العنقاء لم تكن فارغة حين اختفت.. كان عليها هودج..

صمت أوس قليلاً، وتبادل نظرة سريعة مع الرجل الغريب الجالس بجانبه.. شعرت أن الكلمة التالية ستكون ثقيلة، أثقل من جبل أُحد.

أوس: الهودج كان يحمل ابنتي هند.. ومهرها الذي لا يقدر بثمن.

اتسعت عيناي دهشة.. هند؟ ابنة الشيخ التي يتغنى بجمالها الشعراء في الأسواق؟ اختفت مع الناقة؟

حارث: متى حدث هذا؟ وأين كان حراسها؟

أوس: منذ ليلة البارحة.. خرجت في نزهة قصيرة عند طرف المضارب، ولم تعد.. الحراس وجدوا آثاراً غريبة، واحتاروا في أمرهم.. نريدها قبل أن يعلم أحد، وقبل أن تصل الفضيحة لأسماع القبائل المعادية.

حارث: سأجدها.. لكن الصحراء واسعة، والوقت سيف.

أمسك أوس بكتفي بقوة آلمتني، واقترب مني هامساً بصوت يشبه فحيح الأفعى.

أوس: اسمعني جيداً يا حارث.. لديك يومان.. إن عادت هند سالمة، سأغرقك بالذهب حتى تكتفي.. وإن علم أحد باختفائها، أو فشلت في إعادتها..

توقف أوس لحظة، ومرر إبهامه على عنقه ببطء، ثم أشار إلى سيفه المعلق، وقال بنبرة تقطر دماً:

أوس: فلن يجد قصاص أثر آخر، أثراً لرأسك فوق جسدك.. سأجعلك عبرة لمن يعتبر.

خرجتُ من الخيمة وأنا أشعر بثقل المهمة يضغط على صدري.. لم يعد الأمر مجرد تتبع لآثار ناقة، بل سباق مع الموت، موتي أنا، أو موت شرف قبيلة بأكملها.. الشمس كانت قد مالت للمغيب، وتركت خيوطاً حمراء دامية في السماء، كأنها نذير شؤم لما هو قادم.

توجهتُ فوراً إلى آخر مكان شوهدت فيه الناقة.. كان وادياً صغيراً عند أطراف مضارب القبيلة، تحيط به كثبان رملية ناعمة.

جثوتُ على ركبتي، وبدأت طقوسي المعتادة.. وضعت كفي على الرمل، كان لا يزال دافئاً.. أغمضت عيني وتنسمت الهواء، محاولاً التقاط أي رائحة غريبة.. رائحة الإبل، رائحة الروث، ورائحة خفيفة جداً.. عطر؟ نعم، عطر نسائي فاخر، دهن العود الممزوج بالمسك، لا تضعه إلا نساء السادة.

فتحت عيني وبدأت المسح البصري.. الرمل هنا مضطرب، هناك آثار أقدام كثيرة، آثار خيل وحمير، وآثار جمال.

إنها فوضى، وكأن قطيعاً مر من هنا ليمحو الأثر عمداً.. لكن القصاص الماهر لا ينظر للسطح، بل ينظر لما تحته.

بدأت أزيح الطبقة السطحية من الرمل برفق، أنفخ الهواء لأكشف الطبقات المدفونة.. رأيت أثر خف الناقة العنقاء. كان واضحاً، عميقاً، يشير إلى ثقل الهودج.. تتبعت الأثر لبضع خطوات، ثم توقفت.

شيء ما غير منطقي.

الناقة كانت تسير ببطء في البداية، خطواتها متزنة.. ثم فجأة، زادت مسافة الخطوات، وكأنها انطلقت تجري بأقصى سرعة.

ما الذي أفزعها؟ نظرت حول الآثار، لم أجد أثر ذئب أو ضبع.

زحفت على بطني لأقترب أكثر من شجيرة شيح صغيرة نبتت بجانب الصخرة.. رأيت شيئاً جعل قلبي يدق بعنف.

أثر قدم بشرية.

لكنه ليس أثر نعل عادي.. العرب يلبسون نعالاً من جلد مسطح.. هذا الأثر كان غريباً، النعل له نقشة مميزة في الأسفل، نقشة لم أرها إلا مرة واحدة في حياتي، عند تجار قادمين من الشمال، من بلاد الروم أو الحيرة.

حارث: (محدثاً نفسي) من يلبس نعلاً كهذا في قلب الصحراء؟ وكيف وصل إلى هنا دون أن يراه الحراس؟

تتبعت أثر القدم الغريبة.. كان صاحبها يسير بحذر، يرفع قدمه ويضعها بخفة اللصوص.. الأثر كان يتجه نحو الناقة، ثم يختفي بجانبها.. وكأنه ركبها.

لكن انتظر..

عدت لأنظر لأثر الناقة مرة أخرى بدقة أكبر.. لاحظت شيئاً جعل شعر رأسي يقف.. الناقة عندما تجري وهي خائفة، تضرب الأرض بقوة وتتناثر الرمال خلفها بشكل عشوائي.

هنا، الرمال المتناثرة خلف حوافر الناقة كانت منتظمة جداً.

حارث: هذا مستحيل..

أخذت حفنة من الرمل وشممتها.. رائحة بول الإبل قوية هنا.. رفعت بصري للأفق، حيث تمتد الصحراء اللانهائية.

الأثر يتجه شرقاً، نحو وادي الجماجم، المنطقة التي يتجنبها البدو لوعورتها وكثرة قطاع الطرق فيها.

لكن ما أثار رعبي ليس الاتجاه، بل ما وجدته مدفوناً بمهارة تحت التراب بجوار أثر الانطلاق.

مددت يدي وسحبت الشيء من تحت الرمل.. لم يكن سوى خنجر صغير، مقبضه مرصع بالأحجار الكريمة.. والأهم من ذلك، كان الخنجر خاصاً بالشيخ أوس نفسه! كيف وصل خنجر الأب إلى مكان اختطاف الابنة؟ هل يعقل أن يكون الشيخ...؟

نفضت الفكرة من رأسي بسرعة، فالشك في صاحب الأمر يقتل المهمة، لكن الخنجر كان ملطخاً بدمٍ جاف.. وهذا يغير كل شيء.

دسست الخنجر في حزامي، وقررت أن أتبع الأثر شرقاً مهما كلف الثمن.. الليل بدأ يسدل ستاره، والنجوم بدأت تتلألأ في السماء الصافية، لكنها لم تكن نجوماً تهدي التائهين الليلة، بل كانت عيوناً تراقبني.

ركبت ناقتي شهباء، وهي ناقة صبورة تعودت على طباعي الصامتة، وانطلقت خلف الأثر.

الريح بدأت تشتد، وأصبحت ذرات الرمل تضرب وجهي كالإبر.. كنت أعلم أن الريح عدوي الأول، فهي ستمسح الأثر إذا لم أسرع.

بعد مسيرة ساعتين، ابتعدت فيها عن مضارب القبيلة حتى غابت نيرانهم عن ناظري، دخلت في منطقة صخرية وعرة.

هنا تصعب قراءة الأثر، فالصخر لا يحتفظ بالخطوات كالرمل.

نزلت من على شهباء وأمسكت بزمامها، ومشيت منحنياً أتحسس الأرض بيدي، وأستعين بضوء القمر الخافت.

رأيت خدشاً حديثاً على صخرة صوان، خدشاً أحدثه حافر ناقة انزلقت قليلاً.

حارث: حسناً أيتها العنقاء.. لن تذهبي بعيداً.

واصلت المسير، والحواس كلها مستنفره.

فجأة، سمعت ناقتي شهباء تصدر صوتاً خافتاً من حلقها (رغاء مكتوم)، وتوقفت عن السير.. الحيوانات تشعر بالخطر قبل البشر.

توقفت وتلفت حولي.. الصمت مطبق، لكنه صمت مريب.. وضعت يدي على الأرض، شعرت باهتزاز خفيف جداً، اهتزاز لا تدركه إلا الأيادي التي عاشت تلامس الأرض لسنوات.. هناك خيل قادمة.. أو ربما ترحل.

تقدمت بحذر شديد خلف صخرة كبيرة، ونظرت للجهة الأخرى.. المنظر الذي رأيته جعل الدم يغلي في عروقي.

لم أجد العنقاء.. ولم أجد هند.

وجدت بقايا هودج محطم، أخشابه مكسرة ومبعثرة وكأن عراكاً عنيفاً دار هنا.. قطع من القماش الحريري الملون ممزقة وعالقة في الشوك.. اقتربت بحذر، سيف في يدي وعيني تمسح الظلام.

وصلت إلى بقايا الهودج.. تحسست القماش، كان ممزقاً بعنف.. نظرت للأرض، وهنا كانت الصدمة الكبرى.

لم يكن هناك أثر لأي ناقة تكمل الطريق.. الآثار توقفت هنا.. وكأن الناقة تبخرت في السماء.. والأرعب من ذلك..

وجدت بقعة كبيرة من الدم لا تزال رطبة ولزجة تغطي الصخور، ووسط بركة الدم، وجدتُ قطعة من قلادة أعرفها جيداً.. كانت قلادة ترتديها هند دائماً.. لكن القلادة كانت مقطوعة، والدم يغطيها بالكامل، ولا أثر لجثة هند أو للناقة في أي مكان!

وقفت مذهولاً وسط الظلام، وفجأة.. سمعت صوت سحب سيف من ورائي، وشعرت بنصل بارد يلامس رقبتي من الخلف.

صوت غليظ (من خلفي): لا تتحرك يا قصاص الأثر.. وإلا كانت هذه آخر أنفاسك.

لم أتحرك قيد أنملة.. في مهنتنا، الحركة الخاطئة تعني الموت، والثبات يعني فرصة للتفكير.. النصل كان يضغط على الجلد خلف أذني مباشرة، وشعرت بقطرة دم ساخنة تسيل ببطء على رقبتي.

أنفاس الرجل خلفي كانت ثقيلة، تفوح منها رائحة نبيذ رخيص ولحم مقدد، رائحة لا تنتمي لفرسان القبائل، بل لصعاليك الطرق.

حارث: لو أردت قتلي لفعلت ذلك قبل أن أشعر بك.. ماذا تريد؟

الرجل الملثم: اترك سيفك، واركل الخنجر الذي في حزامك بعيداً.. ببطء، وإلا جعلت رقبتك تسبق جسدك إلى الأرض.

بأطراف أصابعي، وبحركات مدروسة، فككت حزام السيف وتركته يسقط على الرمل بصوت مكتوم.. ثم سحبت خنجر الشيخ أوس -الذي وجدته منذ قليل- وألقيته بعيداً.. عيناي لم تكونا تراقبان السلاح، بل كانتا تمسحان الأرض أمامي.

ظل الرجل ممتداً أمامي بفضل ضوء القمر، رأيت حركة ذراعه، إبهامه يضغط بقوة على المقبض.. هذا رجل متوتر، والتوتر يولد الأخطاء.

الرجل الملثم: والآن.. استدر ببطء واركع على ركبتيك.

استدرتُ ببطء شديد، رافعاً يديّ بمحاذاة رأسي.. كان رجلاً ضخم الجثة، يغطي وجهه بلثام أسود لا يظهر منه سوى عينين ضيقتين تلمعان بالغدر.. يرتدي درعاً جلدياً خفيفاً، وفي يده سيف معقوف من حديد هندي باهظ الثمن.

كيف لصعلوك أن يمتلك سيفاً كهذا؟

حارث: سيف هندي.. في يد قاطع طريق؟ أم أنك جندي مأجور؟

الرجل الملثم: لسانك طويل يا قصاص الأثر.. سأقطعه لك بعد أن تخبرني.. أين أخفيتم الفتاة؟

تجمدت ملامحي.. هذا السؤال قلب موازين عقلي.. هو يسألني عن هند؟ إذن هو ليس الخاطف!

حارث: أتسألني أنا؟ ألست أنت من ذبح ناقتها ومزق هودجها؟

ضحك الرجل ضحكة خشنة، وقبل أن يجيب، لمحتُ في طرف عيني حركة سريعة.. ناقتي شهباء، التي كانت تقف بملل، تحركت فجأة لتبحث عن عشبة، فاصطدمت ساقها بكتف الرجل الضخم دون قصد.

اختل توازنه لجزء من الثانية.

لم أنتظر.. هذه هي الـ ثانية التي تفصل بين الحياة والموت.

رميت بجسدي كاملاً نحوه، ضربت بساعدي معصم يده الحاملة للسيف، فسمعت طقطقة العظام وصوت السيف يطير في الهواء.

صرخ ألماً، لكنه كان مقاتلاً شرساً، عاجلني بركلة في بطني قطعت أنفاسي وجعلتني أترنح للخلف.

الرجل الملثم: أيها الجرذ الصحراوي!

اندفع نحوي كالثور الهائج، يحاول الإمساك بكتفي ليطرحني أرضاً.. انحنيت بسرعة وتفاديت قبضته، ثم التفتُّ خلفه وضربتُ بكوعي بقوة في منتصف عموده الفقري.

سقط على ركبتيه يلهث، لكنه سحب خنجراً صغيراً من ساقه واستدار بجنون ليطعنني.

أمسكتُ بيده في الهواء، ودار صراع الأيادي الصامت.. كنا نلهث، وأقدامنا تحفر الرمل، وعيوننا تتلاقى في تحدٍ مميت.. رائحة الموت كانت أقرب من أي وقت مضى.. ضغطتُ بكل قوتي، وبدأت أرى الخوف يتسلل لعينيه.

حارث: من أرسلك؟ تكلم!

بصق في وجهي، وحاول ركلي مرة أخرى، لكنني لويت ذراعه بقوة جعلته يصرخ ويسقط الخنجر.

وقبل أن أتمكن من طرحه أرضاً لتثبيته، سمعنا صوت صفير حاد جداً يأتي من أعلى التل الصخري المطل علينا.

تجمد الرجل في مكانه، واتسعت عيناه رعباً كأنه سمع صوت ملك الموت.

الرجل الملثم: اللعنة.. لقد وجدونا!

دفعني بقوة مفاجئة، وبدلاً من أن يهاجمني، استدار وركض بأقصى سرعة نحو الظلام، تاركاً سيفه الثمين خلفه.

حاولت اللحاق به، لكن صوتاً آخر أوقفني.. صوت ارتطام شيء بالصخر بجانبي.

نظرتُ فإذا به سهم أسود الريش، انغرس في الأرض حيث كنت أقف تماماً قبل لحظة.. لو لم يدفعني ذلك الرجل، لكان السهم الآن في عيني.

نظرتُ للأعلى، لم أرَ شيئاً سوى سواد الليل وقمم الصخور الصامتة.. الرامي محترف، والمسافة بعيدة، والليل ستار المجرمين.

جلستُ خلف صخرة أحتمي بها، وأنا أمسح الدم والتراب عن وجهي.. اللغز يتعقد.. رجل يظن أنني الخاطف، ورامي سهام مجهول يحاول قتلنا نحن الاثنين.. من الذي يلعب هذه اللعبة القذرة في صحراء بني شيبان؟

انتظرتُ حتى تأكدت أن السكون عاد للمكان، ثم زحفتُ عائداً لمنطقة الهودج المحطم.. استرجعتُ سيفي وخنجر الشيخ، ثم أخرجت قداحة الزناد وشعلة صغيرة من متاعي، وأشعلت ناراً خافتة لأتفحص المكان بدقة أكبر، فضوء القمر يخدع أحياناً.

اقتربت من بقعة الدم الكبيرة التي وجدتها سابقاً بجوار قلادة هند.. لمستُ الدم، كان قد بدأ يتجمد.. فركته بين أصابعي وشممته.. رائحة الحديد فيه قوية، لكن.. هناك شيء آخر.. لزوجته تختلف عن دم البشر.

أخرجت سكينتي وكشطت قليلاً من الدم المتجلط ووضعته على طرف لساني بحذر شديد -وهي عادة قديمة ومقززة لقصاصي الأثر لمعرفة نوع الفريسة-.

بصقتُ فوراً.

حارث: مالح.. ومرارة العشب واضحة.

هذا ليس دم هند.. هذا دم حيوان.. دم ناقة أو تيس جبلي.. شخص ما ذبح دابة هنا وسكب دمها بغزارة ليوهمنا بمجزرة، وترك قلادة هند وسط الدم ليكتمل المشهد الدرامي.

إذن، هند لم تُقتل هنا.. هند أُخذت.. أو هربت.

حملت الشعلة وتحركت نحو الصخور حيث توقف أثر الناقة العنقاء.. انحنيتُ حتى لامس وجهي الأرض.. دققت في الصخور الصوانية القاسية.. إذا كانت الناقة قد سارت هنا، فلا بد أن تترك خدشاً، كدشاً، أي شيء.

وهنا رأيته.

ليس أثراً، بل خيطاً.. خيط صوف رفيع جداً، بلون الصخر، عالق في نتوء حاد.. سحبت الخيط وتأملته.

إنه صوف مغزول بدقة، يُستخدم عادة في الجوارب التي يلبسها الفرسان لخيولهم لكي لا تصدر صوتاً أثناء الغارة الليلية.. لكن هذا الخيط سميك.. هذا جورب لناقة!

حارث: يا للدهاء.. ألبسوا الناقة خفافاً من الصوف والجلد لتمشي فوق الصخر دون صوت ودون أثر.

هذا يعني أن الخاطف ليس لصاً عادياً.. هذا عمل جواسيس أو محترفين.. يعرفون كيف يخفون الأثر عن عيون أمثالي.

تتبعت الاتجاه الذي يشير إليه الخيط.. إنه يؤدي إلى ممر ضيق بين جبلين، ممر يسمى درب العقارب، وهو طريق قديم مهجور وشديد الوعورة، لا تسلكه القوافل التجارية لأنه يطيل المسافة، لكنه.. وهذا هو الأهم.. يقع في الظل بعيداً عن نقاط مراقبة القبيلة.

ركبت شهباء مرة أخرى، وربتُ على عنقها.

حارث: تحملي يا عزيزتي.. الليلة طويلة، ورائحة الخيانة تفوح من كل حبة رمل.

دخلنا درب العقارب.. الظلام هنا دامس، والجبال تعلو على الجانبين كأنها جدران قبر مفتوح.

الهواء بارد بشكل يلسع العظام.

سرتُ لمسافة طويلة، وعيني لا تفارق الأرض.

بعد ميلين تقريباً، وجدتُ ما كنت أخشاه.

رأيتُ سواداً ضخماً جاثماً على الأرض في منتصف الطريق.

نزلتُ من الناقة واقتربت والسيف في يدي.. رائحة الموت عادت، ولكن هذه المرة حقيقية.

كانت العنقاء.

ناقة الشيخ أوس البيضاء، ملقاة على جانبها، مذبوحة من نحرها بطريقة احترافية سريعة.. الدماء غطت الرمال وشكلت بركة سوداء في الظلام.. اقتربت منها وتحسست جسدها، كانت لا تزال دافئة قليلاً.. الذبح تم قبل ساعة أو أقل.

لماذا يذبحون وسيلة نقلهم؟ الناقة هي سفينة النجاة في الصحراء، لا أحد يقتل ناقة إلا إذا كان لديه بديل أسرع.. أو إذا كانت الناقة دليلاً يريدون التخلص منه.

تفحصت جسد الناقة بحثاً عن أي علامة.. الهودج اختفى تماماً.. والأهم.. هند ليست هنا.

لكن الأمر الذي جعلني أشهق من الصدمة، هو ما وجدته محفوراً بالكي على فخذ الناقة الخلفي.. لم يكن وسم قبيلة بني شيبان المعروف.. بل كان وسماً جديداً، الحرق فيه طازج، واللحم محترق حديثاً فوق الوسم القديم.

رسمتُ الشكل في عقلي: دائرة، بداخلها خطان متقاطعان، ونقطة سوداء في المنتصف.

حارث: (هامساً برعب) وسم الغساسنة؟

ما الذي يفعله وسم ملوك الشمال التابعين للروم على ناقة شيخ عربي في قلب الصحراء؟ هذا ليس مجرد اختطاف.. هذا إعلان حرب!

فجأة، سمعت صوتاً يأتي من خلف صخرة قريبة من جثة الناقة.. صوت أنين خافت.. بشري.

قفزت خلف جثة الناقة أحتمي بها، وصرخت:

حارث: اخرج وإلا ملأتك بالسهام!

ساد الصمت لحظة، ثم خرجت يد ضعيفة ترتجف من خلف الصخرة، تلوح بقطعة قماش بيضاء ملطخة بالدم.

صوت ضعيف (متقطع): الأمان.. يا.. حارث.. الأمان..

عرفت الصوت.. قلبي سقط بين قدمي.. ركضتُ نحو الصخرة، لأجد رجلاً ملقى على ظهره، صدره ممزق، يلفظ أنفاسه الأخيرة.

إنه عمير، ابن عم هند، وقائد حرس القافلة التي كانت تحرسها! ظن الجميع أنه هرب خوفاً، لكنه هنا، يحتضر.

جثوتُ بجانبه، ورفعت رأسه.

حارث: عمير! من فعل بك هذا؟ أين هند؟

أمسك عمير بياقة ثوبي بقوة مفاجئة، وسحبني إليه، وعيناه تغيبان في البياض.

عمير: لم يخططوا لها يا حارث.. الخيانة.. الخيانة من الداخل.. أحذر من.. من الـ...

سعل دماً غزيراً قاطع كلامه، وانتفض جسده انتفاضة الموت، ثم ارتخت يده وسقطت بجانبه، ومات السر في صدره قبل أن ينطق بالاسم.

أغلقتُ عينيه بيدي، ووقفتُ وسط الجثث والظلام.. الخائن من الداخل؟ وشعار الغساسنة؟ ورجل ملثم يحمل سيفاً هندياً؟

نظرتُ حولي في الممر الضيق، وشعرتُ فجأة أن الجبال تطبق علي.. وقبل أن أستوعب الموقف، أضاءت شعلة نار ضخمة في أعلى الممر وسدت طريق العودة، ثم أضاءت شعلة أخرى في آخر الممر وسدت طريق التقدم.

وظهر عشرات الرجال المسلحين على قمم الصخور المحيطة بي من كل جانب، مصوبين سهامهم نحوي.

صوت جهوري (من الأعلى): ألقِ سلاحك يا قاتل.. لقد وقعت في المصيدة.

لم يكن هناك مجال للشجاعة الحمقاء.. خمسون قوساً مشدوداً تعني خمسين موتاً محققاً.. نظرتُ إلى رؤوس السهام التي تلمع بوهج النيران المحيطة، كانت عيوناً حديدية تحدق في صدري وتنتظر إشارة لتغوص في لحمي.

ألقيتُ سيفي ببطء، فارتطم بالصخر بصوت بدا وكأنه إعلان هزيمة مدوٍ في هذا الوادي الضيق.. رفعت يدي فارغتين، لكن عيني لم تتوقفا عن العمل.. كنت أحصي عددهم، أقدر مسافاتهم، وأحفظ وجوههم.

حارث: إن كنتم تطلبون العدالة، فالعدالة ملقاة عند قدمي.. جثة عمير تشهد أن القاتل ليس أنا.

انشق صف الرجال، وتقدم نحو الضوء رجل يرتدي درعاً ثقيلاً، وجهه مغطى بندبة طويلة تشق خده الأيمن وتجعل ابتسامته تبدو كتكشيرة ذئب.. لم يكن من بني شيبان.. طريقة مشيته المتبخترة، ونوع السلاح الذي يحمله، يشي بأنه مرتزق.

ذو الندبة: العدالة كلمة يلوكها الضعفاء يا حارث.. نحن هنا لننظف الفوضى.. قتلتَ ابن عم الشيخ، وسرقت الناقة، والآن سنعود برأسك لنقبض الثمن.. قصة بسيطة، وسهلة التصديق.

حارث: وهل سيصدق الشيخ أوس أن قصاص أثر يقتل فريسته ويجلس بجوارها ينتظر القبض عليه؟

ضحك ذو الندبة بصوت أجش، وأشار بيده إشارة خاطفة.. قبل أن أدرك معناها، انقض عليّ أربعة رجال من الخلف. قاومتُ الأول بضربة رأس حطمت أنفه، لكن كعب رمح غليظ هوى على مؤخرة رأسي.

انفجر الضوء الأبيض في عيني، وتلاشى العالم في طنين حاد.. شعرت بركبتي ترتطمان بالأرض، ثم تذوقت طعم التراب المالح في فمي قبل أن يبتلعني السواد.

***

لم أعرف كم مر من الوقت.. عدتُ إلى وعيي تدريجياً على إيقاع اهتزاز عنيف.. كنت مقيداً كذبائح العيد، ملقى على ظهر جمل يسير بخطى سريعة.. رأسي يكاد ينفجر من الألم، ويداي مخدرتان تماماً من شدة القيد.

فتحت عيني بصعوبة.. كنا نسير تحت ضوء النجوم، لكننا لم نكن متجهين نحو مضارب بني شيبان.

النجوم تقول إننا نتجه شمالاً، نحو الحدود الصخرية الوعرة، منطقة الشقوق السوداء التي يتخذها قطاع الطرق والمنبذون مأوى لهم.

لماذا لم يقتلوني فوراً؟ لو كانوا يريدون رأسي فقط كما قال قائدهم، لجزوه هناك.. إبقائي حياً يعني أنهم يريدون شيئاً لا يملكه غيري.. أو أنهم ينتظرون أوامر من شخص أكبر.

حاولت تحريك معصمي داخل الحبال الخشنة.. الجلد تمزق، والدم جعل الحبل زلقاً قليلاً، لكنه لم يرتخِ.

فجأة، توقفت القافلة.. سمعت أصواتاً ولغطاً.

جندي 1: وصلنا.. أنزلوه.

سحبوني بقسوة من فوق الجمل، وسقطت على كتفي بقوة جعلتني أصر على أسناني كي لا أصرخ.. جروني على الرمال الخشنة حتى أدخلوني كهفاً واسعاً، تفوح منه رائحة شواء اللحم ورائحة الأجساد غير المغتسلة.

ألقوني في وسط الكهف عند قدمي ذو الندبة، الذي كان يجلس على صخرة منبسطة، يقلب خنجراً بيده.. نفس الخنجر الذي وجدته مدفوناً، خنجر الشيخ أوس!

ذو الندبة: أهلاً بالضيف الثقيل.. أتمنى أن تكون الرحلة مريحة.

حارث: مريحة بقدر وجهك القبيح.

ركلني في صدري ركلة قطعت أنفاسي، ثم انحنى ليجذبني من شعري ويرفع رأسي لأواجهه.

ذو الندبة: اسمع يا هذا.. الشيخ أوس دفع لنا لنبحث عن ابنته.. لكن هناك من دفع ضعف المبلغ لنضمن أنها لن تعود أبداً.. ولنضمن أن تشتعل الحرب بين شيبان والغساسنة.. وأنت، يا حارث، ستكون الشعلة التي تحرق الجميع.

حارث: (بصوت مبحوح) إذن.. وسم الغساسنة على الناقة.. كان من صنيعكم.

ذو الندبة: ذكي.. لكن ذكاءك لن ينفعك.. غداً صباحاً، سنرسل رأسك للشيخ أوس مع رسالة تقول إننا وجدناك تحاول تهريب هند للغساسنة، وأنك قتلت عمير حين كشف أمرك.. وبهذا.. يثور الشيخ، يهجم على الغساسنة، وتندلع الحرب التي يريدها سيدنا.

حارث: ومن هو سيدك؟ الذي يخشى المواجهة ويختبئ خلف المرتزقة؟

اقترب ذو الندبة من أذني، وهمس باسم جعل الدم يتجمد في عروقي.. لم يكن اسماً غريباً.. كان اسماً من لحم ودم القبيلة.

ذو الندبة: إنه مُرة.. شقيق الشيخ أوس.

مُرة؟ الرجل الذي كان يجلس بجوار الشيخ في الخيمة؟ الذي كان يبدو قلقاً وحزيناً؟ هو من دبر خطف ابنة أخيه؟ هو من يريد إشعال حرب ليزيح أخاه عن المشيخة في خضم الفوضى؟

تركني ذو الندبة وسار مبتعداً يضحك، ثم التفت لرجاله.

ذو الندبة: خذوه إلى الحفرة.. ودعوه يتعرف على ضيفنا الآخر.. لعلهم يواسون بعضهم قبل الذبح.

سحبني الحراس بعنف نحو عمق الكهف المظلم، حيث توجد فجوة عميقة في الأرض، تشبه البئر الجافة.

فكوا قيود يديّ فقط، ثم دفعوني بقوة.

هويتُ في الفراغ للحظات بدت كأنها دهر، ثم ارتطمتُ بأرضية ترابية قاسية.. تأوهتُ من الألم، وتحسست عظامي، يبدو أن شيئاً لم ينكسر، لكن الكدمات ستكون قصة أخرى.

رفعت بصري للأعلى، حيث فتحة البئر البعيدة التي يتسرب منها ضوء المشاعل.. أنا في سجن طبيعي لا مفر منه.

ولكن، مهلاً..

سمعتُ صوت أنفاس مضطربة في الزاوية المظلمة من الحفرة.. صوت شخص يحاول كتمان بكائه، وصوت حشرجة سلاسل حديدية.

حارث: من هناك؟

تحرك ظل صغير في العتمة، وبرق ضوء خافت انعكس على شيء معدني.. اقتربتُ بحذر، ماداً يدي.

فجأة، اندفع الظل نحوي بشراسة القطة المحاصرة، ولمع نصل صغير في الظلام، جرح ذراعي جرحاً سطحياً.

تراجعتُ بسرعة، وصرخت:

حارث: اهدئ! أنا لست منهم!

توقف الظل، وخرج صوت نسائي يرتجف رعباً وغضباً:

الصوت: كاذب! كلكم كلاب لـ عمي.. اقترب وسأشق حلقك!

دققت النظر في الظلام، واستطعت تمييز ملامح الوجه الشاحب الملطخ بالتراب، والعيون الواسعة التي تقدح شرراً.

إنها هند.

لكنها لم تكن المخطوفة المسكينة التي تخيلتها.. كانت تحمل قطعة حديد حادة صنعتها بنفسها، وثيابها ممزقة كأنها خاضت حرباً، والأهم.. أنها لا تبدو كشخص ينتظر الإنقاذ، بل كشخص يخطط للانتقام.

حارث: هند؟ أنا حارث قصاص الأثر.. والدك أرسلني.

هند: والدي؟ والدي هو من سلمني لهم!

صدمة جديدة ألجمت لساني.. كلماتها نزلت كالصاعقة.. هل يعقل أن أوس ومُرة شريكان في الجريمة؟ أم أن الفتاة تهذي من الخوف؟

جلستُ بعيداً عنها قليلاً لأظهر حسن النية، ومزقت قطعة من ردائي لأربط جرح ذراعي.

حارث: يا ابنة الكرام، عقلي لم يعد يحتمل الألغاز.. عمك مُرة هو من استأجر هؤلاء المرتزقة، هذا ما اعترف به قائدهم.. والدك لا علاقة له بالأمر.. أليس كذلك؟

نظرت إليّ هند، وهدأت أنفاسها قليلاً، لكن يدها ظلت ممسكة بقطعة الحديد.

هند: أنت لا تفهم شيئاً يا قصاص الأثر.. مُرة يريد الحكم، نعم... لكن أبي.. أبي أراد تزويجي من أمير الغساسنة سراً ليحتمي بهم من أطماع أخيه.. لقد كنت سلعة سياسية.. حين رفضتُ وهربتُ، أرسل مُرة رجاله ليخطفوني وينسبوا الأمر للغساسنة ليفضح أبي ويشعل الحرب.. أنا لست مخطوفة.. أنا كنت هاربة، وهؤلاء الوحوش وجدوني قبل أن أبتعد.

بدأت خيوط اللعبة تتضح، وهي أكثر قذارة مما تصورت.. صراع أخوين على السلطة، والفتاة هي الضحية، وأنا كبش الفداء.

حارث: إذن.. نحن في حفرة واحدة، وعدونا في الأعلى، والجيوش ستتحرك مع شروق الشمس.. وضع مثالي للموت.

هند: (بابتسامة يائسة) أو وضع مثالي لجنون لا يخطر على بالهم.

حارث: ماذا تقصدين؟

أشارت هند إلى جدار الحفرة الخلفي، حيث الظلام دامس ولا يكاد يُرى شيء.

هند: قضيت هنا يومين.. استمعت لصوت الهواء.. هناك تيار هواء بارد يأتي من ذلك الشق الصغير في الصخر.. هذه الحفرة ليست بئراً.. إنها منفس لمجرى مائي قديم تحت الأرض.

اقتربتُ من الشق، ووضعت يدي.. فعلاً، هناك تيار هواء.. لكن الشق ضيق جداً، لا يمر منه إلا ثعبان.. أو ذراع طفل.

حارث: الشق ضيق يا هند.. إلا إذا كنا نملك معاول لنحفر الصخر، فنحن عالقون.

اقتربت هند مني، وعيناها تلمعان بذكاء حاد لم أرثه في نساء القبيلة من قبل.. أخرجت من طيات ثوبها شيئاً صغيراً ملفوفاً بجلد.

هند: لم أكن أهرب بلا خطة.. سرقتُ هذا من خيمة مُرة قبل هروبي، لأني كنت أعلم أنه يتعامل مع سحرة وكيميائيين من الفرس.

فتحت الجلد، فظهرت قارورة زجاجية صغيرة بداخلها سائل أسود لزج، يفوح منه رائحة نفاذة تشبه رائحة البيض الفاسد والكبريت.

حارث: نفط؟ الزيت الأسود المشتعل؟

هند: بل نار الإغريق كما يسميها التجار.. قطرة واحدة منه تشعل الصخر إذا لامست النار.

نظرتُ للأعلى، حيث الحراس يضحكون ويشربون حول النار القريبة من فتحة الحفرة.. ثم نظرت للشق، ثم للقارورة. خطة مجنونة تشكلت في رأسي.. خطة قد تدفنا أحياء، أو تمنحنا أجنحة من نار.

حارث: هند.. هل تجيدين التسلق؟

هند: أجيد النجاة.

حارث: حسناً.. سنحتاج لفتيل، ولشرارة، وللكثير من الحظ.. سنقوم بتفجير المدخل الخلفي، لكن الصوت سينبههم.. سيكون أمامنا دقائق قبل أن يمطرو الحفرة بالسهام.

بدأنا العمل بصمت وسرعة.. مزقتُ جزءاً آخر من عباءتي وغمسته في السائل الأسود.. حشوته في الشق الصخري بحذر.

حارث: جهزي نفسك.. حين أقدح الزناد، سيعلو صوت الجحيم.. أريدك أن تركضي خلفي مباشرة ولا تنظري للخلف.

أخرجت قداحتي.. نظرت لهند نظرة أخيرة، أومأت برأسها بقوة.

ضربت الحجر بالزناد.. طارت الشرارة.

اشتعل الفتيل بوهج أزرق غريب، وسارت النار كالأفعى داخل الشق.. تراجعنا للخلف ونحن نحبس أنفاسنا.

ثانية.. ثانيتان..

ثم اهتزت الأرض تحت أقدامنا بدوي مكتوم، وتطايرت شظايا الصخر، وانفتح الشق ليتحول إلى فجوة مظلمة تفوح منها رائحة الدخان.

لكن في نفس اللحظة، صرخ صوت من الأعلى:

حارس: إنهم يهربون! أحضرو الزيت والنار! احرقوهم داخل جحرهم!

نظرتُ للأعلى فرأيت وجوههم تطل من الفتحة، وبدأوا يصبون جرار الزيت المغلي علينا.. لم يكن أمامنا سوى القفز في المجهول.. في الفجوة التي فتحناها للتو، والتي لا نعلم إلى أين تؤدي.

لم يكن قفزاً بقدر ما كان سقوطاً حراً في جوف وحش صخري.. اندفعنا داخل الفجوة التي فتحتها نار هند، بينما كانت أصوات هسهسة الزيت المغلي وهو يرتطم بأرضية الحفرة خلفنا تشبه فحيح آلاف الأفاعي.. لو تأخرنا ثانية واحدة، لكانت جلودنا الآن تنسلخ عن عظامنا.

تدحرجنا على منحدر قاسٍ، ارتطمت أكتافنا ورؤوسنا نتوءات صخرية حادة في ظلام دامس لا يرى فيه المرء كفه.

رائحة الكبريت الخانقة من الانفجار امتزجت برائحة أخرى.. رائحة عفونة ورطوبة، رائحة أماكن لم تزرها الشمس منذ خلق الله الأرض.

استقر جسدي أخيراً في قاع طيني لزج.. نهضتُ مترنحاً، أتحسس جسدي، كل عضلة تصرخ ألماً، لكنني حي.

حارث: هند! هل أنتِ حية؟

جاء صوتها لاهثاً من مكان قريب في الظلام، صوت يقطر ألماً ولكنه متماسك.

هند: أظن ذلك.. كاحلي ملتوٍ، لكنني أستطيع الوقوف... أين نحن؟

مددت يدي في الفراغ حتى لمست ذراعها، وساعدتها على النهوض.. كانت ترتجف، ليس من الخوف، بل من أثر الصدمة والبرد المفاجئ في هذا العمق.

حارث: نحن في مجرى مائي قديم جف منذ قرون.. هذه دياميس الأرض، عروقها السرية التي لا يعرفها إلا الجن.

هند: هل لها مخرج؟

حارث: الماء دائماً يجد مخرجاً.. ونحن سنتبعه.. لكن يجب أن نتحرك بسرعة، فدخان انفجارنا سيهديهم إلينا، ورجال ذو الندبة لن يترددوا في اللحاق بنا حتى لو إلى جهنم.

بدأنا المسير في النفق الصخري الضيق.. كنت أسير في المقدمة، يدي اليسرى تتحسس الجدار الصخري البارد والمبلل لتوجيهنا، ويدي اليمنى تمسك بيد هند لأقودها في هذا العمى الكامل.. الأرضية كانت زلقة، مليئة بالحفر والطين، وكنا نتعثر في كل خطوة تقريباً.

كان الصمت مطبقاً إلا من صوت أنفاسنا وصوت أقدامنا وهي تخوض في الوحل.. في هذا الظلام، تتلاشى الفوارق.

لم تعد هي ابنة الشيخ المدللة، ولم أعد أنا قصاص الأثر الأجير.. كنا مجرد روحين تتشبثان بالحياة في رحم الأرض القاسي.

بعد مسيرة بدت كدهر، شعرت بتيار هواء خفيف يداعب وجهي.. هواء أبرد، لكنه أنقى من هواء الكهف العفن.

حارث: اقتربنا.. الهواء يتغير.

لكن فرحتنا لم تدم طويلاً.. توقف الهواء فجأة، واصطدمت يدي التي تتحسس الجدار بطريق مسدود.

تحسست المكان بكلتا يدي.. لقد انهار جزء من سقف النفق في زمن غابر، وسد الطريق بكومة ضخمة من الصخور والتراب المتماسك.

هند: (بصوت يائس) هل انتهينا؟ هل سنسلّم أنفسنا للموت هنا؟

حارث: الموت قادم لا محالة يا هند، لكن ليس اليوم، وليس في هذا الجحر.

بدأت أتحسس كومة الصخور بجنون، أبحث عن ثغرة، عن حجر متخلخل.. وجدت صخرة كبيرة في المنتصف تبدو غير ثابتة تماماً.. وضعت كتفي عليها، ودفعت بكل ما تبقى لي من قوة.. صرختُ من الجهد، وعروق رقبتي كادت تنفجر.

تزحزحت الصخرة قليلاً، واندفع من خلفها تيار هواء قوي محمل برائحة عشب الصحراء قبل الفجر.

حارث: ساعديني!

انضمت هند إلي، ودفعت بكتفها الصغير بجانبي.. دفعنا معاً، مرة، مرتين، وفي الثالثة، تدحرجت الصخرة جانباً بصوت مدوٍ في النفق الضيق، كاشفة عن فتحة بالكاد تكفي لمرور جسد واحد زحفاً.

زحفتُ أولاً، وسحبت هند خلفي.. خرجنا إلى الهواء الطلق، وسقطنا على وجوهنا نلهث كسمكتين أخرجتا من الماء.

رائحة الشيح والقيصوم ملأت صدري، وكانت أجمل عطر شممته في حياتي.. نظرنا للسماء، كانت لا تزال مظلمة، لكن النجوم بدأت تبهت في الأفق الشرقي.. إنه الفجر الكاذب.

لكن قبل أن نلتقط أنفاسنا، سمعنا صوتاً جعلنا نتجمد على الأرض.. ليس صوت مطاردينا.. بل صوت أسوأ بكثير.

كان صوت أبواق حرب بعيدة، تدوي في سكون الصحراء.. البوق الخاص بقبيلة بني شيبان يعلن النفير العام.

حارث: لقد تأخرنا..

نهضتُ واقفاً متجاهلاً كل آلامي.. كنا قد خرجنا في منطقة تلال صخرية تشرف على السهل الفسيح الذي يفصل بين أراضي بني شيبان وأراضي نفوذ الغساسنة.

المشهد الذي رأيته تحت ضوء الفجر الرمادي الخافت جعل ركبتي ترتعدان.

السهل بالأسفل لم يكن فارغاً.. رأيت مئات المشاعل تتحرك كأسراب النمل الناري.. صفوف من الفرسان والهجانة يصطفون، رماحهم تلمع تحت ضوء المشاعل، وصهيل خيولهم يملأ الفضاء.. رايات بني شيبان الحمراء كانت ترفرف عالياً، وفي مقدمة الجيش، رأيت خيمة قيادة ضخمة.

الشيخ أوس ابتلع الطعم.. لقد حشد جيشه للهجوم ثأراً لشرفه.

هند: (وهي تقف بجانبي، تنظر برعب) أبي.. ماذا فعلت؟

حارث: لقد فعل ما يتوقعه عدوه تماماً.. صدق الكذبة، والآن سيقود قبيلته لمذبحة.. مُرة والغساسنة ينتظرونهم في كمين على الطرف الآخر من السهل، أنا متأكد من ذلك.

هند: يجب أن نوقفه! يجب أن نخبره بالحقيقة!

حارث: كيف؟ انظري للمسافة.. نحتاج لساعة للوصول إلى سفح التل، وساعة أخرى لاختراق صفوف الجيش والوصول إليه.. بحلول ذلك الوقت، ستكون المعركة قد بدأت.

نظرت هند إليّ، وفي عينيها تصميم مرعب.

هند: أنت قصاص أثر.. تعرف هذه الدروب أكثر من أي شخص.. هل هناك طريق مختصر؟ أي طريق؟

عصفت الأفكار في رأسي.. الطرق العادية مراقبة، أو طويلة جداً.. لا يوجد سوى طريق واحد.. طريق الموت.

حارث: هناك ممر الذئاب.. ممر ضيق جداً وشديد الانحدار ينزل مباشرة من هذه التلال إلى قلب السهل، خلف خطوط جيش والدك الخلفية.. لكنه خطر، خطوة خاطئة واحدة ونسقط في الهاوية.. وفوق ذلك، ناقتي شهباء ليست معنا.. سنضطر لقطع المسافة جرياً بعد النزول.

هند: (تشد على قطعة الحديد التي في يدها) الموت في الهاوية أفضل من الموت ونحن نشاهد أهلي يُذبحون بسبب كذبة.. دلني على الطريق.

لم أجادل.. هذه الفتاة تملك قلباً يفوق قلوب نصف رجال القبيلة.

انطلقنا نركض بين الصخور، نتسلق ونقفز بخفة اكتسبناها من الخوف.. وصلنا إلى بداية ممر الذئاب.. كان مجرد حافة صخرية ضيقة على جانب جرف عمودي، بالكاد تتسع لقدم إنسان.. الهواء يصفر تحته، والظلام في الأسفل لا يبشر بخير.

حارث: ضعي قدميك حيث أضع قدمي تماماً.. ولا تنظري للأسفل أبداً.

بدأنا النزول المريع.. كل عضلة في جسدي كانت مشدودة.. كنت أسمع أنفاس هند المتوترة خلفي، وأشعر بيديها تتمسكان بعباءتي.. قطعنا نصف المسافة، وبدأت أرى أرض السهل تقترب.

فجأة، انزلقت قدم هند على حصاة صغيرة.

صرخت صرخة مكتومة، وفقدت توازنها.. استدرت بسرعة البرق وأمسكت بمعصمها قبل أن تهوي في الفراغ.

تأرجحت لثانية مرعبة فوق الهاوية، وهي تنظر لي بعيون متسعة من الذعر، وأنا أتشبث بصخرة ناتئة بيدي الأخرى، وأسناني تكاد تتكسر من الضغط.

حارث: انظري إليّ! لا تنظري للأسفل! تمسكي!

سحبتها بكل قوتي، وساعدتها على استعادة توازنها على الحافة الصخرية.. وقفنا ملتصقين بالجدار الصخري، نلهث، وقلوبنا تدق كطبول الحرب التي نسمعها بالأسفل.

تجاوزنا الممر الخطر، ووصلنا إلى أرض السهل الرملية أخيراً.. الشمس بدأت تطل بخيوطها الذهبية الأولى، كاشفة عن المشهد المرعب بوضوح.

جيش بني شيبان بدأ التحرك.. الفرسان انطلقوا في طليعة الاستطلاع، والغبار بدأ يثور.

كنا خلفهم بمسافة ميل تقريباً.. ميل واحد يفصل بين الحقيقة والكارثة.. نظرنا لبعضنا البعض، وبدون كلمة واحدة، انطلقنا نركض بأقصى سرعة لدينا، نركض في سباق ضد الشمس، وضد جيش كامل، وضد القدر نفسه.

كانت الأرض تحت أقدامنا ترتجف، ليس مجازاً، بل حقيقة.. حوافر ألف حصان تضرب الرمل في إيقاع واحد مرعب، إيقاع الموت القادم.

ركضنا أنا وهند كالمجانين، رئتاي تحترقان وكأنني أتنفس ناراً سائلة، والعرق يغسل الطين عن وجهي ليختلط بالدم الجاف.. كنا نقطتين صغيرتين تحاولان اختراق محيط هائج من الرجال والحديد.

اخترقنا سحابة الغبار التي خلفها الفرسان في المؤخرة.. لم يرنا أحد في البداية، فالجميع كانت عيونهم شاخصة نحو الشمال، نحو العدو المفترض.

حارث: (يصرخ بكل ما بقي لديه من صوت) توقفوا! إنها خديعة!

صوتي ضاع وسط صليل السيوف وصيحات الحرب.. لكن هند، بذكاء من يعرف قومه، لم تصرخ بكلمات عشوائية.

فكت لثامها، وتركت شعرها الطويل يتطاير مع الريح، وصرخت باسم أبيها صرخة شقت غبار المعركة.

هند: يا أوس! يا شيخ شيبان!

التفت أحد قادة المؤخرة، وجمد في مكانه كأن صاعقة ضربته.

القائد: الأميرة هند؟ إنها حية!

انفرط عقد النظام في الصفوف الخلفية.. الصيحات انتقلت كالنار في الهشيم من صف لآخر: الأميرة عادت!، وجدوا هند!. توقف الفرسان، وتلفتت الأعناق، وتراجعت الرماح المشرعة.

شققتُ طريقي بين الخيول المتراقصة، ممسكاً يد هند بقوة وكأنها طوق نجاتي الوحيد.. نظرات الجنود لي كانت مزيجاً من الدهشة والوعيد، لكن وجود ابنة الشيخ معي لجم سيوفهم مؤقتاً.

وصلنا إلى قلب الجيش، حيث راية القيادة الكبرى.

هناك، على جواد عربي أسود كالليل، جلس الشيخ أوس، درعه الذهبي يلمع تحت شمس الصباح، ووجهه قناع من الغضب والحزن.. وبجانبه، على جواد رمادي، كان مُرة، يرتدي درعاً مزركشاً ويحمل ترساً مستديراً.

رآنا الشيخ أوس.. سقط اللجام من يده، واهتز جسده الضخم اهتزازة من لا يصدق عينيه.. قفز عن جواده بحركة لا تناسب سنه، وركض نحو ابنته فاتحاً ذراعيه.

أوس: هند! يا قرة العين!

ارتمت هند في حضن أبيها تبكي، بكاءً أذاب كل قسوة الصحراء في تلك اللحظة.. عم الصمت الجيش، وتوقفت الطبول.. مشهد تدمع له العيون، لكنني لم أكن أنظر للشيخ أو ابنته.

كنت أنظر لـ مُرة.

رأيتُ وجهه يشحب حتى صار بلون الرماد.. عيناه جحظتا للحظة، ويده ذهبت لا إرادياً لمقبض سيفه.. كانت نظرة ذئب حُشر في الزاوية.. أدركتُ أن هذه اللحظة هي الأخطر.. الخائن حين يُكشف، يصبح أشرس من العدو.

رفع أوس رأسه عن كتف ابنته، ونظر لي.. تحولت ملامحه من الحب الجارف إلى الشك القاتل.

أوس: حارث؟ كيف وجدتها؟ وأين كنت؟

قبل أن أنطق بحرف، وقبل أن تلتقط هند أنفاسها لتشرح، تقدم مُرة بجواده ووقف بيني وبين الشيخ، حاجباً الرؤية، وصوته يجلجل بغضب مفتعل ببراعة شيطانية.

مُرة: حمداً لله على سلامتك يا ابنة أخي! لكن احذر يا أوس.. هذا الكلب الذي يقف أمامك هو من خطفها!

حارث: (يتقدم خطوة بجرأة) كذبت ورب الكعبة! بل أنت من استأجرت المرتزقة، وأنت من ذبحت الناقة، وأنت من قتلت عمير لتدفن سرك!

ساد هرج ومرج في الصفوف.. الاتهام كان أثقل من أن تستوعبه العقول.

أوس: (بصوت هادر) اصمتوا جميعاً! حارث.. ماذا تقول؟ دمي (يقصد مُرة) يقتل دمي (يقصد هند)؟

هند: (تبتعد عن والدها وتصرخ) إنه صادق يا أبي! حارث أنقذني من حفرة الموت التي رماني فيها رجال عمي! عمير اعترف قبل موته، وذو الندبة أخبرنا بكل شيء قبل أن يحاول حرقنا أحياء!

نظر أوس إلى أخيه مُرة نظرة تساؤل مرعبة.. بدأت الأرض تميد تحت أقدام الخائن.. لكن مُرة لم يكن غبياً.. كان يعلم أن الدليل المادي الوحيد قد مات (عمير)، وأن القلادة المزيفة والناقة الموسومة كلها أدلة ضده، لكنه يملك سلاحاً أقوى: الشك و الشرف.

ضحك مُرة ضحكة هستيرية، ونزل عن جواده، ورمى خوذته على الأرض.

مُرة: أهذا جزائي يا أوس؟ أحشد الرجال وأجهز الجيوش لأثأر لعرضك، فيأتي هذا الصعلوك المتشرد ليتهمين؟ انظر لابنتك يا أخي.. انظر إلى عينيها!

اقترب مُرة من هند وأمسك بكتفها بعنف، فنفضته عنها.

مُرة: إنها مسحورة! ألا ترون؟ هذا القصاص المشعوذ أخذها للصحراء، ولا نعلم ماذا فعل بها هناك، وبماذا سقاها لتنطق بهذا الهراء وتكره أهلها! لقد غسل عقلها ليغطي على جريمته... هل تصدق صعلوكاً وتكذب عضيدك وأخاك؟

بدأ الشك يتسرب لقلب الشيخ أوس.. كلام مُرة يعزف على وتر حساس: شرف الفتاة، والسحر، ورابطة الدم.

نظر الشيخ لهند، ثم لي، ويده ترتعش على مقبض سيفه.

حارث: يا شيخ أوس، لا تدع لسان الأفعى يلدغ عقلك.. انظر إلى حذائه!

تسمر الجميع.

حارث: انظروا إلى نعل مُرة.. إنه نعل رومي، بنقشة غريبة في الأسفل.. نفس النقشة التي وجدتها عند مكان اختطاف الناقة.. وطأت قدمه هناك وهو يشرف على العملية.. طابق الأثر بقدمه الآن وسترى الحقيقة!

شحب وجه مُرة مجدداً، ونظر لقدميه برعب لا إرادي.. كانت ضربة موفقة مني..

الشيخ أوس لاحظ تلك النظرة، ولاحظ الطين الأحمر العالق بحذاء أخيه، طين لا يوجد إلا في وادي الجماجم حيث وجدنا الناقة.

أوس: (بهدوء ما قبل العاصفة) ارفع قدمك يا مُرة.

مُرة: أوس.. هل جننت؟ تشك في أخيك لأجل حذاء؟

أوس: (يصرخ ويسحب سيفه) قلت ارفع قدمك!

أدرك مُرة أن اللعبة انتهت.. القناع سقط.. لم يعد هناك مجال للكلام.

تغيرت ملامح مُرة جذرياً.. اختفى قناع الأخ الحنون، وظهر وجه الطاغية المتعطش للسلطة.. تراجع للخلف خطوتين، وصفّر صفارة حادة تشبه تلك التي سمعناها في الصحراء.

فجأة، استدار مئة فارس من ميسرة الجيش -الذين كانوا يوالون مُرة سراً- ووجهوا رماحهم نحو قلب الجيش، نحو الشيخ أوس وابنته!

مُرة: (بصوت فحيح) أردتها حرباً مع الغساسنة لتموت فيها بطلاً يا أوس، لكنك غبي.. أردت الحقيقة؟ ها هي الحقيقة.. زمنك ولى.. شيبان تحتاج لقائد قوي، لا لشيخ عاطفي يبكي على ناقة وفتاة.

حارث: احموا الشيخ!

اندفعتُ ووقفتُ أمام هند والشيخ أوس شاهراً سيفي المتواضع، بينما التف الحراس المخلصون حولنا.. انقسم الجيش في لحظة واحدة إلى معسكرين: معسكر الأغلبية المصدومة، ومعسكر الخونة المستعدين.

مُرة: (يشير بسيفه نحوي ونحو الشيخ) اقتلوهم جميعاً! من يأتي برأس أوس له ألف دينار!

انطلقت السهام كالمطر من جانب رجال مُرة.. صرخت هند، ودفعتُ الشيخ أوس للأرض لأحميه.. سمعتُ صوت اختراق سهم للحم بجواري، وصوت أنّة مكتومة.

رفعت رأسي وسط الغبار والفوضى، لأرى الشيخ أوس يمسك بكتفه، والدم يتدفق من بين أصابعه بغزارة، بينما مُرة يتقدم نحونا محاطاً بفرسانه، والابتسامة تعلو وجهه، رافعاً سيفه ليجهز على أخيه الجريح.

مُرة: وداعاً يا أخي.

لم يكن الزمن يقاس بالدقائق في تلك اللحظة، بل بضربات القلب المتسارعة.. نزل سيف مُرة باحثاً عن عنق أخيه الجريح، وكأنه نسر ينقض على فريسة عاجزة.. لم أفكر، ولم أخطط.. تركت غريزة البقاء وغريزة الحماية تقودان جسدي.

قفزت فوق جسد الشيخ أوس، ورفعت سيفي المتهالك لأتلقى الضربة.

دوى صوت احتكاك الحديد بالحديد، صوت صمّ الآذان وأرسل شرراً تطاير أمام عيني.. كانت ضربة مُرة ثقيلة، مشحونة بحقد سنين، جعلت ذراعي تتخدر وتكاد عظامي تتحطم.. تراجعتُ خطوة للوراء، وأنا ألهث، وسيفي يرتجف في يدي.

مُرة: (يضحك باستهزاء) هل تظن أن سيفك الصدئ سيحميه مني؟ أنت مجرد حشرة في طريق الطوفان.

حارث: الطوفان يجرف الجثث العفنة، وأنت يا مُرة جثة تمشي على قدمين.. خيانتك فاحت رائحتها، وقبيلتك لن تتبع قاتل أخيه.

نظر مُرة حوله بسرعة.. لاحظ أن الكثير من جنود بني شيبان توقفوا عن القتال، وبدأوا ينظرون إليه بريبة.

قتل الأخ لأخيه معرة لا يغسلها الزمن عند العرب.. أدرك مُرة أنه يجب أن ينهي الأمر فوراً، وبيده هو، ليفرض سلطته بالأمر الواقع.

مُرة: (يصرخ في رجاله) ماذا تنتظرون؟ اقتلوه!

لكن قبل أن يتحرك أحد، صرخت هند بصوت جهوري ورثته عن أبيها، وهي تقف شامخة فوق رأس والدها الجريح، ممسكة بخنجره الملطخ بدمه.

هند: من يقترب من شيخكم فهو خائن! ومن يقتل مُرة فله حكم القبيلة ونصف إبلي! هذا الرجل باعكم للغساسنة!

كلماتها كانت كالسحر.. توقف المرتزقة، وتردد الخونة.. في تلك اللحظة الحاسمة، عرف مُرة أنه وحيد.. وحيد مع سيفه وحقده.

مُرة: فليكن.. سأقتلكم جميعاً بيدي.

اندفع مُرة نحوي بجنون الثور الهائج.. لم يكن يقاتل بمهارة الفرسان، بل بشراسة القتلة.. الضربة الأولى أخطأت رأسي بسنتيمترات، والضربة الثانية شقت قميصي وجرحت صدري جرحاً سطحياً حارقاً.

كنت أعلم أنني لا أستطيع مجاراته في القوة الجسدية، ولا في جودة السلاح.. سيفه الهندي يقطع الصخر، وسيفي بالكاد يقطع اللحم.. كان عليّ أن أستخدم سلاحي الوحيد: الصحراء.

تراجعتُ للخلف متعمداً، أستدرجه نحو بقعة رملية ناعمة غرزة لاحظتها أثناء ركضنا.

حارث: اقترب يا قاتل.. اقترب وخذ ثأرك.

مُرة: (يلهث من الغضب) سأشرب من دمك!

هجم مرة أخرى، ورفع سيفه بكلتا يديه ليهوي بضربة قاضية تشقني نصفين.. هذه هي اللحظة التي انتظرتها.. اللحظة التي ينسى فيها المقاتل توازنه من فرط الثقة.

بدلاً من الصد، رميتُ بنفسي على الأرض وانزلقتُ بين قدميه، وضربتُ بكعب قدمي بقوة على ركبته المصابة (تلك الركبة التي رأيته يعرج منها خفيفاً حين نزل عن حصانه أول مرة - تفصيلة صغيرة لقصاص أثر).

سمعت صوت طقطقة العظام، وصرخة ألم مدوية.

اختل توازنه، وغاصت قدمه الأخرى في الرمل الناعم الذي استدرجته إليه.

نهضتُ بسرعة البرق، وقبل أن يستدير، ركلتُ معصم يده، فطار سيفه بعيداً.

وقفنا وجهاً لوجه.. هو أعزل، وأنا بسيف.. لكن مُرة لم يستسلم.. سحب خنجراً مخفياً وانقض عليّ ليطعنني في عنقي.

أمسكتُ بيده، وسقطنا معاً نتدحرج على الرمال، الغبار يغطينا، واللعنات تخرج من أفواهنا.

كانت يده تقترب من حلقي، ورأيت بريق الانتصار في عينيه.. كان أقوى مني، وبدأ نفسي ينقطع.

وفجأة..

تذكرتُ الخيط.. خيط الصوف الذي وجدته في موقع الجريمة ولا زلت أحتفظ به ملفوفاً حول معصمي.

بحركة يائسة، لففت الخيط السميك حول عنقه من الخلف، وشددت بكل ما أوتيت من قوة.

جحظت عيناه، وبدأ يضرب الأرض بيديه.. لم أكن أخنقه فقط، بل كنت أسحب رأسه للخلف بعيداً عني.

استغليتُ ارتباكه، وسحبتُ خنجره من يده، وغرسته في كتفه لأشله عن الحركة.

صرخ صرخة أخيرة، ثم تهاوى جسده بجانبي، يلهث ولا يقوى على الحراك.

حارث: (ينهض بصعوبة ويمسح الدم عن فمه) انتهت اللعبة يا مُرة.

عم السكون ساحة المعركة.. الغبار بدأ ينجلي، والشمس سطعت لتكشف الحقيقة.. الشيخ أوس، الذي تحامل على نفسه ونهض بمساعدة هند، سار بخطوات ثقيلة نحو أخيه الملقى على الأرض.

نظر أوس إلى أخيه نظرة انكسار لا نظرة تشفي.. الخيانة طعنة لا تقتل الجسد، بل تقتل الروح.

أوس: كنت سأعطيك روحي لو طلبتها يا أخي.. لكنك طلبت هلاك قومك.

أشار أوس لحراسه المخلصين.

أوس: قيدوه.. واربطوه على جمل، وسوقوه إلى حدود الغساسنة.. فليذهب إلى أسياده الذين باعنا لهم.. هذا عقابه.. أن يعيش ذليلاً غريباً، بلا قبيلة ولا اسم.

سحب الحراس مُرة الذي كان يجر قدميه في صمت، وعيناه مكسورتان في الأرض.. الموت كان أرحم له من النفي، فالمنفي في الصحراء ميت يمشي.

مرت ثلاثة أيام.. كانت مضارب بني شيبان تضج بالحياة من جديد، لكنها حياة مختلفة.. الجرحى يتعافون، والشيوخ يعيدون ترتيب التحالفات، واسم حارث بات يتردد في كل مجلس، من خيمة العبيد إلى مجلس الشيخ.

وقفتُ أمام ناقتي شهباء التي استعدتها، أشد عليها الرحل.. حقيبتي مملوءة بالماء والتمر، وسيفي الجديد -هدية من الشيخ- معلق في جانبي.

خرجت هند من خيمة أبيها.. لم تكن ترتدي الحرير والمجوهرات، بل ثوباً بسيطاً، ووجهها يشع قوة جديدة.

مشت نحوي بخطوات ثابتة.

هند: هل ترحل دون وداع؟

حارث: الوداع للأحباب يا ابنة الكرام، وأنا عابر سبيل.. مهمتي انتهت، والناقة عادت (رغم أنها ذبحت، إلا أن شرف القبيلة عاد)، والحق ظهر.

هند: أبي يريد أن يجعلك قائد حرس القبيلة.. سيعطيك ذهباً، وخيلاً، ومقاماً لا يحلم به أحد.. لماذا ترفض؟

نظرتُ إلى الأفق الممتد، حيث تلتقي الرمال بالسماء.

حارث: القصور تخنقني يا هند.. والمقام يفسد الرجال كما أفسد عمك.. أنا رجل أدين بالولاء للريح وللأثر.. إذا بقيت هنا، سأتحول إلى تمثال يزين مجلسكم.. وأنا.. أنا خلقت لأتحرك.

ابتسمت هند، ابتسامة فيها فهم واحترام عميق.. أخرجت من كمها شيئاً صغيراً.

هند: خذ هذا.. ليس ذهباً، ولا مالاً.

مدت يدها، فإذا هي القلادة التي وجدتها أنا في بقعة الدم المزيفة.. لقد أصلحتها.

هند: لكي تتذكر أنك مررت من هنا، وأنك تركت أثراً في قلوبنا لا تمحوه الرياح، كما تقرأ أنت أثرنا في الرمال.

أخذت القلادة وعلقتها في عنق الناقة.

حارث: سأتذكر.. ولن أنسى أن في بني شيبان فارسة بقلب مائة رجل.

صعدتُ على ظهر شهباء.. نظرتُ نحو خيمة الشيخ، رأيت أوس يقف عند المدخل، يرفع يده بالتحية الصامتة.

رددت التحية بمثلها.

لكزتُ ناقتي، فانطلقت تتهادى بي نحو الصحراء المفتوحة.

لم أكن أحمل ذهباً، ولا جاهاً.. كنت أحمل جروحاً ستلتئم، وذكريات لن تموت، وقصة غريبة عن ثأر وخيانة وناقة ملعونة، سأحكيها للنجوم في ليالي السفر الطويلة.

الشمس كانت تغرب أمامي، ترسم طريقاً من الذهب الأحمر على الرمال.. وضعت لثامي على وجهي، وعدتُ كما كنت.. حارث، الغريب الذي يقرأ ما لا يراه الآخرون، ويختفي قبل أن يرتد إليك طرفك.

تمت
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.