تخيل (حينما يخونك شريان الحياة)
حينما يخونك شريان الحياة
تخيل ليست حكاية عن شخص آخر، وليست عالمًا نراقبه من بعيد. هي تجربة ذهنية موجهة لك أنت.
تخيل... إنك صحيت من النوم في وقت متأخر، الدنيا ليل وسكون تام حواليك، مفيش أي صوت غير صوت أنفاسك وصوت المروحة اللي بتلف بملل فوقك.
حلقك ناشف، لسانك لازق في سقف حلقك، وجسمك كله بيصرخ برسالة واحدة بس: عطشان.
شعور طبيعي جداً، بيحصل لأي حد فينا كل يوم، بتقوم من السرير بكسل، رجلك بتلمس الأرض الساقعة، وبتمشي في الطرقة الضلمة وأنت عارف طريق المطبخ عن ظهر قلب مش محتاج حتى تنور النور.
بتوصل التلاجة، بتفتح الباب، والنور الهادي بيخرج منها مع شوية برودة بتنعشك.
عينك بتقع على إزازة المية المشبرة، قطرات الندى متجمعة عليها من برة، شكلها لوحده يروي العطش.
بتمد إيدك، بتمسك الإزازة، بتحس ببرودتها في كف إيدك، بترفعها لبقك بلهفة، وبتشرب.
وهنا.. العالم بيقف.
المفروض إن المية تنزل ترويك، تنزل باردة وتغسل جفاف حلقك، لكن اللي بيحصل المرة دي حاجة تانية خالص.
أول ما السائل ده بيلمس لسانك، مش بتحس بالارتواء.. بتحس بصدمة.
الطعم مش طعم مية.
الطعم غريب، معدني، تقيل، وفيه لسعة حرقان خفيفة بتدب في طرف لسانك كأنك حطيت عليه حجر بطارية قديم.
بتبعد الإزازة عن بقك بسرعة، وعينك بتوسع بذهول.
بتبص للإزازة في إيدك، شكلها طبيعي، المية جواها صافية وشفافة زي الكريستال، مفيش فيها أي لون غريب ولا شوائب.
بتقربها من مناخيرك وتشم.. مفيش ريحة.
طيب إيه اللي حصل ده؟ يمكن بقك كان مغير طعم من النوم؟ يمكن واكل حاجة مالحة قبل ما تنام وهي اللي مخلية طعم بقك كده؟
بتحاول تكدب إحساسك.
بتقول لنفسك أكيد أنا بتهيألي، دي مية معدنية ومعبأة، يعني أمان، إيه اللي هيخليها تبقى وحشة؟
بترجع ترفع الإزازة تاني، وبتحاول تاخد بوق صغير المرة دي، بحذر، كأنك بتدوق دوا مُر.
السائل بيدخل بقك تاني، والمرة دي الإحساس بيبقى أوضح وأعنف.
الحرقان مش بس في اللسان، ده نزل لجوفك، لسعة حامية زي ما تكون شربت مية نار مخففة، طعم مرارة بيقبض القلب، وشعور بالغثيان بيضرب معدتك فوراً.
بتجري على الحوض وتتف اللي في بقك كله.
بتكح جامد، صدرك بيحرقك، وعينك بتدمع من شدة الكحة.
بتفتح الحنفية بسرعة عشان تتمضمض وتغسل الطعم المرعب ده من بقك.
صوت اندفاع المية من الحنفية بيملا المطبخ، بتمد إيدك تحت المية الجارية، شكلها عادي، ملمسها رطب، بتغسل وشك وبقك بسرعة.
بس أول ما مية الحنفية بتلمس شفايفك، بتصرخ من الوجع.
دي مش مية.. دي نار سايلة.
وشك بيلتهب، الجلد بيحمر فوراً كأنك كبيت عليه زيت مغلي.
بتبعد عن الحوض وبترجع بضهرك لورا وأنت بتمسح وشك بياقة التيشيرت بتاعك بجنون، قلبك بيدق بعنف كأنه هيكسر ضلوعك ويخرج.
إيه اللي بيحصل؟ الحنفية بايظة؟ المواسير فيها مشكلة؟ ولا التلاجة هي اللي فيها حاجة غلط؟
بتقف في نص المطبخ، بتنهج، وبتبص لحنفية المطبخ اللي لسه مفتوحة، والمية نازلة منها بمنتهى البراءة والهدوء، صوت خرير المية اللي كان طول عمره رمز للراحة والأمان، دلوقتي صوته بقى مرعب، صوته بقى شبه فحيح تعبان بيستعد للهجوم.
بتقفل الحنفية بضهر إيدك وأنت خايف تلمسها تاني، وبتحس برعشة بتسري في جسمك كله.
بتروح تجري على الحمام، بتفتح حنفية الحوض هناك، بتفتح الدش، بتنزل السيفون، بتجرب كل مصدر للمية في شقتك.
النتيجة واحدة.
ريحة بدأت تظهر، ريحة تشبه ريحة الكبريت المحروق مخلوطة بريحة عفونة مكتومة، ريحة بتخنق وتخليك مش قادر تتنفس.
دماغك بتبدأ تلف وتعمل سيناريوهات.
أكيد الخزان اللي فوق العمارة فيه مشكلة، أكيد حد رمى فيه حاجة، أو يمكن المواسير العمومية بتاعة المنطقة ضربت واختلطت بمجاري أو مواد كيماوية.
بتحاول تطمن نفسك إنها مشكلة مؤقتة، مشكلة سباكة، مشكلة محلية هتنتهي بمكالمة تليفون لشركة المية أو السباك.
بتمسك تليفونك، الساعة لسه 3 الفجر.
بتفتح فيسبوك عشان تشوف لو حد من الجيران كاتب حاجة على جروب المنطقة. بتعمل ريفرش للصفحة.. وهنا الصدمة الحقيقية بتضربك في مقتل.
الـ تايم لاين كله مقلوب.
مش بس جروب منطقتك.. ده مصر كلها.. لا، ده العالم كله.
بوستات نازلة ورا بعض زي المطر: محدش يشرب من الحنفية!
المية بتكويني، الحقونا!
النيل لونه اتغير، السمك طافي على الوش!
بنتي شربت ومبقتش بتنطق، الإسعاف مش بترد!
فيديوهات لايف لناس بتصرخ في الشوارع، ناس بتصور البحر وهو بيطلع أبخرة صفرا بتخنق اللي يقف قدامها.
صور لناس وشوشها محروقة وآثار تقرحات مرعبة حوالين بقهم.
الأخبار العاجلة بتملا الشاشة، قنوات الأخبار العالمية قاطعة الإرسال وجايبة مذيعين وشوشهم مخطوفة ومرعوبين وهما بيقروا الخبر اللي مفيش عقل بشري قادر يستوعبه: تحذير عالمي: مصادر المياه العذبة والمالحة حول العالم تعرضت لتغير كيميائي مجهول المصدر.
المياه أصبحت غير صالحة للاستخدام الآدمي.
المياه أصبحت سامة.
نكرر.. المياه أصبحت سامة.
التليفون بيقع من إيدك على الأرض.
بتبص حواليك في الشقة اللي كانت من دقايق بس هي ملاذك الآمن، وفجأة بتتحول لسجن.
كل حاجة في حياتك معتمدة على المية.
الإزازة اللي لسه مفتوحة على الرخامة، الكاتل اللي فيه مية مغلية عشان الشاي، الغسالة، الحمام، حتى الزرعة الصغيرة اللي في البلكونة اللي كنت بتسقيها بحب.
بتحس إن حلقك نشف أكتر، بس المرة دي مش من العطش الطبيعي، المرة دي من الرعب.
العطش النفسي بدأ يشتغل.
بمجرد ما عقلك استوعب فكرة ممنوع الشرب، جسمك قرر يعاندك ويطلب مية أكتر.
ريقك بيجف تماماً، وبتبدأ تحس إن لسانك بقى خشبة.
بتقرب من الشباك وبتبص على الشارع.
الناس بدأت تنزل، أصوات سارينات عربيات الشرطة والإسعاف بتخرم ودنك.
الناس بتجري بهستيريا، اللي شايل كراتين مية معدنية وفاكر إنه كده نِجي، واللي بيصرخ وبيحاول يكسر مواسير الحريق في الشارع فاكر إن مية الحريق ممكن تكون سليمة.
بتشوف بعينك راجل بيفتح طفاية حريق وبيرش المية على وشه من الحر، وفجأة بيقع على الأرض وهو بيصرخ وماسك وشه والجلد بيسيح من عليه كأنه كب على نفسه مية نار مركزة.
المشهد تحت مرعب، فوضى عارمة.
بترجع لورا وتبعد عن الشباك، بتقفل الإزاز والستارة كأنك بتحاول تحمي نفسك من الحقيقة اللي برة.
بتقعد على طرف الكنبة، وبتبص لإزازة المية المعدنية اللي كنت فاكرها أمان.
بتكتشف إن المية اللي جواها بدأت تتعكر لوحدها، لونها بيغمق ببطء، وكأن السم بياكل في تكوينها الجزيئي وبيدمر نقاءها.
أنت دلوقتي محبوس.
محبوس مع عدو ملوش شكل ولا صوت، عدو كان لحد من دقايق هو سر حياتك، ودلوقتي بقى هو الموت نفسه.
بتفتكر أخر كوباية مية شربتها قبل ما تنام امبارح، كنت بتشربها بسرعة وبإهمال، مكنتش مستطعمها حتى، رميت نصها في الحوض عشان مكنتش ساقعة كفاية.
ياه.. ياريتك كنت شربتها كلها، يا ريتك كنت خزنتها جواك، يا ريتك كنت عرفت قيمتها.
الساعة بتدقت، وكل دقيقة بتعدي العطش بيزيد، والخوف بيزيد.
مفيش مية في الحنفيات، مفيش مية في الإزايز، مفيش مية في أي مكان.
الأخبار بتقول إن حتى المطر اللي بينزل في أوروبا دلوقتي بينزل ومعه حروق وتشوهات للبشر.
السماء نفسها بقت بتمطر سم.
بتحط إيدك على رقبتك، بتحاول تبلع ريقك بس مفيش ريق تبلعه.
عقلك بيبدأ يصورلك إنك بتموت، إنك هتنشف وتتحول لمومياء.
صوت جواك بيصرخ: أنا عايز مية.. أي مية.
بتبص للأحواض، للبانيو، للسيفون.. كل مصادر المية في بيتك بقت عبارة عن فخاخ موت منصوبة ليك.
بتفهم دلوقتي إن الخطر مش جاي من وباء في الهواء، ولا من فيروس، ولا من حرب نووية.
الخطر جاي من أبسط حقوقك، من الحاجة اللي جسمك متكون منها بنسبة سبعين في المية.
أنت بتتحارب من جواك ومن براك.
العالم قرر يطردك منه، قرر يمنع عنك سبب البقاء.
وفجأة النور بيقطع.
الظلام بيكمل المشهد.
بتقعد في الضلمة، سامع صوت صريخ الناس في الشارع، وسامع صوت دقات قلبك اللي بتضعف، وصوت معدتك اللي بتنقبض.
وفدماغك فكرة واحدة بس مسيطرة على كل كيانك، فكرة مرعبة بتخلي شعر راسك يقف:
أنا هعمل إيه لما العطش الحقيقي يبدأ؟.. أنا هستحمل قد إيه قبل ما أضعف وأشرب من السم ده بإرادتي؟
الضلمة بقت حليفك الوحيد وعدوك في نفس الوقت.
بتقعد على الأرض، ضهرك مسنود على باب الشقة، ورجلك مفرودة قدامك، بتحاول تثبت جسمك عشان تمنع الرعشة اللي مسكت في عضلاتك.
الوقت بيعدي ببطء قاتل، كل ثانية بتمر كأنها ساعة.
عقلك لسه شغال بيحلل المصيبة، لكن جسمك بدأ يدخل في مرحلة الإنكار، وبعدها مرحلة الغضب.
لسانك بيبدأ يلزق في سقف حلقك بجد المرة دي.
مش مجرد نشفان عادي، لا.. ده إحساس إن الأغشية المخاطية في بقك بتتحول لصنفرة خشنة.
بتحاول تجمع ريقك، بتحاول تلاقي أي نقطة لعاب ترطب بيها حلقك، بس الغدد اللعابية عندك كأنها أعلنت الإضراب.
مفيش ريق تبلعه أصلاً.
بتحس بصوت تكة خفيفة في زورك كل ما تحاول تبلع، كأن في مسمار صغير بيتحرك جوه.
بتحاول تقوم تتمشى في الصالة عشان تلهي نفسك، بس رجلك تقيلة.
بتمشي وتخبط في الكراسي من الضلمة.
بتوصل للبلكونة، وبتحاول تفتح الشيش بشويش عشان تشوف الدنيا برة بقت عاملة إزاي مع طلوع الفجر.
أول شعاع شمس بيدخل عينك مش بيكون زي كل يوم.
الشمس النهاردة مش طالعة تنور، الشمس طالعة تحرق.
الضوء لونه مصفر، باهت ومريض.
بتبص على الزرعة اللي في زاوية البلكونة.. الريحانة اللي كنت بترويها كل يوم وبتحب ريحتها.
بتلاقيها ماتت.
مش دبلت، لا.. دي نشفت تماماً في ساعات قليلة.
ورقها بقى لونه رمادي غامق، وأول ما شوية هوا خفاف لمسوها، الورق اتفتفت ووقع على الأرض.
التربة الطينية اللي في القصيصة اتشقت، وبقت عاملة زي أرض صحراوية مهجورة بقالها سنين.
الهوا نفسه ريحته اتغيرت.
بتشم نفس عميق، فبتحس إنك بتستنشق غبار وسخونة.
الرطوبة اختفت من الجو.
الرطوبة اللي كانت بتخلي التنفس سهل، دلوقتي راحت، وبقى كل نفس بتاخده بيجرح صدرك وبيسرق منك أخر ذرات مية باقية في جسمك.
بترجع تدخل جوا وتقفل البلكونة بسرعة عشان تحافظ على برودة الشقة، بس الحرارة بتزيد.
جسمك بيبدأ يعرق، وهنا بتترعب.
العرق ده مية.. مية بتخرج من جسمك ومش هتعرف تعوضها.
بتمسح جبهتك بكم القميص وعايز تصرخ في مسام جلدك وتقولها اقفي!
متضيعيش المية اللي حيلتنا!.
الساعة بتيجي 10 الصبح، والعطش بيبدأ يتحول لكائن حي جواك.
مبقاش مجرد إحساس، بقى صوت.
صوت عالي في دماغك بيلغي كل الأصوات التانية.
صوت بيقولك: قوم اشرب.
بترد عليه: المية سم.. هموت لو شربت.
الصوت بيعلى: مش مهم.. المهم نروي النار دي.. جرب بس بوق واحد.. يمكن المية اللي في السيفون لسه سليمة.. يمكن التلج اللي في الفريزر لسه ممتصش السم.
بتقوم زي المسحور، بتفتح الفريزر اللي بدأ يسيح عشان الكهرباء قاطعة.
بتشوف مكعبات التلج وهي بتنقط مية في طبق بلاستيك.
شكل النقطة وهي بتقع بيعملك تنويم مغناطيسي.
بتمد صباعك، وبتقربه من المية المتجمعة.
عقلك بيصرخ لا!، بس إيدك بتتحرك لوحدها.
العطش لغى المنطق، لغى الخوف من الموت، وخلى الأولوية الوحيدة هي البلل.
بتحط نقطة صغيرة على طرف لسانك.
النار بتلسعك تاني.
بتجري تتفها، بس المرة دي مفيش مية تمضمض بيها.
بتفضل تتف هوا، وتمسح لسانك في قماشة ناشفة لحد ما بتنجرح.
بتكتشف إن السم بقى أسرع، وبقى مركز أكتر.
المية مبقتش بس بتكوي، دي بقت بتنخر في اللحم.
بتقع على ركبك قدام التلاجة المفتوحة، وبتبدأ تعيط.
حتى الدموع.. بتحس إن عينك ناشفة، الدموع بتنزل تقيلة وحامية، بتحرق خدك كأنها حمض.
بتمسح عينك بسرعة عشان توفر السوائل دي.
إنت وصلت لمرحلة إنك بقيت بخيل على نفسك بالبكا.
بتفتكر إن كان عندك كنزة بيبسي قديمة مركونة في ضرفة المطبخ بقالها شهر.
بتجري عليها زي المجنون، بتهد الضرفة وتوقع الحلل والمكرونة والأكياس في الأرض.
بتلاقيها.. كنزة معدنية باردة شوية.
بتمسكها كأنك ماسك سبيكة دهب.
بتفتحها بصوت تسسس اللي كان زمان عادي، ودلوقتي بقى صوت موسيقى سماوية.
بترفعها وبتبدأ تشرب بلهفة.
السائل المسكر بيدخل جوفك.
في الأول بتحس بانتصار، طعم السكر والصودا بيغطي على طعم العطش.
بتشرب الكنزة كلها في ثواني، بتعصرها بإيدك عشان تنزل أخر نقطة.
بترميها على الأرض وبتتنفس بصوت عالي، وبتحس بنشوة مؤقتة.
بس الفرحة مابتكملش عشر دقايق.
السكر اللي في المشروب الغازي بيخليك تعطش أكتر.
جسمك بيطلب مية عشان يهضم السكر ده.
العطش بيرجع أشرس من الأول بمرتين.
وكمان.. بطنك بتبدأ توجعك.
هي المصانع اللي عبوا البيبسي ده، عبوه بمية شكلها إيه؟ هل المية كانت ملوثة وقتها؟ ولا التفاعل الكيميائي وصل حتى للمعلبات المقفولة؟
بيمسكك مغص فظيع، بتتكور على نفسك في الأرض.
الألم بيعصر أمعائك.
بتكتشف إن مفيش مفر.
أي سائل أصله مية بقى عدو.
العصاير، المشروبات الغازية، حتى اللبن.. البقرة اللي شربت مية مسمومة وحلبت لبن، اللبن ده كمان بقى سم.
السلسلة الغذائية كلها اضربت في مقتل.
بتحاول تشغل الراديو الصغير اللي ببطارية عشان تفهم إيه اللي بيحصل في العالم، وليه محدش أنقذك لحد دلوقتي.
بتسمع محطة محلية مشوشة، المذيع صوته رايح، بيكح كل كلمتين، وبيقول كلام يخلي شعر راسك يشيب: السدود بتنهار.. الأنهار بتجف بمعدل غير مسبوق.. العلماء بيقولوا إن التركيب الكيميائي للمية اتغير وبقى طارد للجاذبية.. المية بتتبخر وتطلع للفضاء.. الغلاف الجوي بيفقد بخار المية.. الأرض بتنشف يا جماعة.. الأرض بتموت.
بتتخيل المشهد.. المحيطات اللي بتمثل تلات تربع الكوكب، بتتحول لبخار سام وبتسيب مكانها صحاري ملح لا نهائية.
السفن بتغرز في القاع، الحيتان والأسماك بتموت وتتعفن وتطلع ريحة موت تغطي الكوكب كله.
العالم اللي كنت عارفه، العالم الأزرق الجميل، بيتحول لكورة تراب بنية ميتة.
بتقوم تتحرك تاني، مش قادر تقعد مكانك.
بتبص من الشباك تاني.
الشارع تحت بقى ساحة حرب.
مش حرب جيوش، حرب بقاء.
الناس بتكسر محلات السوبر ماركت، مش عشان يسرقوا فلوس ولا أجهزة، عشان يسرقوا أي حاجة فيها سوائل.
شايف خناقة دموية بين تلاتة رجالة على برطمان مخلل، متخيل؟ بيضربوا بعض بحديدة عشان يشربوا مية المخلل المالحة اللي ممكن تموتهم أسرع، بس عقلهم خلاص لغى التفكير.
وشايف واحدة ست قاعدة على الرصيف، ماسكة ابنها الصغير اللي قاطع النفس، ومش بتتحرك.
وشها ناشف ومشقوق، وعينها بتبص للفراغ بجمود مرعب.
الناس بتعدي من جنبها ومحدش بيبصلها.
الرحمة ماتت مع المية.
الأخلاق نشفت زي ما الحلوق نشفت.
كل واحد بيقول نفسي، وكل واحد شايف التاني مجرد منافس على أخر نقطة رطوبة في الكون.
بترجع تبص لنفسك في المراية اللي في الطرقة.
شكلك اتغير في أقل من 12 ساعة.
شفايفك ابيضت واتشقت، جلد وشك بقى باهت ومشدود على عضمك، وعينك دخلت لجوه وحواليها هالات سودا تقيلة.
شكلك كبرت عشر سنين في ليلة واحدة.
بتبدأ تحس بهلاوس سمعية.
سامع صوت مية بتنقط في الحمام.
بتجري بلهفة، بتدخل الحمام، بتلاقيه ناشف تماماً.
الحنفية بتلمع بجفاف مستفز.
بتبص في البانيو، بتلاقيه مليان تراب.
عقلك بيلعب بيك.
بيسمعك الصوت اللي إنت هتموت وتسمعه عشان يجننك.
بترجع الصالة، وبتقعد تفرك في إيدك.
جلد إيدك خشن، وصوت احتكاك الجلد ببعضه بقى عالي ومزعج، زي صوت ورق صنفرة.
بتبص لضوافرك بتلاقيها زرقا.
الدم بدأ يتقل في عروقك، لزوجته بتزيد لإن مفيش مية تمشيه.
قلبك بيضخ بصعوبة، كل دقة بقت حمل تقيل على صدرك.
بتحس إنك محتاج تعمل حمام، بس بتدخل الحمام وتكتشف إن مفيش حاجة بتنزل.
كليتك وقفت عن الشغل، بتحافظ على كل قطرة مية جواك.
جسمك بدأ ياكل نفسه، بيسحب المية من الخلايا، من العضلات، عشان يودي للمخ والقلب.
إنت بتتحلل وإنت حي.
وفجأة، بتسمع خبط قوي على باب شقتك.
خبط هستيري.
مش خبط ضيف ولا جار بيستأذن.
ده خبط حد عايز يهد الباب.
وصوت بيصرخ من برة، صوت أجش ومرعب: افتح! أنا عارف إن عندك مخزون.. أنا شفتك امبارح شاري كرتونة.. افتح يا إما هكسر الباب وأقتلك!
بتقف متسمر مكانك.
إنت ماعندكش مية أصلاً، الكرتونة اللي بيتكلم عليها دي كانت فاضية وكنت جايب فيها حاجات تانية، أو يمكن هو بيتهيأله.
بس هو مش هيصدق.
هو عطشان، والعطش خلاه وحش كاسر.
بتبص لباب الشقة الخشب الضعيف، وبتدرك إن الخطر مبقاش بس الموت من العطش.. الخطر بقى الموت من العطشانين.
بتروح تدور على أي حاجة تدافع بيها عن نفسك.
بتمسك سكينة المطبخ، إيدك بتترعش مش من الخوف بس، لكن من الضعف والجفاف.
بتقرب من الباب، وبتسمع صوت الخشب بيبدأ يطقطق تحت ضربات الراجل اللي برة.
في اللحظة دي، بتسأل نفسك سؤال عبثي جداً: لو هو دخل وقتلني.. هل دمي هيكون فيه مية كفاية ترويه؟
الفكرة نفسها بتخليك عايز ترجع، بس معدتك فاضية وناشفة.
الخبط بيزيد، والباب بيبدأ يتخلع من مفصلاته.
والعالم كله بينحصر في اللحظة دي: حلقك اللي بيولع نار، والباب اللي بيقع عليك، والوحش البشري اللي هيدخل عليك دلوقتي عشان يمص دمك بدال المية.
العالم مش بس نشف.. العالم انتهى، وبدأت شريعة الغابة.
الباب بيترزع في الأرض بصوت مكتوم، والغبار بيعبق المكان.
جارك عماد، الموظف المحترم اللي كان بيصبح عليك كل يوم بابتسامة خجولة، داخل عليك دلوقتي وعينه مبرقة، وشعره منكوش، وريحة العرق اللي طالعة منه تزكم الأنف.
ماسك في إيده مفتاح إنجليزي تقيل، وبيلهث زي الكلب المسعور.
أنت واقف بالسكينة، ركبك بتخبط في بعض، مش عارف لو هجم عليك هتقدر تدافع عن نفسك ولا هتقع من طولك.
هو بيبص حوالين الشقة بجنون، بيدور بعينه على أي إزازة، أي كولمن، أي حاجة بتلمع.
عينه بتقع على إزازة المية المعدنية اللي على الترابيزة.. اللي لونها بقى بني غامق ومعكر.
بيجري عليها ويرمي المفتاح من إيده.
بيمسك الإزازة وبيرفعها على بقه من غير ما يفكر.
أنت بتبص له ومش بتتحرك، لسانك تقيل مش قادر حتى تحذره، وجواك جزء شرير وشمتان بسكوت مستني النتيجة.
بياخد أول بوق.. والتاني.
وفجأة، بيبرق، بيسيب الإزازة تقع، وبيمسك رقبته بإيديه الاتنين.
بيخرج صوت حشرجة مرعب من زوره، كأن في إزاز مكسور بيتبلع.
بيقع على ركبته، وبعدين بيترمي على وشه، جسمه بيتشنج بعنف، رغوة بيضا مخضرة بتخرج من بقه، وعينه بتجحظ لبرة بدموية.
في أقل من دقيقة، عماد بيفارق الحياة قدام عينك.
مات وهو بيشرب، بس مش ارتواء، ده كان انتحار غريزي.
بتبص للجثة بجمود.
مش حاسس بحزن، ولا بخوف، ولا حتى بشفقة.
الشعور الوحيد اللي مسيطر عليك هو الحسرة.
مش عليه، لكن على بوق المية اللي ضاع في الأرض، حتى لو كان مسموم، كان سائل.. كان رطب.
بتقرر إن البقاء في الشقة بقى مستحيل.
ريحة الموت بدأت تفوح، والحر بقى لا يطاق.
لازم تنزل، لازم تدور، جايز تكون إشاعة، جايز فيه عربيات جيش بتوزع مية نضيفة في الميدان الكبير، جايز تلاقي سوبر ماركت لسه ماتنهبش.
بتلبس جزمتك من غير شراب عشان توفر أي ملمس قماش يمتص عرقك.
بتاخد شنطة ضهر، بتحط فيها السكينة، وكشاف، وأي معلبات تونة أو فول (رغم إنك عارف إن الأكل هيعطشك، بس الغريزة بتخليك تخزن).
بتنزل على السلم، بتعدي من جنب شقق جيرانك المفتوحة.
في كل دور فيه مأساة.
الدور التالت فيه صوت عياط مكتوم لأم بتحاول تصحي ابنها.
الدور الأول فيه ريحة حريق طالعة من مطبخ، حد ساب البوتاجاز والعطش خلاه ينسى الدنيا.
بتخرج للشارع.. الشمس فوقك كانت قرص أبيض بيغلي.
الأسفلت تحت رجلك طري من كتر السخونة، بيلزق في النعل.
العربيات راكنة بالعرض، مواتيرها مبطلة، وأصحابها يا إما ميتين جواها يا إما هربوا.
وأنت ماشي وسط الجحيم ده، عقلك بيهرب.
بيهرب للماضي.
فجأة، مبقتش شايف الشارع المكسر، بقيت شايف بحر اسكندرية.
بتفتكر أخر مصيف ليك.
بتغمض عينك لحظة وأنت ماشي وبتستحضر الذكرى بكل حواسك.
صوت الموج وهو بيتكسر على الشط.. *صوت موج*.
طعم المية المالحة لما كانت بتدخل بقك بالغلط وكنت بتضحك وتتفها.
ياه.. كنت بتعمل إيه؟ بتتفها؟ يا للكفر!
دلوقتي أنت مستعد تدفع عمرك كله عشان تشرب المية المالحة دي.
بتفتكر إحساسك وأنت خارج من البحر بردان، وبتروح للدش اللي على الشط.
المية الحلوة الساقعة وهي نازلة قوية فوق راسك، بتغسل الملح والرمل.
بتفتكر إحساس المية وهي بتجري على ضهرك، وهي بتمشي بين صوابع رجلك.
الذاكرة بتبقى حقيقية لدرجة إنك بتحس ببرودة وهمية على جلدك، وجسمك بيقشعر في عز الحر.
بتفتكر صوت مكعبات التلج وهي بترن في كوباية عصير قصب ساقعة.
الشفاط وهو بيسحب السائل البارد ويرفعه لحد لسانك.
الذكريات دي بتبقى عذاب.
هي الونيس وهي الجلاد.
بتخليك تتجنن، عايز ترجع بالزمن وتعيش جوه اللحظة دي وماتخرجش منها أبداً.
بتدرك إن أغلى ما تملك دلوقتي مش فلوسك في البنك، ولا شقتك، ولا موبايلك.. أغلى ما تملك هو ذكرى الارتواء.
بتفوق من ذكرياتك على صوت خناقة.
إنت وصلت الشارع الرئيسي.
الناس في الشارع مش بشر.
دول هياكل عظمية مكسية جلد ومتحركة.
الوشوش كلها شبه بعض؛ شفايف مشققة، عيون غايرة، ونظرة توهان.
شايف مجموعة ناس ملمومين حوالين كشك سجاير ومشروبات.
الكشك مكسر ومنهوب، بس هما بيحفروا في الأرض تحته، بيدوروا على أي إزازة تكون وقعت واستخبت تحت الأنقاض.
واحد بيلاقي علبة كانز مفعوصة ومقفولة.
العيون كلها بتبص له.
في ثانية، الهجوم بيحصل.
خمسة أو ستة بينقضوا عليه.
مفيش كلام، مفيش حرام، مفيش سيبوه.
فيه بس عض، وخربشة، وضرب.
الراجل بيقع، والعلبة بتطير، وتتخرم، والسائل اللي فيها بيسيل على الأسفلت.
المشهد اللي بعده هو اللي بيخليك تفهم إن الإنسانية انتهت: الناس دي، بدل ما تضرب بعض، نزلوا على ركبهم وبدأوا يلحسوا الأسفلت.
بيلحسوا التراب المبلول بالبيبسي.
لسانهم بيلمس الأرض القذرة عشان يمتصوا ولو مللي واحد من السكر والسائل.
أنت بتبص عليهم بقرف.. بس القرف ده بيختفي بعد ثانية، وبيحل محله حسد.
أيوة، أنت بتحسدهم.
هما لاقوا حاجة يبلوا بيها ريقهم.
رجلك بتتحرك خطوة ناحيتهم لا إرادياً، عايز تروح تزقهم وتحط وشك في الأرض زيهم.
بس كرامتك، أو اللي باقي منها، بتمنعك في اللحظة الأخيرة.
بتكمل مشي.
بتشوف واحدة ست ماشية شايلة طفل رضيع على كتفها.
الطفل ساكت تماماً، وراسه مدلدلة لورا.
أنت عارف إنه ميت، وهي عارفة إنه ميت، بس هي مكملة مشي بيه.
يمكن بتدور على مية تغسله بيها، أو يمكن فاكرة إنه نايم.
بتعدي من جنبها، وعينك بتيجي في عينها.
مفيش أي تعاطف في نظرتك ولا نظرتها.
أنتوا الاتنين بتنافسوا بعض على الأكسجين اللي في الجو.
لو معاها إزازة مية، أنت كنت ممكن تقتلها وتاخدها.
دي الحقيقة المرعبة اللي بتكتشفها عن نفسك.
أنت مش بطل، أنت كائن بيولوجي عايز يعيش وبس.
بتحس بدوخة، الشمس بتضرب في نافوخك.
بتسند على عربية مركونة.
العربية صاجها سخن جدا، بتحرق إيدك بس مش بتشيلها، الألم بيفوقك شوية.
بتبص قدامك، بتشوف مبنى مستشفى كبير في أخر الشارع.
المستشفى، أكيد فيها مخزون، محاليل، مية مقطرة، أي حاجة.
بتتحامل على نفسك وبتمشي ناحيتها.
بتشوف ناس تانية عندهم نفس الفكرة، ماشيين زي الزومبي ناحية المستشفى.
أول ما بتقرب، بتلاقي البوابة الحديدية مقفولة بسلاسل وجنازير.
وورا البوابة، واقف عساكر أمن مركزي، لابسين أقنعة واقية، وماسكين بنادق.
واحد من الناس، راجل عجوز بجلابية، بيقرب من البوابة وبيصرخ بصوت مبحوح: حرام عليكم.. بوق مية.. أحفادي بيموتوا.
العسكري اللي ورا البوابة مابيردش.
بيرفع البندقية وبيضرب طلقة في الهوا.
الصوت بيعمل صدى مرعب في الشارع الفاضي.
ممنوع الاقتراب! دي منطقة عزل! ارجعوا!
الراجل العجوز مابيرجعش، بيحاول يتسلق البوابة.
طلقة تانية بتطلع، بس المرة دي مش في الهوا.
الراجل بيقع مكانه، ودمه بيسيل على الأرض.
الدم.. أنت والناس اللي واقفين بتبصوا للدم اللي نازل من الراجل.
لونه أحمر قاني، سائل، ولامع.
فكرة شيطانية بتلمع في عيون الناس اللي حواليك.
نظراتهم لبعض بتتغير.
الدم ده فيه 80% مية.
الراجل مات خلاص.. دمه ده هدر.
بتبدأ تحس بالخطر الحقيقي.
الناس دي مش بيبصوا للجثة بس، دول بيبصوا لبعض.
بيبصوا لرقبتك، لعروق إيدك الظاهرة.
كل واحد فيهم بقى شايف التاني قربة مية ماشية على رجلين.
بترجع لورا ببطء، وعينك على الجموع اللي بدأت تقرب من الجثة زي الضباع.
مش عايز تشوف اللي هيحصل، ومش عايز تكون جزء منه، والأهم.. مش عايز تكون الضحية الجاية.
بتجري.. بتجري بكل طاقتك اللي باقية.
بتدخل في شوارع جانبية ضيقة، بتهرب من البشر أكتر ما بتهرب من الشمس.
بتوصل لمنطقة مهجورة، مخازن قديمة ومباني تحت الإنشاء.
بتقع على الأرض من التعب.
صدرك بيزيق، وقلبك هينط من مكانه.
بتقعد في ضل حيطة خرسانة، بتغمض عينك وتتمنى الموت يجي بسرعة.
بس فجأة.. بتسمع صوت.
صوت خرير.
صوت مية بتجري بجد.
بتفتح عينك، بتفتكر إنها تهيؤات زي كل مرة.
بس الصوت واضح، ومش جاي من دماغك، ده جاي من ورا سور مبنى قديم قدامك.
بتقوم تزحف ناحية الصوت، بتلاقي خرم في السور، بتبص منه.
بتشوف جنينة صغيرة جوه، في نصها نافورة قديمة.. والنافورة شغالة! مية صافية، بتلمع، وبتطرطش في الهوا.
ازاي؟ ومين مشغلها؟ وازاي المية دي مش ملوثة؟ ولا هي ملوثة وشكلها حلو بس؟ الأمل بيرجع يدب فيك، ومعاه شك قاتل.
ده الفخ الأخير.. يا إما نجاتك، يا إما نهايتك.
الغريزة بتزقك: ادخل.. حتى لو سم، موته أرحم من العطش.
والعقل بيقولك: مفيش جنة في الجحيم.. دي مصيدة.
وإنت.. إنت خلاص معدش عندك رفاهية الاختيار.
بتقرب من السور الأسمنتي العالي وأنت بتزحف.
صوت المية اللي ورا السور بقى هو الموسيقى الوحيدة اللي في الكون.
ده مش صوت هلاوس، ده صوت ارتطام مية بصخور، صوت حياة.
بتلاقي فجوة صغيرة في السور، يا دوب تدخل كلب، بس أنت من كتر ما جسمك خس ونشف، بقيت متأكد إنك هتعدي منها.
بتحشر جسمك في الفجوة.
الخرسانة الخشنة بتجرح ضهرك وبطنك، بس الألم مبقاش له معنى.
بتزق نفسك بكل عزم، بتسمع صوت قميصك بيتقطع، وجلدك بيتسلخ، بس بتكمل. ريحة الرطوبة اللي جاية من جوه بتسحبك زي المغناطيس.
أول ما راسك بتعدي الناحية التانية، بتشوف المنظر اللي بيوقف قلبك.
دي فيلا قديمة مهجورة، ومختفية وسط المباني العالية، عشان كده محدش واخد باله منها.
الجنينة اللي جوه كانت زمان جنة، شجر مانجة ولمون، وزهور، ونجيلة خضرا.
بس دلوقتي.. كل ده مات.
الشجر واقف أسود ومتفحم كأنه محروق، النجيلة بقت رماد أصفر.
السم اللي في الجو والتربة قتل كل حاجة.
إلا حاجة واحدة.
في نص الجنينة، نافورة حجرية قديمة على شكل زهرة لوتس.
المية بتخرج من قلب الزهرة، وبتنزل في الحوض الرخام اللي تحتها.
المية شكلها.. كريستال.. صافية لدرجة إنك شايف عروق الرخام في القاع.. بتلمع تحت شمس الظهيرة الحارقة كأنها سائل من الألماس.
بتقوم من على الأرض، وبتجري ناحيتها.
بتتعثر وتقع، وبتقوم تاني.
مش مصدق عينك.
معقولة؟ معقولة لسه في مية نضيفة في العالم؟ دي أكيد بيك خزفي قديم، أو مية جوفية عميقة السم موصلهاش.
دي المعجزة اللي ربنا سابهالك.
بتوصل لحافة النافورة.
بتسند بإيدك على الرخام السخن.
رذاذ المية بيطير وبيجي على وشك.
أول نقطة رذاذ بتلمس خدك، جسمك كله بيتنفض.
رعشة لذيذة بتسري في عمودك الفقري.
النقطة مش بتتحرق! النقطة باردة! دي مية بجد!
دموعك بتنزل لا إرادياً.
بتضحك ضحكة هستيرية، صوتها بيطلع مبحوح ومكسور.
خلاص.. الكابوس انتهى.
هتشرب.. هتشرب لحد ما بطنك تتملي، لحد ما ترجع بني آدم تاني.
بتمد إيدك، بتعملها كبشة عشان تغرف المية وترفعها لفمك.
صوابعك بتلمس سطح المية البارد.
الإحساس بالبرودة في عز الجحيم ده لوحده نشوة توازي نشوة المخدرات.
وبتدني وشك عشان تشرب.. وفجأة، عينك بتقع على حاجة في قاع الحوض.
تحت المية الصافية دي، في حاجات راقدة في القاع.
عصافير. عشرات العصافير الميتة.
وفار كبير، وحتى قطة.
كلهم غرقانين في القاع، وشكلهم سليم من برة، بس عيونهم مفتوحة بجمود، وبوقهم مفتوح على أخره كأنهم بيصرخوا تحت المية.
وجمب النافورة بالظبط، في جثة بني آدم.
راجل لابس بدلة قديمة ومقطعة، مرمي على ضهره، وإيده مدلدلة جوه المية.
وشه أزرق، وشفايفه متآكلة كأن في حمض أكلها.
وجنبه على الأرض، إزازة دوا فاضية، وطباشير مكتوب بيه على الأرض كلمة واحدة بخط مرتعش: خداع.
بتتجمد مكانك.
إيدك لسه مبلولة بالمية، ولسه مرفوعة قدام بقك بمسافة سنتيمترات.
المية دي مش مية.
دي فخ.
دي السم بشكله الكامل، الشفاف، المخادع.
دي مش مية نجت من التلوث، دي مية التلوث فيها وصل لدرجة من النقاء الكيميائي الخبيث إنه رجعها شفافة تاني، بس مفعولها بقى فوري.
الراجل ده شرب ومات في لحظتها.
والحيوانات دي شربت وماتت قبل ما تلحق تطير.
وهنا.. الاختيار المستحيل.
أنت عارف إنها سم.
عقلك شاف الدليل. شاف الجثث.
شاف الكلمة المكتوبة.
بس جسمك.. جسمك له رأي تاني خالص.
رذاذ المية لسه على وشك، وجسمك داق الطعم البارد من خلال الجلد.
الغريزة جواك بتصرخ بصوت وحشي: اشرب! مش مهم تموت.. المهم تروي العطش ده الأول!
بتبص للمية، وبتبص للجثث.
الصراع اللي جواك بيتحول لجنون فعلي.
طب ما يمكن الراجل ده مات من حاجة تانية؟
يمكن مات من الجوع؟
يمكن انتحر بالدوا اللي جنبه والمية دي سليمة؟
بتحاول تلاقي أي مبرر، أي كدبة تصدقها عشان تشرب.
طب لو شربت وموت؟ مش ده أحسن من العذاب اللي أنا فيه؟
مش الموت وأنا ريان (مرتوي يعني) أحسن من الموت وأنا ناشف؟
بتقعد على حافة النافورة، رجلك مدلدلة برا، وعينك مركزة في دوامات المية.
الشمس فوقك بتلسع قفاك، وبتفكرك إن وقتك بيخلص.
لسانك بيتحرك في بقك الناشف، بيخبط في سنانك اللي بدأت تتلخلخ من الجفاف. الريحة اللي طالعة من المية مغرية بشكل شيطاني.
ريحة نضافة، ريحة حياة.
بتقرب إيدك المبلولة من مناخيرك وتشمها.
مفيش ريحة سم.
مفيش ريحة عفونة.
إيدك بتترعش، وبتقرب من شفايفك غصب عنك.
عقلك بيحاول يوقف إيدك، بس عضلاتك متمردة.
بوق واحد.. بوق واحد بس ومش هبلعه.. همضمض بيه وأتفه.. بس أحس بالطعم.
بتكدب على نفسك تاني.
أنت عارف إنك لو دوقت، هتشرب، ولو شربت، هتغرق جوه النافورة دي ومش هتخرج منها غير جثة زيهم.
العطش بيوصل لمرحلة إنك بتبدأ تشوف المية دي بتنور.
بتسمعها بتناديك باسمك.
تعالى.. ريح نفسك.. مفيش فايدة من المقاومة.. العالم انتهى خلاص.. اشرب وارتاح.
بتقوم تقف وتلف حوالين النافورة زي الأسد المحبوس.
بتصرخ بصوت عالي، صوت مخيف بيخوفك أنت شخصياً: أعمل إيه؟! يا رب أموت قبل ما أشرب.. يا رب خدني قبل ما أضعف!
بتمسك طوبة من الأرض وبترميها في المية عشان تعكر صفوها، عشان تبوظ شكلها المثالي اللي بيغريك.
الطوبة بتعمل دوائر واسعة.
صورة وشك بتتهز في المية.
بتشوف وشك في الانعكاس.. وش هيكلي، عيون حمرا دموية، وشعر أبيض من الرعب.
بتشوف في الانعكاس ده واحد ميت أصلاً.
فبتسأل نفسك: هو أنا حي عشان أخاف على حياتي؟ ما أنا ميت ميت.. يبقى أموت مستمتع أحسن.
بترجع تقعد تاني على ركبك قدام المية.
وبتتخذ القرار.
عينك بتلمع بلمعة استسلام مرعبة.
قررت تشرب.
مش عشان غبي، ولا عشان مش مصدق إنها سم.
إنت قررت تشرب عشان الأمل مات جواك خلاص.
قررت إن دي تكون القبلة الأخيرة للحياة.
بتغمض عينك، وبتاخد نفس عميق حارق.. وبتغطس وشك كله جوه حوض النافورة.
البرودة بتلكم وشك، المية بتغمر عينك ومناخيرك وبقك.
بتفتح بقك تحت المية، وبتشرب.. مش بتشرب بوق ولا اتنين.
بتشرب بجنون.
بتعب وبقمة يأسك.
الطعم.. في اللحظة الأولى، الطعم بيكون جنة.
مية ساقعة، عذبة، بتروي كل خلية ناشفة في لسانك وحلقك.
بتحس بالمية وهي بتنزل في المريئ كأنها شلال نور بيطفي حرايق جوه صدرك.
بتقول لنفسك في اللحظة دي: كان يستاهل.. حتى لو هموت دلوقتي، اللحظة دي تستاهل.
بس بعد ثانية واحدة.. الجنة بتتحول.
طعم معدني بشع بيضرب في أخر لسانك.
طعم صديد، طعم مرارة مركزة بتخليك عايز ترجع.
بتحاول ترفع راسك من المية، بس بتحس بشلل فوري في عضلات رقبتك.
السم أسرع مما تخيلت.
السم مش بس بيقتل، ده بيشلك عشان تغرق وتموت وأنت باصص للمية اللي خدعتك.
بتحاول تصرخ تحت المية، بتطلع فقاقيع هوا مكتومة.
صدرك بيولع نار، أفظع بـ100 مرة من نار العطش.
بتحس إن أحشائك بتدوب، بتتقطع من جوه.
عينك بتفتح تحت المية، وبتشوف وش الراجل الميت اللي جنبك بيتحرك مع موجات المية، كأنه بيضحكلك ضحكة شامتة.
كأنه بيقولك: أهلاً بيك في النادي.
بتحاول تزق جسمك لورا، تخرج من الحوض، بس إيدك بتخونك وبتتزحلق على الرخام الناعم.
رأسك بتتقل، والرؤية بتبدأ تضلم.
وأخر حاجة بتحس بيها مش الألم، ولا الخوف.
أخر حاجة بتحس بيها هي الندم.
مش ندم إنك شربت.. ندم إنك شربت متأخر.. كان المفروض تشرب من بدري وتخلص من العذاب ده.
وفجأة.. بتحس بإيد قوية بتمسكك من قفاك، وبتشدك بعنف لورا.
بتخرج راسك من المية، بتكح وتشرق وتستفرغ كل المية اللي شربتها على الأرض.
المية بتنزل منك لونها إسود.
بتكح لحد ما ضلوعك هتتكسر، وبتقع على ضهرك، بتنهج وبتحاول تسحب أكسجين.
الرؤية مغلوشة، بس شايف خيال واحد واقف فوقك.
مش الراجل الميت.. ده حد تاني.
حد لابس بدلة عزل كاملة، وقناع غاز، وماسك في إيده جهاز غريب بيطلع صوت صفارة منتظمة.
صوت الراجل بيطلع مكتوم من ورا القناع، صوت آلي وخالي من المشاعر: محاولة رقم 412.. فاشلة.
العينة شربت.
العينة لسه حية، بس التلوث العقلي بدأ.
بتحاول تركز.. عينة؟
محاولة؟
هو إنت مش في الواقع؟
ولا ده الواقع الجديد؟
الراجل بيوطي عليك، وبيقرب جهاز من عينك، وبيقول جملة بتخليك تتمنى لو كنت غرقت في النافورة: متقلقش.. هنغسلك معدتك.. ونعطشك تاني.. لازم نلاقي حد يقدر يقاوم.. الإنسانية معتمدة على إنك تقاوم.
بيسحبك من رجلك على الأرض، وأنت مش قادر تقاوم.
بتبص للنافورة اللي بتبعد عنك، وللجثث اللي فيها.
بتكتشف الحقيقة المرعبة.
الجثث دي مش ناس شربت بمزاجها وماتت.
دول تجارب قبلك.. فشلوا في الاختبار.
وأنت.. أنت مجرد فأر جديد في متاهة العطش.
***
بتفتح عينك بصعوبة، جفونك لازقة في بعض بتقل.
النور المرة دي مش أصفر حارق زي شمس الشارع، النور أبيض، بارد، وقوي لدرجة إنه بيخترق جمجمتك.
بتحاول تحرك إيدك عشان تغطي عينك، بتكتشف إنك مش قادر.
إيدك مربوطة بحزام جلد قوي في مسند كرسي معدني بارد.
رجلك كمان متثبتة.
أنت متكتف كأنك مجرم خطير، أو حيوان مفترس بيجهزوه للذبح.
بتسمع صوت تكة أجهزة، وصوت بيب... بيب... بيب منتظم، ده صوت دقات قلبك على مونيتور جنبك.
بتبص حواليك، بتلاقي نفسك في أوضة عزل بيضا تماماً.
الحيطان، الأرضية، السقف، كله أبيض لامع.
مفيش شباك، مفيش مخرج، مفيش غير باب حديد مصفح قدامك.
ريحة المكان بتفكرك بالمستشفيات، ريحة كحول ومطهرات قوية.
بتحس بطعم غريب في حلقك، طعم مرارة، بس مش زي طعم السم اللي في النافورة.
ده طعم فحم.. طعم أنبوب بلاستيك كان في زورك واتشال.
بتفهم إنهم عملولك غسيل معدة.
سحبوا المية المسمومة من جسمك قبل ما تقتلك، بس سابوا العطش.
يااه على قسوة اللي بيعملوه.. أنقذوك من الموت، عشان يرجعوك للعذاب.
رجعوك لنقطة الصفر، عطشان، ناشف، وهتموت على نقطة مية.
الباب الحديد بيتفتح بصوت هيدروليكي مكتوم.
بيدخل نفس الشخص اللي كان لابس بدلة العزل، بس المرة دي قالع القناع.
بيطلع راجل عادي جداً، ملامحه هادية، شعره أبيض، ولابس بالطو دكاترة نضيف.
بيبصلك بنظرة خالية من أي مشاعر، كأنه بيبص لفار تجارب في قفص، مش لبني آدم.
بيدخل وبيسحب كرسي وبيقعد قدامك بمسافة آمنة.
بيمسك تابلت في إيده وبيبدأ يكتب ملاحظات وهو بيبصلك.
بتحاول تتكلم، صوتك بيطلع مخنوق ومشرخ: أنتوا مين؟... وإيه المكان ده؟... المية فين؟
الراجل بيبتسم ابتسامة باهتة وبيقولك بصوت هادي مستفز: إحنا مشروع النجاة. وأنت يا 412 كنت واحد من المرشحين الأقوياء.
صمدت 48 ساعة من غير ما تنهار نفسياً، قاومت سيكولوجية القطيع، قدرت تهرب من العنف في الشوارع، ووصلت لحد نقطة الاختبار النهائية.. النافورة.
عقلك بيحاول يستوعب.
اختبار؟
يعني العالم منشفش؟
يعني أهلك وجيرانك والناس اللي ماتت دي كانت تمثيلية؟
الراجل بيكمل كأنه بيقرا أفكارك: لأ، مش تمثيلية.
العالم برة فعلاً بينهار، بس مش بالسرعة اللي أنت شوفتها.
إحنا استخدمنا عليك محفزات عصبية وغازات مهلوسة رشيناها في شقتك، عشان نسرع إحساسك بالزمن وبالكارثة.
كنا محتاجين نشوف: لما الإنسان بيتحط قدام اختيار الموت المؤكد أو الشرب من السم.. هيختار إيه؟
بيسكت لحظة، وبعدين بيقوم وبيجيب من على ترابيزة جنبه كوباية مية.
كوباية إزاز شيك، فيها مية صافية، ومكعبات تلج بتخبط في بعضها.
الصوت ده لوحده بيخليك عايز تقطع الأحزمة اللي ماسكاك وتهجم عليه.
الراجل بيقرب الكوباية منك، وبيحطها على طرف المكتب قدامك بالظبط.
النافورة كانت اختبار للإرادة.
المية اللي فيها كانت مسمومة فعلاً، بس سم بيسبب شلل مؤقت مش موت، عشان نقدر نسحبك.
اللي بيشرب من النافورة بنعتبره فشل.
لأنه استسلم لغريزته وخان عقله.
أنت شربت يا 412.
أنت سقطت.
دمك بيغلي.
عايز تصرخ في وشه وتقوله إن أي حد مكانك كان هيشرب.
إن العطش كسر كل حواجز المنطق.
بس عينك متعلقة بالكوباية اللي قدامك.
النقط اللي متجمعة على الإزاز من برة بتنقط على الترابيزة ببطء.
الراجل بيمد إيده وبيمسك الكوباية.
ودلوقتي.. التجربة خلصت بالنسبة لك.
أنت خرجت من البرنامج.
اتفضل.. اشرب.
بيقرب الكوباية من شفايفك.
وهنا.. بيحصل الشئ اللي مكنتش تتخيله.
المفروض تفتح بقك وتشرب بنهم.
المفروض تخلص الكوباية في ثانية.
بس أنت.. بتقفل بقك جامد.
بترجع راسك لورا وتلزقها في المسند.
الخوف.
الرعب اللي زرعوه جواك في الـ 48 ساعة اللي فاتوا، الرعب من الخيانة اللي جاية من المية، بقى أقوى من العطش.
عقلك بيصرخ: دي كمان فخ! دي كمان سم! هو عايز يقتلك بجد المرة دي!
جسمك بيترعش، ودموعك بتنزل.
أنت هتموت من العطش، والمية قدام شفايفك، بس مش قادر تشرب.
الحاجز النفسي اتبنى خلاص، وبقى سور خرسانة بينك وبين الحياة.
الراجل بيبص لك بفضول علمي، وبيكتب في التابلت بتاعه: المرحلة الأخيرة اكتملت: (فوبيا الارتواء).. العينة فقدت الثقة في مصدر الحياة.
بيحط الكوباية بعيد عنك، وبيفك قيودك.
تقدر تمشي.
الباب مفتوح.
العالم برة لسه فيه شوية مية، لو قدرت تلاقيها.. ولو قدرت تشربها أصلاً.
بتقوم من على الكرسي، رجلك مش شيلاك.
بتخرج من الأوضة، بتمشي في طرقة طويلة، لحد ما بتوصل لباب الخروج.
بتفتحه، وبتلاقي نفسك في الشارع تاني.
بس الشارع المرة دي هادي.
الشمس بتغرب، والجو فيه نسمة هوا عادية.
مفيش جثث في الشارع، مفيش ناس بتأكل بعض.
كان كابوس مبني على واقع، بس ضخموه في عقلك.
بتشوف كولدير مية في ناصية الشارع.
الناس بتشرب منه عادي.
طفل صغير بيشرب وبيمسح بقه وبيمشي بيضحك.
بتقرب من الكولدير ببطء، زي المذعور.
بتحط إيدك تحت الحنفية.. مية ساقعة بتنزل.
بتبص للمية.
شفافة.
نضيفة.
بتبص للناس اللي حواليك.
محدش بيموت.
محدش بيقع.
يعني المية أمان؟ يعني الكابوس خلص؟
بتقرب بوقك من الحنفية.
المسافة بينك وبين المية سنتيمترات.
ريحتها.. عادية.
بس فجأة، صوت في دماغك بيشتغل.
صوت النافورة.
صوت عماد جارك وهو بيموت.
صوت الراجل في المعمل وهو بيقولك أنت سقطت.
بتشوف المية بتتحول للون الأسود قدام عينك.
دي هلاوس.. بس بالنسبة لك هي واقع.
بتبعد عن الحنفية بسرعة وبتصرخ.
بتجري بعيد عنها كأنها تعبان.
الناس بتبص لك باستغراب.
ماله المجنون ده؟
بتقعد على الرصيف، منهاد، ودموعك جفت.
أنت دلوقت حر.
والمية موجودة.
ومتاحة.
وببلاش.
بس أنت محكوم عليك بالموت عطشاً وأنت قاعد جنب النهر.
كل ما هتشوف مية، عقلك هيصورلك إنها سم.
كل ما هتقرب كوباية من بقك، هتفتكر طعم الخيانة.
هم مش بس عملوا عليك تجربة.. هم غيروا سيستم البقاء عندك.
شالوا غريزة الشرب وحطوا مكانها غريزة الخوف.
بتبص للسما، وبتحس إنك خلاص بتودع.
جسمك بدأ يطفي أجهزته.
عينك بتغيم.
بتمسك إزازة فاضية كانت مرمية جنبك على الرصيف.
بتحضنها كأنها طفل.
الإزازة الفاضية دي هي الوحيدة اللي صادقة معاك.
هي الوحيدة اللي مش بتوعدك بحاجة وتخلف.
هي الوحيدة اللي بتقولك أنا فراغ.. أنا مفيش.
الناس بتتلم حواليك.
واحد بيحاول يسقيك مية بالعافية.
بتجز على سنانك وبتقفل بوقك لحد ما الدم ينزل من لثتك.
بتموت وأنت رافض النجاة.
وفي اللحظات الأخيرة، والضلمة بتسحبك بالتدريج، والصوت بيبعد، بتكتشف الحقيقة الكاملة.
التجربة مكنتش عشان يشوفوا هتشرب ولا لأ.
التجربة كانت عشان يجاوبوا على سؤال واحد بس.
سؤال أنت دلوقتي بقيت إجابته الحية.. والميتة.
المية ماتت جواك قبل ما تموت في الطبيعة.
والعالم بينشف في عينك أنت بس، بينما هو غرقان مية.
وإنت واقف قدّام زجاجة فاضية، وروحك بتتسحب منك.
والسؤال الأخير اللي بيفضل معلق في الجو، مش: هتعيش قد إيه؟
السؤال: هو الإنسان ممكن يجن من العطش… ولا العطش هو اللي بيخلق الجنون؟
تمت