رواية الذئبة البيضاء - النبوءة الأولى
النبوءة الأولى
لم يكن العالم يومًا ساحة صراعٍ بين الخير والشر كما تحكي الحكايات القديمة. بل كان دائمًا مكانًا هشًّا، قائمًا على توازن دقيق، إذا اختلّ… سال الدم. القمر الذي نظر إليه البشر قرونًا باعتباره شاهدًا صامتًا، لم يكن صامتًا قط. حين يصطبغ بلون الدم لا يمنح قوة، ولا يختار أبطالًا بل يوقظ ما خُبِّئ في الأعماق… ما خاف الجميع من مواجهته. هناك قوى لا تُولد من العدم النور لا يسطع إلا لمن يملك إرادة واعية والظلام لا ينهض إلا حين يُفتح له الباب بالخوف والغضب. ومن يظن أنه يستطيع امتلاك أحدهما دون ثمن يفقد نفسه قبل أن يدرك خطأه. الذئاب لم تكن يومًا سوى صدى للّعنة تتبع الدم الأقوى وتنحني لمن يجمع ما لا يجب أن يجتمع. أما الملوك الحقيقيون فلا يولدون بالأنساب بل بالاختيار. الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح بل بالصراخ بالخيانة وبالدم المسفوك في اللحظة الخطأ. وكل باب يُفتح لا يمكن إغلاقه إلا بثمنٍ أثقل من الذي فُتح به. أما الدم المختلط… فهو ليس نعمة ولا لعنة خالصة. هو نقطة التقاء النور والظلام وصراع لا يعرف السكون. من يحمله لا يُمنح السلام بل يُمنح القرار. وفي هذا العالم لا أحد يُجبر على أن يكون وحشًا… لكن من يهرب من اختياره يترك للّعنة حرية أن تختار عنه. وهكذا بدأت الحكاية ليس عندما عوى الذئب الأول ولا حين سال الدم بل في اللحظة التي وُلد فيها سؤال واحد: هل يمكن لإنسان أن يحمل النور والظلام… دون أن يفقد نفسه؟
كان الليل ساكنًا على نحو غير مألوف كأن الغابة نفسها تحبس أنفاسها، الضباب يزحف من بين الأشجار السوداء ويبتلع الطريق الحجري المؤدي إلى القرية...في أعالي السماء القمر يلمع بلون بارد، لكنه لم يكن كاملًا كما اعتادت أريانا أن تراه بل مشقوقًا بخيط من ظلال دامية يشبه عينًا ترقبها.
جلست الفتاة عند حافة النهر، ساقاها متدليتان في المياه الباردة وعيناها مثبتتان على انعكاس القمر الممزق..كانت تبحث عن الطمأنينة في صمت الليل، لكنها وجدت شيئًا آخر همسات خافتة تتسلل إلى عقلها...ليست أصوات أهل القرية ولا وحوش الغابة بل أصوات من مكان آخر.
قالت:
-حين يكتمل الدم على القمر… يولد الذئب الذي يقرر مصير القبائل.
ارتجفت أريانا وحاولت أن تقنع نفسها أنها تتوهم لكنها لم تستطع، الهمسات تكررت هذه المرة أقوى حتى شعرت وكأنها قادمة من داخلها، مدّت يدها ببطء إلى سطح الماء...فجأة اهتز النهر كأن الريح هبّت من داخله لا من خارجه...انعكاس القمر تكسّر إلى دوائر متشابكة، وفي اللحظة نفسها انبعث من راحة يدها نور أبيض بارد جعل سطح الماء يتلألأ كفضة سائلة...تراجعت في ذعر وقلبها يخفق بجنون...لم يَرَها أحد لكن أريانا عرفت أن ما كان مختبئًا لسنوات قد انكشف...ذلك السر الذي جعل أهل القرية يبتعدون عنها منذ طفولتها والذي دفعهم للهمس وراء ظهرها حين همسوا قائلين:
-غريبة… ليست مثلنا.
أغلقت كفها بسرعة وأخذت تتنفس بصعوبة بينما يتلاشى النور تدريجيًا حتى لم يبقَ منه سوى أثر خافت...لكن قلبها كان يعلم أن القمر اختارها...في تلك اللحظة ارتفع عواء طويل من أعماق الغابة.
لم يكن عواء ذئب عادي… بل شيء أبعد وأعمق، نغمة غامضة جعلت عروقها ترتجف كأنها صدى النبوءة التي سمعتها للتو، التفتت نحو مصدر الصوت وجسدها كله يقشعر، لم تكن تعلم أن هذه الليلة ستكون بداية طريق لا عودة منه.
تسارعت أنفاس أريانا وهي تنهض من ضفة النهر، تحدّق في أعماق الغابة المظلمة، العواء الذي سمعته لم يكن مجرد صوت عابر… كان نداءً وكأن الغابة كلها تردده في صدى متواصل، خطت ببطء إلى الوراء لكن الأرض نفسها بدت وكأنها تدفعها إلى الأمام...الأشجار العالية تمايلت في صمت ثقيل والهواء صار أبرد حتى شعرت بأنفاسها تتجمد، كل شيء من حولها بدا غريبًا مألوفًا ومخيفًا في آن واحد، ترددت الكلمات من جديد في ذهنها كأنها محفورة هناك منذ الأزل:
«حين يكتمل الدم على القمر»
أريانا لم تكن غريبة عن همسات القرية، منذ طفولتها وهم يتهامسون:
-ابنة القمر المشؤومة.
يتجنبونها في الطرقات... يرمقونها بنظرات خفية... يحمون أطفالهم منها كما لو كانت لعنة تمشي بينهم، لكن الليلة شعرت لأول مرة أن همساتهم لم تكن مجرد خرافات، تسارعت خطواتها عائدة إلى القرية وقلبها يدق بجنون.
حين وصلت كان كل شيء ساكنًا، البيوت الخشبية مطفأة المصابيح، والطرقات غارقة في الضباب، لكنها شعرت بعيون تراقبها من الظلام...ظلال تتحرك خلف النوافذ...همسات تتعالى من جديد، ثم صرخة مدوّية اخترقت السكون جاءت من كوخ صغير عند أطراف القرية.
تجمدت أريانا في مكانها ...كان ذلك كوخ ميرافيل العرّافة...لم تتردّد أريانا هرولت نحو كوخ ميرافيل وهي تتعثر في الطريق الحجري الضيق...كان الباب نصف مفتوح والريح تدفعه ليصرّ بأصوات غريبة كأنه يئن.
همست أريانا وهي تدفع الباب ببطء:
- ميرافيل ؟
الداخل كان غارقًا في رائحة أعشاب محترقة، الدخان يتصاعد من موقد صغير في الزاوية، على الطاولة الخشبية تكدست أحجار غريبة وأوعية مليئة بسوائل داكنة...لكن العرّافة نفسها لم تكن هناك خطت أريانا خطوة أخرى وعيناها تجولان في المكان وفجأة ارتجف قلبها عندما رأت انعكاسها في المرآة النحاسية المعلقة على الجدار، لم يكن انعكاسًا طبيعيًا عينها اليُمنى كانت تلمع بالفضة، تمامًا كما لمعت يدها عند النهر، رفعت يدها لتلمس وجهها لكن قبل أن تفعل ...صوت أجش خرج من الظل قال:
-لقد بدأت
التفتت بسرعة ورأت ميرافيل تقف في الركن المظلم من الغرفة، شعرها الأبيض مسدل وعيناها الرماديتان تلمعان ، خطت ببطء نحو أريانا تتكئ على عصاها الخشبية.
قالت:
-القمر لم يعد يخفيكِ، يا ابنة الذئبة البيضاء.
ارتجفت أريانا وقالت:
-ماذا… تقصدين؟ ما الذي يحدث لي؟
ابتسمت ميرافيل ابتسامة غامضة ثم أشارت إلى النافذة حيث كان القمر ما زال مشقوقًا بخيط دموي.
قالت:
-الليلة ليست سوى بداية...النبوءة حُفرت منذ زمن بعيد والآن، دم القمر بدأ يكتمل.
اقتربت أكثر وهمست بصوت بالكاد يُسمع:
-أريانا… إن لم تختاري الطريق، سيختارك الطريق بنفسه...والخيار… لا يرحم.
شعرت أريانا أن الغرفة تضيق عليها مع كل كلمة تنطقها ميرافيل كأن الجدران نفسها تميل للأمام لتبتلعها، وكأن النبوءة التي لم تفهمها بعد صارت قيدًا على عنقها، صرخت أريانا بصوت مبحوح:
-أنا لا أريد أن أختار ، أريد أن أعيش مثل الآخرين، أن أكون طبيعية.
لكن ميرافيل لم تتزحزح، مدّت يدها العجوز ورفعت إصبعها لتلمس جبهة أريانا في تلك اللحظة اندفع سيل من الصور إلى رأسها:
-قمر يتشقّق ويسيل منه الدم.
-ذئاب تصرخ في الظلام، بعضها بعينين مضيئتين مثلها، وبعضها بعينين سوداوين.
-سيوف مشتعلة وأشخاص يسقطون في معارك لم تنتهِ.
-وجه مجهول يبتسم وسط اللهب.
شهقت أريانا وتراجعت للخلف وكادت تسقط أرضًا.
قالت ميرافيل بصوت حاد:
-النبوءة لن تنتظركِ يا فتاة...هناك من يسعى ليجعلها طريقًا للهلاك، وإن لم تواجهي… سيبتلع هذا العالم كله.
تساقط الرماد من الموقد في صمت غريب، ثم انطفأت النار فجأة تاركة الغرفة في عتمة كاملة إلا من وهج عينَي أريانا الفضيّتين...ارتجف جسدها وقلبها يصرخ لم تعد قادرة على الهروب ولأول مرة منذ سنوات شعرت أن دمها نفسه غريب عنها… كأنه يحمل سرًا أقدم من حياتها، رفعت ميرافيل عصاها وضربت بها الأرض...الصدَى ارتدّ كالرعد، وصوتها دوّى:
-لقد بدأت رحلتك يا ابنة القمر... الليلة لن تنام القرية هادئة بعد الآن.
خارج الكوخ ارتفع العواء من جديد...أقوى.. أقرب… وأشد وحشية، أريانا أغلقت عينيها ودمعة ساخنة انزلقت على خدّها، لم تدرك أن تلك الليلة ستكون بداية حكاية ستُغيّر مصير كل القبائل… إلى الأبد.
ارتجفت أريانا وهي تسمع ارتطام عصا ميرافيل بالأرض، ذلك الصوت كأنه أطلق شيئًا في الهواء… أو أيقظ شيئًا كان نائمًا منذ زمن بعيد.
من بين شقوق الجدران بدأت الريح تتسلل تحمل معها همسات غريبة، بلغة لم تسمعها من قبل، لكن عقلها فهمها دون جهد
-الدم على القمر… الدم على القمر.
وضعت يديها على أذنيها تحاول أن تحجب الصوت، لكن الهمسات صارت أعلى حتى صارت مثل عواء ذئاب تحاصرها من كل الجهات.
صرخت قائلة:
-توقفي أرجوكِ، أنا لا أريد هذا.
لكن ميرافيل رفعت يدها بصمت فأُسكتت الأصوات فجأة، وكأنها قطعت خيوطًا خفية في الهواء...اقتربت أكثر من أريانا، نظرت في عينيها طويلًا، ثم قالت بنبرة ثقيلة:
-لن يُسكتهم صراخكِ، ولن يرحمكِ جهلُكِ. أنتِ لستِ من اختار، بل القمر… والقمر لا يُخطئ...شعرت أريانا بحرقة في صدرها، وكأن كلماته حفرت في روحها، لكنها حاولت المقاومة وقالت:
-لو كنتِ تعرفين كل هذا… لماذا أخفيتِه عني، لماذا تركتِني أعيش منبوذة بين الناس دون أن أعرف السبب؟
تنهدت ميرافيل، نظرتها انكسرت للحظة، كأنها تحمل ثِقلاً لا تستطيع احتماله.
قالت:
-لأن المعرفة يا أريانا… ثمنها باهظ. وكلما عرف المرء أكثر… اقترب من مصيره أسرع. كنتِ صغيرة، ولم يكن وقتك قد حان.
ثم أشارت بعصاها نحو النافذة...كان القمر يزداد قتامة، شقّه الدموي يتسع، والظلال تحوم حوله مثل أجنحة سوداء، لكن الآن…توقفت قليلًا، ارتجف صوتها حين همست:
-الوقت نفد
شعرت أريانا ببرودة تسري في عروقها، وبرعشة لم تستطع إيقافها...أمسكت ميرافيل بيدها فجأة، وقبضت عليها بقوة غير متوقعة من امرأة عجوز.
وقالت:
-اسمعيني جيدًا يا ابنة القمر سيأتي يوم قريب… تُفتح فيه البوابة، وتنهض الظلال. وحينها، سيُختبر قلبكِ قبل سيفكِ. إذا اخترتِ النور… سينجو العالم. وإن اخترتِ الظلام… لن ينجو أحد.
ارتجفت يد أريانا في يدها، وعيناها تتسعان بالذعر.
-أنا… مجرد فتاة… لا أستطيع أن أقرر مصير العالم.
ابتسمت ميرافيل ابتسامة حزينة، وأطلقت يدها ببطء:
-كل من اختار من قبل قال الجملة نفسها.
في تلك اللحظة، دوّى صوت العواء مجددًا لكن هذه المرة لم يكن بعيدًا كان عند حافة القرية...ارتجف قلب أريانا، حدقت في ميرافيل تبحث عن تفسير، لكن العرّافة أغلقت عينيها وقالت بصوت خافت:
-الليلة، سيعرفون أن النبوءة بدأت.
لم تكد كلمات ميرافيل تهدأ في الهواء حتى اهتزت الأرض تحت قدميهما...طَرقات عنيفة دوّت في الخارج، تبعها صرخات بشرية، وارتباك هائل يملأ القرية الهادئة...أسرعت أريانا نحو النافذة، قلبها يكاد ينفجر من صدرها، رأت النار تشتعل في أحد الأكواخ البعيدة، والدخان يتصاعد إلى السماء، الناس يركضون في الطرقات، يصرخون، يحملون أطفالهم، بينما عواء الذئاب يقترب أكثر فأكثر.
صاحت أريانا وهي تستدير نحو ميرافيل قائلة:
-ماذا يحدث؟
لكن العرّافة لم تجب. كانت واقفة في مكانها، عيناها مغمضتان، تتمتم بكلمات غامضة، كأنها تحاول أن تمنع شيئًا أكبر من أن يُمنع وفجأة، دوى صوت ارتطام عنيف عند باب الكوخ...خشبة الباب ارتجّت، وظهر من الشقوق ظلال سوداء تتدفق مثل دخان حي، تتحرك بطريقة غير طبيعية، كأنها تبحث عن طريق للدخول...تراجعت أريانا للخلف، جسدها كله يرتجف.
صرخت قائلة:
-ما هذه الأشياء؟
فتحت ميرافيل عينيها فجأة، وصوتها صار كالرعد:
-إنهم طلائع الظلال… جاؤوا يختبرونكِ.
لم تفهم أريانا، لكن قلبها أخبرها أن الهروب لم يعد خيارًا...وبينما الباب يهتز للمرة الأخيرة قبل أن ينكسر، لمعت كفها بالنور الفضي نفسه الذي ظهر عند النهر...نظرت إلى يدها بدهشة، ثم إلى ميرافيل التي همست:
-الآن… يبدأ اختياركِ.
وانفتح الباب بعنف، لتندفع الظلال إلى الداخل، ملتفة حولها مثل دوامة من الليل الحي...تجمّدت أريانا لوهلة، ثم اندفع منها ضوء قوي أعمى كل العيون، وملأ الغرفة بوميض قمري هائل...لم تعرف كيف حدث ذلك، لكنها شعرت أن القمر نفسه يمرّ عبر عروقها، الظلال صرخت، تراجعت، واحترقت أطرافها بالنور لكن وسط كل ذلك، عرفت أريانا شيئًا واحدًا:
الحياة التي عاشتْها انتهت… وبدأت رحلتها مع النبوءة.
أفاقت أريانا من الضوء الذي انفجر منها وكأن الزمن قد توقف للحظة، الغرفة غارقة في دخان أبيض، والظلال التي هاجمتها تراجعت إلى الزوايا، تصرخ بصوت يشبه صفير الريح وسط العاصفة.
ميرافيل، العرّافة العجوز، كانت واقفة ثابتة، عصاها ترتجف بين يديها، لكن عينيها بقيتا كجمرتين متقدتين،قالت بصوت خافت:
-رأيتِ بعينيك… النور في دمك، إنه لعنة وهدية في آن واحد.
أريانا ما زالت تلهث، تنظر إلى كفها المضيئة التي بدأت تخبو ببطء.
-لماذا أنا؟
اقتربت ميرافيل، وأمسكت بيدها بحذر، كأنها تمسك شيئًا هشًا لكنه مقدّس.
-كل خمسين دورة قمرية يولد وريث القمر. لكن هذه المرة… الأمر مختلف. الدماء اختلطت بالظلال، وأنتِ الصدع بين العالمين.
تراجعت أريانا خطوة للخلف، جسدها كله يصرخ بالرفض.
قالت:
-لا… أنا لا أريد أن أكون صدعًا لأي شيء أنا مجرد فتاة عادية.
ابتسمت ميرافيل بسخرية حزينة، ثم همست:
-العادية لا تُسمع الهمسات… ولا يحترق الليل حين ترفع يدها.
في الخارج، ما زالت النيران تلتهم أطراف القرية. صرخات الأطفال تندمج مع عواء الذئاب، وكل لحظة تحمل معها اقتراب كارثة أكبر.
رفعت ميرافيل رأسها نحو السماء، وكأنها تخاطب شيئًا لا تراه أريانا، ثم قالت:
-سيأتون قريبًا… صيادو الظلال. سيطاردونك حتى آخر نفس. لكن الطريق إلى مصيرك يبدأ باختيار واحد: الهروب… أو المواجهة.
أريانا شعرت بالدموع تحرق عينيها.
قالت:
-وإن اخترت الهروب؟
ردت ميرافيل بحدة:
-حينها لن يبقى عالم تهربين فيه.
ساد الصمت للحظة، لا يُسمع إلا صوت النيران في الخارج. ثم اقتربت العرّافة أكثر وهمست في أذنها، كلمات لم تفهمها أريانا تمامًا، لكن وقعها ارتجف في عروقها كالنار:
-دم الذئاب سيلاحقكِ، حتى تنزفي القمر الأخير.
شهقت أريانا، وفي تلك اللحظة انفجر الباب من جديد، هذه المرة بعنف أشد، واندفع رجل غريب إلى الداخل، مغطى بالتراب والدم...عيناه كانتا مثل شعلتين، وصوته أجش وهو يصرخ قائلاً:
-القرية تسقط، من هي الفتاة؟ لقد بدأوا يبحثون عنها.
كان الغريب يلهث، جراحه تنزف، لكنه ظل واقفًا كالجدار أمام الباب المتهدم...رمق أريانا بنظرة حادة جعلتها تشعر وكأنه يعرفها منذ زمن.
صاح مجددًا:
-أيتها العجوز، قلتِ إن الوقت لم يحن بعد! لكنهم الآن في كل مكان، يبحثون عن الفتاة صاحبة العيون الفضيّة.
شعرت أريانا بدمها يتجمد.
-كيف يعرف عنها؟
ميرافيل لم تُبدِ دهشة، بل ردّت ببرود مخيف:
-كل شيء يسير كما هو مكتوب. قدَرها لا يمكن أن يُمحى.
اقترب الغريب بخطوات ثقيلة، عينه لا تفارق أريانا:
-إذن هي؟ابنة القمر؟
أريانا تراجعت للخلف جسدها يتصبب عرقًا، قلبها يريد أن يهرب من صدرها.
قالت:
-توقفوا عن الكلام بالألغاز، من أنتم؟!ولماذا أسمع اسمي في صرخاتهم؟
الغريب ضحك بمرارة، ثم بصوت مبحوح قال:
-لأنكِ الأمل… ولأنكِ اللعنة في الوقت ذاته.
أرادت أن تصرخ، لكن ميرافيل رفعت يدها لإسكاتها، ثم أشارت إلى الرجل:
-هذا هو كايل… المحارب الأخير من قبيلة الذئاب النارية. نُفي منذ سنين لأنه حمل دمًا لا ينتمي لقبيلته. هو من سيقودكِ في المنفى.
التفتت أريانا إليه بذهول وقالت:
-المنفى!
ميرافيل اقتربت منها، ووضعت شيئًا صغيرًا في يدها: قلادة فضية عليها رمز قمر مشقوق.
قالت:
-احمليها… فهي ستدلّك على الطريق. غدًا لن يبقى لكِ بيت هنا، ولا أهل. ارحلي مع الفجر، فبقاؤكِ سيجلب الموت للجميع.
ارتجفت أريانا، الدموع غطّت وجهها، لكنها لم تستطع إنكار أن كلمات العرّافة صحيحة. أصوات الانفجارات في الخارج، وصراخ الأطفال، وعواء الظلال الذي يقترب كل لحظة… كلها حقائق لا يمكن إنكارها.
كايل قال وهو يشد سيفه المتّسخ بالدم:
-الطريق طويل وخطر، لكن أمامك خيار واحد إن أردتِ النجاة.
نظرت أريانا إليه، ثم إلى ميرافيل.
كان قلبها يصرخ: أنا لست جاهزة!
لكن عينيها انعكست فيهما لهب النيران المشتعلة في الخارج، وعرفت أن الخيار لم يعد بيدها.
اقتربت ميرافيل وهمست في أذنها للمرة الأخيرة:
-حين يكتمل قمر الدم… إمّا أن تُنقذي العالم، أو تدفنيه.
وبينما الليل يبتلع القرية، وقفت أريانا بين النيران والظلال، تحمل القلادة في كفها، وعينيها تتلألأ بوميض غامض...لقد بدأت رحلتها نحو المنفى.
ارتجف الكوخ تحت ضربات متتالية، والزجاج المهشّم من النوافذ تناثر على الأرض، في الخارج كان العواء يختلط بصوت صرخات الرجال الذين يحاولون الدفاع عن القرية، لكن الأصوات تذوب بسرعة كأن الليل نفسه يبتلعها، أريانا تشبثت بالقلادة في يدها، قلبها يضرب في صدرها بعنف، والهواء من حولها صار أثقل من أن يُتنفس.
صرخت:
-أنا لا أفهم لمَ عليّ أن أترك كل شيء، لمَ لا أستطيع البقاء والقتال معهم؟
ميرافيل اقتربت منها، نظرتها كالسكاكين، وصوتها كأنه يأتي من عمق الأرض قالت:
-لأنكِ لست مثلهم. سلاحهم الحديد والنار… أما سلاحكِ فهو القمر ذاته. إن بقيتِ، ستلتهمك الظلال قبل أن تدركي قوتكِ. عليكِ أن ترحلي لتتعلمي… وإلا انتهى كل شيء.
كايل، الذي ظل واقفًا عند الباب ممسكًا بسيفه، ألقى نظرة خاطفة نحو الخارج، ثم قال بلهجة صارمة:
-القرية لن تصمد حتى الفجر. رأيتُ بنفسي كيف انكسرت جدرانها أمام موجة من الظلال. إن لم نخرج الآن، لن يبقى طريق.
أريانا ترددت، الدموع تمسح وجهها. همست بصوت مكسور:
-لكن
قاطعتها ميرافيل بصرامة:
-لن تستطيعي إنقاذهم إن متِّ الليلة. مصيرك أكبر من القرية، أكبر من كل ما عرفتِه. إن أردتِ حقًا إنقاذهم، اخرجي… تعلمي… وعودي حين يحين وقتك.
ارتعش جسدها كله، لكنها شعرت بوهج دافئ يتسلل من القلادة إلى كفها، وكأنه يجيب بدلًا عنها. لم يكن اختيارًا سهلاً، لكن قلبها فهم الحقيقة: الهروب ليس جبنًا… بل بداية المعركة.