اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

رواية ظل لشخصين - مكتملة

جاري التحميل...

ظل لشخصين

في برج شاهق، يجمع المصعد بين شخصين. يوم عادي ينكسر للأبد بانفجار غامض يحبسهم في صندوق معدني خانق معلق على حافة الموت. بين الدخان المتصاعد، العطش القاتل، والصدام النفسي، يكشفان عن أسرار وندم لم يقولاه لأحد.

تحميل الفصول...
المؤلف

آدم

(الساعة 07:59 صباحاً - فوضى الصمت)

استيقظتُ قبل المنبه بدقيقة واحدة.

إنه ذلك الإيقاع اللعين الذي برمج جسدي نفسه عليه.

حدقتُ في السقف الأبيض لثوانٍ، أحاول تذكر الحلم الذي تلاشى فور فتح عيني.

كان هناك بحر، وشخص يناديني، لكن الصوت غرق الآن في ضجيج أبواق السيارات المتسرب من النافذة رغم الزجاج العازل.

نهضت.

طعم مرارة خفيف في حلقي، بقايا قهوة الأمس والكلمات التي لم أقلها لمديري.

سحبتُ هاتفي من الشاحن.. سبع رسائل غير مقروءة.

اثنتان من العمل، رسالة ترويجية، وأربع رسائل من أمي.. تجاهلتها جميعاً.

سأتصل بها غداً.

لطالما كانت "غداً" هي سلة المهملات الأنيقة التي أُلقي فيها كل ما هو إنساني في حياتي لأتفرغ للسباق.

ارتديت القميص الأزرق، الزر الثالث يكاد ينقطع، تذكرت أنني نويت خياطته الأسبوع الماضي.. لم أفعل.

نظرت للمرأة، رأيت وجهاً أعرفه ولا أعرفه.

عينان مجهدتان، وخطوط دقيقة بدأت تحفر طريقها حول فمي.

آدم: (مخاطباً انعكاسه) اليوم سننتهي من تسليم المخططات، وبعدها إجازة.. أعدك.

كذبة. أقولها لنفسي كل صباح.

خرجتُ من الشقة.

الهواء في الخارج ثقيل، مشبع برطوبة خانقة ورائحة عوادم السيارات التي تغطي المدينة بغلالة رمادية.

ركبت سيارتي، وشغلت المذياع لأغطي على صوت أفكاري.

المذيع: (بصوت مرح مبالغ فيه) ودرجات حرارة مرتفعة تضرب البلاد اليوم، نتمنى لكم يوماً مشرقاً!

أغلقت المذياع بضجر.. أي إشراق في هذا الزحام؟

وصلتُ إلى البرج الزجاجي الشاهق "سكاي تاور".

وقفت أمام المبنى للحظة، رقبتي تؤلمني وأنا أنظر للأعلى.

خمسون طابقاً من الزجاج والفولاذ تعكس السماء الرمادية.

شعرت للحظة بدوار خفيف، كأن المبنى يميل نحوي لييبتلعني.

دفعت الباب الدوار ودخلت.

برودة التكييف المركزي لفحت وجهي، تحمل رائحة منظفات الليمون الصناعية والقهوة الغالية.

تجاوزت الاستقبال، عيني معلقة على المصاعد.

كان هناك فتاة تقف بانتظار المصعد.. معطف بيج، حقيبة جلدية مهترئة قليلاً من الأطراف، وشعر مرفوع بإهمال منظم.

بدت غارقة في عالم آخر، تحدق في شاشة الهاتف بملامح جامدة.

لم أهتم. إنها مجرد ظل آخر في يومي المزدحم.

 

ضغطتُ زر استدعاء المصعد بجانبها.

لم تلتفت.

فُتح الباب المعدني بصوت ناعم.

دخلت هي أولاً، وتبعتها أنا.

ضغطت هي الطابق 40.. وضغطت أنا 42.

تحرك المصعد.

كنا وحدنا.

الصمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت خفيف للمحرك وهو يسحبنا للأعلى.

نظرتُ لساعتي.. الثامنة وخمس وخمسون دقيقة.

ممتاز، سأصل قبل الاجتماع.

أخرجت هاتفي لأراجع ملف العرض. وفجأة... شخص ما سحب العالم من تحت أقدامي.

اهتزاز عنيف.

صوت طنطنة معدنية مرعبة صكت أذني، وكأن عملاقاً يضرب المبنى بمطرقة.

انطفأت الأنوار.

سقط الهاتف من يدي.

توقف المصعد بقوة قذفتني نحو الجدار الجانبي.. ارتطم كتفي بشدة.. عمّ الظلام الدامس.

ورائحة غريبة بدأت تتسرب.. ليست رائحة احتراق عادية.. إنها رائحة شيء قديم يحترق. حبست أنفاسي، وفي الظلام، سمعت صوت أنفاسها هي.. متسارعة، ومذعورة.

مددت يدي في الفراغ الأسود، أتحسس الجدار البارد، وفجأة لمست شيئاً دافئاً وناعماً.. يدها. سحبت يدها بسرعة وشهقت.

آدم: لا تتحركي.. سأحاول إضاءة الهاتف.

قلتها بصوت حاولت جعله ثابتاً، لكنني أدركت شيئاً مرعباً عندما أضأت الشاشة.. مؤشر الشبكة: "لا توجد خدمة".

والأسوأ.. رأيتُ من خلال شق الباب غير المحكم شيئاً جعل الدم يتجمد في عروقي.

لم يكن الظلام فقط هو ما يحيط بنا.

آدم: (بهمس مرتعش) يا إلهي... لقد رأيت وميضاً أحمر ينعكس على الجدار الإسمنتي الخارجي للبئر، وسمعت صوتاً لم أميزه فوراً.. صوت تكتكة.. تكتكة منتظمة وسريعة، تتسارع مع دقات قلبي.

 

نور

(الساعة 07:30 صباحاً - هروب هادئ)

فتحت عينيّ على صوت العصافير التي أطعمها في الشرفة.. الشيء الوحيد الحقيقي في حياتي.

نهضت ببطء.

لا يوجد سبب للعجلة.. العيادة لا تفتح أبوابها قبل التاسعة، لكنني أحب الذهاب مبكراً.

الهدوء هناك أفضل من ضجيج الوحدة هنا.

غسلت وجهي بالماء البارد.. قطرات الماء تسيل على خدي كدموع لم أذرفها.

نظرت للمرآة، تأملت الهالات السوداء تحت عيني.

"أنتِ بخير يا نور"، قلتها بصوت مسموع لأصدقها.

ذهبت للمطبخ.. الورقة ما زالت معلقة على الثلاجة.. قائمة أمنيات كتبتها قبل عامين: "سفر إلى إيطاليا، تعلم العزف على البيانو، الوقوع في الحب".

شطبتُ "الوقوع في الحب" بقلم أسود عريض قبل شهر.. وبقيت إيطاليا والبيانو مؤجلين إلى أجل غير مسمى.

ارتديت معطفي البيج المفضل، رغم أن الزر السفلي مفقود.

أحب الأشياء الناقصة، تشبهني.

نزلت إلى الشارع.. صخب المدينة يقتحم أذني.. الناس يركضون، السيارات تتشاجر.

الجميع في سباق، وأنا الوحيدة التي تمشي ببطء، كأنني أشاهد فيلماً سينمائياً ولا أشارك فيه.

وصلت إلى سكاي تاور.

مبنى فخم، بارد، وبلا روح.

أعمل في الطابق الأربعين، في عيادة ترجمة التقارير الطبية.

مكان معزول يناسبني.

دخلت البهو.. الأرضية الرخامية تعكس خيالات الموظفين كأشباح ملونة.

وقفت أمام المصعد.. أخرجت هاتفي.. فتحت المحادثة القديمة.. آخر رسالة منه كانت: "آسف".

كنت على وشك مسحها، للمرة الألف، ولم أفعل.

شعرت بوجود شخص بجانبي.

رائحة عطر رجالي قوي، وصوت أنفاس متوترة.

لم ألتفت.. لا طاقة لي بمجاملات الصباح.

فُتح الباب.. دخلت وزويت نفسي في الركن الأيمن الخلفي.

دخل هو.. رجل ببدلة رسمية، ربطة عنقه مشدودة كأنها تخنقه، يمسك حقيبة جلدية وكأنها طوق نجاة.

ضغط الأزرار.. لم ينظر لي... جيد.

أغلق الباب وعزلنا عن العالم.

بدأت الأرقام تتصاعد على الشاشة الرقمية.

10.. 15.. 20..

أغمضت عيني للحظة، أتخيل نفسي في روما، أشرب القهوة في ساحة قديمة.

وفجأة.. تلاشت روما.

اهتزت الأرضية بعنف جعل ركبتي تنثنيان.

صوت صرير معدني حاد وكأن المصعد يصرخ من الألم.

الضوء الأبيض الساطع اختفى، وحل مكانه ظلام دامس وثقيل مثل القبر.

سقطتُ على ركبتي.

حقيبتي انزلقت بعيداً.. قلبي يضرب في قفصي الصدري كمطرقة.

سمعت صوت ارتطام جسده بالجدار.

صمت تام لثانية.. ثم صوت تنبيهات إنذار بعيدة مكتومة.

شعرت بيد تلمس يدي في الظلام.

انتفضت وسحبت يدي بقوة.

هو: لا تتحركي.. سأحاول إضاءة الهاتف.

صوته كان عميقاً، لكنه يرتجف.

أضاء شاشة هاتفه.. الضوء الأزرق الشاحب أضاء وجهه.. كان شاحباً، والعرق يتلألأ على جبينه.

حاولت الوقوف، لكن ساقي خذلتني.

نور: ماذا حدث؟ هل انقطعت الكهرباء؟

لم يجبني.

كان يحدق عبر شق الباب بذهول.

رأيت الرعب في عينيه قبل أن يتكلم.

تحركتُ زحفاً نحوه، مدفوعة بفضول ممزوج بالخوف.

نظرت من الشق حيث ينظر.

لم يكن هناك جدار فقط.

كان هناك دخان يتصاعد من الأسفل.. دخان أسود كثيف يزحف نحو الأعلى ببطء كأفعى سامة.

والأسوأ.. الصوت الذي وصلني الآن بوضوح.

لم يكن مجرد عطل فني.

صوت صراخ.. صراخ جماعي مكتوم يأتي من الطوابق السفلى.

نظرت إليه، وتقابلت عيوننا في الضوء الشاحب.

تلك النظرة التي تدرك فيها أن "اليوم العادي" قد انتهى للأبد.

نور: (بصوت يخرج بصعوبة) نحن.. نحن لسنا مجرد محتجزين، أليس كذلك؟

هو: (بصوت خافت جداً) اشتمي الرائحة.. هذا ليس حريقاً عادياً.. هذا بارود.

قبل أن أستوعب الكلمة، اهتز المصعد مرة أخرى، وهذه المرة، سمعت صوت الكابلات فوقنا تئن وتصدر صوت طقطقة بطيئة.. وكأن خيطاً رفيعاً هو كل ما يمنعنا من السقوط إلى الهاوية.

 

آدم

(الساعة 09:10 صباحاً - وهم السيطرة)

"بارود؟" رددتُ الكلمة بذهول، وكأن عقلي يرفض معالجتها.

رائحة البارود تعني شيئاً واحداً: هذا ليس حادثاً عرضياً.

حاولتُ أن أكون عملياً.. أنا مهندس، والأرقام لا تكذب، والمعادلات لا تنهار إلا إذا كان هناك خطأ في الحساب.. لكن لا توجد معادلة لما يحدث الآن.

أضأتُ كشاف الهاتف ووجهته نحو لوحة التحكم.

الأزرار تبدو ميتة، بلا أضواء، بلا حياة.

ضغطتُ زر الطوارئ الأحمر بشكل متكرر، وعنيف.

آدم: هل يسمعنا أحد؟ نحن عالقان بين الطوابق.. الو؟ الو!

لا رد.

فقط صوت "تشويش" إلكتروني خافت، ثم انقطع تماماً.

نظرتُ إليها.. كانت تجلس القرفصاء في الزاوية، تضم ركبتيها إلى صدرها.

عيناها واسعتان تعكسان ضوء الكشاف، وفيهما نظرة ترقب مخيفة.

إنها تنتظر مني حلاً، وهذا ما يقتلني.

يجب أن أفعل شيئاً.

الحركة هي الحل الوحيد لعدم الجنون.

توجهتُ نحو الباب المعدني المغلق.

دسستُ أصابعي في الشق الرفيع بين المصراعين.

المعدن بارد، لكن الهواء الذي يتسرب من الشق.. ساخن.

شددتُ عضلاتي.

صرختُ مكبوتاً وأنا أحاول المباعدة بين البابين.

آدم: ساعديني.. لا تجلسي هكذا!

لم تتحرك.

ظلت تحدق في الفراغ.

تركتُ الباب وضربته بقبضتي.. الألم الذي سرى في مفاصلي كان الشيء الوحيد الذي أكد لي أنني ما زلت حياً.

عدتُ للهاتف.. رفعتُه للأعلى، أبحث عن إشارة، ولو شرطة واحدة.

"لا توجد خدمة".

العبارة تظهر على الشاشة كحكم إعدام.

وفجأة، اهتزت الأرضية تحتنا مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن اهتزازاً ميكانيكياً.

كان انفجاراً.

شعرتُ بالموجة التضاغطية تضرب أسفل المصعد.. الغبار نزل من فتحة التهوية في السقف كالمطر الرمادي.

سعلتُ بقوة.

الرائحة تغيرت.. لم تعد باروداً فقط.

إنها رائحة بلاستيك يحترق... كابلات.

نظرتُ للساعة.. التاسعة وعشر دقائق.

كان يجب أن أكون الآن في قاعة الاجتماعات، أشرح مخطط التوسع العمراني.

كم يبدو ذلك سخيفاً وتافهاً الآن.

التفتُّ إليها، والغضب يتصاعد في داخلي.. غضب ليس منها، بل من عجزي.

آدم: هل ستظلين صامتة؟ نحن نموت هنا!

قالت شيئاً لم أتوقعه.

صوتها كان هادئاً بشكل مستفز، وكأنها تقرأ من كتاب.

نور: الصراخ يستهلك الأكسجين.. والمصعد محكم الإغلاق تقريباً.. وفر أنفاسك.

تسمرتُ مكاني.

إنها محقة.

لكن اعترافي بذلك يعني استسلامي للموت البطيء.

اقتربتُ منها، الضوء يرتجف في يدي.

آدم: اسمعي.. هناك حريق في الأسفل.. والدخان يصعد لأعلى.. المصعد يعمل كمدخنة عملاقة الآن، إذا انتظرنا "توفير الأكسجين"، سنختنق بالدخان قبل أن ينفد الهواء، يجب أن نفتح هذا الباب اللعين.

وقفت ببطء.

كانت ترتجف، لكن نظرتها كانت صلبة.

نور: وإذا فتحناه.. ماذا لو كان الحريق في الطابق الذي أمامنا مباشرة؟ سنشوي أنفسنا.

آدم: وما البديل؟ ننتظر أن نُسلق هنا كالضفادع؟

لم تجب، لكنها أشارت بإصبع مرتعش نحو شاشة الهاتف في يدي.

نور: انظر.. البطارية.

نظرتُ للشاشة.. 15%.. كان هاتفي نافذتنا الوحيدة للضوء، وعمرنا الافتراضي المتبقي يقاس بدقائق البطارية، لا بالساعات.

أغلقتُ الكشاف ليحل الظلام الدامس مرة أخرى.

آدم: (بصوت يخرج من بين أسناني في الظلام) حسناً.. سنوفر البطارية، لكنني لن أنتظر الموت.

تحسستُ طريقي للجدار، وجلست.

ظهري للجدار المعدني البارد، وظلام القبر يطبق عليّ.

في هذا الصمت، سمعت صوتاً جعل شعر رأسي يقف.

لم يكن انفجاراً، ولا صراخاً.

كان صوت "طقطقة" خفيفة تأتي من السقف.. صوت شيء يتمزق ببطء شديد تحت وزن ثقيل.

 

نور

(الساعة 09:30 صباحاً - انحلال الروابط)

الظلام ليس فارغاً كما يظن البعض.. الظلام مليء بالأشباح.

بمجرد أن أطفأ الهاتف، عادت كل مخاوفي لتتجسد أمامي.

رأيت وجه أمي في المشفى، رأيت حياتي تمر كشريط سينمائي ممل، بلا أحداث تذكر.

هل هذه هي النهاية؟ أن أموت في صندوق معدني مع رجل غريب يظن أن الصراخ خطة نجاة؟

صوت تنفسه كان عالياً، متوتراً، يملأ المكان.

أشعر بحرارة ترتفع من الأرضية.

نعم، باطن قدمي يشعر بالحرارة عبر نعل الحذاء.

النار تقترب.

حاولتُ تنظيم أنفاسي.

شهيق.. زفير.. كما تعلمت في دروس اليوغا التي لم أكملها أبداً.

مددتُ يدي في الظلام لأتأكد من وجود حقيبتي.

لمستُ الجلد البارد، وشعرت بقليل من الاطمئنان.

فيها زجاجة مياه صغيرة، وشاحن، وبعض المسكنات.. كنزي الصغير.

فجأة، سمعت حركته العنيفة.

قام وضرب الجدار بقدمه.

هو: تباً! تباً لكل شيء!

نور: (بهمس) اهدأ.. التوتر يرفع معدل ضربات قلبك.. ستتعب أسرع.

هو: (يصرخ في وجهي في الظلام) لا تقولي لي اهدأ! أنتِ لا تفهمين! لدي مشروع حياتي اليوم! أمي تنتظر مكالمتي! لا يمكن أن ينتهي الأمر هكذا بسبب.. بسبب عطل غبي أو هجوم لعين!

كلماته كانت مشحونة بإنكار طفولي.. إنه يرفض التصديق.

نور: كلنا لدينا حياة في الخارج.. لكن الآن.. حياتنا هي هذا المتر المربع فقط.

سمعت صوت احتكاك ملابسه وهو يقترب مني.

شعرت بأنفاسه الحارة تلفح وجهي، رغم أنني لا أراه.

هو: أنتِ باردة جداً.. هل تستوعبين الموقف؟ نحن مدفونون أحياء!

نور: أنا لست باردة.. أنا خائفة حد الموت.. لكنني أعرف أن الهلع يقتل أسرع من الدخان.. رأيت ذلك من قبل.

صمت للحظة، ربما استوقفته جملتي الأخيرة.

هو: رأيتِ ماذا؟

نور: الناس الذين يموتون ليسوا دائماً الأضعف جسدياً.. بل الذين يفقدون عقولهم أولاً.

تراجع للخلف.

سمعت صوت ارتطامه بالجدار المقابل وكأنه انهار عليه.

مرت دقائق ثقيلة كأنها دهور.

الحرارة تزداد.. العرق بدأ يتصبب من رقبتي وظهري.

الهواء أصبح لزجاً وثقيلاً.

بدأتُ أسعل بخفة.. رائحة الدخان لم تعد مجرد رائحة، أصبحت طعماً في حلقي.

أخرجت زجاجة المياه من حقيبتي.

التفت الغطاء بحذر، الصوت كان مسموعاً بوضوح في الصمت.

شربت رشفة صغيرة جداً، فقط لأبلل حلقي الجاف.

هو: (بصوت مبحوح) هل.. هل معك ماء؟

ترددت. الزجاجة صغيرة، ونحن لا نعرف كم سنبقى هنا.

غريزة البقاء صرخت بي: "احتفظي بها لنفسك".

لكن صوت "الطقطقة" في السقف عاد مرة أخرى، أعلى هذه المرة.

مددتُ يدي في الظلام، أتحسس الفراغ حتى لمست ركبته.

نور: خذ.. رشفة واحدة فقط.

أخذ الزجاجة من يدي بسرعة وعنف.

سمعت صوت تجرعه للماء.

كان يشرب بنهم.

نور: توقف! قلت رشفة!

سحبت الزجاجة منه بقوة.

تناثرت بعض القطرات الثمينة على يدي.

هو: آسف.. أنا.. حلقي يحترق.

نور: كلنا نحترق.. يجب أن نقنن كل شيء.. لا نعرف متى سيصلون إلينا.

هو: إذا وصلوا إلينا.

قالها بنبرة انكسار مخيفة.

تلك النبرة التي تعلن استسلام الروح.

وفجأة، حدث شيء قطع حوارنا اليائس.

صوت "هسيس" قوي.

شعرت بتيار هواء ساخن يندفع من شق الباب.

أضاء هو الهاتف بسرعة، ووجهه نحو الباب.

صرختُ مكتومة.

دخان أسود كثيف كان يندفع عبر شق الباب السفلي والجانبي، يزحف على أرضية المصعد ويتصاعد ليملأ المساحة الضيقة.

الخطر لم يعد في الخارج.. الخطر دخل إلينا.

آدم: (وهو يقفز واقفاً) القميص! اخلعي وشاحك.. ضعي أي قماش على أنفك!

بدأ يسعل بعنف، والدخان يحجب الرؤية حتى مع ضوء الهاتف.

نظرت للأعلى، ورأيت الدخان يتجمع تحت سقف المصعد، يشكل سحابة سوداء تخنق الضوء. في تلك اللحظة، أدركت أن جدالنا انتهى.

لم نعد "أنا" و "هو".

نحن الآن رئتان تصارعان من أجل نفس واحد نظيف.

مد يده لي وسط الدخان، وعيناه تدمعان من الحرارة والغازات السامة.

آدم: الباب.. يجب أن نفتح الباب الآن مهما كان ما خلفه.. وإلا سنموت اختناقاً خلال دقائق.

نظرت ليده الممدودة، ثم للباب الذي ينفث الموت.

أمسكت يده.. كانت مبللة بالعرق، لكنها كانت الشيء الوحيد الصلب في هذا الجحيم.

نور: (بصوت يخنقه الدخان) لنحاول معاً.. على العدة الثالثة.

واحد.. اثنان.. ثلاثة!

 

آدم

(الساعة 10:45 صباحاً - انتصار بطعم الرماد)

"واحد.. اثنان.. ثلاثة!" صرختُ بها من أعماق رئتي المحترقة.

شددنا معاً.

العضلات تصرخ، والأوتار في ساعدي تكاد تتمزق.

المعدن ساخن، يلسع باطن كفي وكأنه جمر.

نور كانت تشد بجانبي، أنفاسها تخرج كفحيح متقطع، وجهها محتقن بالجهد، والعرق يسيل مختلطاً بالسخام على جبينها.

آدم: (بصوت مخنوق) لا تتركي.. شدي أقوى!

أصدر الباب صريراً معدنيًا مرعباً، ثم.. تزحزح.

فجوة.. فجوة صغيرة بحجم كف اليد توسعت ببطء لتصبح بحجم رأس إنسان.

اندفعتُ نحو الفتحة بلهفة الغريق الذي يرى السطح.

تجاهلت الألم في كتفي، تجاهلت الدخان الذي يلفح عيني.

نظرتُ عبر الشق الذي فتحناه بشق الأنفس.

وتجمدت.. لم يكن هناك ممر.. لم يكن هناك طابق.. كان هناك جدار إسمنتي خشن رمادي، يبعد عن وجهي بضعة سنتيمترات فقط.

نحن عالقون بين طابقين.

الأسوأ من الجدار، كان ما رأيته في الأسفل عبر الفراغ الضيق بين عتبة المصعد والجدار.

هوة سحيقة مظلمة، يتصاعد منها دخان أسود كثيف وشرار أحمر يتطاير كالألعاب النارية الشيطانية.

آدم: (بهمس مذهول) لا.. مستحيل.

تركتُ الباب فجأة.

ارتد المصراع المعدني الثقيل بقوة الزنبرك.

لم أستطع سحب يدي بالسرعة الكافية.

حافة الباب المعدنية الحادة كالموسى انطبقت على ظهر يدي اليمنى.

صرخة ألم حادة انطلقت من حنجرتي رغماً عني.

سحبت يدي بعنف، والدم بدأ ينفجر ساخناً لزجاً، يلطخ قميصي المهترئ.

تراجعتُ للخلف، أضغط على جرحي، وظهري يرتطم بالجدار الخلفي للمصعد.

نور: (بفزع) آدم! يدك!

اقتربت مني بسرعة، عيناها مثبتتان على الدم الذي يقطر على أرضية المصعد المغبرة.

آدم: (ألهث من الألم) جدار.. مجرد جدار لعين.. لا مخرج.. نحن محاصرون في فرن.

لم تهتم بكلامي المحبط.. ركعت أمامي مباشرة، ودون تفكير، أمسكت معصمي بيدين مرتعشتين لكن حازمتين.

نور: دعني أرى.. لا تشد عضلاتك.

نظرتُ إليها.. كانت تتجاهل الدخان، تتجاهل الخطر، وتركز فقط على إيقاف نزيفي.

أخرجت من جيب معطفها منديلاً ورقياً، ومزقت قطعة من بطانة معطفها الحريرية بأسنانها.

كبتتُ أنّة ألم حين ضغطت بالمنديل على الجرح المفتوح.

نور: الجرح عميق، لكنه لم يقطع الشريان.. اضغط هنا.

وضعت إصبعي على مكان النزيف، وبدأت تلف القماش حول يدي بمهارة وسرعة.

لأول مرة منذ دخلنا هذا القبر المعدني، التقت عيوننا بلا حواجز.

لم أكن المهندس المتعجرف، ولم تكن هي الفتاة المنطوية.

كنا مجرد جسدين ينبضان بالخوف والحياة.

شعرت بلمسة أصابعها الباردة على جلدي المحموم.

لم تكن لمسة رومانسية، كانت لمسة نجاة.

لمسة تقول: "أنت لست وحدك في هذا الألم".

آدم: (بصوت هادئ بشكل غريب) شكراً.

نور: (وهي تعقد العقدة الأخيرة وتشدها) وفر شكرك.. سنحتاجه لاحقاً.

جلست بجانبي، كتفها يلامس كتفي السليم.

كنا نراقب الدخان يتجمع في السقف، والباب الذي كاد يقطع يدي عاد مغلقاً بإحكام، يحرسنا كحارس سجن أبدي.

ساد صمت ثقيل، لكنه لم يكن موحشاً كالسابق.

كان صمت شريكين في خندق واحد.

ثم، وسط هذا الصمت، سمعت صوت معدتي تقرقر.

ضحكتُ بسخرية مريرة.

آدم: تخيلي.. مع كل هذا الرعب، جسدي ما زال يطلب الغداء.

نور: هذا يعني أنك ما زلت تتمسك بالحياة.

قالتها، ثم أسندت رأسها على الجدار، وأغمضت عينيها.

رأيت دمعة واحدة، يتيمة، تهرب من تحت جفنيها وترسم خطاً نظيفاً على خدها المتسخ بالسخام.

 

نور

(الساعة 01:30 ظهراً - صدى الأرواح)

الوقت هنا لا يقاس بالساعات، بل بقطرات العرق وبنبضات الصداع الذي يدق في رأسي.

مرت ساعات.

الحرارة أصبحت لا تطاق.

نحن في علبة صفيح معلقة فوق جحيم.

خلعت معطفي منذ ساعة، وبقيت بقميص خفيف يلتصق بظهري.

آدم فك أزرار قميصه وشمر عن ساعديه، الضمادة على يده تشربت بالدم لكنه توقف عن النزيف.

العطش.. يا إلهي، لم أكن أعرف أن العطش له صوت.

صوت خشن يحتك في حلقي مع كل نفس.

زجاجة الماء في حقيبتي أصبحت مركز الكون... بقي فيها أقل من الربع.

نور: (بصوت جاف ومبحوح) آدم.. اشرب.

مددت له الزجاجة.. تردد.

آدم: لا.. أنتِ أولاً.. أنا بخير.

نور: شفايفك تشققت والدم ينزف منها.. لا تمثل دور البطل.. اشرب رشفة صغيرة.

أخذ الزجاجة.. يده ترتجف.

شرب قطرات قليلة وأعادها لي بسرعة وكأنها جمرة.

شربتُ خلفه.

الماء كان دافئاً بطعم البلاستيك، لكنه كان ألذ شيء ذقته في حياتي.

وضعنا الزجاجة بيننا كأنها تمثال مقدس.

آدم: (يحدق في السقف المظلم) كنتُ سأقدم استقالتي اليوم.. أو هكذا كنت أكذب على نفسي.

التفتُّ إليه.

كان يتكلم مع السقف، أو ربما مع الله.

نور: لماذا؟

آدم: لأنني أكره المباني الزجاجية.. حلمي الحقيقي كان ترميم البيوت القديمة.. تلك البيوت التي لها رائحة وتاريخ.. جدتي كانت تملك بيتاً في الريف، كنت أقضي الصيف كله أرمم سياجه الخشبي.

ضحك بضعف، ضحكة تشبه السعال.

آدم: والآن.. سأموت في أكثر مبنى زجاجي حديث ومكروه في المدينة.. سخرية القدر مضحكة، أليس كذلك؟

نظرتُ إلى يدي، وأظافري التي بدأت تتكسر.

نور: أنا كان من المفترض أن أكون في إيطاليا الآن.

نظر إليّ باهتمام، عيناه تلمعان في الظلام.

آدم: إيطاليا؟ لماذا لم تذهبي؟

نور: (بابتسامة حزينة) الخوف.. دائماً أقول "الشهر القادم"، "عندما أجمع مالاً أكثر"، "عندما أتحسن في اللغة".. الحقيقة هي أنني خائفة من أن أكون سعيدة بمفردي.. كنت أنتظر شخصاً ما ليذهب معي.. ولم يأتِ أحد.

آدم: (يميل برأسه نحوي) ونحن الآن هنا.. لا إيطاليا، ولا بيوت قديمة.. فقط دخان ورائحة خوف.

نور: هل تعرف ما هو أكثر شيء نادمة عليه؟

آدم: ماذا؟

نور: أنني لم أرد على رسالة أمي الصباحية.. كانت ترسل لي صورة وردة وتقول "صباح الخير يا نور عيني".. تجاهلتها لأنني كنت "مشغولة".

اختنق صوتي في الكلمة الأخيرة.

آدم مد يده السليمة، وبتردد، وضعها فوق يدي.

كانت يده كبيرة، دافئة، وخشنة.

آدم: إذا خرجنا من هنا.. سأخذك لأكل أفضل بيتزا في المدينة، وسنتخيل أنها في روما.. وسأتصل بأمي وأخبرها أنني أحبها مائة مرة.

نور: (بدموع حقيقية هذه المرة) "إذا" خرجنا.

آدم: سنخرج.. يجب أن نخرج.. لأنني الآن.. ولأول مرة منذ سنوات.. أريد أن أعيش فعلاً.. ليس لأعمل، بل لأعيش.

كانت لحظة غريبة.. وسط الموت، شعرت بحياة تدب في أوصالي.

شعور دافئ يغمر صدري، ليس بسبب الحرارة، بل بسبب هذا الغريب الذي أصبح أقرب لي من أي شخص آخر.

وفجأة.. انقطع حبل الأمل الرفيع الذي كنا ننسجه.

صوت فرقعة مدوية جاءت من أعلى بئر المصعد.

اهتزت الكابينة بعنف شديد، وسقطنا.. ليس سقوطاً كاملاً، بل "نطحة" مرعبة للأسفل بمسافة متر واحد.

صرختُ وتمسكت بذراع آدم.

توقف السقوط فجأة بصوت احتكاك معدني يخلع القلوب.

الغبار ملأ المكان.

آدم: (وهو يضمي إليه ليحميني من الغبار) الكابلات! أحد الكابلات انقطع! رفعنا رؤوسنا برعب.

صوت "أنين" معدني متواصل ومخيف يأتي من الأعلى.. الكابلات المتبقية تتمزق ببطء، شعرة تلو الأخرى.

المصعد الآن معلق بخيط من دخان.. والوقت نفد تماماً.

 

آدم

(الساعة 02:15 ظهرًا - صلاة في الجحيم)

الصوت الذي يصدره الكابل المتقطع ليس عالياً كما يتخيل الناس في الأفلام.

إنه صوت "تِك... تِك... تِك"... إيقاع بطيء، منتظم، ومرعب.

كل "تكة" تعني أن خيطاً فولاذياً آخر قد انقطع، وأننا اقتربنا ملمتراً إضافياً من السقوط الحر.

نظرتُ إليها.

كانت نور تجلس في الزاوية المقابلة، وجهها ملطخ بالسخام، وشعرها التصق بجبينها من العرق.

الحرارة هنا تجاوزت الخمسين درجة مئوية.

نحن نُطهى ببطء.

فجأة، اهتز المبنى بالكامل.

ليس اهتزازاً عادياً.

كان زلزالاً.

دوي انفجار هائل جاء من الأسفل، أقوى من كل ما سبق.

تيار هوائي ساخن اندفع عبر الشق الصغير في الباب، يحمل معه رائحة اللحم المحترق والبلاستيك المذاب.

المصعد تأرجح بعنف يميناً ويساراً، واصطدمت الأثقال الموازنة بالجدران الخارجية بصوت يشبه الرعد.

 

سقطتُ على ركبتي.

صرخت نور وغطت أذنيها.

انطفأ ضوء هاتفي لثانية ثم عاد يومض بشكل متقطع، وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة.

البطارية 4%.

في تلك اللحظة، انكسر شيء داخلي.

ليس كابلاً، بل روحي.

آدم: (بصوت يرتجف، فاقد للأمل) انتهى الأمر.. لن يأتي أحد.. المبنى ينهار من الأسفل.

رميتُ الهاتف على الأرض.

ما الفائدة منه؟ لا إشارة، ولا وقت.

وضعتُ رأسي بين ركبتي، وشعرت بدموعي الساخنة تنزل وتحرق جفوني المتهيجة من الدخان.

آدم: (أهمس لنفسي) سأموت هنا.. سأموت خائفاً ووحيدا.ً. لم أبنِ شيئاً.. لم أترك أثراً.

شعرتُ بحركة بجانبي.

رفعت رأسي ببطء.

كانت نور قد زحفت نحوي.

لم تقل كلمة واحدة.

اقتربت حتى تلاصقت ركبتاها بركبتي.

مدت يديها الصغيرتين وأحاطت بهما وجهي المتسخ.

نور: انظر إليّ ياآدم، انظر إليّ.

رفعتُ عينيّ إليها.

كانت تبكي أيضاً، لكن عينيها كانتا تلمعان بقوة غريبة.

نور: أنت لست وحيداً.. نحن هنا معاً.. هل تسمعني؟ لست وحدك.

ثم فعلت شيئاً لم أتوقعه.

سحبتني إليها بقوة واحتضنتني.

دفنت وجهها في رقبتي، ودفنت وجهي في كتفها.

كان عناقاً يائسًا، عناق غريقين يتشبثان ببعضهما وسط المحيط.

شعرت بنبض قلبها يضرب في صدري، سريعاً وعنيفاً، يخبرني أنها حية، وأنا حي.

تلاشت رائحة الدخان للحظة، ولم أشم سوى رائحة عطرها الخافت الممزوج بالعرق والخوف.

آدم: (بصوت مخنوق في كتفها) أنا خائف.. أنا آسف لأنني لم أكن أقوى.

نور: (تشد على عناقي) لا بأس.. لا بأس أن تخاف.. أنا أيضاً مرعوبة.. لكننا نتنفس.. ما دمنا نتنفس، القصة لم تنتهِ.

بقينا هكذا لدقائق، أو لدهر.

جسدان يرتجفان في الظلام، يحاولان سرقة لحظة من الدفء البشري قبل النهاية الباردة.

وفجأة، رفعت رأسها، وعيناها تتسعان بتركيز مفاجئ، وكأنها سمعت شيئاً لم أسمعه.

نور: آدم.. انظر للأعلى.

رفعتُ رأسي بتثاقل.

نور: هناك ضوء.. ضوء خافت جداً يتسرب من السقف.

حدقت في سقف المصعد المعدني.

نعم.. هناك ثقب صغير، بحجم العملة المعدنية، يدخل منه شعاع ضوء رمادي.

فتحة الصيانة!

 

نور

(الساعة 02:45 ظهرًا - الرقص مع الموت)

الخوف نوعان: خوف يشلك، وخوف يجعلك مجنوناً بما يكفي لتفعل المستحيل.

عندما رأيت بصيص الضوء من فتحة الصيانة في السقف، تحول خوفي إلى وقود.

نور: (أقف بسرعة وأشير للسقف) فتحة الطوارئ!

المربع الموجود في سقف المصعد.. إنه غير محكم الإغلاق!

نظر آدم للأعلى، ثم نظر ليده المصابة والمضمدة بخرقة دموية.

آدم: (بصوت يائس) السقف مرتفع.. ونحن نحتاج لفتح القفل من الداخل.. ويدي..

نور: (قاطعته بحزم) لا يهمني يدك! سنقف على السياج الجانبي.. سأصعد على كتفك.. سأدفعه بكل قوتي.

آدم: وماذا بعد؟ حتى لو خرجنا لسطح المصعد.. سنكون في البئر المشتعل.. الكابلات، الدخان..

اقتربت منه، أمسكت ياقته بيدي وهززته بعنف.

نور: وما البديل؟ أن ننتظر هنا حتى ينقطع الكابل الأخير ونسحق في القبو؟ أو نُشوى ببطء؟

صمت.

نظرت في عينيه ورأيت الصراع.

الجزء العقلاني فيه يقول "مستحيل"، والجزء البدائي يقول "نجاة".

آدم: (يأخذ نفساً عميقاً مؤلماً) حسناً.. حسناً.. لنمت ونحن نحاول.

تحركنا بصعوبة.

الهواء أصبح قليلاً جداً، كل حركة تسبب دواراً.

ساعدته على الوقوف.

استند على الجدار، وشبك يديه السليمة والمصابة ليشكل لي درجة سلم.

وضعت قدمي في يده.

صرخ ألماً عندما ضغطت على جرحه، لكنه لم يفلتني.

آدم: (يصر على أسنانه) اصعدي!

رفعت نفسي، وتشبثت بحافة فتحة السقف.

المعدن كان ساخناً لدرجة الحرق.

تجاهلت الألم في أصابعي.

دفعتُ لوح السقف برأسي وكتفي... كان ثقيلاً، ومصدأً.

نور: (أصرخ من الجهد) تحرك.. تحرك أيها اللعين!

ضربته بكتفي مرة، مرتين.. وفي الثالثة... انفتح الغطاء وسقط على سطح المصعد الخارجي.

تيار هواء أقوى وأكثر سخونة لفح وجهي، لكنه كان يحمل أكسجيناً أكثر من العلبة التي نحن فيها.

سحبت نفسي للأعلى بصعوبة، جسدي يرتجف من الإرهاق.

خرجتُ إلى سطح المصعد.

المشهد كان كابوسياً.

بئر المصعد عبارة عن أنبوب عملاق يمتد للأعلى والأسفل، مليء بالدخان الأسود الذي يتصاعد بسرعة.

في الأسفل، بعيداً جداً، رأيت توهجاً برتقالياً مرعباً.. النار.

مددت يدي لآدم في الأسفل.

نور: أمسك يدي! هيا!

قفز وأمسك حافة الفتحة بيده السليمة، وسحبتُه بكل ما أملك من قوة متبقية.

تأرجحت قدماه في الهواء، وصرخ من الألم وهو يحاول استخدام ذراعه المصابة.

نور: لا تترك!

بجهد خرافي، سحب نفسه وتدحرج بجانبي على سطح المصعد المترب والساخن.

استلقينا نلهث، صدورنا تعلو وتهبط بجنون.

نحن خارج الصندوق، لكننا ما زلنا في قلب البركان.

نظر آدم حوله، ثم أشار للأعلى.

على بعد طابقين تقريباً، كان هناك باب مصعد مفتوح جزئياً في الطابق 44.

آدم: (يشير بيده المرتجفة) ذلك الباب.. إذا استطعنا تسلق كابلات التوجيه والوصول إليه.. قد نخرج للممرات.

نظرت للكابلات.

سوداء، دهنية، وساخنة.

نور: طابقان؟ بيدك هذه؟

نظر إليّ، ومسح الدم عن وجهه بظهر يده السليمة.

ابتسم ابتسامة باهتة لكنها حقيقية.

آدم: لقد قلتِها.. القصة لم تنتهِ.. سأصعد، حتى لو حملتني الملائكة.

وقفنا على أقدامنا غير الثابتة. الكابلات المتبقية التي تحمل المصعد كانت تصدر صوت "أنين" متواصل، وكأنها تحذرنا: "أمامكم ثوانٍ فقط".

أمسك آدم بالكابل المعدني السميك الخاص بوزن التوازن.

آدم: أنا خلفك.. لا تنظري للأسفل أبداً.. فقط للأعلى.

أمسكت الكابل.

ملمسه الزيتي والساخن جعل معدتي تتقلص.

بدأت التسلق.

قدمي تنزلق، ويداي تحترقان.

صوت تنفس آدم ورائي كان مسموعاً، يتخلله تأوهات مكتومة.

وصلنا لمنتصف المسافة بين الطابقين.

وفجأة.. دوّى صوت حاد وقوي جداً، وكأنه طلقة مسدس بجانب أذني.

اهتز الكابل الذي أتمسك به بعنف شديد، وكأنه ثعبان غاضب.

نظرتُ للأسفل برعب.

المصعد الذي كنا نقف عليه قبل لحظات.. مال بزاوية حادة، وانفصل أحد جوانبه تماماً.

آدم.. كان يتمسك بالكابل بيد واحدة فقط، وقدمه انزلقت وتتدلى في الفراغ فوق الهاوية المشتعلة.

آدم: (يصرخ برعب) نور! لا أستطيع التمسك! يدي تنزلق!

 

آدم

(الساعة 02:50 ظهرًا - قانون الجاذبية والحب)

"نور! لا أستطيع التمسك! يدي تنزلق!" صرختُ بها، ليس طلباً للنجدة، بل تحذيراً.

يدي السليمة كانت تحترق بسبب الاحتكاك مع الكابل الزيتي، ويدي المصابة كانت خدرة تماماً، وكأنها قطعة خشب ميتة معلقة بكتفي.

نظرتُ للأعلى.

نور كانت قد وصلت إلى حافة عارضة معدنية بارزة من جدار البئر، تبعد عن باب الطابق 44 المفتوح جزئياً مسافة مترين فقط.

كانت تتشبث بيد، وتمد اليد الأخرى لي بملامح مشوهة من الرعب.

نور: (تصرخ والدموع تحفر مسارات في السخام على وجهها) هات يدك! آدم.. لا تجرؤ! هات يدك الآن!

حاولت.. أقسم أنني حاولت.

رفعت ذراعي المرتجفة، لكن الألم في كتفي كان أقوى من إرادتي.

جسدي ثقيل، أثقل مما ينبغي.

نظرتُ للأسفل.. المصعد تحتنا كان يترنح.

صوت "أنين" الكابلات الرئيسية أصبح صراخاً معدنياً متصلاً.

البراغي التي تثبت المقصورة بدأت تتطاير مثل الرصاص.

أدركتُ الحقيقة بوضوح مرعب وهادئ في آن واحد.

إذا حاولت نور سحبي، سأسقط وأسحبها معي.

وزننا معاً على تلك العارضة الصدئة مستحيل.

وإذا بقينا مكاننا، فالمصعد عندما يسقط بعد ثوانٍ، سيحدث موجة ضغط هوائي ستقتلعنا كأوراق شجر يابسة.

الحل الوحيد هو أن يقفز أحدنا للباب الآن.. وبقوة دفع كبيرة.

نظرتُ إليها.

كانت جميلة جداً رغم الفوضى.

عيناها تحملان كل الحياة التي تمنيت أن أعيشها.

آدم: (بصوت هادئ جداً وسط الضجيج) نور.. اسمعيني جيداً.. العارضة لن تحتملنا.

نور: (تهز رأسها بجنون) لا! لا تقل هذا! سنصعد معاً!

آدم: المسافة للباب بعيدة.. تحتاجين لدفعة.. تحتاجين لمن يتأرجح بالكابل ليدفعك هناك.

فهمت ما أرمي إليه.

رأيت الرفض القاطع في عينيها.

نور: مستحيل! لن أتركك! نموت هنا معاً ولا تتركني!

ابتسمت.

كانت أول ابتسامة حقيقية لي منذ سنوات.

آدم: أنتِ قلتِها.. القصة لم تنتهِ.. قصتكِ أنتِ ستبدأ الآن.. اذهبي لإيطاليا.. رممي البيوت القديمة.. عيشي عني وعنك.

نور: آدم.. أرجوك!

بدأ المصعد في الأسفل يهتز بعنف تمهيداً للسقوط الأخير.

الشرار يتطاير حولنا كالجحيم.

جمعت كل ما تبقى لي من قوة في جسدي المنهك.

لففت ساقي حول الكابل، واستخدمت وزني لأبدأ في التأرجح.

آدم: (أصرخ) استعدي للقفز! واحد!

نور: لا!

آدم: اثنان! (تأرجحت بقوة أكبر، دافعاً إياها بجسدي نحو الباب المفتوح) نظرت في عيني لآخر مرة.

كانت نظرة وداع، ونظرة وعد.

آدم: ثلاثة.. عيشي يا نور!

دفعتها بكل قوتي، وفي ذروة التأرجح، فلتت يدها من العارضة وقفزت نحو الباب.

رأيتها تطير في الهواء لثانية بدت كالأبدية..

ثم..

أمسكت بحافة الباب! تأرجحت قدماها في الفراغ، لكنها سحبت نفسها للداخل وسقطت على أرضية الطابق الآمنة.

التفتت إليّ فوراً، تصرخ باسمي وتمد يدها.. لكن المسافة كانت قد اتسعت.

أنا الآن أتأرجح وحدي في الفراغ.

نظرت إليها، ورفعت يدي المصابة بالتحية.

آدم: (أهمس) وداعاً يا حبيبتي.

وفي تلك اللحظة.. انقطعت الكابلات الرئيسية.

سقط المصعد.

شعرت بتيار الهواء يسحبني للأسفل.. استسلمت للجاذبية، وأغمضت عيني، وأنا أحمل صورتها في ذاكرتي.

لم أشعر بالخوف.

شعرت فقط... بالحرية.

 

نور

(بعد 6 أشهر - ترميم الروح)

صوت ورق الصنفرة الخشن وهو يحتك بالخشب القديم..

إنه صوت مريح.

صوت يخبرك أنك تزيل طبقات الماضي لتكشف عن الجوهر النقي تحته.

توقفت عن العمل ومسحت العرق عن جبيني بظهر يدي.

رائحة نشارة الخشب وزهر الليمون تملأ الهواء.

وقفتُ ومشيت نحو النافذة الكبيرة المفتوحة.

أمام عيني، تمتد تلال توسكانا الإيطالية الخضراء، تسبح في ضوء شمس الغروب الذهبي.

أنا هنا.

في منزل ريفي قديم، جدرانه من الحجر، وسقفه من القرميد الأحمر.

اشتريته بكل مدخراتي، وبدأت في ترميمه بيدي.

كل زاوية في هذا البيت أعرفها.

كل حجر رصفته في الحديقة، وكل لوح خشبي استبدلته في الأرضية.

نظرتُ إلى يدي اليمنى.

هناك ندبة صغيرة بيضاء على معصمي.. ذكرى من ذلك اليوم.

في ذلك اليوم، عندما سحبني رجال الإنقاذ من الطابق 44 وأنا أصرخ باسمه، قالوا إنني محظوظة.

قالوا إنها معجزة.

لم يجدوا له أثراً إلا.. ساعة يده.

كانت محطمة، وعقاربها متوقفة عند الساعة 02:52 دقيقة.

ارتديتها في معصمي الأيسر.

لا أخلعها أبداً.

عدت للعمل على الطاولة الخشبية العتيقة التي أرممها.

نور: (أتحدث بصوت مسموع للفراغ بجانبي) أتعلم يا آدم؟ الخشب هنا يختلف عن خشب المدينة.. إنه يتنفس.

ابتسمت.

صرت أتحدث معه كثيراً.

في البداية كنت أبكي، والآن أصبحت أحكيه له يومياتي.

لقد نفذت الوعد.

أنا في إيطاليا.. وأرمم البيوت القديمة كما كنت تحلم.

أعيش حياتين في جسد واحد.

أتنفس برئة واحدة لي، والأخرى لك.

رن هاتفي.. كانت رسالة من أمي: "صورة جميلة للبيت يا حبيبتي.. متى ستعودين؟" رددت عليها فوراً: "قريباً يا أمي.. لكن ليس قبل أن ينتهي موسم الزيتون".

أغلقت الهاتف، ونظرت للصورة المعلقة على الجدار الحجري.

ليست صورتي.. إنها رسم تخطيطي رسمته له من ذاكرتي.

وجهه وهو يبتسم تلك الابتسامة الأخيرة قبل أن يسقط.

لم تكن ابتسامة مودع، بل ابتسامة منتصر.

مشيتُ إلى البيانو القديم الذي وضعته في زاوية الغرفة.

جلست، وضعت أصابعي على المفاتيح.

لم أتعلم العزف باحتراف بعد، لكنني أستطيع عزف لحن بسيط.

عزفتُ نغمات هادئة، حزينة لكنها مليئة بالأمل.

نور: (أهمس مع الموسيقى) لم نمت في ذلك المصعد يا آدم.. نحن فقط ولدنا من جديد.

أنت ولدت في السماء.. وأنا ولدت هنا، على الأرض، أحمل قلبك معي في كل خطوة.

هبت نسمة هواء باردة من النافذة، حركت الستائر البيضاء الشفافة.

شعرت بقشعريرة دافئة تسري في ظهري، ورائحة عطر خافتة جداً.. تشبه رائحة المطر والقهوة.. ورائحته.

أغمضت عيني، وأخذت نفساً عميقاً.

نور: أعرف أنك هنا.

فتحت عيني، نظرت للشمس وهي تغيب خلف التلال، وأدركت أن الغروب ليس نهاية، بل هو وعد بشروق جديد في مكان آخر.

حملت أدواتي، وأغلقت باب الورشة، ومشيت في الطريق الترابي بين أشجار السرو، خطواتي ثابتة، وظلي يمتد طويلاً على الأرض.. وكأنه ظل لشخصين، لا لشخص واحد.

تمت
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.