حكاية متتحكيش | الفصل السابع: أصداء الماضي وفخاخ الحاضر
الفصل السابع: أصداء الماضي وفخاخ الحاضر
.........
الفصل السابع "أصداء الماضي وفخاخ الحاضر"
لا تزال أعين "فارس" و"طاهر" غارقة في ذهولٍ شاحب، يرمقان "حسام" بنظراتٍ متجمدة، وكأنه بعثٌ حيٌّ خرج للتو من رمسِ ظلماتِ قبره العتيق. استحال الهواء في ردهة السرايا إلى رصاصٍ جاثم على الصدور، وتوقف الزمن عند تلك اللحظة التي التقت فيها العيون بخصمٍ قديم لم يكن في الحسبان.
حاول "طاهر" جاهدًا لجم نبضات قلبه المضطربة التي كانت تقرع ضلوعه كطبول الحرب، تقدم بخطواتٍ ثقيلة كأنما يجر وراءه سلاسل من حديد، وألقى التحية بصوتٍ يخرج لأول مرة في حياته مرتعشًا ومتحشرجًا:
— "السلام عليكم."
نطقها وعيناه لا ترى سوى "حسام"، غائبًا عمن سواه حول الطاولة، وكأن العالم انكمش في هذا الوجه الذي يمقته.
بينما تسمر "فارس" في مكانه، والدموع المتحجرة بدأت تغزو مآقيه كغيمةٍ شتائية تأبى المطر، لولا صوت "الريان" الذي استحثه بنبرةٍ دافئة:
— "تعالى يا خالد يا ولدي تعالى."
اقترب "فارس" بوئيد الخطى، بخطواتٍ تائهة، حتى وقف جوار "طاهر" أمام "حسام"، الذي نهض فجأة محتضنًا "طاهر" بابتسامةٍ عريضة غلفت ملامحه الماكرة:
— "والله زي ما قال أبوك يا طاهر، شكلك راجل يعتمد عليه يا واد."
في تلك اللحظة، كان "طاهر" يشعر بجسده يشتعل نفورًا واحتراقًا؛ غريزةٌ بدائية تدفعه لدفعه بكل قوته أرضًا وإبعاده عن ناظريه للأبد، كأن لمسة حسام لوثت نسيج ثيابه.
بينما انتقل "حسام" لـ "فارس" محتضنًا إياه هو الآخر ببرودٍ مرعب، وهو يوجه حديثه لـ "الريان" بلكنته المصرية الواثقة:
— "على فكرة يا ريان، أنا بدأت أغير.. عندك شوية رجالة إنما إيه!"
تعالت ضحكات "الريان" الرنانة، لتهز أركان السرايا بوقار:
— "يا بوي عليك وعلى عينك يا حسام، يا أخي قول ما شاء الله!"
انفجروا بالضحك، لكنها كانت ضحكاتٍ جوفاء ميتة، لا يشاركهم فيها أحد؛ ففي تلك اللحظة كانت "ميار" ترصد أخاها الذي تبدل لونه، فهي الأقرب لروحه وتجيد قراءة غضبه الدفين من أدق تعابير وجهه المشتعل.
أما "سعاد " فكانت غارقة في فراغها المعتاد، لا تعير أحاديثهم أدنى اهتمام، بينما "نادر" كان الوحيد الذي فطن لتلك الزلزلة الأرضية التي أصابت كيان "فارس" و"طاهر".
"سيرين" من جهتها، لم تلتفت خلفها قط؛ فـ "طاهر" و"فارس" كانا وراء ظهرها، ولم يكن يعنيها شأن "حسام" أو غيره، بل إن كبرياءها المتأصل حال بينها وبين إظهار أي مبالاة للوافدين الجدد.
أما "مريم"، فقد كانت ترقب المشهد بهدوءٍ تام وسكينةٍ باردة لا يقطعها شيء.
قطع "الريان" هذا الصمت المطبق وهو يوجه حديثه لـ "فارس":
— "تعالى يا خالد يا ولدي اتفضل اقعد!"
حاول "فارس" استجماع بقايا أعصابه المشتتة، راسمًا ابتسامة باهتة على ثغره وهو يرد بمصريته الهادئة:
— "تسلم يا عمدة الله يباركلك، أنا هحط الملف هنا وهروح عشان ألحق أتعشى مع جدتي.. بألف هنا عليكم جميعًا."
ابتسم له "الريان" مودعًا بوقار:
— "تمام يا ولدي، تسلم."
ثم التفت لابنه الذي لا يزال يشخص ببصره نحو "حسام" بنظراتٍ مريبة تحمل وعيداً باطنيًا:
— "أنت ليه لسه واقف يا طاهر؟ تعالى اقعد."
انتبه "حسام" لتصرفات "طاهر" الغريبة، وجد في عينيه مقتًا لم يفهم كنهه، وقبل أن ينطق بكلمة، بادره "طاهر" بصوتٍ قاطع كحد السيف:
— "بألف هنا على الجميع.. تصبحوا على ألف خير."
ألقى بنظرة اعتذار خاطفة لوالده، ثم انصرف نحو غرفته بهيبته المعتادة، يخطو بخطىً واسعة وعضلاته مشدودة كقوسٍ يوشك على الانفجار، وما إن ولج غرفته حتى أوصد الباب خلفه بعنفٍ زلزل الجدران، ثم جثا على ركبتيه فجأة وكأن الأرض لم تعد قادرة على حمله!
هنا سقط ذلك "الجبل"؛ احتقنت عيناه العسليتان الممزوجتان بالخضرة بحُمرة الألم القانية، ولم يلوح أمام مخيلته سوى مشهد تلك "السكين" الملطخة بالدماء في قلب منزله القديم.. مشهدٌ يأبى النسيان.
أما في الخارج، فكان "فارس" لا يزال قابعًا في مكانه، لم يبرح السرايا بعد؛ جلس على درجات السلم الحجرية يحتضن نفسه كطفلٍ يتيم يواسي يتمه في ليلةٍ باردة، يشعر بعودة ذلك الوجع العتيق وكأنه لم يبرأ منه يومًا، ضعفٌ مهين اجتاح روحه، وكأن كل القوة التي شيدها على مدار السنين لم تكن سوى أحجارٍ من ورق تهاوت أمام شبح الماضي.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بعد عدة ساعات من ذهاب حسام من منزل الريان، كان يجلس بالصالون في منزله الجديد مع زوجته مريم بأريحية ويفكر بعمق، في حين بادرته مريم بسؤال:
— "بس مقولتليش يا حسام الشابين دول بيبصولك كدة ليه؟ يعني مش عارفة بس كان في حاجة غريبة!"
رفع شفته لأعلى دلالة على عدم معرفته أو اكتراثه:
— "مش عارف.. أصلاً دي أول مرة أشوفهم فيها معرفهمش... يعني أكيد طاهر دا عارفني من الريان.. أكيد سامع عني... وخالد ممكن كدة.. لكن اللي متأكد منه.. إنهم سامعين حاجة سيئة لدرجة تخليهم مش عارفين يداروا كرههم."
نظرت إليه مريم باستغراب مشوب بالقلق:
— "حاجة وحشة إيه؟ وإنت هتكون بتعمل إيه يعني!"
— "سبحان الله! جوزك ومش عارفة بيعمل إيه؟! مطلعش الحب أعمى... دا طلع أعمى وأخرس وأطرش يا ماما ."
قالتها سيرين بسخرية لاذعة وهي تمرق بينهما كالسهم المسموم.
نظر لها حسام بابتسامة مشاغبة ومستفزة لمضايقتها:
— "يعني بذمتك يا سيرين... لو شوفتي واحد كدة طول بعرض بعيون وجمال حسام كدة مش هتقعي يا شيخة!"
نظرت له باشمئزاز يفيض من مقلتيها الحزينتين:
— "أنا لو شوفت حسام تاني تأكد إني يا هقتله...يا هقتل نفسي."
— "يعني يا سيرين مهما عمل وهزر معاكي نفس أسلوبك هو هو! يعمل إيه عشان يكسبك يا حبيبتي!"
قالتها مريم بتعاطفٍ مفرط أثار حنق ابنتها.
ردت سيرين باحتقار:
— "يغور في ستين داهية."
قالتها وهي تركض لغرفتها بغضب شديد، فانتصب حسام بضيقٍ وهو يتجه خلفها، فأمسكت به مريم مسرعة قائلة:
— "إنت رايح فين يا حسام؟ سيبها بالله عليك أهي عيلة!"
نظر لها بسخرية مريرة:
— "عيلة عندها عشرين سنة ولسانها أطول منها هاا!"
تعاطفت مريم معه وهي تقول بضعف:
— "معلش سيبها بس وتعالى نروح ننام."
وافقها حسام على مضض وذهبا لغرفتهما.
أما عند فارس، لم يسعه المنزل الضيق، فخرج ليستنشق بعض الهواء وهو يتجول بالشوارع في ظلام الليل الدامس، ونسمات الهواء الباردة تداعب شعره حتى قشعر جسده.
وفي حين كان يمشي، استمع لشيء ما! التفت حوله بوجلٍ، ولكنه لا يرى شيئاً؛ فالجو كان مظلمًا حالكًا.
لم يعطِ الأمر اهتمامًا واستمر بالمشي، ولكن شعر وكأن هالة شخصٍ تتبعه من الخلف، فنظر فجأة وصرخ بذعر مصري:
— "بسم الله الرحمن الرحيم! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! يا أخي الناس بتتكلم بتقول... أنا.... هنا دا إيه دا!"
كانت ضحكات طاهر الرجولية تتعالى في الأفق، ومع هدوء المكان كانت تتكرر بنغمة مميزة وهو يقول:
— "يا أخي أنا كنت عارف إنك خايف، إنت ماشي رجليك بتخبط في بعض أصلاً!"
نظر له فارس بضيقٍ وهو يحاول استعادة وقاره المبعثر:
— "رجلين مين يا أخويا اللي بتخبط في بعض دي بقا!"
ضحك طاهر وهو يقول:
— "يعم خلاص متتكسفش مش هقول لحد.... بس إنت بتعمل إيه هنا في الوقت دا؟"
رد فارس بهدوء:
— "مفيش مكنش جايلي نوم قولت أتمشى هنا في البلد."
أومأ طاهر بهدوء وتفهم:
— "حلوو.. طيب تعالى نتمشى مع بعض."
وافقه فارس فورًا، فهو يحتاج إلى أية فرصة قد تعرفه أكثر على طاهر ووالده.
ثم ذهبا حتى وصلا لكوخ صغيرٍ من الطوب الأخضر، فتح طاهر الباب الخشبي وهو يقول لفارس:
— "تعالى يا خالد ادخل شيل معايا الكنبة دي."
دخلا معاً وحملا سويًا تلك الكنبة، ثم أخرجا بعض الحطب كان موجودًا في الداخل.
فنظر فارس لطاهر قائلًا بإعجاب:
— "شكلك ناوي على سهرة إنماااا إييييه!"
ابتسم طاهر بصفاء:
— "دي مش أول مرة.. أنا دايمًا بفضل هنا في الوقت دا مع كوباية الشاي بالنعناع ونسمات الهوا هنا إنما إيه..."
ثم نظر إليه بعينيه الواسعتين قائلًا بصدق:
— "بس أول مرة في حياتي أشارك القعدة دي مع حد! إنت أول واحد ومعرفش ليه قولتلك تعالى."
ابتسم فارس بامتنان:
— "دا شرف ليا والله."
رد طاهر بغرورٍ محبب:
— "طبعاً شرف ليك."
نظر له فارس بصدمةٍ مصطنعة، فتعالت ضحكات طاهر اللذيذة.
قال فارس بضيقٍ مازح:
— "أنا هروح أشوف الكبايات عشان مرتكبش جريمة دلوقتي."
تجاهله طاهر بابتسامة وهو يجلس ويشعل النيران بأريحية، في حين جاء فارس وجلس بجانبه ووضع إبريق الشاي على النار ليتخمر الشاي ببطءٍ لذيذ.
بادر فارس طاهر بسؤالٍ طالما أرقه:
— "عندي سؤال ليك محيرني!"
ابتسم طاهر وهو يعتدل بجلسته:
— "اتفضل يا سيدي قولي السؤال اللي مش منومك طول الليل دا."
بادله فارس الابتسامة:
— "يا أخي مش كدة بس.. شاغل بالي بجد ليه كانوا حواليك كدة... يعني حوار إنهم يتجمعوا عليك وإنك ابن العمدة... والعمدة مش زي عندنا في القاهرة كدة، هنا في الفيوم... العمدة هو الحاكم... هو اللي بيحل المشاكل بيمشي الشغل والأراضي... فأنهم عايزين يتخلصوا منك فـ أكيد ناس قوية... فمين دول وليه؟!"
شرد طاهر بتفكير عميق وهو يشاركه مع فارس:
— "كنت شايف واحد منهم بيوزع مخدرات كنت بجري وراه.. عايز أتخلص منهم بأي طريقة وهتخلص بإذن الله.. وأنا بجري وراه لقيت فجأة الرجالة دي حواليا... عرفت ساعتها إنها مقصودة.. كان قصدهم يعملوا الحركة دي!"
كان فارس ينظر له باستغراب شديد؛ هل يخدعه الآن؟ أليس هو من يتاجر بتلك المخدرات؟! فكيف له أن يحدثه الآن عن مطاردته لموزعيها؟
انفض تفكيره وهو يقول بعد فهم:
— "مقصودة إزاي يعني؟! كان هيعملوا معاك إيه يعني؟"
رد طاهر بلهجته الصعيدية المميزة والواثقة:
— "عايزين يعلّموا عليا وكدة، قدروا يعلّموا على ابن العمدة اللي هو الكل في الكل، دا واحد.. ويوصل إنهم عارفين خطواتي وبيلعبوا معايا لعبة وسخة."
كانت أفكار فارس مشوشة تمامًا وهو يقول له:
— "بس يا طاهر! إنتوا كبار البلد إنت وعيلتك... ياما حد من برة، بس حتى لو فيه حد من برة لازم يكون حد بيساعده من جوا.. ولا إنت شايف إيه؟"
وافقه طاهر في التفكير:
— "بالظبط... هو حد من تونس هنا... وهيتعرف وهجيبه."
ثم أخذ إبريق الشاي وهو يصبه بالكبايات قائلًا:
— "هتشرب أحلى وألذ كوباية شاي تشربها في حياتك يا معلم."
ابتسم فارس:
— "لما نشوف يا سيدي."
أعطاه طاهر الكوب فأخذه فارس وهو يرتشف منه بتلذذ، ثم قال بمشاغبة:
— "عارف كوباية الشاي دي محتاجة إيه؟"
ابتسم طاهر بتساؤل:
— "محتاجة إيه يا سيدي؟"
تعالت ضحكات فارس وهو يقول:
— "محتاجة أغنية في الوقت دا زي..."
وبدأ يغني بابتسامة وكأنما الزمن توقف عند حنجرته:
— "أهواك... وأتمنى لو أنساااك... وأنسى روحي وياك."
أكمل طاهر بانسجامٍ واستمتاعٍ هو الآخر:
— "وإن ضاعت يبقى فداك لو تنساني."
فارس:
— "وأنساك وأتاريني بنسى جفاك.. وأشتاق لعذابي معاك.."
أكمل طاهر بصوته العذب الذي شق صمت الليل:
— "وألقى دموعي فكراك أرجع تااااني.. في لقاك... الدنيا تجيني... معاك... ورضاها يبقى رضاك."
كانت الساعة تقترب من السادسة صباحاً، والشمس في "تونس" لم تكن قد أعلنت عن سيادتها الكاملة بعد؛ مجرد خيوط ذهبية باهتة تشق طريقها عبر ضباب خفيف يكسو الحقول كالكفن الرقيق.
كانت سيرين تمشي بخطوات هادئة وسط ممر ترابي ضيق، يحيط بها شجر الجميز العتيق من الجانبين، ورائحة البرسيم المندى بالطل تملأ رئتيها بنقاءٍ لم تعهده في صخب القاهرة.
كانت ترتدي فستاناً قصيراً يصل لركبتيها، بنقشات بسيطة وألوان هادئة تناسب موضة السبعينات، وفوقه سترة صوفية رقيقة تحميها من نسمات الصباح الباردة.
شعرها كان منسدلاً على كتفيها، يتطاير مع حركة مشيتها، وعيناها البنيتان تتأملان الخضرة الممتدة وكأنها تحاول استرداد "روحها" التي سحقتها الأدوية.
فجأة.. انكسر هدوء الطبيعة بصوت "حشرجة" غريبة، تلاها صوت ارتطام شيء ثقيل بالأرض. توقفت سيرين، تسارعت نبضات قلبها، وتقدمت بحذر خلف شجرة ضخمة.. لتتجمد الدماء في عروقها.
أمامها، وسط "جرن" صغير مهجور، كان هناك ثلاثة فتيان، أكبرهم لا يتجاوز السبعة عشر، وزميلاه في الخامسة عشرة والسادسة عشرة.
كان المشهد يفوق قدرة عقلها على الاستيعاب: الأول منبطح على وجهه، وأطرافه تتشنج بعنف كأن تياراً كهربياً يمزق جسده الضئيل.
الثاني جالس يسند ظهره لنخلة، رأسه مائل للخلف، وعيناه مفتوحتان بجمود مخيف، يخرج من فمه رذاذ أبيض لزج، ويداه القابضتان على التراب تحاولان التمسك بحياة تفر منهما. أما الأصغر، فكان يرتجف بهستيريا، يحاول الضحك بصوت مخنوق ثم ينفجر في نوبة بكاء صامتة، وجلده شاحب كأنه طُلي بالرماد.
رائحة كيميائية نفاذة، غريبة على طهر الريف، كانت تنبعث من المكان.. "جرعة زائدة" من سمٍ لا يرحم. تراجعت سيرين للخلف بذهول، تعثرت في غصن شجر جاف، فانطلق صراخها عفوياً يمزق سكون الغيط:
— "يا ناس! حد يلحقنا! فيه حد هنا؟! يا نااااس!"
بدأت تركض بلا هدى في الطريق الترابي، فستانها القصير يتطاير مع سرعة حركتها، وخصلات شعرها تلتصق بوجهها المبلل بدموع الرعب. كانت تتلفت حولها بحيرة قاتلة، تصرخ بكل قوتها وهي تلهث، تشعر بأن الأرض تدور بها، وأن وحوش الضباب ستبتلعها.
— "إلحقوني! بيموتوا.. بيموتوا يا عالم!"
وفي لحظة فقدان توازن، وبينما كانت تلتفت خلفها برعب، اصطدم جسدها الرقيق بجسد صلب كالجدار الصواني. ترنحت، كادت تسقط، لكن يدان قويتان قبضتا على ذراعيها بقوة منعتها من الانهيار. رفعت رأسها وهي تنهج بعنف، لتجد نفسها أمام ذلك الوجه الصارم.. طاهر.
كان يقف بجلبابه الأسود المهيب، وعيناه الخضراوان اللتان تشبهان نصل الخنجر تحدقان في ذعرها ببرودٍ غريب، قبل أن ينطق بصوته الرخيم الذي جعل قلبها يتوقف لثانية:
— "بتعملي إيه ي بت إنتِ في الوقت دي أومال؟"
ثم نظر لملابسها وشعرها قائلًا باشمئزاز صعيدي:
— "وبتقولي ساعدوني ساعدوني ليه وإنتِ اللي مخلية كلاب السكك تجري وراكي أكده؟!"
نظرت إليه بدهشة بعينيها البنيتين قائلة بمصريتها الرقيقة:
— "كلاب السكك؟ مفيش كلاب بتجري ورايا أنا!"
تعالت ضحكاته بسخرية:
— "إنتِ من مصر يعني؟!"
ردت بدهشة أكبر:
— "مصر؟ هو إحنا هنا مش في مصر؟"
ثم تذكرت الشباب الذين أنساها ذلك الرجل إياهم، فنظرت إليه بخوف وهي تقول:
— "مش وقته... مش وقته... ال.. العياال... بيموتوا..."
نظر لها بصدمة وهو يقول:
— "عيال إيه؟! إنتِ بتقولي إيه يابت إنتِ؟"
أخذت تشير للشجرة العملاقة وهي تقول بأعين دامعة:
— "في عيا.... ل هناك بيموتوا... إلحقهم بالله عليك.."
رفع طاهر جلبابه الأسود وهو يركض باتجاههم بكل قوته، وحين وصل لهم ارتفع الدم لرأسه من الغضب وهو يرى حالتهم، ولكنه تدارك نفسه سريعًا وهو يتفقدهم، فوجدهم على قيد الحياة جميعًا، حتى تنفس الصعداء.
نظر لسيرين التي تقف متجمدة وهو يقول بصراخ:
— "خليكي واقفة هنا معاهم هروح أتصرف بسرعة بدل مانتي قاعدة زي الشجرة المربوطة من غير أي ستين لازمة."
قالها وهو يركض لمساعدتهم بأسرع وقت وأي طريقة، أما هي فكانت تنظر له بغضب شديد تريد أن تفتك به، تشعر وكأنه أخرج طاقة منها تجعلها تريد قتله الآن، ثم اقتربت من الشباب وهي تركث على ركبتيها ولامت نفسها أنها تفكر به لا بهم، وقد امتلأ قلبها بالرعب أن يحدث لهم شيئًا، وبالأصل كيف حدث لهم ذلك؟ ثم دققت بتلك الرغوات البيضاء فتأكدت بأنها تلك المخدرات، ولم يستوعب عقلها بعد كيف لمراهقين بذلك السن أن يأخذوا ذلك السم وأين عائلاتهم.
بعد عدة ساعات من الآن، استيقظ العمدة أحمد الريان على سماع خبر عشرين من الشباب يصارعون الموت بسبب مادة مخدرات جديدة انتشرت في تونس، وقد كان أكثر من ذعر بسماع ذلك الخبر، فقد استيقظ فورًا ولبس جلبابه وأخذ عصاه وهو ينزل للسرايا ويقابل غفيره قائلًا بعصبية:
— "إيه اللي حصل من أول الصبح أكده؟! خبرني قوام يا ولدي؟ إيه اللي جرى وكيف العيال دي حصل فيهم كدة فجأة؟"
رد الغفير قائلًا بهدوء:
— "والله يا عمدة إحنا كنا قاعدين وسمعنا الناس مقلوبة وبتشتكي ويقولوا عيالنا يا عمدة.. وبعدين شوفت السي طاهر بياخد شوية رجالة تلف على البلد كلياتها وتشوف بيت بيت لو حد تعبان وجمع العيال التعبانة كلها ووداها العيادة.. يعني والله من غيره ما كنا هنعرف نتصرف، كتر خيره."
اطمأن العمدة أخيراً بأن ابنه قد تصرف وقد لملم شتات المشكلة وهو يقول باطمئنان:
— "ربنا يخليه لأهل بلده يارب."
أما بمصنع الزيتون، كان فارس يقوم بدراسة الدفاتر ليرى أي ثغرة أو شخص مشبوهٍ، لكنه لم يجد أي شيء، ثم قال لذلك الغفير الذي يرافق العمدة دائمًا بمصريته:
— "بقولك هو أنا محتاج دفتر السنة اللي فاتت! ألاقيه فين؟"
قال له الغفير وهو يشير لغرفة كبيرة:
— "استنى أنا هجبهولك!"
أوقفه فارس وهو يقول:
— "استنى هتتعب نفسك ليه، أنا هروح أجيبه وادرسه هناك بسرعة وهحط الدفترين هناك يعني."
رد الغفير بشك:
— "لا. لا مينفعش الكلام دي! محدش يدخل الأوضة دي!"
رد فارس بهدوء وثبات مصري:
— "براحتك.. بس أنا هقول الكلام دا للعمدة.. إذا كان هو آمني على حساباته إنت مش هتأمني.. أنا هقوله وهو يشوف الحوار دا."
نظر له الغفير بحيرة ولكنه خاف أن يوبخ من العمدة فأعطاه المفتاح، فأخذه فارس سريعًا وهو يدخل المكتب الكبير ويغلق خلفه.
لم يكن في نيته أن يرى دفاتر الزيتون، بل يريد أن يعرف ما من الممكن أن يكون خلف العمدة وأن يأخذ أي أوراق قد تدينه.
ترك الأوراق التي بيده وأخذ ينظر بتركيز للغرفة فلم يجد سوى مكتب خشبي عتيق وخزانة صغيرة بالأرض، وهو يذهب باتجاهها التفت عند المكتب فإذا بصوتٍ تحت قدمه، فضغط مرة أخرى واستمع لصوتٍ وكأنه باب.
دفع المكتب للأمام بسرعة وأزاح ذلك الغطاء، ثم أخذ يجرب في تلك المفاتيح حتى فتح واحدًا.
نظر للأسفل بحذر ثم نزل بسرعة فوجد مكانًا صغيرًا مظلمًا، اقترب حتى وجد صناديق، فتح واحدًا حتى وجد ما يجعله يفتح فاهه بدهشة وهو يقول بصوت متهدج:
— "يا ولاد الكلب.... يعني الريان وابنه اللي بيوزوعوا المخدرات... وابنه عاملي فيها الخضرة الشريفة!"
نهاية البارت
تفتكروا هل الريان هو الي ورا تعب الشباب؟
ولو هو الي بيتاجر ليه الشباب أثرت فيها دلوقتي الادوية؟
وايه السر الي ممكن يكون خلف حسام الطحاوي؟
وفارس هيعمل ايه بعد ما شاف المخدرات هيسكا ويكمل؟ ولا بقى عنده الادلة الكافية لحبس الريان وابنه؟
للكاتبة: هدى نجيب/نور أحمد