رواية حكاية متتحكيش (الفصل السادس: ما لم يكن بالحسبان)
الفصل السادس: ما لم يكن بالحسبان
.........
"فى المصنع الزيتون"
كان جوُّ المصنع يمضي على وتيرته المعتادة، حركةٌ دؤوبة وأيدٍ خبيرة تعمل في صمتٍ منظم بعضُ العمال يتولّون تسجيل الكميات في الدفاتر الورقية القديمة، بينما ينهمك آخرون في نقعِ أغصان الزيتون وتنظيفها استعدادًا للعصر وفي زاويةٍ من المكان تقف الآلة العتيقة، التي طالما دارت عجلاتها منذ سنين، تطحن حبات الزيتون ببطءٍ وثبات، لتنساب منها قطرات الزيت الصافي ذات الرائحة الزكية، أما نوى الزيتون، فلم يكن أمره هيّنًا في نظر العمال؛ إذ يحرص الجميع على جمعه بعنايةٍ فائقة والاحتفاظ به في أكياسٍ منفصلة، كأنه كنزٌ لا يقل قيمةً عن الزيت نفسه، لما يُستفاد منه في الوقود أو في استعمالاتٍ أخرى داخل القرية!!!؟
كان فارس يقف في أعلى السُّلَّم الحديديّ القديم، الذي يطلّ على صالة المصنع الواسعة، السُّلَّم مهترئ قليلًا من أثر السنين، ودرجاته تصدر صريرًا خافتًا كلما تحرّك فوقها أحد، من ذلك الموضع المرتفع كان يرى العمال منتشرين في أرجاء المكان؛ بعضهم يفرز الزيتون في الصناديق الخشبية، وآخرون يراقبون المعصرة العتيقة وهي تدور ببطء، بينما يملأ عبق الزيت الطازج الجوّ ويختلط برائحة الخشب والرطوبة، وقف فارس مستندًا إلى الدرابزين الحديدي، ذراعاه متشابكتان، وعيناه تتنقلان بين العمال والأكياس المكدّسة في الزاوية. كان أكثر ما يلفت انتباهه حرص الجميع الشديد على جمع نوى الزيتون بعد العصر، كأن له قيمةً خفية لا يعرفها! ظلّ يراقب في صمت، ثم تمتم في نفسه متعجبًا:
"هو إيه أهمية نوى الزيتون يعني؟ أكيد في سر"
لكن صوته الداخلي انقطع فجأة حين سمع خطوات تقترب خلفه فوق درجات السُّلَّم، ثم جاءه صوت طاهر، هادئًا لكن فيه شيء من المزاح والفضول:
"يعني ما قلتليش إنك بتشتغل هنا… ولا تكونش عمّال تستورد الزيتون من هنا؟"
التفت فارس قليلًا نحوه،
وقف طاهر خلفه على درجة أعلى قليلًا، واضعًا يده في جيب جلبابه، يراقب المكان كمن اعتاد عليه منذ صغره!!أمّا فارس فظلّ للحظة صامتًا، قبل أن يلتفت إليه نصف التفاتة، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة، ثم قال بثقة:
"أيوه، بشتغل من امبارح. ما قلتليش بقى… إنت كمان بتشتغل هنا ولا إيه؟"
ضحك طاهر ضحكة قصيرة، ورفع أحد حاجبيه في شيءٍ من المرح، ثم قال:
"لا والله… أنا ابن صاحب المصنع بس."
فتح فارس عينيه قليلًا، متصنّعًا الدهشة، ثم قال بنبرة مازحة:
"بجد والله؟! ده إنت طلعت غني بقى… وهيبتك مش من فراغ."
ابتسم طاهر وهزّ رأسه، ثم ردّ ضاحكًا:
"إوعى يا خالد تكون عينك صفرا وبتحسد!"
انطلقت ضحكتهما معًا، لكن الضحك لم يدم طويلًا. فجأة ارتفع صوت قوي من أسفل السلم، صوت رجل اعتاد أن يُسمع في أرجاء المصنع فوق ضجيج الآلات.
كان أحمد الريان واقفًا قرب المعصرة، واضعًا يديه على خاصرته، ينظر إليهما بنظرة صارمة ممزوجة بشيء من الدعابة، ثم نادى بصوتٍ عالٍ:
"إيه يا خالد! واقف عندك بتعمل إيه؟ ما وراكش شغل ولا إيه؟ هو من أول يوم هنقضيها سرمحة؟"
ثم رفع بصره قليلًا نحو طاهر وأضاف:
"وإنت يا طاهر بيه… تعالى ورايا على المكتب، عايزك."
ساد صمت قصير فوق السُّلَّم، بينما استمرت المعصرة في دورانها البطيء، وكأنها لا تعبأ بما يجري فوقها. تبادل فارس وطاهر نظرة سريعة، قبل أن يبدأ طاهر في النزول على الدرجات الحديدية التي أخذت تئن تحت خطواته!!؟
دخل طاهر إلى مكتب والده في طرف صالة المصنع! كان المكتب غرفةً متوسطة المساحة، جدرانها مطلية بلونٍ باهت من أثر السنين، وتتراكم على أحد الجوانب رفوف خشبية مليئة بدفاتر الحسابات القديمة. نافذة واسعة تطلّ على ساحة المعصرة، فيتسرّب منها ضجيج الآلات ورائحة الزيت الطازج!!؟
جلس أحمد الريان خلف مكتبه الخشبي الثقيل، واضعًا عصاه إلى جواره، يمسك بها أحيانًا ويطرق بها الأرض طرقًا خفيفًا كعادته عندما يفكّر. كانت ملامحه حادّة، وعيناه ثابتتين كأنهما تزن كل كلمة تُقال في هذه الغرفة!!
تقدّم طاهر خطوتين ثم جلس على الكرسي المقابل للمكتب، مائلًا قليلًا للأمام، وسأل بنبرة عادية:
"فيه إيه يا أبوي؟"
رفع أحمد الريان رأسه نحوه، وكانت ملامحه تحمل شيئًا من الجدية الممتزجة بالغضب، ثم قال:
"فيه واحد جاي من مصر… هيمضي معانا صفقة الزيتون الجديدة."
عقد طاهر حاجبيه قليلًا وسأل:
"واحد من الزباين اللي نعرفهم… ولا جديد علينا؟"
هزّ أحمد الريان رأسه ببطء وقال بلهجة حاسمة:
"لا… واحد جديد من مصر. اسمه حسام."
في تلك اللحظة ارتعشت يد طاهر ارتعاشة خفيفة كادت لا تُرى. حاول أن يخفيها سريعًا فوضع يده على طرف الكرسي، بينما اشتعلت في عينيه شرارة غامضة لم يفهمها أحد سواه. ظلّ صامتًا لثوانٍ قصيرة، ثم نهض فجأة!!!!؟؟؟؟؟
قال بجدية وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا:
"طيب… أنا ماشي."
لم ينتظر ردًا، بل استدار وخرج من المكتب بخطوات سريعة. مرّ عبر الممر الضيق بجوار المخزن، حتى وصل إلى المرحاض الصغير الخاص بالمصنع في آخر الممر. فتح الباب بعجلة ثم أغلقه خلفه بقوة!!!
وقف أمام الحوض للحظة، ثم أسند يديه إلى الحافة المعدنية. كانت يداه ترتعشان بوضوح الآن. رفعهما ببطء ووضعهما على أذنيه، كأنه يحاول أن يمنع شيئًا ما من الوصول إليه. أخذ يتنفس بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط بسرعة!!؟؟؟؟؟
وسط ذلك الاضطراب، بدأ صوت يتردّد في أعماقه… صوت خافت لكنه واضح، ينادي بإلحاح:
"يوسف… يوسف…"
بعد دقائق غادر المصنع متجهًا إلى البيت!!!
_____________________________________
وصلت السيارة إلى قرية تونس بعد رحلة طويلة عبر الطريق الترابي الذي يمر بين الحقول الواسعة وبحيرة الفيوم القريبة. كانت القرية هادئة في ذلك الوقت من النهار، ببيوتها الطينية وأسقفها الخشبية، والهواء يحمل رائحة التراب المبتل ومزارع الزيتون!!
توقفت السيارة أمام البيت الذي أُعدّ لهم. كان المنزل يقع على بعد شارعين فقط من بيت العمدة، في زقاقٍ ضيق تحيط به أشجار الجميز وبعض البيوت القديمة ذات الأبواب الخشبية الثقيلة!؟؟
نزل حسام أولًا من السيارة، ثم فتح الباب الخلفي. بدأ الجميع في إنزال الحقائب الجلدية الكبيرة من الصندوق الخلفي. وفي تلك اللحظة خرجت الخادمة من داخل البيت مسرعة، تمسح يديها في طرف مريلتها، وقد كانت في انتظار وصولهم!!؟
اقتربت منهم بسرعة وقالت مرحبة، ثم بدأت تساعدهم في حمل الحقائب إلى الداخل!!؟
في الداخل بدا البيت نظيفًا ومرتبًا بعناية. الأثاث بسيط لكنه منظم؛ مقاعد خشبية مغطاة بقماش سميك، وطاولة في منتصف الصالة، وعلى الجدران علّقت بعض الصور القديمة. بدا واضحًا أن أحدهم قد اعتنى بالمكان قبل وصولهم، فقد كان البيت صالحًا للسكن وكأن أهله يعيشون فيه منذ فترة!!؟؟
دخلوا واحدًا تلو الآخر، ووضعوا الحقائب قرب الحائط في الصالة الواسعة. وقف حسام الطحاوي لحظة ينظر حوله، ثم عدّل ياقة قميصه وقال بجدية:
"هروح أنا أسلّم على العمدة… وأشكره إنهم جهّزولنا البيت ونضّفوه."
رفعت مريم رأسها نحوه وهي ترتّب إحدى الحقائب، ثم قالت بنبرة هادئة:
"تمام يا حبيبي."
أما سيرين فكانت تقف قرب النافذة، تنظر إلى الشارع الصغير خارج البيت حيث يمر بعض أهل القرية ببطء! كان الصمت يخيّم عليها، وعيناها تحملان حيرة واضحةراحت تتساءل في داخلها وهي تراقب حسام وهو يستعد للخروج:
هل سينشغل عنها قليلًا بعد وصولهم إلى هنا… أم سيستمر كل شيء كما كان؟
لم تنطق بشيء، لكنها ظلت تتابع حركته بصمت، وقلبها مثقل بأسئلة لا تجد لها جوابًا!!!!؟؟؟؟؟؟
____________________________________
"في منزل الريان"
كانت الأجواء في المطبخ مليئة بالضحك والغيبة؛ فلم ينسَ الاثنان شخصًا واحدًا في القرية إلا وتحدثتا عنه. فهذه عادة من عادات سعاد وعبلة كلما اجتمعتا معًا.
كانت سعاد تجلس على الأرض تخرط الملوخية، وبجوارها عبلة تفصّص الثوم. وفجأة تذكرت عبلة غيبة لم تقم بها بعد، فقالت بسخرية وهي ترفع حاجبها:
مقولتليش بقى يا عمتي… أومال الست ميار فين إن شاء الله؟ ولا تكونش بتحب جديد يعني البت دي؟
لوت سعاد شفتيها وهي ترد:
ـ يعني هنقول إيه يا بتي… معاها إخوات وأبوها مدلّعها آخر دلع؟!
عضّت عبلة على شفتيها وقالت بطمع:
ـ آه يا حظك المايل يا عبلة… فيها إيه لو تجوزوني واحد من عيالكم؟ يا بوي إحنا الصنف ده عمره ما عدى علينا أبدًا!!
نظرت إليها سعاد بمكر، وضربت كتفها بكتف عبلة قائلة:
ـ إيه رأيك في الواد طاهر يا بت؟ تصدّقي لايقين على بعض!
اتسعت ابتسامة عبلة وقالت بحماس:
احلفي يا عمتي! احنا حلوين قوي إكده
ردت سعاد بعصبية وهي تبصق على الأرض:
عليكي وعلى ذوقك يا شيخة! ملقتيش في الدنيا دي كلها غير طاهر عشان تحبيه!
عقدت عبلة حاجبيها وقالت بسخرية:
يا عمتي حرام عليكي! بقى طاهر اللي البنات كلها هتموت عليه؟ ده الراجل طول بعرض… ده كفاية عيونه الخضرا يا عمتي… كفاية عيونه!
قاطع حديثهما صوت ضاحك من خلفهما يقول مقلدًا عبلة:
ده كفاية عيونه الخضرا يا عمتي… كفاية عيوونه… آه من عيونه يا عمتي مش قادرة آه!
انتفضت عبلة واقفة، وتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها. تمسكت بعباءتها وهي تتمتم بخفوت:
الله يخرب بيت اللي خلفوكي يا عبلة… يا جرسك وفضايحك يا بت زيدان
كان نادر ما يزال يضحك، لكنه حاول التماسك وهو يقول:
خلاص خلاص… متتكسفيش يا ستي
ثم اقترب قليلًا، ووضع ذراعه على الحائط قائلًا بمكر:
بس إنتِ مركزتيش على فكرة
نظرت إليه عبلة باستغراب، فأجاب وهو ينظر في عينيها:
بصّي كده… عيوني مش خضرا… عسلي والله، عسلي
نظرت إليه عبلة بصدمة، وكذلك سعاد. لكن سرعان ما تحولت صدمة سعاد إلى ضحك على مشاغبة ابنها، الذي ألقى قنبلته وفرّ هاربًا!!
أما عبلة فاختبأت بعباءتها، ثم حاولت التماسك وهي تنظر إلى عمتها قائلة بتذمر:
ـ أنا إيه اللي جابني هنا يا ربي… هو الواد وأمه! ولا قال مفكرني بموت فيه على إيه يا خويا!
بعد ساعة!!!!!!
اجتمع الجميع حول مائدة الطعام في هدوء، لم يقطعه سوى مشاجرة عبلة وميار كعادتهما الدائمة!!!!!؟؟؟
لكن صوت زيدان قطع الجدال بصرامة:
ما تخرسي إنتِ وهي يا بنت! إيه قلة الأدب دي؟
رد أحمد الريان بهدوء:
في إيه عاد يا زيدان؟ سيب البنات يضحكوا مع بعض
رد زيدان بملامح متجهمة:
ـ لا… ما يهزروش على الأكل، ومع الرجالة كمان. مع نفسهم يهزروا
المهم… قولي إنت أخبار الشغل إيه؟
قال الريان:
الحمد لله… قربنا نخلص الكمية الأخيرة
هز زيدان رأسه مطمئنًا:
ربنا ييسر الحال يا رب
نظرت سعاد إلى أخيها قائلة:
ما تطمني يا خوي… إنت عامل إيه؟ بقالك كتير قوي مطليتش علينا إكده
ابتسمت عبلة حينها بسخرية خفيفة، ولم يلاحظها سوى نادر، الذي تعجب من تلك الابتسامة الغامضة!!
أجاب زيدان بجمود:
معلش يا بت أبوي… إنتِ عارفة المشاغل
ردت سعاد بهدوء:
ربنا معاك يا خوي
وبعد أن قضوا بعض الوقت معًا، غادر الضيوف السرايا في هدوء!!
أما أحمد الريان، فكان يستعد لاستقبال شخصٍ ما…
شخص بدا واضحًا أنه مهم جدًا؟؟؟!!!!
___________________________________
"السرايا"
كان حسام يسير في الشارع الترابي متجهًا نحو سرايا العمدة في قرية تونس. الشمس تميل قليلًا نحو الغروب، فتنعكس أشعتها على الحقول القريبة، بينما كان بعض أهل القرية يجلسون أمام بيوتهم الطينية أو يقفون قرب الدكاكين الصغيرة يتبادلون الحديث!!!
لفت حسام الأنظار فور مروره. لم يكن مظهره يشبه رجال القرية المعتادين؛ كان يسير بهدوء وثقة، كأن المكان كله مألوف له. كان يرتدي بالطو أسود طويلًا، وتحته بدلة سوداء أنيقة، وقميصًا أبيض ناصعًا، وربطة عنق بنية، وحذاءً من الجلد الطبيعي اللامع. وكانت رائحة عطره تفوح مع الهواء من حوله!!
تبادل بعض الرجال النظرات وهم يراقبونه يمر أمامهم، وكأنهم يتساءلون في صمت: من يكون هذا "البيه" الذي يمشي في شوارع القرية بهذه الهيئة؟
واصل حسام سيره بخطوات ثابتة، حتى وصل إلى سرايا العمدة. كان المبنى أكبر من بقية بيوت القرية؛ بيت واسع ذو بوابة خشبية كبيرة، يقف أمامها غفير يحمل عصاه ويجلس على مقعد خشبي صغير قرب المدخل!!!
توقف حسام أمام البوابة، وألقى نظرة سريعة على المكان من حوله، ثم التفت إلى الغفير وقال بهدوء:
"عايز أقابل العمدة."
رفع الغفير رأسه ونظر إليه بتفحّص، ثم سأل باحترام ممزوج بالفضول:
"حضرتك مين يا بيه؟"
أجابه حسام بثقة، دون أن يتغير تعبير وجهه:
"قوله حسام الطحاوي."
هزّ الغفير رأسه سريعًا، ثم دخل إلى السرايا ليبلّغ العمدة. مرّت بضع دقائق قصيرة، قبل أن يعود مرة أخرى وهو يفتح البوابة على اتساعها!!!
ثم قال وهو يبتسم باحترام:
"اتفضل يا بيه… اتفضل. اللي ما يعرفك يجهلك."
دخل حسام إلى سرايا العمدة بخطوات واثقة. كانت السرايا واسعة من الداخل، أرضيتها من البلاط القديم اللامع قليلًا، وعلى الجانبين مقاعد خشبية طويلة مفروشة بسجاد ثقيل. في نهاية القاعة كان مكتب كبير من الخشب الداكن، يجلس خلفه أحمد الريان، وبجواره عصاه المعتادة تستند إلى طرف المكتب!!!
ما إن وقع بصر أحمد عليه حتى ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه. أما حسام فتقدم نحوه وهو يضحك ضحكة طويلة، كأنهما صديقان قديمان فرّقتهما الأيام!!؟
قال حسام وهو يمد ذراعيه مرحبًا:
"وحشتني يا راجل… عاش من شافك!"
نهض أحمد الريان من كرسيه ببطء، ثم اقترب منه وضمه إلى صدره في عناق دافئ، وهو يضحك بدوره:
"لازم يكونلك مصلحة عشان نشوفك!"
ضحك حسام وهو يربت على كتفه، ثم قال بنبرة مازحة:
"هنعمل إيه بقى… ربنا يكثر من مصالحنا."
ثم هدأت ابتسامته قليلًا، وأكمل بجدية وهو يجلس على الكرسي المقابل للمكتب:
"بس قولّي… هنبدأ الشغل إمتى؟ إنت عارف الناس اللي معايا مستعجلين."
جلس أحمد الريان مرة أخرى على كرسيه، وأخذ عصاه بيده يطرق بها الأرض طرقًا خفيفًا، ثم قال بثقة وهدوء:
"ما يستعجلوش… لما يجيلي مزاج هنبدأ."
ثم أضاف وهو يشير بيده كأنه يحسم الأمر:
"وبعدين… لازم تاخد ضيافتك الأول."
ابتسم حسام ابتسامة خفيفة وهو يهز رأسه:
"والله كتير اللي عامله معانا ده يا أحمد."
نظر إليه أحمد بنبرة جادة لكنها مليئة بالمودة، وقال:
"ده إنت غالي علينا… ما تقولش كده. المهم إن عشاكم عندنا النهارده."
أومأ حسام موافقًا وقال بجدية هادئة:
"خلاص… هبلّغهم وأجيلك على العشا."
ابتسم أحمد الريان وقال مرحّبًا:
"تنورنا وتزيدنا."
نهض حسام من مكانه، صافحه مرة أخرى، ثم استأذن وخرج من السرايا متجهًا نحو البيت. كان يريد أن يستريح قليلًا من عناء الطريق، ويستعد للعشاء الذي سيجمعه بأهل السرايا في تلك الليلة!!؟؟
__________________________________
"منزل الطحاوي"
حلّ الليل على قرية تونس، وسكنت الشوارع الضيقة إلا من بعض المارة القلائل وأصوات الليل القادمة من الحقول القريبة. داخل البيت الذي يقيم فيه حسام، كانت الاستعدادات للعشاء قد بدأت؟؟؟؟
وقف حسام الطحاوي أمام المرآة في الغرفة، يرتدي بدلته الرمادية بعناية. عدّل ياقة قميصه، ثم وضع من عطره المعتاد، فانتشرت رائحته الهادئة في المكان. كان يبدو هادئًا وواثقًا كعادته!
في الغرفة المجاورة كانت مريم تستعد هي الأخرى؛ ارتدت فستانًا قصيرًا بعض الشيء يبرز أناقتها، ثم وضعت حُليّها بعناية أمام المرآة، تتفقد مظهرها قبل الخروج!
أما سيرين فاختارت فستانًا بسيطًا، لا مبالغة فيه. صففت شعرها قليلًا ثم تركته منسدلًا على كتفيها بحرية، فبدا مظهرها طبيعيًا وهادئًا!!
بعد دقائق خرجوا من البيت، وساروا في الشارع الهادئ متجهين نحو منزل آل الريان حيث ينتظرهم العشاء!!
___________________________________
في مكانٍ آخر داخل السرايا؟؟؟
كان أحمد الريان جالسًا في مكتبه، وعلى الطاولة أمامه الهاتف الأرضي الأسود القديم. رفع السماعة وقال بصوت جاد:
"يا خالد يا ولدي… هاتلي الملف الأزرق اللي عندك. مهم. هاته وتعالى دلوقتي."
***
كانت الصالة مضاءة بمصابيح صفراء دافئة، والمائدة الكبيرة قد أُعدّت بعناية، عليها أطباق كثيرة تفوح منها رائحة الطعام!!
ما إن دخل حسام ومن معه حتى استقبلتهم سعاد بابتسامة واسعة، وتقدمت نحو مريم مرحبة بها بحرارة! في تلك الأثناء اقتربت ميار من سيرين، صافحتها بلطف وقالت بإعجاب:
"نورتي… ده إنتي حلوة قوي."
ابتسمت سيرين بخجل خفيف، ثم جلس الجميع حول المائدة. بدأ الحديث يدور بينهم في أجواء خفيفة، تتخللها الضحكات وتبادل القصص!!!
******
"عند باب السرايا"
كان فارس قد وصل إلى الباب، يرفع يده ليطرق، لكن صوتًا جاءه من خلفه فجأة!!
التفت، فوجد طاهر يقف خلفه مبتسمًا، وقال مازحًا:
"هو إنت ورايا حتى في بيتنا؟"
ضحك فارس وقال وهو يهز كتفيه:
"يا عم عديها… معلش."
سأله طاهر وهو يعقد ذراعيه:
"إيه اللي جابك دلوقتي؟"
رفع فارس الملف الأزرق الذي في يده وقال:
"الملف ده نسيه العمدة… وكنت هدهوله
بما إنك قابلتني خده إنت وادهوله."
نظر طاهر إليه لحظة، ثم قال بنبرة فيها جادية واضح:
"وإنت فاكر هسيبك تمشي ولا إيه؟"
عقد فارس حاجبيه باستغراب:
"في إيه تاني؟ أنا عملتلك إيه؟"
ضحك طاهر وقال وهو يدفع الباب بيده:
"هو أنا هشتغل شغلتك وشغلتي؟ خش… ادهوله إنت."
دخل الاثنان إلى الداخل معًا!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟
من داخل الصالة جاء صوت أحمد الريان مرتفعًا قليلًا وهو يقول:
"ده أكيد طاهر ابني… تعالى أعرفه عليك."
تقدّم طاهر وفارس نحو المائدة الكبيرة حيث يجلس الجميع!
في تلك اللحظة التفت حسام الطحاوي نحوهما ببطء، وعلى وجهه ابتسامة هادئة!!!
لكن ما إن التقت العيون…
حتى تجمدت الابتسامة على وجه طاهر وفارس معًا؟؟؟
تحولت ملامحهما فجأة من الهدوء إلى الصدمة، واتسعت أعينهما كأنهما رأيا شبحًا من الماضي. لمعت فيهما شرارة غضبٍ ممزوجة بخذلانٍ عميق، بينما ظل حسام ينظر إليهما بابتسامته نفسها…
نهاية البارت!؟
الكاتبة: نور إحمد _هدي نجيب