اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

حكاية متتحكيش (الفصل الثالث: في ظل السرايا)

جاري التحميل...

الفصل الثالث: في ظل السرايا

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

الفصل الثالث: في ظل السرايا

​بيت الريان
​كان طاهر ينظر إلى زوجة والده بكراهية قارسة، اقترب منها هامسًا بتهديد لم يترك مجالًا للشك:
— "مشوفكيش تقربي منيها تاني يا سعاد، وقسمًا بالله العظيم لو شوفتك بس بتبصيلها بصة معجبتنيش، لهتزعلي… وهتزعلي قوي كمان."
​نظرت إليه سعاد بخوف تستمده من صلابته المعهودة، ثم ردت بارتباك محاولة التمسك بقوتها الزائفة:
— "يعني أنا هعملها إيه يعني؟ وبعدين ما تنساش إني مرت العمدة، واحترم نفسك وخد بالك من كلامك يا طاهر!"

​نظر إليها بسخرية باردة، ثم استدار مغادرًا المطبخ ليجد والده يدخل من باب السرايا، فتقدم نحوه بهيبته وجلبابه الأسود الذي يزيد من جاذبيته المعهودة، وهو يقول:
— "السلام عليكم."
​رد طاهر السلام بهدوء:
— "وعليكم السلام يا بوي."
​ثم قال وهو ينظر إلى ملامح والده المنكمشة:
— "إيه اللي حصل يا بوي؟ مالك مضايق كدة ليه؟"

​نظر له الريان وهو يضغط على تلك العصا الغليظة بيده:
— "يا طاهر، أنا مش مطمّن للي أنت عملته… ده مسمّع في البلد كلها يا ولدي! والشرطة مش هتسكت، أكيد هتعمل حاجة!"

​نظر إليه طاهر بهدوء وهو يلقي قنبلته:
— "معاك حق، مش هتسكت… عشان هي في طريقها على السرايا يا بوي!"

​بادله الريان نظرات الدهشة:
— "عم تقول إيه يا واد أنت؟!"

​رد طاهر بابتسامة باردة وهو يشير بيديه على المنزل وينظر لوالده بخبث:
— "ما يشرفوا يا عمدة! اللي عايز يفتشني يفتشني!"

​تحولت ملامح الريان من القلق إلى السعادة والطمأنينة وهو يضرب ذراع ابنه بخفة:
— "عمرك ما خيبت أملي فيك يا ولدي."
​اقترب طاهر وهو يقبل قمة رأس أبيه:
— "ولا هخيب أملي فيك يا بوي."

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

​أما بالخارج، كان فارس ينظر لذلك القصر بأعين مشمئزة وغضب قادر على هدم السرايا على رؤوسهم، ولكنه سيصبر وسينال ما يريد كما يزعم دائمًا. تركت عيناه ذلك القصر وغيرت وجهتها لذلك البيت القابع على بُعد أمتار من هنا؛ بيت صغير جدًا ومتهالك، بباب خشبي يُخشى أن يُطرق عليه بقوة فيتحطم.
​خطا فارس خطواته لذلك المنزل الذي سيدخله باسم آخر وبشخصية أخرى.
 سيكون في ذلك المنزل الحفيد الأكبر لتلك المرأة العجوز التي تزوجت ابنتها الكبرى بالقاهرة ولم تعد أبدًا إلى هنا. 
هو لا يخدعها، فهي تعلم جيدًا من هو ولماذا هو هنا! بل هي من ستخدع الجميع وتنتقم لمقتل حفيدها الأصغر وابنها!
​دق فارس على الباب ببطء، وثوانٍ حتى فتحت العجوز الباب وكأنها كانت تنتظره بفارغ الصبر.
 نظر إليها وهو يتمعن ملامحها البيضاء التي امتلأت بالتجاعيد، وجلبابها الأسود، وغطاء رأسها، قائلًا:
— "السلام عليكم يا ستي!"
​ابتسمت ببطء وهي تقترب منه:
— "وعليكم السلام يا خالد يا ولدي."
قالتها وهي تحتضنه بحفاوة.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
​في قلب المعادي

​حيث الضجيج لا ينام، كانت هناك غرفة صغيرة تقف في عزلة صامتة عن كل ما حولها. خلف نافذتها المطلة على شارع مزدحم، جلست سيرين إلى مكتبها الخشبي العتيق، تحني رأسها فوق دفترها الخاص، تكتب فوق ورقة بيضاء وأصابعها تقبض على قلمها المميز وهي تدون:

​قد يستطيع الإنسان أن يتعايش بلا أم،
لكن كيف له أن يتعايش وهو يراها كل يوم؟
أجلس أمامها..
أحتضنها..
وأحاول أن أقول كل ما امتلأ به صدري،
أقول كل شيء كما هو.. بلا خوف.
لكن كلماتي، كلما خرجت صادقة،
عادت على هيئة دواء.
هي لا تسمعني..
ولا تراني..
تنظر إليّ فقط بتلك النظرة..
نظرة شفقة!
متى تحولت في عينيها من طفلتها..
إلى شيء يُشفق عليه؟!

​أغلقت دفترها، ودموعها التي لم تجف يومًا تساقطت بدفء كعادتها. 
لم تكن ضعيفة، بل كانت تصارع بكل قوتها لأجل والدتها، حتى اكتشفت أن من تصارع لأجله هو من يدفعها للقاع.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
​شركة الحديد – القاهرة – 1970

​توقفت سيارة حسام الطحاوي السوداء أمام بوابة المصنع؛ بوابة حديدية ضخمة مصقولة بعناية، ووراءها ساحة واسعة مرصوفة بالحصى تتخللها خطوط لتحديد أماكن الشاحنات والرافعات.
 نزل حسام من السيارة، رجل في الخامسة والخمسين تقريبًا، ببدلة داكنة كلاسيكية بسيطة، قميص أبيض مطوي بعناية وربطة عنق ضيقة.
​قبعته القديمة مثبتة فوق رأسه، وأحذيته السوداء تصدر وقعًا ثابتًا على الأرض؛ كل خطوة محسوبة وهادئة تفرض احترام من حوله دون رفع صوت أو استعراض.
 صعد حسام الدرج المعدني المؤدي لمكتبه الخشبي الكبير، جلس على كرسيه بهدوء، وضع نظارته على الطاولة وأخرج أوراقه للمراجعة.
 دخل صديقه منذ الصغر "سليم"، شريك العمل ورفيق الطفولة، بابتسامة هادئة وعيون تلمع بالحماس:
— "صباح الخير يا حسام… عندي اقتراحات للشركة، وبعضها أكبر من مجرد تنظيم المخازن."
​رفع حسام رأسه ونظر إليه بعينين حادتين:
— "تفضل، اسمعني."
​بدأ سليم يتحدث ويشرح بكل هدوء:
— "لو ركبنا نظاماً جديداً للإنتاج، مش بس في المخازن، كمان في الورش والمصانع الفرعية؛ نقدر نقلل الهدر، نضاعف الإنتاج، ونفتح سوقاً جديداً للحديد حتى خارج القاهرة."
— "وده مش كل حاجة… فيه شوية تغييرات في التوزيع ممكن تخلي شركتنا الأكبر في مصر خلال سنتين، وربما أكثر من أي منافس."
​هز حسام رأسه ببطء يتأمل كل كلمة، وابتسامة قصيرة حادة مرت على وجهه:
— "ممتاز… واضح إنك فكرت في كل شيء، وده النوع من الأفكار اللي أنا أحب أشوفه؛ خطط كبيرة، خطوة واحدة لقدام، مش مجرد تعديلات صغيرة."
​ابتسم سليم ونظر حوله للمكتب وكأن كل هذه الأوراق مجرد بداية:
— "أكيد… لو بدأنا دلوقتي، النتائج هتظهر أسرع مما نتوقع."

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
​بيت الريان 

​توقفت سيارات الشرطة أمام السرايا في انتظام صارم. ترجّل الضباط ببطء محسوب، يرتدون بزّات كاكية داكنة مكوية بعناية. كان على مقدمتهم النقيب معتز العليلي وبعض العساكر من خلفه، تقدم ببطء مهيب نحو باب السرايا ثم دق بقوة، وثوانٍ حتى فتح الباب وكأنهم كانوا في انتظارهم.
 دخلوا بهيبة جعلت التوتر ينتشر بأرجاء المكان، ولكن استقبلهم طاهر بطوله الفارع وابتسامته المتحدية قائلًا:

— "أهلاً وسهلًا بشرطة البلد، اتفضلوا اتفضلوا!"

​وقف قبالته معتز العليلي وهو يبادله تلك الابتسامة:

— "أهلاً بابن العمدة، يزيد من فضلك والله!"

​ثم نظر للعمدة الذي جاء بجلبابه الأسود العتيق وهو يقول:

— "أهلاً أهلاً يا حضرة الظابط، اتفضل."

​رد معتز بهدوء:

— "يزيد من فضلك يا عمدة، إحنا جايين نستجوب حضرتك، عايزين تفاصيل أكتر عن مقتل النقيب شادي المكاوي."

— "وطبعًا بما إنك العمدة فإحنا عارفين كويس أوي إن مفيش نملة بتعدي إلا وأنت عارف هي مين، وجاية من فين، ورايحة على فين.. ولا إيه يا عمدة؟"

​ابتسم الريان على كلماته ونظر لابنه الذي وجه حديثه لمعتز قائلًا:

— "مفيش نملة فعلاً بتعدي إلا واحنا عارفين هي فين وجاية ليه يا معتز بيه!"

​تجمد معتز لثانية.. اسمه! هو لم يذكره لأحد هنا. مد طاهر يده باتجاه المكتب وهو يقول:

— "اتفضل، نتكلم."

​ذهبوا باتجاه المكتب، وجلسوا، وجلس الصمت بينهم كضيف ثقيل. 
كان معتز العليلي أول من كسر الصمت، أخرج دفتره الصغير وفتحه دون أن ينظر فيه، ثم قال بنبرة عملية باردة:

— "خلّينا نخش في الموضوع على طول… النقيب شادي مكاوي اتقتل أول امبارح بالليل بطريقة متوحشة، بس الغريب بقا إن مفيش أي آثار بصمات وكأنه هو اللي ضرب نفسه، وده يثبت إن اللي عمل كده مش هاوي."

​رفع طاهر حاجبه بابتسامة خفيفة وكأنها قصة لا تعنيه:

— "الله يرحمه… خبر حزين طبعًا."
​مال معتز للأمام قليلًا وأسند مرفقيه على المكتب:

— "حضرتك كنت آخر واحد شوهد معاه في القرية."

​تدخّل العمدة الريان بصوتٍ منخفض لكنه حاد:
— "الكلام ده سمعته منين يا حضرة الظابط؟"

​رفع معتز عينيه إليه بثبات:
— "من ناس بتشوف، وناس بتسمع… وناس مبتحبش تتكلم."

​ضحك طاهر ضحكة قصيرة بلا روح ثم قال:

— "وناس مبتقَدرش، صح؟"
​ثبت معتز نظره عليه:

— "تقدر أكتر من كدة إيه؟ أنت كنت فين وقت الحادثة يا طاهر؟" 

​أجاب دون تردّد:

— "في السرايا… قدام الكل."
— "حد يثبت الكلام ده؟"
— "البلد كلها."

​سكت معتز لحظة ثم قال ببطءٍ متعمّد:

— "البلد اللي حضرتك والعمدة ماسكينها من رقبتها؟"

​لم يتغيّر وجه طاهر، لكن عينيه ضاقتا قليلًا:

— "خلي بالك من كلامك."
​ضرب العمدة بعصاه الأرض ضربة خفيفة:

— "إحنا فاتحين بيتنا ليك يا حضرة الظابط ومش خايفين، بس الاتهامات دي متطلعش كدة."

​تنفّس معتز بعمق ثم نهض من مكانه:

— "إحنا مش بنِتّهِم… إحنا بنسأل، واللي عنده ضمير مرتاح مش هيقلق من السؤال."

​التفت ناحية الباب ثم توقّف فجأة ونظر لطاهر نظرة طويلة:

— "التحقيق ده لسه في أوله… والقرية دي مليانة أسرار."

​ابتسم طاهر بابتسامته المتحدّية نفسها وقال بهدوء قاتل:
— "واللي بيدوّر على السر… لازم يكون مستعد للّي هيلاقيه."

​فتح معتز الباب وخرج هو والعساكر، بينما ظلّ المكان مشحونًا بما لم يُقال.
 بعد خروجهم، التفت العمدة لابنه:
— "الظابط ده مش سهل أبداً."
​رد طاهر وهو ينظر ناحية الباب المغلق:

— "أنا مش هيخوفني ظابط، ده أنا قلقان عليه والله، افرض اتقتل دلوقتي زي اللي قبله!"
قالها وهو يفتح عينيه الخضراوين بدهشة زائفة.

​وخارج السرايا، كان فارس يقف في الظل يسمع آخر صدى للأصوات، وعيناه معلّقتان بالباب؛ يعرف أن اللعبة بدأت، وأن العدالة في هذه القرية لن تخرج إلا بالدم.
 نظر معتز عن بُعد لمكان فارس وهو يدعمه بنظراته، ثم ركب السيارة وغادر.

​أيعقل أن أماً تكره فتاتها؟ وما السبب الحقيقي خلف مقتل شادي؟

​نهاية البارت

للكاتبة: هدى نجيب/نور أحمد
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.