حكاية متتحكيش: الفصل الرابع: عُش الدبابير
الفصل الرابع: عُش الدبابير
.........
الفصل الرابع: "عُش الدبابير"
بمنزل حســام الطحاوي
كانت سيرين قد أغلقت دفترها، ترمق النافذة في صمتٍ مطبق، وكأن سكونها يطغى على ضجيج المكان.
لم يكن الكتمان هو ما يؤلمها، بل ذلك الصراخ الذي يختنق في حنجرتها؛ أن تصرخ بكل قوتها، لكن الجميع أصمّ.. ويقصُدُ بالجميع: الأم.
أخذت سيرين نفسًا عميقًا، تحاول لمشتات أفكارها قبل أن تهمس لنفسها:
"أكيد... ضاغط عليها... هو طول عمره حيوان! أكيد مش مصدقة أني مجنونة.. أكيد."
قالت كلماتها تلك، ثم اندفعت خارج غرفتها لتجد والدتها جالسة في الردهة، مسترخية في ثيابها وكأنها تتأهب لحفلٍ ما.
لم تكترث سيرين، بل هبطت الدرج بحماسة مناداةً بحب: "ماما!"
التفتت مريم إليها مبتسمة: "قلب ماما! تعالي يا حبيبتي."
ركضت سيرين نحوها كطفلة تهرع لحضن أمانها، وجلست بجوارها تنظر إليها بعينيها البنيتين الواسعتين.
نظرت مريم إليها بدهشة:
"أول مرة تطلعب من أوضتك في الوقت ده؟"
ثم اتسعت عيناها بذهول أكبر: "هتروحي معانا الفرح؟ مش كده؟"
بلعت سيرين ريقها بصعوبة، وردت بوهن:
"ماما... لا، مش هروح مكان. كنت عايزة أتكلم معاكِ شوية."
وضعت مريم يدها على خصلات شعر ابنتها مبتسمة: "طبعًا يا حبيبتي، اتكلمي زي ما تحبي، أنا عندي كام سيرين يعني؟"
ابتسمت سيرين، وقلبها يخفق بالأمل أن تُصدقها والدتها هذه المرة:
"ماما... الحادثة... أخويا... أنا ما عملتش حاجة... أنا..."
قاطعتها مريم بغتة، وانكمشت ملامحها على الفور:
"سيرين... إنتِ بتفتحي الموضوع ده ليه؟ أنا مش عايزة أتحدث في حاجة زي دي!"
حاولت سيرين استمالة قلبها: "ماما... أرجوكِ... اسمعيني المرة دي بس."
رمقتها مريم بنظرة جافة، غلفها حزنٌ عميق:
"ليه بتفتحيه دلوقتي؟ ليه كل مرة تكسريني وتوجعي قلبي يا بنتي؟"
نظرت سيرين إليها بدهشة، تتساءل في مرارة:
هل أنا من أكسر قلبها دائمًا؟ لكنها تخطت الشعور وأصرّت: "اسمعيني..."
وقفت مريم فجأة بضيق:
"اتفضلي... يا ستي قولي!"
بدأ الأمل يتبدد، وزاد حنقها على والدتها وهي تسرد الكارثة.
بدأ صوتها يرتجف، ويدها تهتز بعنف، لكنها قاومت مكسورة الجناح:
"اليوم ده... كنا بنلعب... كان عطشان وماكنش فيه مياه في الأوضة... نزلت المطبخ بجري عشان ميفضلش لوحده... وجبتها... لكن أول ما طلعت... لقيت الأوضة ولعت!"
انهمرت دموعها كالشلال، وجسدها يرتجف بعنف وهي تضم يديها لصدرها كأنها تعزي نفسها:
"كان فيه بنزين... أنا شميت الريحة... فاكرة كل حاجة... دخلت لقيت يوسف عند الشباك، والنار محوطاه من كل حتة.. كل حتة!"
انفجرت بالبكاء، وفي تلك اللحظة، كان حسام يقف خلفهما، يستمع بملامح قاسية، ثم قال بسخرية: "بنكدب الكدبة ونصدقها؟! صدقناها.. يا ست سيرين."
تقدم نحوها فجأة، فأمسكت مريم بذراعه بغضب:
"ابعد عنها!"
دفعها حسام بفظاظة فسقطت على الأريكة:
"ابعد عنها؟! قتلت ابني وسكتت! قولت طفلة! لكن اللي بتعمله دلوقتي إيه؟ ها؟ مسمهاش غير بجاحة ياهانم! "
وقفت سيرين بصلابة وغضب:
"مش أنا اللي كذبت وصدقت! إنت اللي صدقت إنني هقتل أخويا.. وأنا اللي دخلت النار عشانه.. لقيتني في النار معاه يا أخي!"
ثم نظرت لوالدتها بتوسل مشحون بالبكاء:
"ولما صحيت... كنت محروقة وموجوعة وخايفة... كنت مستنية أمي تحضني... لكن شفتها وهي بتضربني بالقلم وتتهمني بقتل أخويا.. طفلة صغيرة هتقتل أخوها؟!"
ضمتها مريم بحنان ظاهري:
"حبيبتي سامحيني... أنا عارفة إنك كنتِ طفلة وماكنتيش تعرفي حجم الضغط عليكِ."
ثم دمعت عيناها وهي تؤكد لنفسها:
"كل دي هلوسة يا حبيبي... انسي.. أنا مسامحاكِ إنك اتهورتِ وولعتِ النار من غير قصد.. بس متوهميش نفسك إنك مكنتيش السبب."
تصلب جسد سيرين.. لم يعد الحضن دافئًا، بل صار كالقيد. سحبت نفسها ببطء وهي تنظر لوالدتها بذهول؛ أيقنت أن مريم ليست أمًا تدافع عن براءتها، بل قاضيًا رحيمًا يحاكم مجرمًا بائسًا.
في تلك اللحظة، علمت سيرين أن الصراخ وسط الموتى أهون بكثير من الحديث مع مريم.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بمنزل الريان
الأجواء مشحونة بالتوتر؛ نادر يذرع المكان جيئة وذهاباً، وميار بجوار طاهر على الأريكة، وسعاد ترمق ابنها نادر بخوفٍ وغضب، بينما الريان يرتشف قهوته بهدوءٍ مستفز.
قطع نادر الصمت:
"دخلوا البيت واستجوبونا! طبعاً شاكين فينا.. وبعدين؟ إيه اللي هيحصل؟"
اقترب من طاهر بسخرية:
"إيه الخطوة الجاية... يا طاهر بيه؟"
وقف طاهر نافضاً يد ميار، ودفع نادر من كتفه:
"وإيه رأيك تبطل خوف من الحكومة؟ حكومة إيه ياض اللي تخليك تلف حول نفسك؟ ما تنطق!"
رد نادر بسخرية أمرّ:
"لا يا أخويا مش خايف منها، أنا خايف على اللي هتعمله الحكومة معاك أنت!"
قال طاهر بغرور فطري:
"أنا مابخافش غير من اللي خلقني!"
ثم وضع يده على كتف أخيه بنصيحة خشنة:
"طول مانت معاك حق ماتخافش.. كمل، عشان لو وقفت هتعيش بالاسم بس يا أخويا."
دفع نادر يده بهدوء:
"هتكمل وأنت عارف إنك هتروح مننا؟ عارف نهايتك وغلطك؟"
ابتسم طاهر بمرارة:
"عارف غلطي... عارفه."
قاطعهم أحد الرجال:
"طاهر بيه!"
نظر إليه طاهر كأنه ينتظره:
"جاي يا محمد."
التفت لوالده: "هروح أشوف مصنع الزيتون يا بوي، البضاعة هتتسلم بكرة."
أومأ الريان بوقار:
"روح يا ولدي."
غادر طاهر مسرعاً بعدما ودع أخته بابتسامة، بينما قال الريان لنادر:
"ما تزعلش من أخوك.. خلك في ضهره، هتلاقيه واخدك تحت دراعه ومفهمك اللي شاغل دماغك."
انسحب نادر بهدوء، بينما جاء "حسين" الذراع اليمين للريان:
"السلام عليكم يا عمدة.. فيه شاب من القاهرة، حفيد الست نادية أم سعيد، طالب مساعدتك في شغل."
تذكرها الريان:
"آه.. نادية. دخله المكتب."
دخل الريان ليجد "خالد" يقف أمام المكتبة، لا ينظر للكتب كقارئ، بل كمن يدرس زوايا الغرفة بدقة احترافية.
وبمجرد سماع وقع العصا، تبدلت ملامحه لرزانة شابٍ يبحث عن رزق:
"السلام عليكم يا عمدة."
جلس الريان خلف مكتبه:
"وعليكم السلام يا ولدي.. اسمك إيه؟ وإيه اللي رماك على تونس؟"
ابتسم خالد بثبات:
"اسمي خالد السيد.. جيت عشان أرض جدتي مابقاش ليها حد، وسمعت إن السرايا هنا هي الميزان، واللي يحتمي في الميزان مابيظلمش."
أعجب الريان بالكلمة:
"بص يا خالد.. أنا في شغلي مابحبش اللعب.. عيني في قفايا وبوصل للخاين قبل ما يفكر."
رد خالد ببرود:
"أنا جاي أشتغل يا عمدة، ومكان ما تحطني هتلاقي سد يسد وراك.. والتجربة هي اللي بتعرفك معدن الراجل."
باغته الريان:
"وطالما عندك أرض، طالب الشغل ليه؟"
أجاب خالد بذكاء:
"الأرض بور بقالها سنتين ومحتاجة مصاريف.. قولت أشغل نفسي عندك لحد ما أسند طولي وأحيي الأرض تاني."
فجأة، دوت أصوات ضجيج خارج السرايا.
خرج الريان للشرفة ليجد عشرات الرجال يتصدرهم الحاج "عطوة" الذي صرخ:
"يا عمدة! المية انقطعت والزرع بيموت! والورق اللي في السرايا مبيشربش عطشان! يا تحلها يا هنفتح السدود بإيدنا وتخرب!"
نزل الريان للساحة بوقاره ممسكاً بالخريطة:
"يا ولدي الورق بيقول الفتحات مفتوحة والمنسوب واحد!"
هنا تقدم خالد بهدوء، واخترق صوته الواثق الضجيج:
"يا عمدة.. المية مابتمشيش بالورق، المية بتمشي بالميل.. والخناق مش هيجيب نقطة مية."
التفت إليه الريان بضيق:
"بتقول إيه يا واد أنت؟"
شرح خالد بتمكن:
"الأراضي اللي فوق شربت زيادة، وده معناه إن 'هويس' الترعة مفتوح على آخره.. وده عمل 'نحر' في القاع هربت منه المية، أو 'رواسب' سدت المواسير.. المية يا عمدة محتاجة عين مش ورق مبلول."
تحرك الجميع للمجرى، وأشار خالد للماء:
"شوفت يا عمدة؟ المية بتغلي.. فيه 'سدة' في قلب المواسير. محتاجين تلات رجالة يفتحوا 'البربخ' ده بحديدة، والمية هتمشي في ثواني."
وبالفعل، اندفعت المية بهديرٍ أبهج القلوب، وصرخ الناس:
"المية وصلت يا عمدة! الله يبارك لك يا ولدي!"
عاد الريان للسرايا بتقديرٍ جديد:
"يا حسين! خالد مش هيروح المصنع.. سلمه 'دفاتر المخازن' هنا.. أنا عايز العين دي قدامي دايماً."
خرج خالد بوميض انتصار في عينيه؛ لقد أصبح "أمين أسرار السرايا"، والآن بدأت اللعبة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بعد ساعتين على أذان المغرب
كان طاهر يندفع كالإعصار في أزقة تونس، جلبابه الأسود يضيق على عضلات صدره المفتولة، وطوله الفارع يلتهم الطريق.
كانت مطاردة لـ "مارد" ثائر خلف شاب مجهول شاهده يوزع "بضاعة" خفية في أرضه.
"لو رحت فين هجيبك.. متفكرش إني هسيبك!"
صاح طاهر بصوتٍ زلزل سكون الليل.
ركض الشاب برعب، وقذف برميلاً معدنياً في طريق طاهر.
لم يبطئ طاهر، بل دفع البرميل بيده اليمنى بقوة غاشمة أطاحته بعيداً كأنه ورقة، وصرخ بغضب عارم:
"بتلعب معايا يا روح أمك؟ ده أنا هخليك تتمنى الموت وما تلاقيهوش!"
قفز طاهر فوق العربات الخشبية المحطمة بخفة مذهلة، وواصل الزحف خلفه وعيناه الخضراوان تلمعان بشررٍ قاتل، حتى خرج الشاب لأرض زراعية واسعة ومكشوفة.
توقف الشاب يرتعش، ووقف طاهر على حدود الأرض يعدل جلبابه ببرود.
همس طاهر بنبرة مرعبة:
"خلاص؟ الأرض وسعت عليك أهي.. وريني بقى مين اللي مسرحك."
همّ بالقبض عليه، لكنه توقف لسماع خطوات ثقيلة.
في ثوانٍ، أحاط به سبعة رجال بقبضات تمسك بـ "شوم" غليظ، يطوقونه في دائرة محكمة.
لم يهتز طاهر، بل فتل عضلات ذراعيه ونظر حوله بحدة تحولت فجأة لابتسامة ساخرة كشفت عن أسنانه، ثم انفجر ضاحكاً:
"بقى هي دي الحكاية؟"
ثم حدث نفسه بزهو:
"آه.. آه يا طاهر يا ولدي! ده أنت طلعت حارقهم قوي يا أخي.. اسم الله عليك.. اسم الله عليك!"
ابتسم لرجالٍ يناظرونه باستغراب، واستغل لحظة انشغالهم ليلكم أحدهم بعنف وهو يهدر:
"استعنّا على الشقا بالله!"
نهاية البارت
للكاتبة: هدى نجيب/نور أحمد