حكاية متتحكيش (مقتل نقيب شرطة)
مقتل نقيب شرطة
.........
" الفصل الاول"
صباح تونس
"قرية تونس – الفيوم / صيف 1970"
الصباح جاء على قرية تونس ببطء، كأن الشمس نفسها تتردد قبل أن تكشف ما حمله الليل.
الأشعة الأولى كانت باهتة، تنزلق على الأرض الترابية، ترسم ظلالًا طويلة للنخيل والبيوت الطينية، والهواء مثقل برائحة الطمي ومياه الترعة، ممزوجة بدفء الأرض بعد ليلة مكتومة الأنفاس.
في الأزقة الضيقة، بدأت الحياة تتحرك بحذر.
نساء يحملن سلال الخوص، يسرن بخطوات محسوبة، يراقبن الطريق قبل أن يتكلمن.
رجال يقفون أمام الدكاكين الصغيرة، يمسحون وجوههم بأطراف الجلابيب، يفتحون الأبواب الخشبية ببطء، وينظرون حولهم أكثر مما ينظرون للبضاعة.
وأطفال، حفاة في أغلبهم، يختبئون خلف الأبواب، يراقبون كل حركة بعينين واسعتين، كأنهم فهموا أن في القرية سرًا أكبر من أعمارهم.
الكل كان يعرف.
ولا أحد يجرؤ على السؤال بصوت عالٍ.
في السوق، لم ترتفع الأصوات كعادتها.
لا مناداة على الطماطم، ولا صياح على البطاطس.
الخضار والبيض والحبوب مصطفّة على الحصير، والباعة واقفون خلفها، عيونهم تسبق ألسنتهم، ينتظرون الهمسة الأولى.
— "سمعتوا؟ اللي حصل امبارح…"
— "نقيب شرطة… واتقتل!"
— "طول عمره جبروت؟!"
— "اسكت… الحيطان ليها ودان."
الهمسات تسللت من دكان لدكان، ومن بيت لبيت، كالنار تحت الرماد.
كل واحد حاول يفسّر، يبرّر، أو ينفي، لكن الخوف كان أوضح من أي كلام.
— "شادي عمره ما كان ظالم…"
— "وهو هيقتله لله في لله كدة ."
— "كلنا عارفين انه دايمًا بيكون على حق."
_ " ابنه طالعله بالظبط كله جبروت"
الصمت كان أبلغ من الكلام.
القرية كلها كانت تتنفس على مهل، وكأن كل نفس قد يكون مراقَبًا.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
"بيت أحمد الريان"
في بيت أحمد الريان، كانت الشمس قد اعتلت كبد السماء.
المنزل الكبير، بجدرانه الطينية السميكة وبوابته الحديدية الثقيلة، يقف كعلامة نفوذ قديمة في أطراف القرية.
أشجار الزيتون تحيط بالمكان، أوراقها تتحرك مع نسمة خفيفة، تُصدر همسات خافتة لا تُريح القلب.
الطريق المؤدي للبيت مرصوف بحجارة قديمة، بعضها متآكل، وبعضها ما زال يحتفظ بلمعان خافت، كأن الزمن مرّ من هنا ولم يجرؤ على العبث بكل شيء.
في الداخل، كان الصالون يغرق في ضوء النهار.
ستائر ثقيلة بلون داكن، أثاث خشبي عتيق، وسجاد شرقي تظهر نقوشه بوضوح تحت أشعة الشمس.
على الطاولة، فنجان قهوة نصف ممتلئ، بخاره يتلوى في الهواء، ممتزجًا برائحة الخشب القديم.
جلس أحمد الريان في مكانه المعتاد، هادئًا على غير العادة.
فُتح باب الصالون بعنف نسبي
دخل نادر الريان: شاب في الثانية والعشرين، ملامحه مشدودة، وجهه محمر من الغضب: هو أخويا هيفضل يعمل اللي هو عايزه لحد إمتى؟!
قالها بصوت عالٍ، دون حساب
انتفض أحمد الريان: وطّي صوتك يا ولد! انت نسيت نفسك؟!
تراجع نادر خطوة، محاولًا تدارك اندفاعه: حقك عليّ يا حاج… بس اللي حصل مش قليل… يقتل نقيب شرطة؟!
رفع أحمد الريان فنجان القهوة بهدوء: مش قليل… بس طاهر عمره ما عمل حاجة من غير حساب
حساب إيه بس؟! الداخلية هتسيبه؟
تدخلت سعاد هانم بلهجة ساخرة: وهو طاهر حد يقدر عليه غير ربنا؟
التفت إليها أحمد بنظرة حادة: خلي بالك من كلامك
سعاد بغيظ مكتوم : أنا خايفة… مش أكتر... ونادر ابني على حق الداخلية مش هتعدي الي حصل على خير ياحاج.
قالها أحمد الريان بحسم:محدش هيقربله طول ما أنا عايش.
فأقترب منه نادر ببطء مستعطفًا: بابا.. انا اكيد مش هتمنى الأذى لأخويا! بس بعمايله دي قدام كل القرية مش هيعدي على خير صدقني.
طبطب احمد على كتف ابنه قائلًا:متخافش يابني محدش يقدر يقرب لأخوك ومتنساش كمان ان مفيش مخلوق في القرية يقدر يتكلم كلمة واحدة.
اومأ نادر ببطء وقلبه يرتجف من الخوف بسبب أفعال أخيه الاكبر.
كانت ميار تقف خلف الباب، دموعها تنزل في صمت.
لم تكن تقصد الاستماع، لكن الكلمات وصلت إليها دون استئذان.
قطع شرودها صوت مألوف:بتعملي ايه عندك يا ميار؟
التفتت، لتجده طاهر.
اقترب منها فورًا، وقلقها سبق سؤالها: انت ايه الي عملته دا يا طاهر ؟!
قالتها وهي تضرب صدره بقبضتها الصغيرة: يا طاهر الي عملته مش سهل! فكر في نفسك ولو مرة أرجوك!
ضمها إليه وهو يداعب خصلاتها: متخافيش كله هيكون بخير؟!
قالت ميار بحزن: ياريت أعرف اكون مرتاحة البال زيك، بس دي روحك يا طاهر؟!
قالت وهي تنظر في عيناه مباشرة
طاهر بإبتسامة مرتجفة: روحي؟!..الأرواح بيد الله ياميار
ثم قبل مقدمة رأسها وامرها قائلًا: يلا على اوضتك يا ميار.
اومأت برأسها بحزن ثم صعدت لأعلي!!
وقف طاهر لحظة، ابتسامته اختفت، وعيناه أصبحتا أكثر برودًا وهو يتجه نحو الصالون.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
" الساعة الواحدة ظهرًا بجامعة عين شمس"
كانت الشمس قد ارتفعت لتتوغل بين المباني الحجرية القديمة لكلية الآداب بجامعة عين شمس، تلقي بأشعتها الذهبية على الأرصفة المشققة، بينما الهواء يحمل رائحة التراب الممزوجة بدخان الميكروباصات القديمة.
سيرين تمشي بخطوات مترددة، حقيبتها الصغيرة متدلية على كتفها، ويدها الأخرى تلمس دفتر ملاحظاتها.
كل صفحة فيه كانت تحمل كلمات لم تشاركها أحدًا، أسرارًا صغيرة تختبئ خلف حروفها.
في الأزقة المحيطة، الباعة ينادون بأصواتهم الحادة:
"الأهرام! الأخبار الجديدة يا ولاد!"
"دفاتر 25! أقلام رصاص 5 قروش!"
"شاي سخن! مياه ساقعة!"
كانت الأصوات تتداخل مع صخب الطلاب المارين، بعضهم يضحك على نكتة، وبعضهم يسرع نحو ميكروباص متوقف فجأة، بينما يسحب السائق خراطيم الفرامل بصوت حاد:
"يلا يا جماعة، ادخلوا بسرعة!"
سيرين حاولت ألا تتأثر بالصخب، لكن كل نداء وكل حركة كانت تشعرها بشيء من القلق. لم تكن تخاف من الشارع، بل من العالم الذي ينتظرها خلف البوابة الحديدية للجامعة.
وقفت عند البوابة، تتلفت حولها، تتنفس بعمق،
أخذت سيرين تتلفّت بين الناس بحثًا عن السائق، فمضت قليلًا وهي تدور بعينيها، وفجأة توقّفت السيارة أمامها!!
سيرين بقلق: أتاخرت ليه يعم رمضان
رد رمضان السائق :معلش ي بنتي معاد خروج المواظفين والدنيا زحمه!!
دخلت سيرين، وجلست، وتحركت يدها لتلمس دفترها مجددًا، تبحث عن بعض الأمان في الحروف.
"لأ... ولا يهمك ياعم رمضان.. ."
سألها رمضان السائق بإبتسامة
: ها يومك كان عامل ازاي يابنتي؟
سيرين بإبتسامة: "زي ايه يوم ياعم رمضان بس كان طويل شوية."
تمتمت، وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل أي أحد آخر.
السيارة انطلقت مجددًا، والأنوار تتلألأ على الأرصفة، والباعة يصرخون بأصواتهم المعتادة، لكنها لم تعد تسمع سوى نفسها، ودفترها، وخوفها الصامت من المستقبل.
نظرت من نافذة السيارة، تحاول أن تتشبث بجمال المدينة، بكل التفاصيل الصغيرة من حولها:
ضحكات الطلاب، الأصوات العالية للباعة، لون السماء الذي بدأ يزداد حرارة، وحتى الرائحة الغريبة التي تمزج بين الخبز الطازج والشاي الساخن والدخان القديم.
كل شيء كان واقعيًا، صاخبًا، مزدحمًا، لكن سيرين كانت تعيش عالمها الخاص، عالم داخلي مليء بالخوف، التساؤل، وبعض الأمل الضعيف، وتدرك أن كل خطوة تقترب بها من البيت، تقربها أكثر من مواجهة واقع أكبر مما كانت تتخيله.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
"جزيرة إلفنتين_أسوان/صيف1970"
كان الصيف في أسوان لا يطرق الأبواب، بل يقتحمها.
الشمس معلّقة فوق جزيرة إلفنتين كقرصٍ من نار، لا يغيب إلا ليعود أشد قسوة.
البيوت النوبية الطينية تقف متلاصقة، كأنها تتساند خوفًا من القيظ، جدرانها مطلية بالأبيض والأزرق، وقد رسمت عليها أيادٍ قديمة نخيلًا وجِمالًا وعيونًا تحرس المكان.
من بين الأزقة الضيقة، يخرج صوت النيل هادئًا، يناقض كل شيء؛ كأنه الوحيد الذي لم يتأثر بحرارة الزمن.
الأطفال حفاة، ضاحكون، يجرون نحو الماء، والنساء يجلسن أمام البيوت، يلوّحن بالمراوح المصنوعة من سعف النخل، وعيونهن تراقب الحياة دون عجلة…
هنا، في إلفنتين، كان الزمن يسير ببطءٍ يشبه طمأنينة النيل!!
كان البيتُ مميّزًا، يغلب على جدرانه اللونان الأبيض والأزرق، تتناثر عليهما رسومُ نجومٍ صغيرة. وعلى واجهته كفٌّ صغيرٌ إلى جوار كفٍّ أكبر، يتجهان معًا نحو الباب، تعلوه لافتةٌ خشبية كُتب عليها:
«منزل الضابط فارس الجزّار».
من الداخل، بدا البيتُ هادئًا وبسيطًا، ساكنًا كأي بيتٍ يخلو من صخب الأطفال، ولا يقطنه سوى رجلين يعيشان في سكينةٍ ورتابة.
كان رجلٌ مسنٌّ يجلس على الأريكة، يحرّك حبّات مسبحته في هدوء، حين دوّى فجأة رنين الهاتف الأرضي. تحرّك نحوه ببطء!!!
ثم رفع السماعة وقال: ألو، مين
قال الصوت:معاك الرائد معتز العليلي، محتاج اتكلم مع النقيب فارس في أمر مهم!؟
ردّ عز بجدية:حاضر يا بني،هاخدله التلفون. خليك معايا ع السماعة
ثم حمل السماعة واتجه بها إلى الغرفة!!؟
قال بصوتٍ منخفض: فارس اصحى الرائد معتز السماعة عايزك
قال فارس بصوتٍ نعسان:في ايه يا خالي؟
أجابه عزّ بجدّية:قوم يا حبيبي، معتز بيه عايزك ضروري .
نهض فارس وجلس على السرير، ثم تناول الهاتف ورفع السماعة وقال بصوتٍ مثقل بالنعاس: ألو، في ايه يا معتز؟ خير؟
قال معتز بصوتٍ حزين متقطّع:النقيب شادي مكاوي اتقتل…اتقتل على ايد حد من أهل القرية.
هتف فارس بصدمة: اييه انت بتقول اي ازاي دا عرفتو مين اللى عمل كدا ازاي مستحيل!!
أجابه معتز بأسف: للاسف معرفناش انت لازم تنزل القاهرة عشان تحضر الدفنه
قال فارس بحزنٍ عميق:هتحرك للقاهرة حالا.... ثم أغلق الهاتف ووضعه على المنضدة، وأسند يده إلى وجهه وانفجر باكيًا.
قال عزّ بقلقٍ وخوف:فى اي يبني مالك خير اللهم اجعله خير؟؟
رفع فارس رأسه، وقد اختلط الحزن بالصدمة في صوته، وقال:صديق عمري وحبيب ايامي اتقتل ي خالى صاحبى اتقتل غدر ف قرية تونس بس والله م هرحم حد.
انتهى البارت!!.
هل يستطيع فارس أن يحقق العدالة دون أن يتحول إلى نسخة أخرى من القتيل؟
هل كان شادي مكاوي ضحية ظلمٍ قديم… أم شاهدًا على سرٍ لم يُسمح له أن يراه؟
وماذا سيحدث حين يصل فارس الجزار إلى القرية التي قررت أن تبتلع سرها؟
للكاتبة/هدى نجيب_نور أحمد