حكاية متتحكيش (الفصل الثاني: هدوء ما قبل العاصفة)
الفصل الثاني: هدوء ما قبل العاصفة
.........
"الفصل الثاني: هدوء ما قبل العاصفة"
"يُقال إنه في حادث واحد، مات شخصان… كلاهما ميت، لكن أحدهما دُفن، والآخر لا يزال على قيد الحياة"
"بيت الريان"
دخل طاهر الصالون بخطوات واثقة، عيناه العسليتان تمسحان المكان في لمحة سريعة.
وجد أباه جالساً في كرسيه الجلدي العتيق، يمرر حبات مسبحته بين أصابعه ببطء.
نادر واقف عند النافذة، ظهره متجه نحو الباب، بينما سعاد تجلس منكمشة على الأريكة، تمسك بكوب الشاي وكأنه يمنحها دفئاً لا تجده في الزوايا الأخرى للغرفة.
"السلام عليكم"، قال طاهر بصوته الهادئ الذي يحمل في طياته سلطة لا تُنكر.
"وعليكم السلام"، رد أحمد الريان دون أن يرفع عينيه عن مسبحته.
"أخيراً حبيت تظهر يا باشا."
نادر استدار فجأة، عيناه تبرقان بغضب مكبوت:
"يعني انت مصمم تكمل في اللي انت فيه؟ هتفضل أناني كدة طول عمرك؟ مش بيهمك ولا هيهمك غير نفسك؟! "
سعاد تبادلت نظرة سريعة مع أحمد قبل أن تقول بنبرة هادئة لكنها مليئة بالتهكم:
"هي أول مرة يعني.. احنا ليه مصدومين يعني؟ طول عمره بجح يقتل القتيل ويمشي في جنازته."
طاهر لم يبدُ منزعجاً.
اتجه نحو الكرسي الفارغ مقابل أبيه وجلس بهدوء:
"انتوا مرعوبين من ايه يعني دلوقتي؟ ليه الدوشة دي."
"دوشة؟" قفز نادر من مكانه. "انت قتلت ظابط؟! انت فاهم يعني ايه؟! انت بتلعب مع الحكومة فاهم يعني ايه؟!"
رفع أحمد الريان يده بإشارة تهدئة.
"خلينا نسمع اللي عند طاهر الأول."
"تسمع ايه ياحاج انت عارف ايه الموضوع"، قال طاهر بهدوء. "
وأن الرجل كان خطر على القرية كلها. وعارفين كلنا ده."
سعاد ضحكت ضحكة مكتومة. "واحنا مين احنا؟ محكمة؟ ولا عصابة؟"
طاهر نظر إليها نظرة طويلة. "احنا عائلة الريان.
ودا بيت العمدة واللي بيضر القرية بيضرنا."
"كلام جميل!" قال نادر بسخرية. "ويا تري ايه الأذية الي عملها وكانت صعبة كدة عشان تقتله!"
أحمد ضرب بكفه على ذراع الكرسي فجأة.
"كفاية!" الجميع التفت إليه. "اللي حصل حصل. واللي هيحصل... هنتصرف فيه. دا لو حد عرف يعمل حاجة! " قالها بتكبر.
نهض أحمد من كرسيه ببطء، واقفاً أمام طاهر.
"بس عايز أعرف حاجة واحدة... كان لازم يموت بالطريقة دي؟
"
طاهر نظر إلى أبيه مباشرة في العين. "والشباب الي ماتوا؟ كان لازم يموتوا بالطريقة دي؟" قالها بغموض.
سعاد همست كلمات بالكاد مسموعة: "ربنا يسترها علينا."
تسائل نادر بفضول. "مين؟ مين الي ماتوا؟"
طاهر نظر إلى أخيه نظرة طويلة. "في حاجات كتير انت مش فاهمها يا نادر. وحاجات تانية... أحسن ما تفهمها."
وفي عينيه، كان هناك شيء يقول أن القصة الحقيقية لم تبدأ بعد... كان أبيه يعلم جيدًا ما يحدث ويعلم بأن أبنه لا يخطئ ابدًا بحق احدًا وأن لكل حدث سبب عميق.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
«بمنزل حسام الطحاوي»
توقفت السيارة أمام فيلا بيضاء على الطراز الكلاسيكي في أحد أرقى أحياء القاهرة، الأشجار الطويلة المحيطة بالمنزل، وبعض أشجار الزيتون البسيطة، كانت تلقي بظلالها على الممر الحجري المؤدي للباب الكبير الخشبي.
فتحت سيرين باب الباب الخشبي البني ببطء، فانسابت أصوات ضحك وثرثرة من الداخل، وموسيقى خفيفة على مذياع "راديو" أنيق موضوع على الطاولة، كأن المنزل يحتفل بغيابها. الهواء الليلي كان يحمل نسيمًا خفيفًا من النيل، لكن ما إن دخلت الردهة حتى استقبلتها رائحة ثقيلة… عطر زوج أمها، نفّاذ، كأنه يملأ المكان ويذكّرها بوجوده في حياتها....
توقفت لحظة عند المدخل، حقيبتها تتدلّى من كتفها، وأصابعها تشد على طرفها بقوة. نبضها كان واضحًا في حلقها… فهي بالأصل لا ترتاح لوجود الرجال، ولا لاحتمال الاقتراب منهم.
خطت نحو الصالون بخطوات محسوبة.
وعندما وصلت وجدت ضيوفًا وقد كانوا يجلسون بثقة واريحية: امرأة في الأربعينيات، شديدة الأناقة؛ ترتدي جيب عاجي قصيرة حتى الركبة، وبلوزة حريرية، وسلسلة لامعة تتدلّى على صدرها… تفوح منها رائحة عطر فرنسي مذهل، يملأ المكان. وبجوارها زوجها…رجل بطول فارغ، بملابس ثمينة، يجلس بثقة رجل يعرف قيمته. وأمامهما ابنهما…شاب بملابس غالية الطراز، ينظر حوله وكأنه صاحب البيت.
وفي الجهة الأخرى… زوج أمها حسام الطحاوي، بضحكته العالية ونبرته التي تحفظها جيدًا، وأمّها مريم المختار بجواره، ترتشف القهوة بابتسامة متكلّفة.
وقفت هي على العتبة، وقالت بصوت لا يكاد يُسمع: "مساء الخير."
انقطع الضحك، وتحولت الضجة إلى سكونٍ مترقب.
تحرّكت عين أمها فورًا إليها: "تعالي يا بنتي… ادخلي."
همست بسرعة: "هطلع فوق..انا..."
لكن زوج أمها رفع رأسه، نبرة صوته حادة رغم ابتسامته: "تعالي يا بنتي… سلّمي."
تجمّدت.
لم تحب أن يطلب منها شيئًا…ولا أن تقترب من رجاله أو معارفه.
لكن أمها التفتت لها بنظرة ترجٍ خفيف: "تعالي يا روحي، دقيقة بس."
اقتربت بخطوات خائفة، تشعر بكل صوت في قلبها، وكل دفقة دم في أصابعها. بدأت بالمرأة الأنيقة… انحنت برأسها قليلًا، تقول:
"أهلا بحضرتِك."
ابتسمت السيدة ابتسامة واسعة، عطرها الحلو يزداد قربًا:
"أهلا يا قمر… دي بنتك يامريم؟"
أمها ردت بسرعة، فخورة: "أيوه…دي بنتي سيرين."
ردت المرأة بإبتسامة:
"أول مرة نشوفها. قمر اوي ماشاء الله عليها!."
ردت مريم بإبتسامة: "هي انطوائية شوية، تسلمي ياحبيبتي عيونك الي حلوة."
ثم اتجهت سيرين نحو الرجل، حاولت ألا ترفع رأسها كثيرًا. همست:
"أهلا بحضرتك."
مدّ الرجل يده فورًا بسطحية وابتسامة واثقة:
"أهلا يا بنتي."
في لحظة امتدت في رأسها كأنها دقائق، تراجع جسدها للخلف دون إرادة… يد الرجل كانت قريبة جدًا…ورائحة عطره أثقل من قدرتها على التنفس.
رفعت يدها إلى صدرها سريعًا، خطوة صغيرة للوراء، وصوتها يرتجف:
"آسفة… مبسلمش."
سقطت نظرة الزوجة عليها، مستغربة، وكذلك الشاب وكأنه لن يسبق أن رأى مشهدًا كهذا. والرجل سحب يده ببطء، محرجًا.
وقبل أن يعلق أحد، قطع زوج أمها الموقف بابتسامة مصطنعة: "هي كده من يومها… بنت مؤدّبة ومتحفّظة."
لكن نبرته كان فيها ضيق خفيف تعلمه جيدًا.
اتجهت بنظرها لأمها… أمها بادلتها ابتسامة لطيفة، بحرج، وكأنها تعتذر لها بالصمت.
ثم سمعت صوت الابن، بصوت منخفض:
"اتشرّفنا…" هزّت رأسها فقط، دون كلمة.
رائحة الرجال، نظراتهم، الأجواء الدافئة المحمّلة بالعطر… كل شيء ضغط على صدرها.
كل ما أرادته هو السلم…غرفتها… الباب المغلق. نظرت لزوج أمها بخوف مختلط برجاء لم تصرّح به:
ممكن أروح اوضتي؟
فقال، وكأنه يسمح لها أخيرًا: "روّحي يا بنتي… روّحي."
كأن الهواء عاد لرئتيها.
استدارت بسرعة، خطواتها هاربة لا تمشي، وصوت الضحكات يعود خلفها ببطء، بينما قلبها يخفق أسرع من قدرتها على اللحاق به.
ركضت لغرفتها مسرعة ودقات قلبها ترتجف من الموقف، دخلت غرفتها أخيرًا أغلقت الباب وأخذت نفسًا عميقًا وكأنها عادت للتو للحياة.
دفعت حقيبتها جانبًا على الأريكة وذهبت للمرحاض وأخذت تغسل وجهها وتدفع المياة على وجهها وكأنها تريد أن تعود لنفسها! ربما تريد أن تشعر بأنها فتاة طبيعية كباقي الفتيات، ولكن قاطعها صوت لطالما كان كابوسها السيء كابوسًا تعيشه منذ طفولتها حتى الآن.
_أغسلي أغسلي يمكن المية تمحى أحزانك ياحبيبتي!
ارتجفت يدها كعادتها عندما تراه وعادت للخلف تلقائيًا وهي تقول بخوف:
"انت بتعمل ايه هنا؟ رووو.. روووح لضيوفك.
وملكش دعوة بيا.."
_ضيوفي؟!... ضيوفي الي انتِ احرجتيهم ومفكرة نفسك الخضرة الشريفة؟
قالها بغضب.
ثم اقترب منها وامسك بها من شعرها وأخذ يجر بها خارج المرحاض حتى وقف بمنتصف الغرفة.
ضغط على شعرها أكثر وهو ينظر إليها بجنون قائلًا: "حركاتك دي مش عليا انا فاهمة! شغل بتكسف ومبكلمش حتى مش عليا؟ والي اقولك عليه تنفيذيه من غير نفس فاهمة؟"
كانت تتألم وتشعر وكأن شعرها سوف يقتلع بين يديه.
دموعها تتساقط بعيناها الجميلتان ولكنها لا تصدر صوتًا فقط جسدها يرتجف.
وكان هو يستمتع بارتجافها وخوفها منه.
يعشق النظر للدموع بعيونها.
أسقطها أرضًا ونظر بهدوء: "امسحي دموعك بقا زي الشاطرة وتتخمدي ومسمعلكيش صوت ولو سمعت بس انك قولتِ لأمك حاجة انتِ عارفة كويس هعمل ايه!"
ثم نظر إليها بسخرية
: "ولا أقولك قولي قولي احنا عارفين النتيجة هتكون لصالح مين؟!"
"حاولت سيرين جاهدة ألا تنظر إليه، ولكنها اصطدمت بتلك العيون الخضراء الممزوجة بالعسل البارد؛ كانت ترتعد كلما رأت ذلك المزيج، وتتساءل كيف لعينين بتلك الألوان أن تحمل كل هذا القدر من القسوة، حتى أصبحت تراهما كابوسها الذي لا يفارقها، ورمزًا لكل وجعٍ عاشته."
نظر إليها نظرة أخيرة
ثم غادر صافحًا الباب خلفه وتركها بمنتصف الغرفة تجلس على الارض، كتفها يرتجف بين يديها، والدموع تنساب ببطء على خديها.
الوحدة كانت تحيط بها من كل جانب، كأنها جدار لا ينهدم، والألم يكاد يملأ الصمت حتى يخرس الكلمات.
تذكّرت كل لحظة شعرت فيها بالخذلان، كل ابتسامة لم تفهمها، كل صوت لم يكن سوى صدى فارغ.
كل دمعة كانت تقول بصوت أعلى من الكلام: أنا هنا… أحتاج أن يراها أحد… ولكن لا أحد يرى.. وهل يعقل أن الأم لا ترى؟ بل هي من فعلت.
وكانت تتمنى لو كان بإمكانها الهرب من كل شيء، من العالم، من صوتها، من قلبها الذي يئنّ بلا توقف… وحدها، بين صمت الليل، كانت تعرف حقيقة نفسها: ألمها وحيد، ووحدتها صاخبة، وبكاؤها لا يحتاج سوى الظل ليحمله معها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
"الدقى_القاهرة/صيف 1970"
الشارع هادئ بشكل غير مألوف، وكأن المدينة نفسها حزينة.
الفلل الصغيرة والعمارات القديمة واقفة ساكنة، والنوافذ مغلقة، وكأن الناس تعرف أن اليوم ليس يومًا عاديًا.
في وسط الشارع، نعش ملفوف بعلم مصر يتحرك ببطء على سيارة قديمة، وعليه باقات زهور بسيطة، ذابلة من حرارة الصباح. حول النعش، وجوه الرجال صارمة لكنها تحمل صمت الحزن، أمسك معتز كتف فارس بيده مرتجفة، محاولًا بث الدفء والسكينة في قلبه المثقل بالحزن، وهو يرى في فقدان صديق عمره وأقرب الناس إليه فراغًا لا يُملأ ووجعًا لا يُطاق، وعيونهم ترقب السماء بلا وعي، تتساءل لماذا رحل هذا "شادى" بهذه الطريقة.
بعضهم يحاول كتم دموعه، لكن الصوت الخافت لانكسار قلبه يخرج في شهيق واحد.
الموكب يسير ببطء شديد، خطوات الناس على الرصيف ثقيلة، كل خطوة تحمل ألم الفقد.
النساء في الخلف، يضعن أيديهن على صدورهن، يخرجن صرخات مكتومة بين الحين والآخر، وأطفال يراقبون من على الأرصفة، عيونهم تفهم فقط أن شيئًا حزينًا يحدث، لكن لا يعرفون كيف يعبرون عن ذلك.
صوت الفاتحة والدعاء يعلو أحيانًا، ثم يختفي، كأنه يضيع بين الحزن والخوف من الواقع. الهواء محمّل برائحة التراب، بعض الزهور، ودموع الناس التي لا تُرى لكنها تشبه المطر الخفيف على وجوههم.
عند المقبرة، يضعون الجثمان في القبر، التراب يسقط ببطء على نعش الشهيد، وكل رشة تراب تبدو وكأنها تضع جزءًا من القلب في الأرض معه.
الصمت يغطي المكان بعد الدفن، والصدى الوحيد هو أنين خافت من والدته وابنه، وكأن الحزن نفسه يتنفس بين القبور.
الناس تبدأ في الرجوع، لكن خطواتهم لا تحملهم فقط، بل تحمل الحزن، الفقد، الدقي كلها تقف متألمة، وكأنها تعانق ذكراه بصمتها الطويل.
"بعد ساعتين "
فارس الجزار يقف مواجهًا لوالدة شادي التي تنتحب من البكاء :
"يا امي! صدقيني حقه هيرجع! شادي زي ماهو ابنك هو كمان اخويا!. "
أم شادي، والدموع تنساب على وجنتيها امسكت بكف فارس وهي تتوسله :
يابني! انا مبقتش عايزة حاجة؟! انا واثقة انك هتجيب حق ابني! بس.. بس حفيدي بقى من غير اب وام وانا مش باقيلي حاجة...
قاطعها فارس وهو يربت برفق على يدها المرتجفة:
"ربنا يطول فى عمرك يامي. ودى امانة اخويا وصاحب عمري وانا عمري ما هسيبه، وانا دايمًا معاكم وهكون على طول على تواصل معاكم وكل ما يلزمك من غير ما تقولي يا امي هيكون عندك. "
قالها بإبتسامة مطمئنة.
أم شادي وقد تبللت عيناها بالدموع، وهمست بصوت مكسور:
"ربنا يحميك لشبابك يبنى وينفع بيك الأمة ياقادر ياكريم. "
نهض فارس بخطوات ثقيلة، مودعًا إياها بنظرة طويلة، ثم غادر ليتهيأ لمهمته الشاقة ويواجه يومه المرهق، والقلب مثقل بما يخبئه القدر.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
"في قرية تونس - الفيوم"
في صباح باكر ينكشف ببطء على قرية تونس، كأن الشمس تتردد قبل أن تكشف كل الأسرار المخفية في الأزقة الترابية. الدخان الخفيف المنبعث من مواقد الفطور الصغيرة يلتف مع رائحة الأرض المبتلة بندى الصباح، والأصوات البعيدة لأطفال يركضون خلف الكرة تتقاطع مع خرير مياه النهر الذي يمر على أطراف القرية.
على الطريق المؤدي للقرية، توقفت حافلة ركاب قديمة "الأتوبيس"، ونزل منها فارس.
لم يكن في سيارة شيك، بل كان يرتدي قميصًا بسيطًا بياقات عريضة، وجاكيت خفيف، وبنطلونًا مرتبًا، ويحمل حقيبة يد جلدية بسيطة، لكي لا يثير الجدل ويبدو كواحد من المغتربين أو الموظفين الجدد.
بينما كان يمشي على الطريق الترابي، خطاه ثابتة ومتحكمة، كل حركة محسوبة بعناية.
عيناه تتنقلان بسرعة بين البيوت، الأبواب، وحتى النافذات المغلقة، محاولًا جمع أي أثر يمكن أن يقوده إلى ما يريد اكتشافه: السر الذي خلف موت صديقه، الضابط شادي المكاوى، وماهو سر تلك القرية؟.
مرّ عبر الأزقة الضيقة، وكل خطوة كانت تصدر صوتًا خافتًا على الحصى، وكأنه يترك وراءه أثرًا بسيطًا فقط. وفجأة، استمع لصوت صراخ امرأة فركض باتجاه الصوت بين الأزقة الضيقة فوجد امرأة جالسة على الأرض تصرخ وعلى قدمها شاب وقد كان الشاب ساقطًا على الأرض، جسده ضعيف النحافة، يظهر عليه هشاشة لم يتجاوز سنه الثامنة عشرة. عيناه مفتوحتان على مصراعيهما، لكنهما فارغتان، كما لو أن وعيه قد ابتلعته المادة التي تناولهة.
البياض في عينيه مشوب بالاحمرار، وجفون مرتعشة بشكل متقطع.
فمه مفتوح قليلًا، منبعثة منه رغوة صفراء، وحركات شفتيه متقطعة، غير متناسقة مع تنفسه. جسده يرتعش أحيانًا، ويظهر تشنج خفيف في ساقيه وذراعيه، وكأن أعصابه تحاول المقاومة بلا جدوى.
يديه تتحرك بلا هدف، تحاول الإمساك بشيء غير موجود، وكل حركة تفضح الصراع الداخلي بين وعيه الضائع وتأثير المخدر.
رائحته الكيميائية حادة، تعبق في الهواء، مزيج من شيء معد صناعيًا وخطر، يميز فارس على الفور أن هذه جرعة زائدة قوية.
وجهه شاحب، شفتاه شاحبتان، وخطوط التعب والخوف مرسومة على جبينه الصغير.
كان يبدو وكأن جسمه يحاول الصمود، لكنه مهزوم أمام قوة المادة التي اخترقته.
وفي دقائق كانت اجتمعت الجيران امام المرأة البعض وكأنهم يشاهدون فيلم رعب خائفون.
فتقدم فارس سريعًا محاولًا انقاذ الطفل ولكن؛ تذكر بأنه ليس بضابط شرطة الآن
وقف مكانه ينظر عربة الإسعاف الذي آتت الآن ولنباح الام ووجعها على ابنها ولذلك الطفل الذي ربما يفقد حياته قبل أن يبدأها.
كان يحاول فارس أن يسيطر على أعصابه وألا يفتك بتلك القرية.
اخذ نفس طويل محاولًا السكون وأصبحت اهدافه واضحة تمامًا الآن.
ولن يترك الفاعل وإن كان أبيه بذاته.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
"منزل أحمد الريان"
كانت الشمس في ذروة ارتفاعها، تصبّ ذهبها فوق جدران قصر آل الريّان، بينما سكنت الممرات الواسعة في الداخل بسكونٍ خانق لا يقطعه سوى هدير مروحةٍ سقفية تدور بغيظٍ فوق رأس ميار، الجالسة في غرفتها تمسك بـ "طارة تطريز" وتغرز الإبرة بخيوط حريرية ملونة بصمت، وعيناها تتابعان الغرز بتركيزٍ مُرهَق… لكنها تخفي تحت هذا الهدوء قلبًا دائم الحذر، كأنها تعيش في بيتٍ لا يسمح لها بالتنفس بحرية.
لم يمرّ وقتٌ طويل حتى انفتح الباب دفعةً واحدة، ودخلت سعاد هانم بخطواتٍ محسوبة، عبايتها الفاخرة تتمايل، وأساورها الذهب ترنّ كأنها تتعمد إزعاج الهدوء.
سعاد بابتسامة مزيّفة:
"وانتي هتفضّلي قافلة على نفسك في الأوضة طول النهار بتطرزي وتسمعي الراديو يا ميار؟! مش هتساعديني ولا إيه؟ سميحة ماجتش النهارده… وأنا مش هعمل كل حاجة لوحدي."
ميار:
"حاضر يا عمتى…هنزل دلوقتي. بس ممكن اخلص الي في ايدي بس وانزل."
سعاد بسخرية:
"انا استنى يا حبيبتي...بس الأكل هيستنى ازاي بقا.
يلا ياحبيبتي قومي…محسساني انك الباش مهندسة يعني!"
أغلقت ميار أدوات التطريز بهدوء، ونهضت.
سارت خلفها في الممر الواسع، تشعر بثقل خطواتها أكثر من حرارة الظهيرة.
في المطبخ الكبير، كانت سعاد تتحرك بكسلٍ متعمد، تُلقي الأوامر بلهجة المنتصر:
"قطّعي الخضار…وغسّلي الرز… وهاتي المية دي تغلي. بسرعة يا ميار،إنتي بطيييئة ليه كده؟!"
أخذت ميار الإبريق المليء بالماء ورفعته على النار.
ظلّت تعمل بصمت، تحاول تفادي الاحتكاك، لكن سعاد لم تُفوّت فرصة لإشعال الموقف:
"يا بنتي ركّزي! ايه دا! ولا عمرك نفعتي ولا هتنفعي في حاجة. دا امه داعية عليه والله الي هياخدك ياشيخة!"
ضغطت ميار على أسنانها، وبينما هي تُبعد الإبريق المغلي، نظرت ليد سعاد بلمحة خاطفة، ثم تعمدت إمالة يدها قليلاً بسبب "البخار" المزعوم.. وانسكبت دفعة كبيرة من الماء الساخن على يد سعاد.
سعاد تصرخ بأعلى صوت:
"آااااه! يا نهار اسود! إنتي حرقتيني يا بنت!! إنتِ اتجننتي؟! انتِ قاصدة؟ انتِ قاصدة عشان نزلتك غصب عنك مش كدة؟!"
تراجعت ميار خطوة للوراء، وهي تقول بمكر وتنظر إليها ببراءة:
"انا اعمل كدة يامرات ابوي! حرام عليكي دا انا ايدي بس اتزحلقت!"
استمر صراخ سعاد كأنه معركة حرب، حتى فتح الباب فجأة ودخل طاهر بملامحه الصارمة ولكن عينيه دائمًا تشعّان ذكاءً وسخريةً.
طاهر يرفع حاجبه ويضحك بخفوت: "خير يا سعاد؟ الدنيا مقلوبة ليه؟!"
سعاد تنهار باكية وهي تمد يدها: "الِبِت دي حرقتني! بص؟! شوف إيديي!"
اقترب طاهر قليلًا، ورأى الاحمرار… ثم ابتسم بخِبث:
"يا سعاااد…تعيشي وتاخدي غيرها يا ست الكل.
دا انتي لو المية دي جت على وشّك كان زمانه بقى أحسن."
نظرة سعاد اشتعلت غضبًا:
"طاهر!! إنت شمتان فيا؟! دا بدل ما تعلمها الأدب على قلة ربايتها دي؟"
ضحك قليلاً، ثم التفت إلى ميار التي كانت تحاول أن تُخفي خوفها.
طاهر بنبرة هادئة دفاعًا عن أخته: "اكيد مكنش قصدها يعني…هتدلق المية عليكي ليه، كنتِ عدوتها وانا معرفش."
نظرت إليه سعاد بغل وهي تسمع كلماته التي كانت قد قالته له ولزوجها من عدة سنوات عندما سكبت المياة الساخنة على ذراع ميار فهو لم ينسى ولن ينسى من أذاه.
"ماشي يا طاهر ماشي."
لم يكترث لها طاهر ونظر لأخته وامسك بيدها وأخذ يمسد عليها بحنان وهو يقول بصوت هامس لم يسمعه غيرها:
"تسلم إيدك.. كدة الحساب بدأ يصفى."
ثم قال بصوت مسموع:
"قاعدة هنا ليه روحي اوضتك يلا كملي اللي كنتي بتعمليه."
أومأت له بتردد: "ايوا بس.. الاكل ياطاهر؟"
ابتسم لها بهدوء: "هتصرف ياعيون طاهر اطلعي انتِ يلا."
"نظرت ميار لشقيقها بتمعن، وتأملت عيناه الخضراوات الممتزجتين بالعسل الصافي؛ لم تكن تدري كيف يهابه أهل القرية، أو كيف يكرهون ذلك الوجه الذي يمثل لها العالم بأكمله، ومصدر أمانها الوحيد. "
استيقظت من شرودها على طاهر وهو يهزها قائلًا:
يلا يابنتي اطلعي.
ذهبت من أمامه وهي تركض بسعادة على الدرج، وهي سعيدة بأفعال شقيقها وحنيته عليها فهو يحميها من كل نظرة وكلمة، ولا تعلم لماذا الناس تهاب وتكره شخصًا مثله، ربما لأن حبه وكرهه ليس لهما حدود.
نهاية البارت
للكاتبة: هدى نجيب/نور أحمد