رواية يوما ما الفصل الأول
الفصل الأول
رجل مثله يستحق أن يكون تجربة الحب الاولى .. برجولته وجاذبيته وأناقته وغموضه رجل غيابه عبث ووجوده أمل .. رجل أشعرني بلهفة الحب لأول مرة .. رجل اشعرني بغياب الحاضرين وزيفهم .. رجل ليس ككل الرجال .. هو رجل لا ينسى. رجل جاء في شهر ديسمبر ماذا اتوقع منه ؟ غير أن يكون مقدس كقدوسية هذا الشهر بالنسبة لي.
قطرات مطر غزيرة تطرق نافذتي برقة مصحوبة برياح عاتية تشبه قلبي ، و ملائمة تماما لحياتي برمادية لونها و بمطرها الغزير، ملائم تماما لبدايتي و نهايتي و قدري أيضا. فهذا يجري ليختبئ تحت المتجر خوفا من أن يتبلل ،و هذا يستغله لخلق جو حميمي مع صديقته، و هذا يقف تحته و يستمتع به كأنه الشيء الوحيد المبهج في حياته .. ألف وجه و وجه و لكل وجه ألف حكاية.
أما أنا فلست أشعر بأي شيء ، لا المطر، و لا الأشخاص ،و لا حتى الشعور نفسه.. لا شيء سوى الفراغ، الفراغ الذي غلف قلبي حتى لم يبقى فيه سوى ذكرى للقاء أنفُض عنها الغبار كل يوم ، و حبٌ لمطرٍ كان يوما ما كل الحياة لقلبي.
لا طالما كان النسيان هو الشيئ الوحيد الذي نستطيع به المضي و التجاوز .. لا طالما كان و سيبقى تلك النعمة النادرة التي تأتي لقلة من الأشخاص، نعمة التخطي في طرق جديدة .. فاليوم يوافق حدثين زعزعا روحي ، حدثين جعلهما ديسمبر يدونان في تاريخ حياتي ، حدثين لم تطالهما يد النسيان و لم ترتطم بهما زخات التجاوز.
ديسمبر الذي مت فيه مرة و عشت فيه مرة أخرى.. ديسمبر الذي كنت اقدس فيه اللحظات العابرة و تفاصيل اللقاءات الاولى .. ديسمبر الذي عشت فيه مرتدية ثوب الرحيل و الغياب، و في الأخير ودعته بقلب متعب لم يكن يرجو سوى النسيان .. ودعته بقلب لم يكن يريد سوى أن يرفق به ديسمبر و الحياة.
و ها هو ديسمبر قد اتى مرة أخرى ليذكرني به.
فهو بقي راسخا في حياتي لا يغادرني و لا يغادر ايامي ، و لا ينفك خياله المشوش يراقصني على الحان خاوية أؤلفها ليلا اكثر من نهارا ، كيف و هم يقولون أن الحب ما هو إلا سعادة و تحليق بجناحين حالمين لرؤية الحبيب، و أنا تألمت منه و من حبه حد انقطاع انفاسي و حد تبخر احلامي .. كيف أنساه و هو من جعلني شخص رخويٌ لا يستطيع الاحساس و ما ينفك يتذكر يوم لقائنا كأنه حدث أمس؟
كيف أنسى و أتناسى ماضي بعيد يغلفه قصة حب جمعتنا كانت خيالية اكثر منها واقعية.. كاذبة اكثر منها حقيقة.
كنت اتأرجح بين قلب اخبرني ما لم يقله احد و بين عقل كنت اخاله يفهمني اكثر من نفسي، فإذا بذلك القلب و العقل قد جعلا مني نصف شخص.. نصف حب.. و نصف قلب كان يؤمن بأنه يستطيع فعل المستحيل كالتحليق او امتلاك قلب من أحَبه.
كان لدي يقين انني سأجد من يكملني بعده وأنه يجب علي أن أضعه في غياهب النسيان و المرور لأنها تجربة كئيبة مؤقتة ولا بد من التعلم منها ، تجربة علي أن اتخطاها بقلب متألم.
إلا انني لم أكن أعلم أنني سأبقى عالقة بذكراه .. عالقة في قاع التجربة، و أنني لم أنسى و أتناسى و أخالني لن أنسى أبدا ، فهو ما زال يملئني و يملئ ثقوب قلبي.
فبعد كل شيء انا ما زلت في القاع مع خياله أراقصه و احلم بحكاية مكتملة بطلها جعل من البدايات التعيسة نهاية لا تكتمل الا بوجودها و بطلة تؤمن بحب افلاطوني يجعل من النهاية حياة اخرى ما زالت قيد الكتابة ليعيشاها.
لقد كنت اعلم انك البطل الآسر و المميز الذي يقلب حياة البطلة رأسا على عقب لكنني لم أكن أعلم أنني لم اكن يوما البطلة بل كنت ذلك الهامش الذي يحب بصمت و بدون صدى.
لكنها كانت مشكلتي من الأساس انني آمنت و توقعت و صدقت انني سأكون معه كنهايات القصص الخرافية ، لقد آمنت أن القدر سيكون معي هذه المرة لأنه وضعه أمامي بدون حتى أن ألتقط أنفاسي ، لقد آمنت لكنه في الأخير ابعدني عنه كأنه يخبرني بأنه قد حان الوقت للتريث و لتنظيم أنفاسي.
لقد كان الوحيد الذي عشت معه تفاصيل الحب الأول ، الحب الذي حلقت فيه عاليا ، في عالم ٍبعيد عن الواقعية و السوداوية ، عالم فيه من الحب ما يجعله ورديا حالما و لا يوجد فيه سوى أنا و هو فقط.
لكنني لم أكد أنغمس و أتعمق فيه حتى تبعثر حلمي كتبعثر أوراق الخريف و انكسر جناحيَّ كإنكسار زجاجٍ بالي، فإرتطمت بالواقع الكئيب لأجد الخيبة و المرارة بإنتظاري، فتجرعت منهما حد الثمالة و ما زلت للآن لم أستيقظ لأثرهما المسكر.
لقد كنت أرجو أن تحبني الحياة و لو قليلا و تعوضني عما خسرته، أن يشفق علي القدر،و ينتشلني من حالة البؤس التي أعيشها.. لكن أنَّ له أن يخرجني من الذي انا فيه و هو قد أعطاني درسا قويا لم و لن انساه ابدا، كيف و هو كثير التناقض.. تارة يعطيني حد السخاء و تارة يأخذ مني كل عزيز.
لقد كان مليئا بالتناقض للحد الذي جعلني كثيرة الإفراط في مشاعري و توقعاتي حد ايذاء روحي و جعلُها خاوية مليئة بالندوب. ففي الأخير عرفته بدون مشاعر ، بدون قلب و بدون ادنى فكرة عن هذا الذي يسمى حب ، لكنه جعلني أؤمن و أصدق أن اللهفة الأولى و نبضة القلب ما هي الا سعادة اخرى سأكتشفها مع مرور الوقت.
فإذا بإكتشافي حطمني و جعلني اعود أدراجي لنقطة الصفر او اقل منها.
ها قد أسدل الليل ستائره ، ليعلن توقف أفكاري و توقف المطر أيضا، فرحت أتأمل المكان حولي كأني أشاهده للمرة الأولى، بيت بسيط مكون من غرفة معيشة، مطبخ و حمام و غرفتين و لا سيما مكاني المفضل الذي أطل عليه على العالم لأرى أحواله ، و أيضا صديقتي الوحيدة التي سمعت شكواي و لم تعترض و تقبلت ضعفي و لم تتحدث.. صديقتي التي كتبت فيها رسائل معلقة لم تصل .
كل زاوية ، كل ركن ، حملت معها سيل ذكريات عميقة متربة مليئة برائحة الحنين التي كانت و لازالت في قلبي.
فنفضت عني هذه الأفكار و ذهبت للمطبخ لأعد شيء أسد به جوعي، فوجدت قطعة رغيف و بعض من الجبن، أعلم أن هذا كاف لإطعام معدة عصفور ، فكيف بمعدتي، فأنا أصلا لست من النوع الأكول الذي يحب الطعام حبا جما ، يكفي فقط ما يسكت عصافير بطني و أن أبقى على قيد الحياة لا أكثر.
انتهيت من وجبتي البسيطة، فإذا بالساعة تشير لمنتصف الليل، فذهبت إلى غرفتي و استلقيت لعل النوم يداعب عينيَّ اللتان نسيتا الراحة منذ مدة، فأنا منذ أيام لم أنعم بنومٍ يملئني و عيني حد التخمة، فتلك الأفكار كانت ولا زالت تؤرقني ، ولا سيما تلك الأوهام و الآلام التي أبت أن تتركني .
فذهبت بي ذاكرتي إلى ذلك التاريخ من شتاء ديسمبر و بالتحديد في الأول من شهر الرحيل و اللهفة الأولى من عام الحنين ٢٠٠٨ ، و أنا لست من هواة حفظ التواريخ فهي بالنسبة لي حاصل تحصيل لا تستدعي مكوثها في البال لأن ليس لها لا وقع ولا استثناء ، لكن هذا اليوم أعتبره يوم البداية و النهاية .. يوم بداية النبضة الأولى و نهاية حياتي .. يوم بداية التجربة و لهفة الحب المختبئ.
يوم لعبه القدر و أجاد ممارسته ، فكانت و كما تعودت في صغري بدايةٌ لخسارة لشيئ ما توقعت انتصاره رغم هتافي و تشجيعي المستمر و يقيني بالفوز .
يوم بداية الاندثار و تلحين توليفة الحزن التي راقصتني طويلا.
شتاء ديسمبر
٢٠٠٨
خرجت من الباب الواسع للمبني و لففت وشاحي الأحمر حول عنقي، و أحكمت إغلاق أزرار معطفي الرمادي ، ثم هممت بالذهاب للمنزل بعد يوم طويل و شاق، و ما زاده شقاء سوى البرد القارص و الرياح القوية .
سرت و أنا أتذكر كل ما مر بي في هذا اليوم، لا شيء جديد بالتحديد ؛ فهو ككل يوم، الاستيقاظ في السابعة صباحا، أغاني الزمن الجميل المنبعثة من الراديو القديم، دندنة أمي و نظرتها الحنون ، الأمان المحيط بأبي، و الوصول للعمل متأخرة بخمس دقائق بسبب زحمة المرور، تذمر مديري في العمل، نميمة زملائي، يليها عمل.. عمل..عمل ، حتى الخامسة, لأتنفس الصعداء، لأن يوم ممل آخر قد مر هكذا كان يومي روتيني و ممل.
فمنذ أن كنت صغيرة حلمي كان أن أعمل في دار نشر محاطة بالكتب، فدرست.. و درست..و درست ، لم أستمتع بطفولتي كباقي الأطفال بلعبة الدمية أو البيت، بل كانت لعبتي الوحيدة هي الكتاب ، هنا وجدت متعتي و تسليتي، و لم أحيا حياة المراهقين كالوقوع في الحب أو تكوين صداقات، بل كان حبي الأول و صديقي الوحيد هو الكتاب و الكتب .
هكذا أمضيت طفولتي و مراهقتي و حتى حياتي الجامعية وحيدة ، مليئة بالكتب و قليل من الصداقات السطحية و علاقات الاعجاب العابرة، فكل ما كان يهمني الدراسة و الكتب. فتوالت الأيام و تحصلت على شهادة الثانوية العامة بتقدير جيد ثم درست في الجامعة و كنت اتأرجح بين رفع راية الاستسلام و تحقيق حلمي الوحيد.
لكن بالرغم من الصعاب التي واجهتني لم استسلم و كان حلمي قد استقر في طيات قلبي ليهزم كل دخيل مستحيل ، فتغلبت بدوري على كل شيء في سبيل تحقيق حلم كاد يكون واقع، فتخرجت في الاخير و كانت فرحتي برؤية فخر والديَّ اشد فرحا من اقتراب تحقيق حلمي.
و كانت الحياة بدورها سخية جدا معي لأنها اعطتني كل ما املك، و ان كانت اشياء عادية. والدان محبان يعطيان ابنتهما الوحيدة عقد من النجوم اذا طلبت ، قليل من الذكاء الذي ساعدني طيلة مشواري الدراسي، و نفحة من جمال ان كان يبدو لي عاديا و بسيطا.. حتى حلمي قد تم تمهيده و تسيير سبل الوصول اليه ، فحققته و صرت أعمل في أشهر دار نشر في البلاد محاطة بالكتب من كل جانب، كتب من الصباح حتى المساء .
لكني لم أكن أعلم حينها ان الاحساس بالملل قد بدأ بالتسرب داخلي شيئا فشيئا، فتيقنت أن الرغبة في شيء ما لدرجة الجنون، يليها فقدانُ شغف به مع مرور الوقت، فأنا لم تعد لي طاقة لا في الكتب ولا في العمل ، لا أدري هل المشكلة تكمن في الروتينية و الملل؟ .. أو في كره زملائي و نميمتهم عني؟..أو في مديري الذي ما ينفك يوبخني على أتفه الأشياء؟..أم المشكلة في أنا؟.
قطع سيل أفكاري قطرات رقيقة من السماء أيقظتني من شرودي، فكل ما كان ينقصني في هذه اللحظة بالذات إلا المطر ! ،و الأسوء لم أحضر معي مظلتي! فتحولت القطرات فجأة الى خيوط قوية ترسل حملها للأرض، و لم يكن عندي حل أفضل من الحقيبة، فهممت بوضعها على رأسي، و رحت ألتهِم الطريق لأصل في الوقت المناسب لرجوع والديَّ ، و في خضم غضبي من المطر اللعين لم انتبه للجسم الصلب الذي ارتطمت به حتى كدت أقع، ففي اللحظة الأخيرة تم إمساكُ يدي قبل السقوط المحتم . و فجأة كان المطر قد اختفى و لم أعد أشعر به، كل ما شعرت به وقتها ملمس يدٍ دافئة على يدي المتجمدة، فلم أشعر لا بالمطر ، و لا الرياح، و لا حتى البرد، لا شيء سوى ملمس يده على يدي.
- أنا أعتذر.
قلتها بإرتباك و خجل دون النظر اليه و الى من يكون هذا الغريب الدافئ، فلم أتلق جوابا منه وكان سكوته هو خير جواب، فرفعت رأسي اليه و نظرت له للمرة الأولى فوجدته يحدق بي كأنه كان بإنتظاري ليضع عسليتاه في عيني، فأحسست كأنه يغوص في أعماقي ليكتشف ما لا يجب اكتشافه .
ثم أخرجني صوت عميق جذاب من شرودي :
- لا عليكِ.
هكذا قالها بإقتضاب و برود ، فبالرغم من أن صوته كانت باردا الا انه جعل قلبي يتراقص دفئاً و طربا، فتعلقت عيناي بعينيه و هو مازال ممسكا بيدي، فتوقف قلبي للحظة و شعرت أن الزمن و المطر أيضا توقفا، و معهما الرياح و الكواكب و دوران الأرض، توقف كل شيء عند هذه اللحظة .
كانت لحظة فاصلة بين الخيال و الحقيقة .. بين الواقع و الحلم لحظة شعرت فيها بكل ما يشعر به الإنسان منذ ولادته حتى لحظة وفاته، كأن هناك ألعاب نارية في عقلي، أم قلبي؟ ربما .. لا أدري ! كل ما شعرت به وقتها أنني لا أريد إبعاد عيني عن هذا الغريب الجذاب، و لا إفلات يده التي تبعث الدفيء لجسدي و قلبي على حد سواء.
لكن لكل شيء نهاية في هذه الحياة، حتى تلك الثواني القليلة، فلقد عاد تساقط الأمطار و عادت الأرض للدوران ، و عادت عقارب الساعة لوضعها المسالم، و عاد البرد يتسلل لسائر جسدي بتركه ليدي.. كل شيء عاد لطبيعته، حتى أنا عدت للعالم الذي أعيش فيه .
حين أدركت ذلك كنت مبللة من رأسي لأخمص قدمي، أما هو فبإمساكه ليدي سقطت مظلته و حاله لا يختلف عن حالي. يا إلهي! لقد تأخرت لا بد أنهما قلقة ! فتمتمت بعبارات الإعتذار مرة أخرى لتبلله بسببي و لإرتطامي الغبي به ، و لم أنتظر سماع رده، فتركته و جريت كما لم أجري من قبل كأنني في سباق الماراثون و لو كنت هناك لإحتللت المركز الأول،حسنا! فبسببه اكتشفت انني بارعة في الركض و هذه ميزة جديدة .
لكن بعثرة الرياح لشعري الأسود قد اعاقت رؤيتي نسبيا، فلم انتبه لوشاحي المفضل الذي اخذته الرياح معها لكنني لم أهتم به و لم ألتفت حتى كل ما كان يهمني حقا سوى أن أعود للبيت.
أو أن ما يهمني كان شيء آخر؟.
لا أدري.