اليوم التالي بدت أجواؤه غريبة , غريبة إلى حد كبير جدا فالمنزل كان هادئا جدا كأنه ينتظر عاصفة أكبر من سابقاتها , استيقظ ويليام كي يأخذ فيكتوريا كما وعدها إلى أمها و تركها نائمة ثم غادر الغرفة و عندما نزل إلى الطابق السفلي وجد شقيقه و جده و ماري مجتمعين بطريقة غريبة لا تبشر بالخير و الدليل ملامح جده المنزعجة أما رافييلا تقف في زاوية بعيدة فاقترب منهم و وقف بجانب شقيقه و سألهم : " لماذا تجتمعون هكذا ؟"
أجاب شقيقه : " ورطة كبيرة جدا "
رد ويليام بنبرة تعكس لامبالاته : " لا أعتقد أن هناك ورطة أكبر مما فعلته ميلينا البارحة "
ردت ماري : " ميلينا هي المشكلة , غادرت المنزل فجرا بدون سبب "
ويليام لم يتفاجأ بل رد محافظا على عدم مبالاته : " لا أعتقد أنها كانت تريد المجيء أساسا , لعلها أتت لأن جدي أجبرها "
و بعد هذه الجملة رن هاتفه فجأة برقم مجهول , تبادل ويليام النظرات مع جده و شقيقه و ماري ثم رد : " من معي ؟ "
أجاب الطرف الآخر و الذي كان صوته صوت امرأة يعرفونها : " ويليام بني , مضى وقت طويل "
تفاجأ الجميع من المتحدثة , كانت والدة ويليام السيدة غابرييلا و بمجرد أن سمع صوتها اندفع ديفيد و رد صارخا : " ها قد ظهرت أيتها المخادعة ... سأجدك و أجعلك تدفعين الثمن "
ماري وضعت يدها على كتفه و قالت : " اهدأ ... لا تبين نقطة ضعفك أمامها "
تولى ويليام الرد عليها بهدوئه المعتاد : " أخيرا قررت الظهور , هل كنت خائفة طوال الوقت ؟ "
ضحكت ضحكة قصيرة ثم أجابت : " كلا يا صغيري , كنت أنتظر أن تكبر قليلا لتعي المحيط من حولك و تدرك أهمية الولاء لي ... و من الجيد أنك فعلت "
رد ويليام محاولا السيطرة على أعصابه : " أنت لن تختاري مكاني "
لكنها استمرت في استفزازه : " لا أنا لم أفعل , أنت تدفع ثمن اختيارك الآن فزوجتك العزيزة التي اخترتها غصبا عني أرسلت إلي هدية جميلة تثبت ولاءها السري لي "
انصدم الجميع من كلامها و بالأخص ماري و ويليام الذي سألها : " ماذا تقصدين ؟ ما علاقة فيكتوريا بك ؟ "
أجابت بتفاخر : " فيكي الجميلة كانت تخفي تلك الوثائق العزيزة التي تثبت تورط آل مونتكلير الشرفاء معنا في الأعمال الغير شرعية في مكتبتها الغالية التي أهديتها لها أنت بنفسك يا ويليام ... هل ترى ثمن اختيارك ؟ "
تجمد ويليام في مكانه من شدة الصدمة أما ماري أخذت الهاتف من يده و صرخت فيها : " أنت تكذبين , فيكتوريا بريئة من هذا العالم "
ردت غابرييلا بنبرتها المستفزة : " ماري العزيزة كنت تحسبين نفسك الكتف الذي تستند عليه مونتكلير لتستمر لكنك أدخلت لهم سلاحا دمرهم جميعا "
ثم أخذت تقلب الوثائق في يدها بثقة و أكملت كلامها :
" الآن سنرى من سينهار و من سيكمل السيطرة على هذه المدينة , أشكر فيكتوريا نيابة عني "
ثم أغلقت الهاتف في وجهه و عندما حاول الاتصال بها مجددا وجد أن الرقم متوقف فرمى الهاتف بعيدا و توجه بسرعة إلى الغرفة حيث كانت فيكتوريا جالسة تجمع أغراضها لتعود إلى عائلتها التي اشتاقت إليها لكن ويليام فتح الباب بشكل مفاجئ و دخل مندفعا نحوها و صرخ عليها : " كنت أنت المجرم الحقيقي طوال الوقت استغليت حبي لك و ثقتي بك ثم غدرت بي "
لم تفهم فيكتوريا ما يعنيه و وقفت من مكانها مستغربة من كلامه و بدأت تسأله : " ما بك ؟ ما الذي يغضبك ؟ "
فجأة أمسكها من ذراعيها بقوة و هزها بعنف صارخا :
" لماذا أخذت تلك الوثائق ؟ لماذا دخلت مكتبي دون إذني و سرا عني ؟ هل هذا جزاء ثقتي بك ؟ "
ارتجفت فيكتوريا خوفا منه و حاولت الرد بثبات : " أنا فعلت ذلك لمصلحتك , أردت أن أخرجك من هذا العالم المظلم "
و بدل أن يهدئه كلامها زاده غضبا و جنونا و رفع صوته أكثر : " كنت أنت الخطر الحقيقي طوال الوقت , كانت محقة حين عارضت وجودك "
و لأول مرة صرخت هي في وجهه : " أنت من وعدني بأنك ستخرج من هذا العالم , أنت من وعدني بأنك ستختارني لكن أصبح الأمر واضحا أمامي "
رد بعصبية : " ليس حين تغدرين بي و تأخذين الوثائق بدون إذني , أين اخفيتي البقية ؟ في المكتبة ؟ "
لكنها لم ترد ما زاد غضبه ثم خرج من الغرفة نحو مكتبتها و أخذ يقلب الكتب و يرميها بعيدا بحثا عن الوثائق التي أخفتها عنه , لحقت به فيكتوريا أولا بعدها البقية ليجدوا الكتب مرمية على الأرض و ويليام يستمر بتقليب الغرفة
و ما فيها , فجأة اتجهت فيكتوريا بخطوات متعثرة بسبب تعبها نحو إحدى الزوايا و أخرجت الوثائق من المكان الذي أخفتها فيه و اتجهت نحوه و وضعتها في يده بعد أن توقف و هو ينظر إلى ما تفعله , اقتربت رافييلا خطوتين نحوها و قالت برجاء : " فيكتوريا لا تفعلي ذلك , لا تعطيها له فنحن اتفقنا على أن نخرجهما من هذا العالم "
لكن فيكتوريا وقفت أمامه و وضعت الوثائق في يده و قالت بصوت متعب : " أنت اخترت هذا العالم و أنا لا مكان لي فيه , يمكنك أن تبقى فيه كما تشاء "
ثم ابتعدت عنه بخطوات بطيئة لكنه أمسك ذراعها من الخلف و قال برجاء : " أعتذر عما بدر مني , ما كان يجب أن أؤذيك لكن ... "
إلا أنها سحبت ذراعها و دفعته بعنف و ابتعدت و هي تميل في مشيتها فسندتها عمتها عندها قالت لها بصوتها المتعب :
" عمتي أنا متعبة جدا , لا أريد البقاء هنا , أعيديني إلى المكان الذي جئت منه "
حاولت ماري تلطيف الجو و ردت عليها بصوت منخفض : " فيكتوريا دعينا نصلح ما حدث , ويليام كان متوترا فحسب "
إلا أنها رفضت قائلة :" هذا لا يعطيه الحق في أن يؤذيني , فعلت ذلك لمصلحته لأنني أعلم أن مصير من يدخل هذا العالم إما الموت أو السجن و أنا لم أرغب في خسارته , لكن ولاءه واضح "
رمى ويليام الأوراق جانبا و اقترب منها ثم وضع يده على كتفها من الخلف برجاء قائلا : " فيكتوريا يمكنك أن تعاقبيني كما تشائين لكنك ابتعادك يقتلني ... أرجوك لا تقتليني "
بدأ الغضب يتراكم داخل فيكتوريا التي صرخت فيه بتعب :
" أنت ميت أساسا منذ أخلفت وعدك ... أنت قتلتني أنا بوعدك الذي أخلفته , ماذا سنخسر أكثر من هذا ؟ أنا بقيت في عالمك هذا لأخرجك منه لكنك آذيتني , أنت آذيتني أكثر من مرضي ... ليتني لم أخترك "
قالت ذلك ثم أخذت تتنفس بقوة و لون وجهها يتحول إلى الأحمر و فقدت توازنها و لولا عمتها التي سندتها لسقطت أرضا , التفتت إلى عمتها و قالت باكية : " أخرجيني من هنا , أخرجيني من هذا العالم "
ساعدتها عمتها على الوقوف و قالت بصوت حنون :
" حسنا حبيبتي لنخرج من هنا , تعالي هيا "
خرجت فيكتوريا برفقة عمتها تشيعهما عيون البقية أما ويليام فاندفع بقوة خلفهما إلى الغرفة التي ذهبتا إليها و أمسك يد فيكتوريا برجاء قائلا : " لا تغادري أرجوك , سامحيني "
لكنها سحبت يدها بهدوء كأنها أعلنت الرحيل بعد استسلام و أمسكت بيد عمتها كطفلة صغيرة كانت ضائعة و وجدت أمها ثم أوصلتها إلى مدخل المنزل و عادت إلى ويليام و قالت له : " ويليام أنا أفهم موقفك و ما تمر به , دعها ترتاح من هذا المكان قليلا "
طأطأ رأسه خجلا و قال بصوت منخفض : " أنا آسف لقد خيبت ظنك و أخلفت بالوعد "
وضعت يدها على كتفه كمواساة و قالت : " لنعد فيكتوريا إلى أمها لفترة قصيرة ترتاح فيها ثم نجد حلا لمشكلتك , اتفقنا ؟ "
أجاب بصوت منخفض : " حاضر , اتفقنا "
ابتسمت له ابتسامة مشجعة ثم غادرت لاحقة بفيكتوريا .
طوال الطريق فيكتوريا كانت شاردة تفكر و كلما ابتعدت السيارة عن حي الأثرياء و ظهرت معالم حييها البسيط شعرت بالراحة و الانتماء و بدأت الابتسامة تشق طريقها على محياها و ماري تراقبها بسعادة ثم اقتربت منها و همست في أذنها : " هل تسعدك العودة ؟ "
أجابت فيكتوريا بسعادة : " نعم كثيرا , أشعر بالانتماء "
قبلت رأسها بعمق و قالت بصوت منخفض : " أنا آسفة لأنني أحضرتك إلى عالم لا يشبهك "
تغيرت نبرة صوت فيكتوريا و أصبحت أقرب إلى البكاء و قالت : " لا تعتذري , لم يكن ذنبك فهو من اختار هذا الطريق "
ردت ماري : " إنه مضطر للأمر يا فيكتوريا , لا أحد يخرج من ذلك العالم بسهولة "
زمت فيكتوريا شفتيها ثم ردت بصوت باكٍ : " لا ضرر في المحاولة ... هو لم يحاول , لا من أجل نفسه و لا من أجلي أنا , خيب ظني فيه "
تنهدت ماري ثم قالت : " لا أحد يعلم فيم يفكر ويليام و إلى ماذا يهدف , لا يمكن توقع أفعاله "
ردت فيكتوريا : " فليفعل ما يشاء , أنا لا أهتم لأمره حتى لو أخبروني أنه مات فأنا لا أهتم "
ابتسمت ماري ابتسامة سخرية دون أن تراها فيكتوريا و قالت في نفسها : " سنرى إن كنت تستطيعين "
بعد ساعتين توقفت الحافلة أمام مدخل الحي البسيط و نزلت منها فيكتوريا و عمتها التي كانت تمدد ذراعيها بإعياء و تعب قائلة :" الحافلة متعبة جدا أكثر من المشي "
ابتسمت فيكتوريا قائلة : " على الأقل أنظف من سيارته "
ثم اتجهتا نحو المنزل البسيط الذي توسط الحي و أخذت ماري المفتاح ثم فتحت لها الباب فدخلت فيكتوريا تركض كطفلة صغيرة تبحث عن أمها التي وجدتها في المطبخ تعد العشاء فعانقتها بسرعة قائلة : " أمي أنا عدت , اشتقت لك كثيرا "
بادلتها والدتها العناق و قالت : " أنا أكثر , سمعت أنك مريضة و كنت سآتي غدا كما أخبرني ويليام لكنك سبقتني و عدت "
ابتعدت عنها و سألتها متفاجئة : " ماذا ؟ "
هزت الأم رأسها بنعم مؤكدة ذلك و قالت : " نعم ويليام أخبرني بأنه سيجهز سيارة خاصة مؤمنة تأتي بي إليك و أنه يمكنني البقاء بجانبك قدر ما تشائين و لكن يبدو أنك اخترت المجيء "
انكسر الكلام في حلقها و ارتجفت شفتاها ثم ردت بحزن :
" اتفقت معه على أن أبقى هنا لمدة لأنني اشتقت للمنزل "
وضعت يدها على شعرها و قالت : " حسنا لا بأس في الأمر إذا , كانت محاولته جيدة , اذهبي و غيري ثيابك و ارتاحي . سنجتمع للعشاء بعد قليل "
هزت رأسها بالموافقة ثم ذهبت إلى غرفتها البسيطة التي كانت تتشاركها مع ابنة عمها التي لم تكن هناك و وضعت حقيبتها جانبا ثم ارتمت على سريرها الصغير و فتحت هاتفها لتقابلها خلفيته التي جمعتها بويليام يوم زفافهما , مدت أصابعها نحو الصورة و لمست وجهه ثم همست :
" ليتك اخترتني "
التفتت إلى اليمين و فتحت الهاتف ثم أخذت تتفقد صورها التي جمعتها بويليام و هي تنظر إلى تفاصيله : عينيه و ابتسامته التي بدت حقيقية غير مزيفة معها و دموعها تنزل على الوسادة حتى غفت و سقط الهاتف بجانبها .
عندما اجتمعت العائلة للعشاء لاحظت ماري غيابها و ذهبت لتتفقدها فوجدتها نائمة و الهاتف ملقى بجانبها و آثار دموع جافة على وجنتيها , أحضرت غطاء من الخزانة و فردته عليها ثم أخذت الهاتف من جانبها فوجدته مفتوحا على صورتها مع ويليام فابتسمت و وضعته جانبا ثم قالت :
" في نهاية المطاف أنت تحبينه , و ستختارينه بالرغم من كل ما سيحدث "
أما في غرفته كان ويليام جالسا مع جده و شقيقه الذي كان يعاتبه كالعادة قائلا :" ها أنت تدفع ثمن أفعالك , قلت لك لنواجها لكنك رفضت و بقيت مصرا على فكرة عدم المخاطرة , ها أنت ذا خسرت زوجتك "
ويليام رد بنبرة ثابتة : " تركتها تذهب كي ترتاح من هذا المكان قليلا , لن تستطيع تحمل ما يحدث هنا "
رد الجد : " عليك أن تستعيد زوجتك , لا تضحي بها من أجل من اختارت طريقا مخالفا لك "
نهض ويليام من مكانه معلنا نهاية الحديث و قال : " لندعها ترتاح أولا ثم سأعيدها بالطريقة التي تستحقها , أعدكما "
تنهد الاثنان باستسلام ثم غادرا الغرفة أما ويليام فنظر إلى صورة زفافهما و قال : " لكنني اشتقت لها منذ اللحظة التي قررت أن تغادر فيها "
بعد مرور ثلاثة أيام على ما حدث و في صباح مخالف للأيام الثلاثة التي مضت في هدوء استيقظ ويليام على إشعار رسالة وصل إلى هاتفه , مد يده إلى الهاتف و التقطه بتعب على عكس ما تعود عليه الاستيقاظ بنشاط حتى لو لم ينم ما يكف لكن منذ مغادرة فيكتوريا لم يعد ذلك الشخص الثابت , تفاجأ برسالة عاجلة من الشركة : " اختراق لأنظمة الأمن في الشركة و لا بد من ذهابه "
نهض مسرعا من مكانه و غير ثيابه ثم اتجه خارج الغرفة باحثا عن شقيقه لكنه لم يجده بل وجد زوجته التي أخبرته أنه غادر قبله و قبل أن يذهب استوقفه جده قائلا : " انتبه لننفسك "
كأنه يعلم أن هناك شيئا سيئا سيحدث , أخذ ويليام مفاتيح سيارته و غادر مسرعا و في طريقه نحو الشركة وصلته رسالة من رقم مجهول فيها صور التقطت حديثا لفيكتوريا و منزل عائلتها و بعض أفرادها من بينهم ماري و رسالة تقول : " لمن سيكون ولاؤك يا ويليام ؟ "
اتصل ويليام ببستاني المنزل و طلب منه إرسال سيارة خاصة تحضر فيكتوريا إلى المنزل و أن يمنع ماري من الخروج من منزل عائلتها , فجأة ومض ضوء أحمر و لم يتوقف . انعقد حاجبا ويليام و هو يتساءل في نفسه : " ما هذا ؟ "
ظهرت كتابة على شاشة اللوح المتصل بالسيارة : " خلل في نظام التحكم "
ثم أطلقت السيارة إنذارا حادا مزق الصمت و ظهرت عبارة ثانية على الشاشة : " اختراق النظام "
و عندما رفع رأسه ظهرت أمامه سيارة سوداء فحاول تفاديها لكن المقود لم يتحرك فمد يده إلى الباب ليفتحه لكنه لم يفتح , كان محاصرا داخل آلته الخاصة و ما حدث لم يكن حادثا بل تكرارا لما حدث قبل سنوات فتذكر والده على الفور و ما حدث له و هو ينظر إلى الحاجز المعدني الذي يقترب منه , بعد ثوان اصطدمت السيارة بالحاجز و تناثر الزجاج بينما كانت السيارة تتقلب مرة و مرتين قبل أن تسكن .
تجمع الناس حول الحادث و تعالت الأصوات بين من يطلب الإسعاف و من يطلب الشرطة , أما عند ديفيد في الشركة فقد انطلقت صافرة انذار لم يفهم سببها و اتجه فورا إلى أنظمة مراقبة المدينة و هناك وجد المفاجأة : سيارة ويليام منقلبة وسط الدخان , جن جنونه و اتجه على الفور إلى هناك مع مجموعة من الحراس .
أما في منزل فيكتوريا , توقفت السيارة أمام مدخل الحي و نزل منها رجل متوسط العمر و اتجه نحو منزلهم البسيط و دق الباب عندها فتحت والدة فيكتوريا الباب و بمجرد أن رأته قطبت حاجبيها مستغربة فقال الرجل : " بأمر من السيد ويليام جئت لآخذ السيدة فيكتوريا إلى المنزل "
ردت الأم بانزعاج : " إنها لا تريد الذهاب , هي مرتاحة هنا "
جاءت ماري خلفها و عرفت الرجل فسألته : " ما الأمر ؟ ما الذي أتى بك ؟ "
كرر الرجل ما جاء من أجله : " جئت بأمر من السيد ويليام لآخذ السيدة فيكتوريا إلى المنزل أما أنت فقد طلب ويليام ألا تأتي لفترة حفاظا على سلامتك "
ردت الأم بغضب : " إذا لماذا يخاطر بفيكتوريا و يأخذها إن كان يريد سلامتها ؟ "
رد الرجل : " سيؤمن المنزل من أجلها , هذا المكان مراقب و بقاؤها خطر عليكم "
التفتت ماري إليها : " إنه محق في هذا , أرسليها معه "
نظرت إليها بشك ثم قالت : " أثق بك "
ردت ماري : " و أنا أثق بويليام "
في تلك الأثناء كان ديفيد قد وصل إلى مكان الحادث حيث كان الحراس الذين رافقوه ينزعون أبواب السيارة المدمرة و بعد عدة محاولات استطاعوا اخراج ويليام وسط الدخان مغمورا بالدماء , نصف واع , أنفاسه متقطعة و بمجرد أن رآه شقيقه انحنى نحوه مع حارس آخر يتفقد نبضه الذي ما زال موجودا ثم قال لديفيد :" السيد ويليام على قيد الحياة "
ويليام لم يفتح عينيه لكنه نطق باسم واحد كأنه الحبل الذي يربطه بالحياة : " ... فيكتوريا "
ثم غاب عن الوعي أما ديفيد فأمر الحارس الواقف خلفه :
" أرسلوا أمرا إلى الحارس المكلف بإحضارها بأن يلحق بنا إلى المشفى "
رد الحارس : " حاضر "
بقي الحارس ينتظر أمام المنزل مع ماري ينتظران خروج فيكتوريا عندما رن هاتف الحارس فجأة , لم يتردد في الرد على الجهة المتصلة أمام ماري الواقفة أمامه و التي لم تسمع شيئا سوى ردوده المتقطعة : " نعم ؟ ماذا ؟ ... حسنا سأحضرها كما طلب ... لن أتأخر "
ثم أغلق الخط ونظر إلى فيكتوريا نظرة استغربتها فسألته : " لماذا تنظر إلي هكذا ؟ "
أجاب الحارس بصوت متوتر : " تعرض السيد ويليام لحادث , اصطدمت سيارته بحاجز و انقلبت .... آخر ما طلبه كان أنت "
اتسعت عيناها من الصدمة و اندفعت نحوه صارخة في وجهه : " هل هو حي ؟ قل لي أنه حي "
صمت الرجل لفترة قصيرة جعلتها تسحب يديها ببطء من قمصيه الذي أمسكت به حين اندفعت نحوه و شفتاها ترتجفان قبل أن تقول مجددا : " لا تقلها ... "
لكنه رد بصوت منخفض : " حالته حرجة "
هزت رأسها يمينا و يسارا غير مصدقة و شعرت بالأرض تميل تحتها و هي تضع يدها على فمها غير مصدقة , نظر الحارس إلى ماري ثم قال : " كان هناك تهديد مباشر يستهدف عائلتك , كان السيد ويليام يعرف أنه كلما كنت بعيدة عن عائلتك كلما حافظت على سلامتهم , و يبدو أنها بدأت بتصفيته لتصل إلى البقية فهو الحاجز الوحيد المتين الذي يستطيع منعها من الوصول إليكم "
ماري وضعت يدها على كتف فيكتوريا التي رفعت رأسها إليها و قالت : " أنت ابقي هنا ... أنا سأذهب إليه "
قالت ذلك و خرجت خلف الحارس و قلبها يتآكل من الخوف و التفكير طوال الطريق .
غرفة العناية الخاصة كانت مضاءة بمصباح أبيض و تضج بأصوات أجهزة المراقبة المنتظمة , وقفت فيكتوريا عند الباب للحظات عاجزة عن التقدم إلى الداخل حيث يرقد رجل ممدد ليس له علاقة بويليام الذي تعرفه , ذلك الرجل القوي المسيطر على كل شيء و الذي لا يسير شيء دون إذنه . أما هذا الذي أمامها فهادئ بشكل مخيف و كتفه مغطى بالضماد و أثر جروح على وجهه و غارق في هدوء مخيف , تقدمت بخطوات مترددة حتى توقفت أمام سريره دون أن تقول شيئا بل اكتفت بالنظر إليه تحاول التأكد من أن هذه الملامح تعود إلى زوجها ويليام , مدت يدها المرتجفة بتردد ثم لامست أصابعها يده الباردة ثم همست :
" أخبرتك بألا تعود ... "
فجأة تحركت أصابعه تحت يدها فسحبتها بسرعة و أخذت تحدق فيه ثم انفتح جفناه ببطء , كان مرهقا و مشوشا لكنه رآها و عرفها فتعلقت عيناه بها كما لو أنه وصل إلى وجهته بعد ان كان تائها في الظلام و خرج صوته واهنا :
" ظننت أنك لن تعودي "
اقتربت منه أكثر و ردت بنبرة منكسرة : " أنا عدت من أجلك فاخرج أنت من هذا العالم من أجلي "
تغيرت ملامح إلى شيء غامض لكنها فهمت بأنه شيء لن يرضيها فنظرت إليه بتوتر تنتظر ردا لكنها لم تحصل على ما تريده عندما قال : " لا أستطيع , الخروج من هذا العالم ليس كدخوله , إذا انسحبت فسيصبح الجميع في خطر و نخسر الشركة ... "
قاطعته : " لكن يا ويليام هذا العالم يؤذيك , نحن لم نتفق على هذا في بداية الطريق , أنت وعدتني "
رد ويليام : " أنا لم أخلف وعدي , أنا أعرف ما أفعل "
امتلأت عيناها بالدموع و هي تشد على يده : " لا تبق في هذا العالم , أنت تسير في الطريق الخطأ "
لكنه رفض مجددا : " لا يمكنني ذلك , ثم إنني مضطر لأن أحبسك معي و أبعدك عن عائلتك لمدة لأحافظ عليك , إذا خرجت فأنت مستهدفة "
اقتربت منه لتترجاه مرة أخرى : " ويليام ... أرجوك , من أجلي ... توقف "
رد بهدوء : " من أجلك ... سأخرج ... لكن ليس الآن " ارتجفت شفتاها استعدادا للبكاء لكنه فاجأها بأمر آخر :
" أنت مضطرة للبقاء في المنزل و عدم الخروج منه في الوقت الحالي و لا أعرف إلى متى , حفاظا على سلامتك من أي هجوم , لا أستبعد أنها قد تستهدفك "
سقطت دمعة منها على يده و هي تحاول تغيير رأيه :
" لكن أنا عدت من أجلك , لماذا تفعل هذا بي ؟ ستعزلني عن عائلتي أيضا ؟ لا تقل أنك لن تسمح لعمتي بالمجيء للمنزل في هذه المدة "
أجاب : " في الفترة الحالية نعم , لن تتمكن ماري من المجيء أيضا للمنزل حفاظا على سلامتها , أمي تستهدفها بشكل مباشر لأنها حاملة أسرار العائلة و تساندنا , لا أستطيع أن أخاطر بها أو أخسرها "
وضعت رأسها على السرير بجانبه فمد يده إلى رأسها و أخذ يمسح على شعرها لكنها لم تبد ردة فعل , كانت تفكر في مصيرها و مصير ويليام , فيم يجب أن تفعل كي توقف آل مونتكلير عند حدهم و تخرج ويليام من هذا العالم .
بالنسبة لفيكتوريا ويليام أخلف وعده و لم يخرج من عالم اللاشرعية بل اختار البقاء فيه , اختار أن يكون الشخص الذي لم تتمناه هي .
بعد أيام قضاها ويليام في المنزل يتعافى من الحادث , استعاد ويليام عافيته و قوته لكنه وجد أن الشركة عادت للانهيار اتصل بنائبه في الشركة و طلب تجهيز اجتماع خاص , جهز نفسه و ارتدى بذلته و استعد للمغادرة عندما دخلت فيكتوريا الغرفة و وجدته يستعد للخروج فتوقفت في مكانها و سألته مستغربة :
" إلى أين ستذهب ؟ أنت تعافيت للتو "
اقترب منها خطوتين ثم أجاب : " لدي عمل طارئ , قد أنقذ به الشركة من الإفلاس و اعيدها للواجهة "
ردت بنبرة مستفزة : " ستتخذ خطوة جديدة داخل هذا العالم المظلم , ليس شيئا جديدا علي بعد أن حبستني هنا "
اقترب منها خطوة ليشرح لها موقفه : " علي إنقاذ الشركة يا فيكتوريا , إنها أمانة أبي "
دفعته بعيدا عنها بقوة و صرخت فيه : " أنت لست ويليام الذي عرفته , هذه ليست الطريقة الوحيدة التي تستطيع انقاذ الشركة بها , أنا تعبت من إبعادك عن هذا العالم بينما أنت تختار البقاء فيه برغبتك "
ابتعد ويليام عنها ثم غادر المنزل بخطوات ثقيلة نحو سيارته ثم انطلق إلى الشركة , داخل ذلك المكتب الكبير حيث اجتمع ويليام بشقيقه و بقية ممثلي الشركة و مسؤوليها
مع شركة ناشئة في التكنولوجيا وضع أحدهم اقتراحا أمامه و قال :
" هذه وثيقة تسمح للشركة ببيع أنظمة الحماية لشريكنا الجديد , بحيث تسمح لنا بالدخول عن بعد إلى كاميرات المنازل و الأقفال الذكية و أنظمة الإنذار و بيعها بكل حرية لأغراض الطوارئ و الأمن و ضمانا لولائهم لنا "
ولاء جديد , مصدر ثروة جديد , قوة جديدة و عودة إلى الواجهة : كلها بررت لويليام خداع زبائنه , وقع دون أي تردد ثم نظر إلى الوثيقة و قال في نفسه : " لنرى إلى أين تستطيعين الوصول معي ... يا أمي العزيزة "
انتشر الخبر كالنار في الهشيم , كل العائلات التي تستعمل الأنظمة الأمنية التي اشترتها من آل مونتكلير مضطرة إلى دفع رسوم مقابل أنظمة الحماية خوفا من أن تباع بياناتهم و تكشف أسرارهم , و وصل الخبر إلى فيكتوريا التي شعرت بأنها تنهار أكثر من السابق .
" لم تنته القصة هنا , هذا كان جزء منها ... ويليام لم يعد تلك النسخة التي أرادتها فيكتوريا و بدل أن يخطو خطوة إلى الأمام نحو النور , اختار العودة إلى العالم المظلم الذي جاء منه ... إلى أين سيأخذه هذا الاختيار ؟ و ما سيكون مصيره ؟ .... "