حبيبتي ولكن: رقصة فوق نصل الذاكرة
بدون عنوان
رقصة فوق نصل الذاكرة
كان المطر يقرع زجاج النوافذ بنغمات رتيبة، محولًا العالم الخارجي إلى لوحة ضبابية من الألوان الرمادية والزرقاء الباردة. لكن داخل القصر، كان الجو يضج بالدفء الذي صممه زين بعناية فائقة. كانت رائحة خشب الصندل تمتزج برائحة الياسمين المنبعثة من الشموع الموزعة في زوايا الردهة، لتخلق هالة من السكينة التي تخدر الحواس.
جلست ليلى على الأريكة المخملية، وقد لفت جسدها برداء صوفي ناعم اختاره لها زين بعناية ليناسب لون عينيها. كانت عيناها مثبتتين على شاشة التلفاز المطفي، لكن عقلها كان يدور في حلقة مفرغة من الذعر الصامت. كانت صورة سلك الهاتف المقطوع والبرنامج الغريب على شاشة زين محفورة في ذاكرتها كنقش على الحجر. كانت تشعر وكأنها تمشي على خيط رفيع فوق هاوية، وعليها أن تحافظ على توازنها بأي ثمن.
سمعت صوت خطواته الهادئة تقترب. كان لكل خطوة من خطواته إيقاع خاص، إيقاع يبعث على الأمان في الظروف العادية، لكنه الآن بدا لها كدقات ساعة عد تنازلي.
"ليلى.. حبيبتي؟"
رفعت رأسها بسرعة، ورسمت على وجهها ابتسامة شاحبة، لكنها بذلت قصارى جهدها لتكون دافئة. اقترب زين وجلس بجانبها، مد يده ليمسح على خصلات شعرها برقة متناهية، ثم انحنى ليقبل جبينها قبلة طويلة، شعرت بها ليلى وكأنها بصمة ملكية.
"أراكِ غارقة في التفكير.. هل لا زلتِ منزعجة من تلك المكالمة المشوشة؟" سألها بنبرة تفيض بالحنان، وكأن صوته بلسمًا يداوي الجروح.
ابتلعت ريقه بصعوبة وقالت: "لا.. أبدًا. أنا فقط.. كنت أفكر في مدى حظي لوجودك بجانبي. لولاك يا زين، لا أعرف أين كنت سأكون الآن."
لم تكن تكذب تمامًا؛ فهي بالفعل لا تعرف أين كانت ستكون، وهذا هو مكمن رعبها.
ابتسم زين، وكانت ابتسامته في تلك اللحظة ساحرة حقًا، أظهرت غمازة صغيرة في خده الأيمن كانت ليلى تعشقها فيما مضى. "أنتِ لستِ محظوظة بي يا ليلى، بل أنا من منحني القدر معجزة حين أبقاكِ لي. أنتِ لستِ مجرد زوجة، أنتِ قصيدتي التي لم تكتمل، واللوحة التي أخشى أن يلمسها غيري."
نهض ببطء ومد يده إليها. "تعالي.. أعددتُ لكِ مفاجأة صغيرة في غرفة الطعام. أريدكِ أن تنسي كل شيء، إلا أنا وأنتِ، وهذا المساء."
وضعت يدها في يده، وشعرت بدفء أصابعه القوية وهي تحيط بأصابعها. قادها نحو غرفة الطعام، وهناك توقفت أنفاسها للحظة. كانت الطاولة مغطاة بمفرش حريري أحمر، وتتوسطها باقة ضخمة من الزهور النادرة، وتحيط بها شموع عطرية صغيرة. كانت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة تنساب في المكان كأنها همس ملائكي.
"زين.. هذا رائع!" قالتها بذهول حقيقي.
سحب لها الكرسي بفروسية بالغة، ثم جلس في المقابل. "أتذكرين أول عشاء لنا في تلك الشرفة المطلة على البحر؟ كنتِ ترتدين فستانًا سماويًا، وكنتُ أنا مرتبكًا لدرجة أنني نسيت اسمي حين نظرتِ إليّ."
ضحكت ليلى بخفة، وشعرت لوهلة أن الغمامة تنزاح. "أذكر أنك سكبت الماء على قميصك من فرط التوتر."
"صحيح،" قالها وهو ينظر في عينيها بعمق، "لأن بريق عينيكِ كان أقوى من أن يحتمله قلبي. ليلى، أريدكِ أن تعلمي شيئًا واحدًا.. كل ما فعلته، وكل ما سأفعله في حياتي، هو من أجل تلك اللحظة التي أرى فيها هذه الابتسامة."
بدآ في تناول الطعام، وكان زين يغدق عليها بعبارات الغزل، ويحكي لها قصصًا من ماضيهما المشترك؛ قصصًا عن كيف تعارفا في معرض الفنون، وكيف كان يطاردها في أروقة الجامعة ليظفر بنظرة واحدة، وكيف كانت عائلتها -والدها المهيب الصارم وأمها الحنون- ترحب به كابن لها. كان يسرد التفاصيل بدقة مذهلة، يصف ضحكة والدها، ونوع الحلوى التي كانت تصنعها أمها، لدرجة أن ليلى شعرت بالخجل من شكوكها.
كيف يمكن لرجل يعرف عائلتي بهذا القرب، ويحبني بهذا الشغف، أن يؤذيني؟ تساءلت في سرها.
ولكن، في منتصف الحديث، وبينما كان زين يصب لها العصير، سألت بعفوية: "زين، أتذكر عندما ذهبنا مع صديقينا عمر وسارة إلى ذلك الكوخ الجبلي؟ هل لا زال عمر يمارس هواية الصيد؟"
توقف زين عن الصب لثانية واحدة فقط. تجمدت الحركة في الهواء كأن الزمن توقف. ثم أكمل الصب بهدوء مخيف.
"عمر؟" سأل بنبرة فاترة. "حبيبتي، يبدو أن ذاكرتكِ تداخلت فيها الوجوه. نحن لم نذهب يومًا مع شخص يدعى عمر إلى أي مكان. ربما هو أحد زملائكِ القدامى الذين لم نكن على صلة بهم. أنتِ تعرفين أننا كنا نكتفي ببعضنا البعض دائمًا."
شعرت ليلى ببرودة مفاجئة تسري في عمودها الفقري. هي تذكر "عمر" تمامًا، تذكر ضحكته المجلجلة وصوته الجهوري، تذكر حتى لون قبعته. هل يعقل أن تكون ذاكرتها قد اخترعت شخصًا كاملًا؟ أم أن زين يمسح ببراعة كل خيط يربطها بالعالم الخارجي؟
"ربما.. أنت محق،" قالتها وهي تحاول إخفاء ارتعاشة يدها عبر الإمساك بالملعقة. "الأمر مشوش جدًا."
نهض زين من مقعده واقترب منها، وقف خلفها ووضع يديه على كتفيها، وبدأ يدلكهما برفق. "لا بأس يا روحي. الضباب سينقشع. لكن حتى ذلك الحين، لا تثقي بأي ذكرى لا أكون أنا جزءً منها. الذاكرة خائنة يا ليلى، وحدها القلوب لا تكذب."
انحنى وهمس في أذنها: "أنا هنا لأكون ذاكرتكِ، وعينيكِ، وقلبكِ الذي ينبض. لا تحاولي البحث عن الحقيقة بعيدًا عني، لأن الحقيقة هي نحن."
شعرت ليلى بأنفاسه الدافئة تلامس عنقها، وبلمساته التي كانت مزيجًا من الرومانسية المفرطة والسيطرة الخفية. في تلك اللحظة، لم تكن تعرف هل تريد أن تذوب في حضنه أم تهرب إلى أبعد مكان ممكن.
بعد العشاء، قادها إلى غرفة المعيشة حيث كانت المدفأة تشتعل. جلس وجعلها تستلقي بجانبه، واضعاً رأسها على صدره. كان يقرأ لها مقتطفات من رواية رومانسية قديمة، وصوته الرخيم يملأ الفراغ. كانت يده الأخرى تداعب شعرها بنعومة، وبين الحين والآخر كان يقبل قمة رأسها.
"هل أنتِ سعيدة معي يا ليلى؟" سألها فجأة بصوت هامس.
رفعت رأسها لتنظر إليه. كان وجهه قريبًا جدًا، ونظرة عينيه كانت تحمل توقًا وشغفًا يكاد يكون مؤلمًا. "نعم يا زين.. سعيدة جدًا."
"عديني.." قالها وهو يمسك وجهها بكفيه، "عديني ألا تسمحي لأي شخص، أو أي فكرة، بأن تدخل بيننا. مهما بدا لكِ الأمر غريبًا، مهما حاول الآخرون تسميم عقلكِ.. تذكري دائماً أنني الوحيد الذي يحبكِ بصدق."
"أعدك،" همست بها، بينما كان عقلها يصرخ: أين سلك الهاتف يا زين؟ لماذا كذبت بشأن نور؟
انحنى وقبلها قبلة كانت تحمل كل معاني التملك والاحتواء. كانت قبلة طويلة، عنيفة في شغفها، وكأنها محاولة منه لابتلاع خوفها وشكوكها داخل روحه. شعرت ليلى في تلك اللحظة أنها تغرق، ليس في بحر من الحب، بل في محيط من الرمال المتحركة التي تبدو كالحرير، لكنها تسحبك للأسفل كلما حاولت المقاومة.
في وقت متأخر من الليل، بعد أن تأكد زين أن ليلى غطت في نوم عميق بفعل المهدئ الذي وضعه لها بحرص في شاي المساء، انسحب من الغرفة بهدوء.
دخل مكتبه وأغلق الباب خلفه بالمفتاح. توجه إلى الشاشات الكبيرة التي تغطي الحائط. بدأ يستعرض تسجيلات الكاميرات المخفية في المنزل. شاهد ليلى وهي في المرسم، شاهد رعبها حين سقطت الفرشاة، وشاهد محاولتها اليائسة للاتصال بنور عبر الهاتف الذي ظنت أنه يعمل.
ابتسم زين ابتسامة باردة، خالية تمامًا من تلك الرومانسية التي كان يغدقها عليها قبل قليل. ضغط على عدة أزرار، لتظهر صور عائلة ليلى على الشاشة. كانوا يجلسون في صالة بيتهم، يبدون منهكين، والحزن قد أكل ملامحهم. كان والداها يعتقدان أنها في رحلة علاجية طويلة الأمد في سويسرا، وأن زوجها المخلص هو من يتكفل بكل شيء ويمنع الزيارة خشية انتكاسها.
فتح ملفًا صوتيًا جديدًا، وبدأ في تقطيع شظايا من صوت ليلى المسجل، ليركب رسالة صوتية جديدة سيرسلها لأمها غدًا، رسالة تخبرها فيها أنها تتحسن وأنها تحب زين أكثر من أي وقت مضى.
نشر زين أصابعه على لوحة المفاتيح ببراعة فائقة. لم يكن مجرد مهندس برمجيات، كان مهندسًا للواقع. كان يبني لليلى عالمًا كاملًا، سماءً بلا نجوم إلا هو، وأرضًا لا تمشي عليها إلا بإذنه.
"أعتذر يا ليلى،" همس لنفسه وهو يراقب صورتها وهي نائمة على الشاشة الكبيرة، "كان عليّ أن أدمر حياتكِ القديمة، لأبني لكِ حياة تليق بحبي. كنتِ تضيعين وقتكِ مع أولئك البشر التافهين، مع عمر، مع نور، مع طموحاتكِ الصغيرة.. الآن، أنتِ ملكي تمامًا. أنتِ في أماني، وفي سجني، ولن تخرجي منهما أبدًا."
عاد إلى الغرفة، وتسلل إلى الفراش بجانبها. أحاط خصرها بذراعه، ودفن وجهه في عنقها مستنشقًا عطرها. كانت ليلى في نومها العميق تئن بضعف، وكأن روحها تحاول الهروب من قيود المهدئ.
أما زين، فقد أغمض عينيه بابتسامة رضا. لقد كان هذا المساء ناجحًا جدًا. لقد زرع بذور الحب والشك في آن واحد، وهو يعلم أن في هذه التربة المضطربة، ينمو التملك بأفضل حالاته.
في الخارج، توقف المطر، لكن الضباب ازداد كثافة، محكمًا قبضته على المنزل المنعزل، تمامًا كما أحكم زين قبضته على حياة حبيبته.