العالم في الأعلى - رواية مورغوليس " ملك أسفل الأرض "
العالم في الأعلى
.........
كيف يمكنني وصفه…؟
كان يرتدي رداءً أبيض، تظهر عليه آثار خياطة كثيرة، كأنه
مُرقّع بعناية. رداء طويل يغطي جسده بالكامل، وعلى وجهه… قناع. قناع يشبه قناعي… لكن أكثر تعقيداً. كان واقفاً بلا حركة، حتى أنفاسه… لم تكن تُسمع.
تجمّدتُ للحظة...
ثم رفعتُ يدي ببطء، وأظهرتُ له العملة، وقلت:
فالامورغوليس...
أحنى رأسه نحو العملة، واقترب منها. ثم مال برأسه قليلاً…
يتأمل وجهي. ابتعد خطوة، وقال بصوتٍ عميق، هادئ بشكل غريب:
فالادوهايريس...
ثم استدار… وبدأ يبتعد.
لم أستطع التراجع.
تبعته...
حتى وصل إلى الحافة… نفس الحافة التي سقطتُ منها سابقاً. وقف هناك، ينظر إليّ بثقة، ثم أدار جسده نحو
الأسفل. ركضتُ نحوه، ونظرتُ... لكن الظلام كان كثيفاً.
اختفى...
وفي تلك اللحظة...
سمعتُ صوتاً بجانبي:
هل تراه…؟ " "
أجبتُ دون تفكير:
الظلام شديد… لا أرى شيئاً. " "
ثم… تجمّد عقلي.
استدرتُ ببطء.
شخص آخر...
نفس الرداء… قناع مختلف. لم يُمهلني حتى أفكر. دفعني لأسقط في الظلام.
ارتطم جسدي بالنفايات... لكنها كانت لينة بشكل غريب. نهضتُ بسرعة، أحاول أن أرى... لكن الظلام كان خانقاً.
وفجأة...
ظهرت شعلة. اقترب
صاحبها مني، وانحنى حتى صار وجهه قريباً جداً، وقال:
أهلاً بك رماس… في المجهول. ""
انهض… واتبعني. ""
حينها فقط... تذكرتُ
كل القصص القديمة.
الاختفاء...
الناس الذين لم يعودوا.
أدركتُ أنني ربما أُختطف. أردتُ الهرب… لكنني لم أستطع. الظلام كان كثيفاً لدرجة أني لم أعرف أين الطريق.
تذكرتُ أمي...
تركتهـا نائمة.
قال الرجل بهدوء و كأنه قرأ أفكاري:
لا تقلق على والدتك... هناك من يعتني بها الآن. ""
ما يهم… هو الحقيقة. "
"
أليس كذلك رماس…؟ "
"
اكتفيتُ بالصمتُّ حينها فقد كانت الأسئلة تملأ
رأسي.
كيف يعرف اسمي…؟ "
"
كيف يعرف أمي…؟ " "
من هم…؟ ""
ثم بدأت الرائحة...
رائحة القمامة.
كانت تزداد ثقلاً... حتى
شعرتُ أنني سأفقد وعيي.
قال:
ضع القناع على وجهك... "
"
لا تمت بسبب رائحة تافهة.. " "
أخرجتُ القناع، وارتديته. وفجأة... اختفت الرائحة. صار الهواء خفيفاً... تنفسي عاد طبيعياً. لكن رؤيتي أصبحت مشوشة. مددتُ يدي لأنزعه... فأوقفني.
لا تنزع القناع
أيها الصغير.. "
"
لا تثق بما تراه عيناك دائماً.. "
"
اتبع حدسك، واعتمد على حواسك الأخرى.. "
"
لم أفهم ما كان
يقوله. كنتُ فقط أتبع صوته، وأشعر بوهج
الشعلة أمامي.
وبعد وقتٍ طويل،
وصلنا إلى نهاية الطريق. أطفأ الغريب
الشعلة، واختفى آخر نور في هذا الظلام. لم
تمضِ لحظات حتى سمعتُ صريراً عظيماً أمامنا، ثم اندفع ضوءٌ قوي إلى الداخل، ترافقه
نسمات باردة لطيفة.
رأيتُ الغريب
يتجه نحو الضوء، فتبعته وخرجتُ معه.
ثم… عمّ السكون.
يمكنك أن تنزع
قناعك الآن رماس... " '
وضعتُ يدي
بهدوء على القناع، ونزعته ببطء،ثم فتحتُ عيني.. وما رأيته حينها كان أصدق شيءٍ في حياتي.
القمر الأزرق..
كان يتربع في
الأفق، يضيء السماء الساكنة بهدوء. صوت
أمواج البحر يتكسر كأنغام موسيقى هادئة، وصوت الطيور يملأ المكان. كان المشهد ساحراً… بارداً... لدرجة أن الروح تتأثر بما تراه العين.
لكنني لم أكن
وحدي.
كان هناك أشخاص
كثر...
لم يكن صاحب الشعلة وحده.
مجموعة كبيرة
من المقنّعين.
اقترب مني
أحدهم وقال:
أهلاً بك يا
رماس... " "
أهلاً بك في مملكة براڤوس. " "
براڤوس...؟!
" "
رددتُها بصدمة.
تقدّم شخص آخر،
وجلس على ركبتيه أمامي وقال:
هل أنت مستعد
لتتعلم الحقيقة أيها الصغير؟ " "
نعم… أريد أن
أعرف كل شيء.. " "
إذاً، أين
عملتك؟ " "
عملة…؟ ماذا
تقصد؟ " "
ثم تذكرت.
أخرجتُ العملة
وقلت:
" هذه هي. "
أخذها بهدوء
وقال:
شكراً لك يا رماس... " "
لا تقلق، سنعتني بك جيداً. " "
ترددتُ قليلاً،
ثم قلت:
وماذا عن
العملة الثانية؟ " "
صمت... نظر
الجميع نحوي.
عملة ثانية…؟
ماذا تقصد يا رماس؟ " "
أخرجتُ العملة
الأخرى ورفعتها أمامه.
لديّ واحدة
أخرى.. " "
ساد الصمت
مجدداً.
مدّ يده وقال :
هل يمكنني أن
أراها؟ " "
بالطبع..
" "
أعطيتُه
العملة، وبدأ يتأملها بعناية، يقلبها بين أصابعه مراراً,
ثم قال:
هل يمكنني
الاحتفاظ بها أيضاً؟ " "
سأعيدها لك لاحقاً. " "
لا مانع..
" "
نهض، وقال:
هيا بنا رماس...
" "
لنذهب إلى مكانٍ أكثر دفئاً.. " "
تبعتهم حتى
وصلنا إلى ساحة واسعة. كان المقنّعون
منتشرون في المكان. ليسوا كثيرين… ولا
قليلين. كانوا صامتين… كأنهم غير موجودين.
لكن شعوراً غريباً كان يملأ المكان. شعور أعرفه جيداً...
الغضب.. "
"
كانوا جميعاً
غاضبين..
لكن لماذا؟ " "
إلى درجة أنهم
يريدون سفك الدماء...
سرتُ بينهم،
أتبِع ذلك الغريب، حتى وصلنا إلى حلقة نار كبيرة، يجلس حولها بعضهم.
وهناك… رأيته.
القائد..
مجرد النظر
إليه جعلني أشعر بالغثيان. هالة ثقيلة من
العنف والغضب تحيط به. كان مختلفاً عن
الجميع.
تجمّدتُ في مكاني حتى قال أحدهم:
تقدّم… واجلس
أمام الزعيم. " "
تقدّمتُ بخطى
مترددة، حتى وقفتُ أمامه. رفع رأسه… وحدّق
بي. فجأة، وضع أحدهم يده على كتفي، وضغط
بقوة، فأجبرني على الجلوس.
ساد الصمت.
كان المكان
ساكناً… لكنه مليء بشيء ثقيل، لا يُكسره سوى صوت احتراق الخشب. رفع الزعيم يده إلى قناعه، ونزعه ببطء.
بدأت ملامحه
تظهر تدريجياً. كان شاباً... جميلاً بشكل لافت، لكن ندبة طويلة تمتد عبر أنفه
حتى عينه.
ابتسم.
ابتسامة عميقة…
أخفت كل ذلك الغضب. وضع القناع بجانبه،
وقال:
مرحباً بك أيها
الصغير.. " "
أُدعى ڨيرا، وأنا المسؤول عن حماية هؤلاء الرفاق . " "
صمتُّ.
ربت أحدهم على
رأسي بخفة وقال:
هيه… الزعيم
يكلمك.. " "
ارتبكت.
ضحك ڨيرا بصوت
عالٍ، فضحك الجميع معه.
ثم بدأوا
يزيلون أقنعتهم واحداً تلو الآخر.
كانوا يبتسمون...
لكن خلف ابتساماتهم… كان هناك شيء مظلم.
رماس... "
"
ابن آريا... " "
ابن المعلّم الأكبر ڨالا... " "
أهلاً بك في
مجموعتنا المتواضعة. " "
تجمّدتُ.
ڨالا…؟ "
"
أبي…؟ " "
سألته بصدمة:
أتقصد أبي؟
" "
نظر إليّ بهدوء
وقال:
نعم. "
"
أنت ابن ڨالا… معلّمي. " "
لقد تركك… أنت
ووالدتك… في عهدتي. " "
لم أستطع الرد.
كنت فقط أحدّق به.
تابع حديثه:
" عرفتُ والدك
منذ سنوات طويلة. كنت أزور منزلكم كثيراً.
كنت ألقي عليك التحية دائماً لكن... كنت صغيراً جداً حينها. "
لن تتذكر.
" "
لا بدّ أنك
مشتّت الآن يا رماس..." "
هل تريد أن أخبرك القصة منذ البداية؟ "
"
عدتُ إلى
تركيزي، وأجبته دون تردد:
أخبرني...
" "
أخبرني كل شيء... " "
أخبرني من أبي… ماذا حصل لأمي… أخبرني ما هذا العالم
القبيح... " "
" من
أنتم؟ ما خطب أقنعتكم هذه؟ ما تلك العملات القديمة التي حصلتُ عليها؟ "
لماذا أعيش بين القمامة؟ ولماذا أنا هنا الآن؟ "
"
أخبرني كل شيء..
" "
أريدها.. " "
أريد المعرفة.." "
لا تُخفِ عني شيئاً أيها الغريب.. " "
كنتُ أتكلم
والغضب يسيطر على ذهني، والحقد يملأ صدري.
حينها ربّت أحدهم على ظهري برفق.
التفتُّ.
كانت فتاة شابة..
اقتربت مني
وقالت بهدوء:
لا عليك رماس..
" "
اهدأ قليلاً… فالغضب لن يقودك إلى السلام. "
"
نظرتُ إليها
بعينين باردتين... بينما كانت هي تبتسم لي
بابتسامة دافئة.
ثم تحدث ڨيرا:
حسناً… لك ذلك
أيها الصغير." "
سأخبرك بكل شيء. " "
حدث الأمر منذ
خمسين عاماً...
كان العالم في
سلامٍ مطلق. ولا أقصد العالم الذي كنت
تعيش فيه… بل هذا العالم. العالم الذي
تراه أمامك الآن هو عالم واسع… لا ينتهي. جبال ممتدة، بحار عظيمة ترسم حدودها بين
القارات، غابات خضراء لا تنتهي، وسماء صافية تمتد بلا نهاية.
ضوء الشمس...
وضوء القمر...
حيوانات غريبة…
مذهلة، أسماك تسبح بحرية، وطيور تحلق عالياً بلا قيود.
والبشر...
أعداد هائلة…
من كل مكان.
هذا هو العالم
الحقيقي يا رماس... وليس ذلك العالم المظلم الذي جئتَ منه.
كان البشر
يعيشون بتناغم.
ممالك متعددة..
أعراق مختلفة..
أغنياء وفقراء..
نبلاء وعامة..
لكن.. بدأ كل شيء في الانهيار. في الحرب العظمى الأولى.
ظهرت الكراهية..
العنصرية..
الطمع..
من أجل المال..
السلطة...
اللون..
والنسب..
مات الملايين. ولم ينتهِ ذلك حتى الآن. نحن… وأنت… وعائلتك لم نكن محظوظين. حُكم علينا أن نعيش تحت الأرض. في الظلام... بين القمامة.
بينما يعيش
النبلاء فوقنا، ويرمون إلينا فضلاتهم.
عشنا سنوات
طويلة.. نسمع إهاناتهم، ونأكل من بقاياهم.
لكن.. والدك لم يتحمل ذلك. أراد الانتقام. أراد أن يرى العدل بعينيه.. وأن يراك تكبر في عالمٍ أفضل. حينها.. جاءت فكرته في أن ينشئ هذه المنظمة..
“أعمدة
القمر”
اختارنا
لنرافقه... في طريق الانتقام. حدث ذلك منذ سنواتٍ قليلة . كنا جميعاً نعيش في نفس المكان الذي كنت تعيش
فيه.
في البداية…
كنا كثر . لكن... بدأنا نفقد رفاقنا.
واحداً تلو
الآخر في معاركنا مع النبلاء.
كانوا أقوى..
أغنى..
وأكثر نفوذاً.
وأدركنا
الحقيقة.
أن نهايتنا… هي
الموت.. " "
لن ننتصر.. " "
لن نحصل على الحياة التي أردناها.. "
"
والدك… رأى ذلك.
فقرر أن يتوقف.
ترك المنظمة، وترك حلم الانتقام. وتزوج من والدتك… آريا. عاشا معاً، بسعادة بسيطة.
رغم القمامة..
ورغم الظلام..
كان بإمكانه أن
يصعد إلى السطح.. ويعيش حياة أفضل، لكنه رفض. اختار أن يبقى مع من يشبهونه.
ثم.. وُلدتَ أنت.
كنتَ فرحتهم.
بعد أيام من
ولادتك… ذهبتُ إليه. حاولتُ إقناعه أن
يعود. أن يقاتل من أجلك لكي تعيش فوق.. لا تحت، لكنه رفض. اختارك أنت ووالدتك.. على كل شيء.
لكن..
حين بلغتَ
الرابعة، خرج والدك إلى السطح للقاءٍ مع
أشخاص مجهولين، ولم يعد. قُتل بطريقة وحشية بسبب
ما فعله بالنبلاء. وصلوا إليه.. وأنهوا
حياته. حين علمت والدتك بالأمر انهارت و فقدت عقلها. لم
تعد كما كانت.
كنتُ أستمع بجسدٍ
يرتعش.. وصوتٍ في داخلي يرفض كل ما يُقال.
تابع ڨيرا:
حاولت أمك
الانتحار مرات كثيرة... لكن العجوز كانت
تنقذها دائماً. وفي إحدى المرات حاولت
قتلك. أحرقت ظهرك، لكن الطبيب أنقذك بصعوبة.
نجوتَ.. لسبب واحد فقط.
لأنك قوي..
وعليك أن
تستخدم هذه القوة.. لتقضي عليهم جميعاً.
كان يتكلم
بحماس غريب.. كأن الجنون يملأ صوته.
لكن كلماته لم
تدخل قلبي..
كيف…؟ "
"
كيف لأمي أن
تفعل ذلك…؟ " "
كيف لها أن
تؤذيني…؟ " "
بدأ قلبي يخفق
بقوة..
ليس خوفاً.. بل لأن شيئاً في داخلي بدأ ينكسر. صمت الزعيم قليلاً، ثم رفع نظره نحو القمر
الساطع، وتابع كلامه بهدوء:
لقد كنا نراقبك
طيلة هذه السنوات يا رماس. القناع الذي
وجدته… نحن من تركناه لك عمداً. أما تلك
العملة… فهي من عملة أهل السطح. لم يرها
أحد من قبيلتك من قبل.
فالامورغوليس...
هو اسم والدك.
كان ابنَ نبيل.
كان يملك الحرية ليعيش فوق… في النور… بسلام. لكنه اختار الظلام. اختار أن يعيش مع والدتك. كان قلبه ليّناً… أكثر مما يجب. وكان هذا هو سبب هلاكه.
ملأ عقولنا
بالانتقام.. ثم تراجع عنه… من أجل الحب. وفي النهاية.. مات وحيداً. أظن أنه… عانى كثيراً في لحظاته
الأخيرة.
عائلة مورغيليس..
هي العائلة الحاكمة. كان والدك يحمل الحق في أن يكون الحاكم القادم، لكنه
تخلّى عن كل شيء.. حين رأى الفساد يلتهم
عقول اخوته و عقول النبلاء.
ثم نظر إليّ
مباشرة وقال:
رماس… القرار
بيدك الآن.
هل تريد
الانتقام…؟ " "
أم تريد أن تعيش مع والدتك… بين القمامة والظلام… إلى
الأبد؟ " "
صمتُّ.
لم أفكر. لم أشعر بشيء واضح. كنتُ… مشتّتاً، مرهقاً من كل
شيء.
بعد لحظات، قال:
فكّر جيداً."
"
لديك يومان. " "
يمكنك العودة
الآن.. " "
تقدّمت تلك
الفتاة مجدداً، وقالت بهدوء:
هيا يا صغير…
سأوصلك إلى والدتك. " "
نهضتُ… لكن
قدماي بدأت ترتعش. لاحظ ڨيرا ذلك، فقطّب
حاجبيه، ورفع نظره نحو القمر مجدداً.
مدّت الفتاة
يدها، أمسكت بيدي، وسرنا.
كنتُ أمشي
بينهم.. بين الوجوه. وجوه غاضبة، عيون
تنظر إليّ بحقد. تقدّم أحدهم، ووقف أمامي.
انحنى قليلاً… اقترب وجهه من وجهي…
وتأملني.
ثم قال:
جبان… آخر.
" "
بصق على الأرض…
ومضى.
لم أفهم ماذا
كان يقصدُ حينها. شدّت الفتاة يدي…
وأكملنا السير.
مررنا من النفق
الذي خرجتُ منه. أُغلق الباب خلفنا ثم أشعلت
الفتاة شعلة، وطلبت مني أن أرتدي القناع بسبب
الرائحة. سرنا بصمت ثقيل حتى كسرته
بكلامها و قالت:
والدك لم يخطئ.
" "
أراد فقط أن يعيش معك… ومع والدتك… بسعادة. "
"
لكن ما حدث له…
كان مأساة. لا تُشغل عقلك بكلام ذلك
المتعجرف. " "
كانت تقصد ذاك
الذي وصفني بالجبان.
ثم قالت:
اسمي إيلورا..
" "
أنا عضوة جديدة
في المنظمة. في العشرين من عمري. ""
كنتُ من معارف
والدتك، يمكنك أن تناديني… لورا. " "
قلتُ بهدوء:
وأنا… رماس.
" "
ابتسمت بخفة:
أعلم.. "
"
أعلم عنك كل
شيء.. " "
كنت أراقبك..
" "
هل تذكر أول
لقاء بيننا…؟
" "
حين همستُ لك؟ " "
نظرتُ إليها:
فالامورغوليس…؟
" "
أومأت
نعم… ذاكرتك
قوية.. " "
صمتت قليلاً.
ثم قالت:
رماس…؟ "
"
نعم… لورا؟
" "
لا تفعل ما
يُملى عليك.. " "
افعل ما تريده أنت.. " "
" إن أردت… يمكنك أن تعيش مع أمك. لا تدع الزعيم يسيطر على أفكارك. "
صمتُّ لحظة… ثم
قلت:
لكن… والدي.
" "
توقفت. انحنت
نحوي، وربّتت على شعري بلطف.
والدك… كان
شجاعاً. " "
بطلاً. " "
لا تقلق.. سأحميك.
" "
أكملت السير.
ناديتها:
لورا…؟ "
"
نعم؟ " "
لماذا فقدت أمي
عقلها…؟ " "
تنهدت:
" كانت تحب
والدك كثيراً.. رغم أنها كانت تعرف حقيقته. حين علمت بموته.. لم تتحمل. انهارت. كانت لطيفة جداً.. أما الآن… فهي تائهة. "
ثم أضافت بهدوء:
لا أصدق أنها
حاولت قتلك. ما حدث غامض. " "
كنت أستمع…
بصمت. عاد رأسي يثقل بالأفكار.
توقفت لورا مرة
أخرى.
جلست أمامي،
ونظرت في عيني:
رماس.. "
"
" لأكون صادقة
معك. لا أريدك أن تختار الانتقام. لا أمل
لنا في مواجهة أهل السطح. "
نهاية أعمدة
القمر… هي الفناء.. " "
" أريدك أن
تعيش، أن تبقى مع أمك. ابقَ قوياً لأجلها..
فأنت كل ما تبقى لها. "
ثم عانقتني.
عناق دافئ…
صادق.
شيء في داخلي
هدأ. الغضب.. اختفى للحظة. وفي تلك اللحظة.. كان قراري واضحاً.
أمي... "
"
سأختارها دائماً.
أكملنا الطريق.
ثم ودّعتني لورا، وعادت. فتحتُ الباب… ودخلتُ بهدوء.
رأيتها.
أمي..
كانت مستيقظة...
تنظر إلى ضوء القمر الذي يتسلل عبر
القضبان. حين رأتني.. نهضت بسرعة…
وعانقتني.
تجمّدتُ.
هذا… لم يحدث
من قبل. أن تعانقني أمي… بهذه الطريقة. كان شعوراً… لا يُوصف. عانقتها بدوري. شعرتُ بنبض قلبها قريباً من قلبي.
وهمستُ:
أحبك يا أمي..
" "
أحبك كثيراً..
" "
انقضت الليلة
بهدوء.. ثم جاء الصباح. كنتُ قد قررت أن أبقى مع أمي، أن أكون سبب
سعادتها… كما كانت هي سعادتي. مرت الأيام
سريعاً. كانت علاقتنا تزداد عمقاً… ودفئاً.
أحياناً… كنت
أظنها فاقدة لعقلها، تتحدث كالأطفال. وأحياناً…
أراها واعية… ذكية… وغريبة بشكلٍ مخيف.
ثم...
جاءت ليلة
طويلة… هادئة.
كنتُ أبدّل سترتي في الغرفة. ظهري كان مكشوفاً… وأمي خلفي. كنت أبحث عن سترة أخرى حين شعرتُ بنظراتها.
نظراتها… لم
تكن طبيعية.
تسارعتُ في
البحث.. لكنها اقتربت. وضعت يدها على ظهري.
ثم قالت بصوتٍ مرتجف… قريب من البكاء:
لم أرد أن أفعل
بك هذا... " "
تجمّدتُ.
تابعت:
كنت خائفة عليك
كثيراً... " "
اتّسعت عيناي.
لم تتحدث… منذ
زمن طويل.
وقفتُ بلا حركة،
وهي تمرر يدها فوق آثار الحروق. حاولتُ أن ألتفت… لأرى وجهها. كانت تبكي بحرقة.
دموعها تسيل
بصمت... ثم قالت:
أنت تشبه والدك
كثيراً... " "
كان جميلاً… مثلك.. " "
كان سعيداً بك.
" "
يحملك دائماً… ويفتخر بك أمام الجميع."
"
ثم...
صمتت لحظة.
إلى أن جاء ذلك
اليوم... " "
اليوم الذي خرج
فيه ليقابل أحد أصدقائه من أهل السطح. " "
لم أعلم… أنه
لن يعود. " "
كان يجب أن
أوقفه... " "
انحنت أكثر إلى أن وضعت أمي جبهتها على ظهري. شعرتُ بالألم... لكنني لم أتحرك.
تابعت:
أردت أن أكون
قوية… لأجله… ولأجلك. " "
أحببته… كثيراً. " "
وأحبك أنت
أيضاً يا صغيري... " "
أردت أن تعيش
سعيداً، لكنهم… لم يسمحوا لي. " "
ثم همست:
لقد أرادوا
قتلك... " "
قتلي…؟ " "
اتّسعت عيناي
أكثر... لكنني بقيت صامتاً.
تابعت:
كانوا
يراقبوننا... " "
" ينتظرون
الفرصة لينتقموا منك… بسبب تخلي والدك عنهم. "
" فكرتُ كثيراً كيف أستطيع حمايتك وفعلت شيئاً
خطيراً.. "
" تظاهرتُ بالجنون.. وحاولت قتلك. "
توقّف الزمن
للحظة. لكنها أكملت بسرعة، بصوتٍ مكسور.
لم أرد أذيتك أبداً...
لكنها كانت الطريقة الوحيدة ليتركونا.
" "
شعرتُ بالذنب
كل هذه السنوات. وأنا أراك تتألم بسبب
الحروق. " "
آسفة رماس... " "
آسفة لأنك
تحمّلت كل هذا. " "
أعلمُ أنني أم سيئة... لكنني أحبك. "
"
أنت كل ما تبقى
لي... لا أريد أن أخسرك. "
"
بكت أكثر حتى
لم أعد أستطيع إحتمال المزيد. استدرتُ بسرعة
وعانقتها بقوة. بكيتُ
معها حتى هدأت. أبعدتُها قليلاً ومسحتُ دموعها، ثم ابتسمت:
أمي... "
"
" أحبك كثيراً. "
لن أتركك أبداً.
" "
ابتسمت
بكل لطافة حتى ضاقت عينيها الناعمة، ثم عانقتني. كان عناقها كأنه يرمم كل شيء بداخلي. أردتُ أن تتوقف اللحظة هنا إلى الأبد.