موعد خاص (البارت الأول)
موعد خاص
بين دفء العائلة الذي يربك القلوب، وبرودة الحقيقة التي تحبس الأنفاس، تختبئ أسرار لا تمنح فرصة ثانية للنجاة. هل ستكون 'فيلا القيناوي' وطناً جديداً لـ 'نهى'... أم زنزانة لموعد خاص مع حقيقة لا ترحم؟.
الفصل الأول
كان الصمت في ردهات المستشفى لا يشبه الهدوء في شيء؛ بل كان صمتاً ثقيلاً، لزجاً، يطبق على الأنفاس. وقفت نهى أمام لوح زجاجي يفصلها عن جسد والدتها، تلك المرأة التي كانت قبل ساعات فقط تبتسم بهدوء وهي تشاهدها تدرس، والآن.. تبدو شروق شاحبة وسط محيط من الأجهزة والأسلاك التي تطلق صافرات رتيبة تعلن بقاءها على قيد الحياة بصعوبة.
لمست نهى الزجاج بأطراف أصابعها المرتجفة. كانت تشعر ببرودة المعدن تخترق عظامها. في تلك اللحظة، لم تكن نهى الفتاة التي تبحث عن الأجوبة لكل لأسئلتها، بل كانت طفلة مرعوبة تخشى أن تفقد خيطها الوحيد الذي يربطها بالأرض.
"نهى.. اهدي يا بنتي، الدكاترة بيعملوا اللي عليهم."
صوت مريم صديقتها كان يأتي من بعيد، كأنه صدى في بئر عميق. نظرت نهى إلى كفيها؛ كانت ترتجف بشكل هستيري. ثم التفتت حولها، لكن عينيها الدامعة كانت تائهة، غارقة في فيضان من التشتت والأسئلة التي لا إجابة لها.
"مريم.. هي مش هتمشي وتسبني صح؟"
همست نهى، وصوتها انكسر في نهايته كقطعة زجاج رقيقة قبل أن تكمل:
"إحنا ملناش حد.. أنا وهي بس.. لو حصل لها حاجة، أنا مين؟"
قبل أن تجيب مريم، اخترق الرتابة صوت خطوات منتظمة، ثقيلة، لها صدى غريب فوق بلاط المشفى البارد. لم تكن مجرد خطوات عابرة؛ كانت خطوات شخص يعرف وجهته بدقة.
شعرت نهى ببرودةٍ مفاجئة تسري في عمودها الفقري وقبل أن تلتفت. خلفها، وقف رجل يبدو في أواخر الخمسينيات، يرتدي معطفاً طويلاً يفوح منه عطرٌ حاد، يختلط برائحة المعقمات ليعطي مزيجاً مقبضاً. كانت عيناه صقريتين، لم تكن نظراته نظرات غريبٍ متعاطف، بل كانت نظرات واثقة ورزينة، وكأنه ينظر إلى قطعةٍ غالية ضاعت منه لسنوات وأخيراً استعادها.
تراجعت نهى خطوة لا إرادية، وشعرت بقلبها يقرع في أذنيها. هناك شيءٌ مألوف في وقفته.. في صمته الثقيل.. شعرت وكأنه أتى من أجلها وليس مجرد صدفة، بل هي متأكدة من ذلك.
"أخيراً.. شوفتك يا نهى." نطق الرجل اسمها بهدوء حاد بطريقة جعلت القشعريرة تسري في جسدها. لم يكن سؤالاً، بل كان إقراراً.
"مين حضرتك؟ وعايز إيه؟" سألت نهى، وهي تحاول أن تلملم شتات شجاعتها، رغم أن قلبها كان يقرع صدرها بعنف.
ابتسم الرجل وكانت عينيه تلمعان ببريق لهفة بينما اجاب بثبات:
"أنا سيف القيناوي.. عمّك يا نهى. والظاهر إن الوقت مكنش في صالحنا عشان نتقابل في ظروف أحسن من دي."
ساد صمت مميت. شعرت نهى أن الأرض تدور بها حتى خرج صوتها:
"أنت عمّي؟."
الكلمة كانت غريبة، ثقيلة، ولا تريد تصديقها ولكنها تحدثت تهز رأسها بنفي:
"أنا مليش أعمام.. ومعنديش أب حتى، وماما عمرها ما جابت سيرة عنكم. اتفضل اخرج برا، إحنا مش محتاجين حد."
لم يتحرك سيف إنشاً واحداً. بل أشاح بوجهه نحو الطبيب الذي ظهر فجأة من خلفه، ينحني باحترام قبل أن يتحدث:
"الحالة حاليًا مستقرة، ولكن الأفضل إنها تتعالج برا، المستشفى هنا إمكانياتها محدودة.."
قاطع سيف الصمت بنبرة لا تقبل النقاش:
"كل الإجراءات هتتم دلوقتي يا دكتور، كل مليم هيتدفع في سبيل إن والدتها ترجع تقف على رجليها تاني."
عقدت نهى حاجبيها بضيق وتحدثت بسرعة:
"يعني إيه الكلام دة؟."
تحاشى الطبيب النظر لنهى مباشرة، وانشغل بمراجعة التقرير الطبي في يده وهو يعدل نظارته بتوتر لم يمر على نهى التي لاحظته قبل أن يجيب بنبرة هادئة، عملية، لكنها تفتقر للشغف الذي كان يتحدث به منذ ساعة:
"يا آنسة نهى، العلم مبيوقفش عند نقطة معينة. الإمكانيات اللي الأستاذ سيف عرضها مش مجرد فلوس، دي "حلول" مكنتش متاحة لينا كطاقم طبي في المستشفى هنا. ودة بيغير المعادلة من محاولة استقرار لفرصة شفاء حقيقية".
نظرت له نهى بسخرية لم يستطع تجاهلها، فتابع وهو يغلق الملف بحدة طفيفة محاولاً استعادة هدوءه ولكن قبل ذلك نظر سريعًا لسيف الذي كان يطالعه بحدة ثم تحدث:
"بصراحة يا أستاذة نهى.. الإمكانيات هنا مش كافية للحالة دي، لكن مع الدعم اللي الأستاذ سيف وفره، فيه نسبة أمل حقيقية.. فرصة مش هتتعوض لوالدتك."
سكنت حركة نهى تماماً. لم تصرخ ولم تنهار، بل انتقلت عيناها الزيتونيتان بهدوء حذر بين ارتباك الطبيب وبين الثبات الجليدي لعمها سيف. كانت تراقب التفاصيل الصغيرة؛ اهتزاز صوت الطبيب، ونظرة سيف الواثقة التي توحي كأن الأمور فقط صنعت لتسير كما يريد.
قالت نهى بصوت منخفض، مستقر، حمل نبرة تساؤل أذهلت الطبيب:
"يا دكتور مدحت.. حضرتك من ساعة بالظبط كنت بتقولي إن المستشفى عملت اللي عليها وإن والدتي هتبقى حالتها مستقرة. إيه اللي اتغير في الستين دقيقة اللي فاتوا؟ هل الأجهزة اللي جابها الأستاذ سيف هي اللي بتشفي، ولا نفوذه هو اللي خلى المستحيل عندكم يبقى ممكن فجأة؟."
قبض الطبيب على يديه بينما رمش بتوتر تحت نظراتها الفاحصة ولكن مع ذلك خرج صوته ببرود:
"يا آنسة نهى، الموضوع مش كدة.. الأستاذ سيف عرض يتكفل بإجراءات العلاج بالكامل، ودي فرصة لوالدتك لازم نستغلها."
نظرت نهى لوالدتها؛ كانت شروق تبدو متعبة، وجهها الذي كان يضج بالحياة صار باهتًا تمامًا. التفتت للطبيب وقالت بحدة:
"يا دكتور مدحت، حضرتك عارف حالتها، ينفع تتنقل أصلاً؟ ولا هو أي حد معاه فلوس بنسمع كلامه؟"
اقترب سيف خطوة ثم همس بصوت رزين:
"الفلوس دي من حقك يا نهى. حقك وحقها اللي ضاع سنين. لو فضلتي تعاندي عشان كبريائك، والدتك هتدفع التمن.. بصي عليها يا بنتي، هل شايفة إننا في وقت نضيعه بالأسئلة؟."
هنا، شعرت نهى ببرودة تسري في أطرافها. شعرت بنظرت عمها سيف الذي كان يراقبها بهدوء، ثم ركزت نظرها على الطبيب وقالت بمرارة:
"يعني حياتها مرتبطة بكلمة منه؟ والفلوس هي اللي بتحدد مين يعيش ومين يموت؟"
ثم التفتت واحتدت نظراتها ناحية عمها وهمست:
"ليه دلوقتي؟. وليه بتعمل كل دة؟."
خطى سيف خطوة واحدة نحوها، وانحنى قليلاً ليهمس بنبرة حانية كان وقعها غريب عليها:
"ليه دلوقتي؟ دي حاجة برا إرادتنا، ليه بعمل كدة؟ دي أقل حاجة أقدر أعملها ليكم. والدتك هتتعالج أحسن علاج وفي أحسن مكان، مكانك مش هنا يا نهى، مكانك في البيت اللي والدك كان عايش فيه.. والعلاج مجرد خطوة عشان نرجع كلنا سوا."
أغمضت نهى عينيها بقوة. كانت تشعر بأنها تغرق، وأن اليد الوحيدة الممدودة لإنقاذها هي يد الغريب نفسه. نظرت نحو والدتها من خلف الزجاج، ثم نظرت لعمها. لم يكن أمامها خيار.. كان عليها أن تفعل ذلك، بعد كل ما سمعته، وبمقابل شفاء والدتها ستذهب معهم.
انسحب الطبيب هذه المرة، لكن سيف تقدم خطوة واحدة، بينما نظراته كانت مغلفة بلهفة حقيقية أربكت نهى، قبل أن يتحدث بنبرة هادئة:
"يا بنتي.. أنا بقالي سنين بدور على ريحة من ماجد، ولما لقيتك أخيراً مش مستعد أخسرك، ولا مستعد أشوف والدتك بتضيع مننا وإحنا نقدر ننقذها."
لمعت أعين سيف وهو يكمل بينما يتفحص ملامح وجهها:
"المستشفى هنا إمكانياتها على قدها، وأنا مش هسمح إن التاريخ يعيد نفسه ونفقد حد غالي تاني لمجرد إننا قصرنا. لو خايفة من الفلوس أو النفوذ، فاعتبريها حقك وحق والدتك اللي اتحرمتم منه سنين. أنا مش بضغط عليكي عشان أتحكم فيكي.. أنا بضغط عشان الوقت بيجري، وشروق ملهاش ذنب تدفع التمن."
ثم انحنى قليلاً ليكون في مستوى نظرها وهمس:
"وافقي يا نهى.. عشان خاطر شروق. أوعدك إنك هتكوني حرة، بس خلينا نخرجها من هنا الأول."
نظرت له طويلًا، هي لا تستطيع التأكد من صدق كلماته، ولكن الشيء الوحيد المتأكدة منه هي أن والدتها هي أولويتها في تلك الحياة لذا وضعت التردد جانبًا.. لأنها ستنقذ والدتها بأي ثمن ولأنها تريد معرفة أجوبة أسئلتها، خرج صوت نهى ببحة خفيفة:
"موافقة.."
ثم همست بينما سقطت دمعة وحيدة فوق كفها المرتجف:
"موافقة... بس بشروط."
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتحدث بجدية رغم صوتها المرتجف:
"هكلمها وهتطمن عليها أول بأول."
ثم صمتت فجأة وهي تنظر لوالدتها وراء الحاجز الزجاجي قبل أن تردف:
"وكل اسبوع هيوصلي تقرير طبي ليها خلال فترة علاجها."
أومأ لها سيف وقد لمعت عيناه بفرحة بينما ابتسم:
"اعتبريه حصل، بلاش نضيع وقت يا بنتي. يلا اجهزي.. العربية مستنية بره."
أغمضت عينيها مجددًا، وكأنها تحاول حجب الواقع الذي يبتلعها. لم تكن تشعر ببرودة الممر، بل ببرودة تسري في أعماق روحها. مريم كانت لا تزال تمسك بيديها، تهمس بكلمات لم تعد نهى تسمعها، فصوت سيف القيناوي كان يتردد في أذنيها كطنينٍ لا ينقطع.
خرج صوت سيف مطمئنًا هذه المرة:
"يلا يا بنتي، أوعدك والدتك هتكون كويسة."
ثم أشار لأحد رجاله الذي تقدم بهدوء وحمل حقيبة نهى الصغيرة، تلك الحقيبة التي كانت تحوي أجزاء من عالمها القديم؛ بقايا خيوط، بضع قطع إكسسوار غير مكتملة، صورة قديمة لها ولأمها، ودفتر محاضراتها.
تحرك سيف، واضطرت نهى للحاق به بخطوات متعثرة، كأنها تساق إلى مصير مجهول. خرجت من بوابة المستشفى لتصدمها أضواء الشوارع والزحام، لكن عينيها تسمرتا على تلك السيارة السوداء التي ستنقلها إلى حياتها الجديدة وهي تقف الآن فاتحة أبوابها.
قبل أن تركب نهى التفتت لمريم التي كانت تقف على الرصيف وعيناها تفيضان بالدموع، أومئت لها بينما نظرت لها وعيناها تفيض بحديث صامت فهمته مريم فورًا وهي تومئ لها بالمقابل.
أغلق الحارس الباب خلفها، ليعزلها تماماً عن ضجيج الشارع. ساد صمت خانق داخل السيارة الفارهة، برائحة جلدها الطبيعي وبرودتها،.غاصت نهى في مقعدها، تراقب الشوارع والأشجار بصمت وهي تتلاشى خلف زجاج السيارة المظلل. وكأنها تنظر إلى حياتها القديمة التي تتلاشى هي الأخرى أمامها، لدرجة أنها لم تشعر حتى بطول الطريق أو بالوقت الذي مر وهي شاردة هكذا.
لم يكن سيف يتحدث، كان يكتفي بمراقبة الطريق بهدوء وثقة. شعرت نهى بضآلة حجمها وهي تغوص في مقعدها، وتساءلت في سرها: هل هذه هي النجاة التي كانت تنتظرها؟ أم أنها باعت حريتها مقابل نبضات قلب أمها؟.
تلاشت البيوت المتلاصقة والضجيج المألوف، لتحل محلها شوارع واسعة هادئة، تصطف على جانبيها أسوار عالية لا تفصح عما خلفها. ولم تمر دقائق معدودة حتى توقفت السيارة السوداء أمام البوابة الحديدية العملاقة التي تحمل اسم 'فيلا القيناوي' بنقشٍ ذهبي بارز. شعرت نهى بقلبها ينقبض وهي ترى حارس البوابة يفتح الطريق بآلية، لم يكن هذا بيتاً؛ بل كان حصناً، صمته يثير الريبة أكثر مما يبعث لها الأمان، نظرت نهى إلى كفيها؛ لا تزال آثار معقم المستشفى عالقة في مسام جلدها، رائحة الخوف والمرض التي تفوح منها الآن تصطدم برفاهية هذه السيارة.
قاطع تفكيرها ترجل سيف بهيبته المعهودة، مما جعل نهى تتبعه بخطوات مثقلة، تتأرجح فوق الرخام اللامع الذي يكسو الممر الطويل المؤدي للمدخل. كانت رائحة الحديقة المنسقة بعناية، والمختلطة برائحة المطر الاصطناعي من مرشات المياه، غريبة على أنفها.
دلفا من الباب الخشبي الضخم المرصع بالنحاس، لتجد نهى نفسها في ردهة واسعة سقفها يرتفع لأمتار، تتدلى منه ثريا كريستالية ضخمة تعكس الضوء بحدة آلمت عينيها المتعبتين من البكاء. وقتها شعرت بضآلة حجمها وسط هذا الفراغ الشاسع.
فجأة، اخترق الصمت صوت وقع أقدام هادئة لكنها حازمة. ظهرت امرأة تبدو في الخمسينيات من عمرها، ترتدي ثوباً أسود بسيطاً لكنه يصرخ بالثراء، كانت ملامحها جميلة ومريحة بينما تقف متسمرة مكانها واتسعت عيناها بذهول لم تستطع لجمه قبل أن تهمس بصوت مهتز:
"سيف؟ هي دي نهى؟."
كانت نظراتها لنهى ليست تفحصاً، بل كانت نظرة شخص يرى طيفاً من الماضي بُعث حياً. اقتربت بخطوات متعثرة، ترفع يدها المرتجفة وكأنها تخشى أن تلمس نهى فتختفي. انهمرت دمعة وحيدة على وجنتها وهي تهمس:
"مش ممكن.. يا الله.. نسخة من ماجد! سيف، قولي إن عيني مش بتخدعني!"
ابتسم سيف بحزن وهو يومئ لزوجته، ثم وضع يده على كتف نهى التي انكمشت على نفسها بتوتر:
"أيوة يا راجية، نهى.. بنت الغالي. من النهاردة مكانها هنا، وسط أهلها."
شهقت راجية وهي تجذب نهى لحضنها فجأة، حضن كان يفيض بدفء لم تتوقعه نهى. كانت تبكي بصدق وهي تقبل رأسها:
"يا حبيبتي.. يا بنت الغالي.. احنا مكنش عندنا علم بيكي خالص صدقيني، مكنتش أتخيل إن الأيام هتجمعنا بيكي."
تصلب جسد نهى في هذا الحضن الغريب. وزاد شعورها بالتوتر وعدم الإرتياح، فهي لن تتفاعل مع كل هذا الحب المفاجئ من ناس لم تسمع عنهم يوماً. هي حتى لا تستطيع أن تقرر إذا كان ذلك الحب صادقًا أم لا، في تلك اللحظة شعرت بوهن يكتسح جسدها مما جعلها تقبض على يدها تحاول التماسك حتى لا تنهار أمامهم.
بينما كانت راجية تتأمل وجه نهى بلهفة، تقدمت فتاة بدت يافعة بأعين عسلية وشعر بني فاتح كانت تقف عند طرف الدرج، وعلى وجهها علامات صدمة لا تقل عن والدتها. بل كان هناك ذهول خالص وهي ترى ابنة عمها التي ظهرت من العدم.
"دي نهى يا سلمى.." قالت راجية وهي تمسح دموعها وتنظر لابنتها بفرحة غامرة ثم أردفت:
"بنت عمك ماجد الله يرحمه... أخيراً البيت بقى فيه ريحة منه."
حاولت نهى أن تنطق، لكن غصة في حلقها منعتها. كلمة 'ماجد' كانت غريبة على أذنيها، هي لا تملك حتى صورة لوالدها، والآن هؤلاء الغرباء يذرفون الدموع شوقاً إليه، وكان ذلك كالسكين في قلبها. هي لا تعرف عن أبيها أي شئ ولم تسمع عنه حكاية كاملة من أمها. الآن، يخبرونها أنه 'الغالي' و'المرحوم' في بيت لم تكن تعلم بوجوده.
همست نهى بصوت واهن:
"أنا بس.. أنا عايزة أطمن على ماما.."
ردت راجية بحنان وهي تمسك يديها الباردتين:
"متقلقيش يا روحي، سيف مش هيسيبها، وأنا هنا معاكي.. البيت بيتك، والشغالين هنا كلهم تحت أمرك. سلمى يا حبيبتي، خدي نهى لأوضتها، خليها ترتاح وتغير هدومها، وأنا هحضرلها أحلى أكل بإيدي."
مشيت نهى خلف سلمى، وبينما كانت تصعد الدرج، كانت تشعر بقلبها يقرع بعنف. هذا الحنان الصادق كان أصعب عليها من القسوة؛ لأنه جعلها تتساءل بمرارة أكبر، إذا كانوا يحبون والدها هكذا، لماذا عاشت والدتها كل هذا وحدها، ولماذا استحقت نهى كل ذلك الألم؟.
قاطعها صوت سلمى التي ابتسمت بخجل تحاول بها كسر حدة الجو المشحون:
"اتفضلي يا نهى، متتكسفيش."
داخل غرفتها الجديدة خطت نهى خطوات وئيدة فوق السجاد الكثيف، كانت قدماها تشعران بالثقل، وكأنها تمشي فوق رمال متحركة تبتلع روحها. وبعد ذهاب سلمى اغلقت الباب قبل أن تقترب من المرآة الكبيرة ذات الإطار الذهبي المحفور، وتوقفت.
نظرت إلى انعكاسها بذهول.. كانت ترى فتاة غريبة. وجه شاحب، عينان زيتونيتان يغلفهما انكسارٌ عميق لا تظنه سيشفى يومًا، بينما حجابها كان مبعثر حول وجهها الذي كانت تزينه آثار دموعها التي جفت. رفعت يدها لتلمس وجهها، وكأنها تتأكد أنها لا تزال نهى المعتادة.
"نسخة من ماجد!."
رددت الكلمة بمرارة. كيف يشبهها شخصٌ لم تره؟ كيف يكون غالياً وهو الذي تركها تواجه وحشة اليتم وهي حية؟ أو على الأقل هذا ما تعتقده. نبشت في ذاكرتها عن أي ملمح، أي رائحة، أي نبرة صوت تعود لأبيها، فلم تجد سوى الفراغ. أمها شروق كانت تغلق هذا الملف بقفل من الدموع والصمت، والآن يفتح سيف القيناوي الصندوق الأسود ليعرض عليها عائلة من العدم لا تعرف عنها شيئاً.
ولكنها ستعلم كل شيء بتلك القصة المعقدة، حتى لو كرست حياتها من أجل ذلك.
هذا ما رددته في عقلها وهي تضع حقيبتها القماشية الصغيرة فوق السرير، وبدأت تفرغ محتوياتها بآلية غريبة، وكأنها تفرغ بقايا حياتها القديمة. كانت ثيابها البسيطة تبدو غريبة، منطفئة، وشبه شاحبة وسط ألوان الغرفة المذهبة. وفجأة، اصطدمت أصابعها بعلبة صغيرة مخملية قديمة، كانت قد احتفظت بها لسنوات.
فتحت العلبة ببطء، ليلمع تحت ضوء الثريا الكريستالية "عُقد" فريد من نوعه؛ لم يكن مجرد خرز وخيوط، بل كان قطعة فنية صممتها نهى بكل جوارحها. كان هذا العُقد "مشروع حلمها"، القطعة التي كانت تنظر إليها كل ليلة وتعد نفسها بأنها يوماً ما ستكون مصممة مجوهرات عالمية، وأن اسمها سيوضع بجانب قطع فنية في أرقى المعارض.
مررت إبهامها على انحناءات التصميم، وبمجرد أن لمست برودة المعدن، شعرت وكأن الغرفة تتلاشى من حولها. عادت بها الذاكرة لضجيج فصلها القديم منذ سنوات. ولصوت "مريم" المتحمس وهي تهمس بجانب أذنها: "بجد إنتِ اللي عاملة الحاجات دي يا نهى؟ دي تحفة! لازم تعرضيها في معرض المدرسة".
ابتسمت نهى رغماً عنها وهي تتذكر زحام زميلاتها حول مقعدها، نظرات الإعجاب في عيونهن كانت هي الوقود الذي رسخ حلمها بعقلها حتى الآن.
تذكرت كيف كانت والدتها تقرص وجنتها بلطف كلما عادت لها بمكسب بسيط، قائلة بضحكة صافية: "طبعاً هتعجبهم.. دي حاجات بنوتي اللي صممتها".
لكن فجأة، انقبض قلب نهى وهي تتذكر كيف كانت تلك الضحكة تذبل فوراً بمجرد رنين جرس الباب.. تذكرت ذلك الظرف الأبيض الذي كانت تستلمه أمها دائمًا في صمت مميت، وتخبئه بعيداً عن عينيها بملامح متصلبة لا تفسر شيئاً. فإذا كانت عائلة القيناوي هي العائلة التي تبحث عنها لتحتضنها فمن إذًا الذي كان يرسل تلك الظروف؟، فكان ذلك الظرف هو الوحش الصامت الذي يطارد أمانهما الصغير، اللغز الذي لم تجرؤ نهى يوماً على فتحه، والآن.. تجد نفسها في سجنٍ جديد، وبين ألغازٍ أكبر.