سوريسوس - الطبيبة النفسية
الطبيبة النفسية
.........
أحست سارة بالذنب لموت صديقتها، و رغم أنها لا تعلم يقينا إن كان وجودها في نفس المكان و الزمان مجرد صدفة أم لا إلا أنها بدأت تشك بجدية في وجود خطب بها، و أن الموت بطريقة ما يتبعها أينما ذهبت، كلعنة ما أو ما شابه، كما أنها لامت نفسها لأنه كان أمامها فرصة لإنقاذ صديقتها لكنها لم تفعل، و ظلت تقول بينها و بين نفسها لو أنها حاولت أكثر تحريك ساقيها المتجمدة بدل الوقوف أمام النافذة و المراقبة لكانت فرح لا تزال حية. كانت كل هذه الأشياء الغريبة التي بدأت تحدث معها مؤخرا، كالكابوس، و الإستيقاظ في منتصف الليل، و تحرك جسدها من تلقاء نفسه، و خاصة شعورها بالسعادة عند مشاهدة موت أحدهم، كانت تشعر و هي تفكر بكل هذه الأشياء و كأنها على حافة الجنون، و أنه ربما سينتهي بها الأمر بإحدى المصحات العقلية إن طال الوقت و هي على نفس هذه الحالة، لكنها رغم ذلك فقد حاولت قدر الإمكان إخفاء حقيقة ما تشعر به، و قررت الإحتفاظ بكل ما يحدث معها من أشياء غريبة و غير مفهومة لنفسها، على الأقل في الوقت الحاضر حتى ينتهي المحقق من إستجوابها.
كانت قد انتظرت بنفس الغرفة كالمرة السابقة، و كانت قد التقت بنفس المحقق الذي تحدثت معه في كل المرات الأخرى، و هو الآن جالس في الجهة المقابلة لها و قد كان ينظر إليها في صمت بعيون متفحصة و كأنه يحاول قراءة ما بعقلها من أفكار، محاولا بجهد فهم العلاقة الغامضة بينها و بين ما حدث للضحيتين، فرغم أن كل الأدلة تشير إلى أنهما حالتا إنتحار إلا أنه كان يعتقد و بشدة أن لها دورا في موتهما، و أن وجودها في نفس المكان و الزمان الذي وقعت فيه كلتا الحادثتين يتعدى كونه مجرد مصادفة، خاصة و أن كلتا الضحتين تربطها بهما علاقة وثيقة. كان قد سبق و تحدث إلى كل شخص يعرفها، سواء من أصدقائها أو معارفها، و كانوا كلهم قد أجمعوا على شيء واحد و هو أن علاقتها بخالد و فرح كانت متينة و خالية من المشاكل، و ما زاد الطين بلة أن جميع الشهود سواء في الحادثة الأولى أو الثانية كانوا قد أجمعوا على أن سارة لم تقترب أبدا من الضحية و لم يكن لها يد في موتها.
تحدث المحقق مطولا مع سارة و طرح عليها الكثير من الأسئلة، محاولا أثناء ذلك استدراجها لتخبره بأي شيء قد يورطها بصفة مباشرة أو غير مباشرة في موت صديقيها، أو على الأقل ما يساعده على حل خيوط هذه القضية، و مثل المرة السابقة أيضا كانت تبدو بريئة، فقط مجرد فتاة بائسة وجدت نفسها في المكان و الزمان الخاطئين، لكنه رغم ذلك راوده نفس ذلك الشعور الغريب بأنها قد تكون تخفي عنه شيئا ما، ففكر سريعا و وجد الحل المناسب الذي من خلاله سيعرف إن كانت فعلا بريئة أو أنها قاتلة خالية من المشاعر ذو دم بارد. و هكذا اقترح عليها بأن يحدد لها موعدا لتقابل السيدة هدى، و هي طبيبة نفسية تعمل مع الشرطة، معللا ذلك بأن الشرطة تلجأ لمثل هذه التدابير في حالات مشابهة لحالتها، مؤكدا على أن الإحاطة النفسية أمر ضروري لمعالجة بعض الصدمات النفسية و العاطفية، و قبل أن تغادر أعطاها بطاقة صغيرة تحمل اسم الطبيبة النفسية و عنوانها، و أخبرها بأنه سيتصل بها من أجل تحديد موعد لها معها في أقرب وقت ممكن.
كان من المفترض أن تقوم سارة و والداها بزيارة عائلة فرح من أجل تقديم واجب العزاء لكنهم سرعان ما تراجعوا عن هذه الفكرة و ذلك لأن عائلة فرح تقدمت بشكوى رسمية للشرطة ضد سارة، متهمينها بقتل ابنتهم، و رغم أن كل الأدلة و كل أقوال الشهود كانت في صف سارة، مبرئة إياها من كل الإتهامات و الشكوك، إلا أنهم تشبثوا بموقفهم و أصروا على المضي قدما في تنفيذ كل الإجراءات اللازمة في بناء قضيتهم ضد سارة. و إن كان والدا سارة قد فوجئا بهذه المعاملة القاسية من طرفهم فقد قررا عدم التواصل معهم في الوقت الراهن خوفا من أن تتفاقم الأمور بينهم، خاصة و أنهم لا يزالون متأثرين بموت ابنتهم. من ناحية أخرى فقد كانت سارة تعاني في صمت، منعزلة في غرفتها، تاركة شعورها بالذنب لينخر عقلها و ينهش أفكارها، متذكرة في كل لحظة تمر عليها الموت الشنيع لخالد و فرح، غارقة داخل أمواج عنيفة من الذكريات السعيدة التي جمعتها بهما. كانت مشوشة التفكير و تشعر بالضياع، فلم تعد تعرف كيف تفكر، أو كيف تشعر، أو ماذا يجب أن تفعل حتى تتخلص من هذه اللعنة التي أصابتها، فقد كانت تخشى أن يتكرر الأمر مجددا و أن يطوف الموت بأحد آخر من الأشخاص المقربين إليها، فظلت على هذه الحال لمدة يومين كاملين إلى أن تلقت إتصالا من المحقق ليخبرها بأنه قد أخذ لها موعدا مع الطبيبة النفسية، و هكذا بعد ليلة عصيبة من الأرق و قلة النوم جهزت نفسها لهذا اللقاء، مترددة بينها و بين نفسها إن كان يجب عليها الإفصاح عما يثقل كاهلها و يتراكم بصدرها، و عن كل الأشياء الغريبة التي تحدث معها.
كانت السيدة هدى امرأة ذكية و طبيبة نفسية متميزة، و رغم أنها قد تجاوزت الستين سنة من عمرها إلا أن كل تلك السنوات التي عاشتها كانت قد ساهمت بشكل كبير في صقل ذكائها و بناء خبرة واسعة في مجال عملها، خاصة و أن عملها مع الشرطة الذي من خلاله تعاملت مع مختلف أنواع الناس سواء كانوا من المجرمين أو الضحايا، كان قد ساعدها على فهم ما يدور برؤوسهم من أفكار و ما يخفونه في أنفسهم من نوايا، و هو ما جعلها قادرة على تمييز الصادقين من الكاذبين، و تمييز المتصنعين و المرضى النفسيين من الطبيعيين، و خاصة تمييز المجرمين من الأبرياء.
كانت هدى قد اطلعت على الملف الذي أرسله لها المحقق و الذي يحتوي على كل المعلومات اللازمة المتعلقة بسارة، بالحادث الذي تعرضت له، و بالضحيتين و الطرق الغريبة التي ماتا بها. لذلك فإن مهمتها الآن بعد أن استقبلت سارة في مكتبها هي أن تحلل شخصيتها و تكتشف إن كانت مذنبة أم لا.
جلست سارة في صمت و نظرت نحو هدى فرأت امرأة مسنة، جميلة الوجه رغم تجاعيده، ذو شعر طويل متباين بين الأبيض و الأسود، و لم يسعها سوى أن تلاحظ ما تظهره عينيها من ذكاء و ثقة في النفس. و في المقابل كانت هدى قد رأت فتاة شابة، لها وجه شاحب و كأنه وجه شخص ميت، تخفي رأسها الحليق بوشاح أحمر مرقط بالأسود، و لم يسعها سوى أن تلاحظ ما تخفيه عيناها من ألم و حزن.
قالت هدى، متفحصة تعاببير وجهها و حركات جسدها:
- هل تعلمين سبب وجودك هنا؟
أجابت سارة بتحفظ:
- المحقق يعتقد بأنني أعاني من صدمة نفسية.
فهمهمت هدى ثم قالت:
- و أنت.. هل تعتقدين بأنك تعانين فعلا من صدمة نفسية؟
- ربما.. أنا لا أعلم.
- حسنا، لا بأس. سواء كنت تعانين من صدمة نفسية أم لا من الجيد أنك أتيت، فأحيانا علينا أن نرفع غطاء ابريق الشاي الذي يغلي لتحرير كل البخار الذي تجمع داخله قبل أن يفيض.
- أنا لم أفهم.
- أنا أعني أنك بحاجة لتحرير كل المشاعر المكبوتة المسجونة داخلك، فهي لن تتلاشى من تلقاء نفسسها، بل ستتضاعف و تتراكم إلى أن تنهش كل جزء منك.
- و الحل؟
- كبداية يمكنك أن تتحدثي إلي، أخرجي ما بصدرك و عبري عما تشعرين به، و لا تقلقي فهذا مكان آمن و أنا مستمعة جيدة، و ربما معا سنتمكن من إيجاد طريقة لجعلك تشعرين بتحسن.
في تلك اللحظة كانت سارة على وشك البكاء فطأطأت رأسها بسرعة دون أن تحدث أي صوت، و ضمت ساقيها فيما غطت وجهها بيديها.
قالت هدى بنبرة عطوفة متخفية بإتقان وراء نظرة ماكرة:
- أنت لست بمفردك كما تعلمين، ربما نحن كبشر مخلوقات ذكية و مستقلة، لكننا أيضا ضعفاء و لا يمكننا العيش دون الآخرين، و هذا هو السبب الذي من أجله يوجِد المجتمع، حتى نتمكن من مساعدة بعضنا البعض وقت الحاجة.
رفعت سارة رأسها ببطء، فمسحت دموعها و قالت بصوت أجش لا يزال يعاني من أثر البكاء:
- أنا لا أعرف من أين أبدأ، أو ماذا أقول.. فأنا.. أنا.. أشعر بأنني على وشك الإنفجار بسبب كل الأشياء التي شغلت عقلي و أثقلت كاهلي.
- حسنا، يمكنني أن أساعدك بهذا الخصوص. لنرى.. في الأيام القليلة الماضية كنت قد خسرت خطيبك، أليس كذلك؟
- أجل.
- و فيما كنت تشعرين بالحزن و تحاولين تقبل أنه مات و لم يعد جزءا من حياتك كنت قد خسرت صديقتك، أليس كذلك؟
- أجل.
- هذا بالطبع دون إحتساب أنك شهدت بنفسك على موتهما و رأيت الأسلوب البشع الذي إستعمله كل واحد منهما لقتل نفسه.
- أجل.
- و الآن نصل للسؤال المهم، هل هناك إختلاف في ما شعرت به في كلتا الحالتين؟، أو.. ما الذي شعرت به في المرة الثانية و لم تشعري به في المرة الأولى؟
- أحسست بالذنب.
فقالت هدى مستغربة و كأنها لم تتوقع سماع مثل هذه الكلمة:
- الذنب؟.. لماذا؟
- لأنني كنت عاجزة.
- عاجزة عن مساعدتهما؟
- أجل، لقد تجمدت في مكاني و لم أستطع أن أتحرك. و لو أنني تحركت.. لو فعلت شيئا ما في ذلك الوقت.. أي شيء على الإطلاق، لربما كنت قادرة على إنقاذهما، و لكانا هما الآن على قيد الحياة.
شعرت هدى نوعا ما بالإنزعاج، فهي لحد الآن لم تلحظ أي شيء غريب في تصرفات سارة أو في طريقة كلامها، لكنها لازالت مقتنعة بأن هناك شيء ناقص، بأن سارة تخفي داخلها أمرا آخر، و مهما كان هذا الأمر فهي يجب أن تعرفه، فهو قد يكون القطعة المفقودة التي من خلالها ستتمكن من فهم طبيعة شخصيتها و بالتالي حل الأحجية المتعلقة بالموت الغامض للضحيتين. كانت قد وقفت من مقعدها و اتجهت نحو حوض السمك الموجود في الركن الأيمن بالقرب من مكتبها، فهي تشعر بالإرتياح عندما تراقب سمكاتها الثلاثة و هن يتحركن بخفة في كل الإتجاهات. ثم نظرت نحو سارة و قالت بهدوء و بابتسامة طفيفة تكاد تكون ظاهرة:
- إنه أمر عادي ما مررت به، فعقلك في ذلك الوقت لم يستوعب ما كان يراه أمامه و بالتالي فإنه أثر بطريقة غير مباشرة على جسدك و جعلك عاجزة تماما عن الحركة، هذا دون ذكر كمية الخوف التي شعرت بها و أنت تراقبين كيف أن أعز أصدقائك يموت أمامك ببطء..
فقاطعتها سارة بانفعال، صارخة بأعلى صوتها، و كأنها أرادت التخلص من شيء أرهق تفكيرها لوقت طويل:
- أنا لم أكن خائفة.
ثم أكملت قائلة بنوع من الهدوء بعد لحظات قليلة من الصمت:
- ليس في البداية على كل حال.
- ماذا تعنين؟
- قد يبدو هذا غريبا بعض الشيء لكنني ابتسمت.
فقالت هدى مستغربة فيما توهجت عيناها، و كأنها على وشك الحصول على الإجابة التي تبحث عنها:
- ابتسمت؟.. كيف؟
- لقد كنت نوعا ما مستمتعة بما أراه أمامي، سواء مع خالد أو فرح، و كل ذلك العذاب الذي مرا به، و كمية الألم التي أحسا بها. أنا..لا أعرف لماذا.. أو كيف، أنا فقط أعجبني مراقبة ما فعلاه ليقتلا نفسيهما، لكن ما أن ماتا حتى تلاشى هذا الشعور و أحسست على الفور بالخوف و الرعب.
ثم صمتت قليلا لتفكر، ثم قالت بصوت مرتعش، صوت خافت يختبأ خلف روح هشة متهالكة:
- أخبريني أرجوك، هل هناك خطب بي؟، هل هذا تصرف إنسان طبيعي؟
قالت هدى و قد أحست بأن سارة مقتنعة بما كانت تقوله:
- إن المشاعر كما تعرفين تعبر عما يشعر به الإنسان، فالسعادة تولد السعادة، و الحزن يولد الحزن، و الغضب يولد الغضب، و هكذا تباعا مع كل المشاعر الأخرى، لكن عندما يتعرض الإنسان لصدمة نفسية قوية، تماما كما حدث معك، فإن العقل يتعطل و بالتالي فإنه لن يعود قادرا على إنتاج الشعور المطلوب الذي يعبر عن الموقف الذي يمر به الشخص في ذلك الوقت، و بالتالي فإن الممشاعر المخزنة فيه لا تجد من يتحكم فيها و يوجهها كما يجب أن تكون، و لأن الشخص الذي تعرض للصدمة بحاجة لأن يقوم بردة فعل فورية، فالنتيجة ستظهر على شكل إجابة منفصلة و متمردة، متجاوزة بذلك حدود المنطق و مخالفة تماما لتعليمات العقل.
رغم أن هدى أعطت إجابة منطقية و قدمت تفسيرا بسيطا و مقبولا، إلا أن سارة لم تبدو أنها قد افتنعت بما سمعته، أو أنها على الأقل أحست ببعض الإطمئنان، فقد زادت حالتها سوءا، فزاد عبوسها، و ظهر الألم بصورة واضحة على تعابير وجهها، و بدأت عيناها تستعد لإطلاق موجة شديدة من الدموع، و كانت للحظة ستخبرها بالكابوس و استقاظها في منتصف الليل و ما يليه من أحداث غريبة، لكنها أحست بصدرها يضيق، و بحنجرتها تنغلق، و بلسانها يثقل، و بشفاهها تتيبس. كانت قد أحست بأنها لن تكون قادرة على التفوه بذلك القدر الكبير من الكلمات، فقالت ما ظنته أنه اختصار لكل ما تريد قوله:
- إنها لعنة ما حل بي، أنا أشبه بالمغناطيس الذي يجذب شيئا نحوه سوى الموت.
- أعتقد أنك تبالغين قليلا هنا، لعنة؟.. هل تعتقدين بأنك فعلا ملعونة؟.. هذا أمر مناف للعقل و غير منطقي.
كانت قد صمتت قليلا لتفكر،ثم وقفت و اتجهت نحو خزانة صغيرة و أخرجت منها بعض الصور، و بعد أن ألقت عليهم نظرة سريعة حملتهم معها و عادت لتجلس في مكانها. فنظرت مليا لسارة ثم قالت:
- لماذا لا نختبر ذلك؟، لنرى إن كنت فعلا ملعونة أم لا؟
فقالت سارة باستغراب:
- كيف؟
فابتسمت هدى لأنها تمكنت من جذب انتباهها، و قالت:
- أنت قلت بأنك ابتسمت لرؤية أصدقائك يموتون و أنك استمتعت بمراقبتهم يتعذبون، أليس كذلك؟
- أجل.
- حسنا، لو أنك ملعونة فعلا كما تقولين فأنت ستفعلين نفس الشيء لو مررت بموقف مشابه.
فأجابت سارة بحيرة، غير مدركة بعد لما تريد هدى فعله:
- أعتقد هذا.
- نحن سنقوم بتجربة بسيطة، سنحاكي نوعا ما نفس الموقف الذي تعرضت له، بالطبع لن نقوم بقتل شخص ما إن كان هذا ما تفكرين به، لكن من ناحية أخرى.. هذه الصور التي أمامي، إنها تعود لأشخاص قتلوا بطرق بشعة، و أنا سأمرر هذه الصور أمامك واحدة بواحدة، و بالتالي سنرى ماذا ستكون ردة فعلك. إذن.. ما رأيك؟، هل أنت موافقة؟
بدت سارة مترددة فيما كانت تنظر نحو هدى بعيون لا تعرف ماذا تقول، لكنها سرعان ما اتخذت قرارها دون أن تطيل التفكير، و بصوت جاف و نبرة غير واثقة أعلنت موافقتها، مرفقة ذلك بإيماءة بسيطة برأسها كحركة تلقائية لا غير. عندئذ ابتسمت هدى و عدلت من جلستها إستعدادا لبدأ التجربة، فمدت يدها و سحبت كومة الصور نحوها ثم بدأت بعرضها الواحدة تلو الأخرى على سارة، و كانت قد عرضتها بطريقة عشوائية دون ترتيب معين، فقد كانت كل واحدة من تلك الصور أبشع من سابقتها، متباينة بين جرائم القتل و حالات الإنتحار، لتظهر الوجه الآخر لما يمكن للإنسان أن يفعله إن لم يتقيد بالقوانين و لم يتحكم في تصرفاته، و لتؤكد على أنه كائن خطير و متوحش ليس على نفسه فحسب بل على المجتمع الذي يعيش فيه. كانت كل الصور دموية و مرعبة، لأناس فقدوا حياتهم لأسباب مختلفة و ربما تافهة، بداية من الأجساد الغارقة و المحروقة، أو التي تحمل إما آثار العنف الشديد أو الطعنات المتعددة و الجروح العميقة، و وصولا للرؤوس و الأطراف المقطوعة و الأحشاء المبعثرة، و قد كانوا كلهم أناسا بمختلف الفئات العمرية، و ينتمون لمختلف الطبقات الإجتماعية.
تابعت هدى بتمعن ردة فعل سارة في كل مرة تعرض عليها إحدى الصور، مركزة مع تعابير وجهها و حركات يديها، و متابعة بحرص نظرات عينيها، و قد كانت في كل مرة تخبرها بأن تأخذ وقتها في النظر للصور، و قبل أن تغير الصورة تسألها عما تشعر به، أما سارة فقد كانت تظهر نفس التعابير و تجيب بنفس الكلمات، بأنها تشعر بعدم الإرتياح للنظر لهذه الصور، و بدل أن يجعلها كل هذا الموت مستمتعة بما تراه أو يدغدغ مركز سعادتها فهو لم يزد سوى من ألمها و حزنها، و قبل أن تنتهي هدى من عرض جميع الصور طلبت منها سارة أن تتوقف فهي لم تعد تتحمل رؤية المزيد من الدماء و الجثث، فأذعنت هدى لرغبتها و جمعت كل الصور و وضعتها في درج مكتبها.
كانت سارة لا تزال مقتنعة بأنها ملعونة، و رجحت أن سبب عدم استمتاعها من خلال النظر لتلك الصور هو أنها لم تحدث أمامها و أنها لم تشهد بنفسها اللحظات الأخيرة لأصحابها، و من خلال بقية محادثتها مع هدى تم الإتفاق على موعد آخر، حيث أخبرتها أن تأتيها في أي وقت يتكرر معها هذا الشعور، فقد كانت هدى متأكدة بأن سارة تعاني من خطب ما، و من خلال هذه المقابلة الصغيرة لاحظت أن هناك تناقضا كبيرا في شخصيتها، و كأن هناك شخصيتان تعيشان في نفس الجسد، إحداهما ضعيفة و متألمة، و أخرى قاسية و متلاعبة، و إن كانت فعلا بارعة لتلك الدرجة حتى تتمكن من تزييف مشاعرها و التحكم في تصرفاتها لتخدعها، فإنها بلا شك ستكون من أصعب و أخطر الحالات التي مرت عليها طوال مسيرتها المهنية، و بالتالي فإنها أول مرة منذ وقت طويل كانت هدى غير متأكدة من تشخيصها، فراودتها مشاعر مختلطة بين الحماسة و القشعريرة، معتبرة سارة تحديا جديا أمام خبرتها الطويلة كطبيبة نفسية.