حب بالتقسيط الفصل الأول (النبطشية)
💢¹| الفصل الأول • النبطشية💢
هل يمكن أن يتحمل الحب ضغط الأقساط... والفواتير... وأحلام لم تكتمل بعد؟ حين يفتحان باب الشقة لأول مرة، لا يجدان بيتًا كما تخيّلا. صناديق مبعثرة، أثاث ناقص، جدران نصف مطلية... وفواتير تنتظر بصمت فوق الطاولة. لكن الفوضى الحقيقية ليست في الشقة. بل في الحياة التي تنتظرهما. بين ضغط الأهل، وضيق المال، وتوقعات المجتمع، يكتشف شاب وفتاة أن الطريق إلى الزواج ليس قصة رومانسية كما تخيلوا، بل رحلة مليئة بالتوتر، والاختبارات النفسية، والقرارات التي قد تغيّر كل شيء. هل يمكن للحب أن يعيش... حين يصبح كل شيء بالتقسيط؟ رواية نفسية اجتماعية تكشف الوجه الحقيقي لما يحدث خلف أبواب الشقق الجديدة، حيث يبدأ الحلم... ويبدأ معه الصراع. ✦ رواية: حب بالتقسيط بقلم: حسن محمود
المستشفى
كان الليل في السنبلاوين غريباً تلك الليلة؛ ليس مجرد ليلٍ عاديٍ يهبط مع غروب الشمس ثم يمرّ ببطء حتى الفجر، بل ليلٌ ثقيل، كأن الهواء نفسه صار له وزن غير معتاد، وكأن الشوارع الضيقة للمدينة الصغيرة تفيض بما تحمله من هموم البشر وأوجاعهم التي لا تُرى.
البيوت المتلاصقة بدت ساكنة من الخارج، لكن خلف جدرانها كانت حياة كاملة تتحرك، تقلق، وتقاوم بطريقتها الخاصة.
أما داخل المستشفى، فلم يكن هناك شيء يشبه السكون.
صرخة حادة مزّقت الهواء فجأة، خرجت من حنجرة امرأة تقف عند باب غرفة صغيرة في نهاية الممر الطويل.
لم تكن مجرد صرخة ألم عابرة، بل كانت صرخة ممتدة، كأنها تحمل معها خوفًا قديمًا، خوفًا لا يعرف كيف يتوقف أو يهدأ.
ارتد صداها في الجدران البيضاء الباهتة، وانساب في الممر الضيق حتى بدا كأنه يملأ المكان كله.
في تلك اللحظة، كان رجل يمر في الممر.
رفع يده غريزيًا ليغطي أذنه، كأن جسده حاول أن يحمي نفسه من حدّة الصوت، لكنه لم يتوقف، لم يتراجع، واصل السير ببطء، بخطوات محسوبة، كما لو أن الصراخ ليس شيئًا جديدًا عليه، أو كما لو أنه تعلّم منذ زمنٍ بعيد أن بعض الأصوات لا يمكن الهروب منها مهما حاولت.
كانت عيناه تتحركان بهدوء فوق تفاصيل المكان، تلتقطان كل شيء بدقة غريبة وكأن لديه وقت لهذا:
المصباح الفلوري في السقف الذي يومض بين لحظة وأخرى،
ظلّ ممرضة تمر مسرعة في الجهة الأخرى،
باب الغرفة المفتوح نصف فتحة،
وذلك الصمت الثقيل الذي يختبئ دائمًا بين صرخة وأخرى.
كان ينظر إلى الأشياء كما لو أنه يحفظها في ذاكرته، كما لو أن كل مشهد يمر أمامه يتحول إلى صورة ثابتة لا يريد أن يفقدها.
ومع ذلك، كان هناك شعور آخر يتسلل ببطء إلى صدره...
شعور غامض، ثقيل، لا اسم واضح له.
كأن شيئًا ما يستقر في الداخل ولا يريد أن يغادر.
دخل الغرفة أخيرًا.
كان الطفل الصغير على السرير يتلوى من الألم، جسده يتحرك بلا انتظام، وعيناه الواسعتان تبحثان في المكان عن شيءٍ غير مفهوم، شيء ربما يشبه الطمأنينة التي يفتقدها.
اقترب الرجل ببطء، ثم مد يده ووضعها على جبين الطفل، كانت حرارة الجسد مرتفعة، مرتفعة أكثر مما ينبغي.
انحنى قليلًا، حتى أصبحت عيناه في مستوى عيني الطفل تقريبًا.
ثم ابتسم.
ابتسامة بسيطة، هادئة، لا تحمل ادعاءً كبيرًا، لكنها بدت كما لو أنها محاولة صادقة لإقناع الطفل بأن العالم ما زال مكانًا يمكن الوثوق به، ولو لبرهة قصيرة.
في الخارج، لم يتوقف الصراخ.
ما زالت المرأة عند الباب، وما زال صوتها يتردد في الممر.
لكن الرجل، وهو واقف هناك قرب السرير، بدأ يشعر أن الصراخ لم يعد في الخارج فقط.
كان يتردد في رأسه أيضًا.
يتحرك بين أفكاره، يعود في ذاكرته، ويستقر في مكانٍ عميق لا يمكن إسكاته بسهولة.
وكأنه يعرف، دون أن يقول ذلك بصوتٍ مسموع...
أن بعض الأصوات، عندما تدخل إلى الرأس مرة واحدة، لا تخرج منه أبدًا.
*
الشارع
في نفس المدينة على بُعد شوارع قليلة من ذلك المستشفى، حيث ما زال الصراخ يتردد في الممرات كأنه لا يعرف طريقًا للخروج، كانت المدينة تبدو وكأنها استسلمت أخيرًا لنوعٍ غريبٍ من السكون؛ ليس سكون الراحة، بل سكونٌ يشبه التعب، كأن كل شيء فيها قرر أن يتوقف قليلًا، فقط ليأخذ نفسًا أطول من اللازم.
تحت ضوء مصابيح الشوارع القديمة، التي تنشر نورًا أصفر باهتًا لا يكفي ليُظهر التفاصيل كاملة ولا ليخفيها تمامًا، امتد رصيف ضيق، مكسوّ ببقايا يومٍ طويل، آثار أقدام، غبار، وأشياء لا يلاحظها أحد في العادة.
كانت تمشي عليه امرأة... وحدها.
لم يكن في مشيتها شيء ملفت، لا سرعة زائدة ولا بطء متعمد، لكنها كانت تسير كما يسير من يحمل شيئًا داخله، لا يُرى، لكنه حاضر في كل خطوة، في كل زفرة خفيفة تخرج دون انتباه.
حقيبتها المعلقة على كتفها لم تكن مجرد حقيبة؛ كانت تبدو كأنها تضغط على كتفها أكثر مما ينبغي، وكأنها لا تحمل أشياءً عادية، بل تحمل معها يومًا كاملًا، وربما أيامًا أخرى لم تنتهِ بعد.
في يدها الأخرى، كانت تمسك دفترًا صغيرًا، قديم الحواف قليلًا، مطويّ الصفحات من كثرة الاستخدام، كأن هذا الدفتر لم يكن مجرد أداة، بل مساحة تلجأ إليها كلما ضاقت بها الأشياء التي لا يمكن قولها.
توقفت، ليس لأنها سمعت شيئًا، ولا لأن أحدًا ناداها، بل لأنها شعرت فجأة بحاجةٍ إلى أن تتوقف.
فتحت الدفتر ببطء، كما لو أنها تفتح بابًا لا يجب أن يُفتح على عجل.
رفعت القلم، ترددت لحظة قصيرة، ثم بدأت ترسم.
دائرة أولى... غير مكتملة تمامًا.
ثم خط يمتد منها، ثم خطوط أخرى، متباعدة قليلًا، حتى بدأت ملامح شمس تتشكل على الورقة.
لم تكن شمسًا مثالية، ولم تحاول أن تكون كذلك.
لكنها بدت دافئة... بطريقة لا تُفسَّر.
نظرت إليها لثوانٍ، كأنها تتأكد أنها ما زالت قادرة على رسم شيء بسيط كهذا.
ثم خرجت منها ضحكة خافتة، قصيرة، بالكاد تُسمع، ضحكة لا تشبه الفرح بقدر ما تشبه استراحة صغيرة من ثقلٍ مستمر.
أغلقت عينيها للحظة، وكأنها تمسك بتلك اللحظة قبل أن تهرب.
ثم عادت إلى الدفتر، تحت الشمس، بدأت تكتب.
اسمًا... ثم آخر...
ببطءٍ شديد، واهتمامٍ لا يتناسب مع بساطة الفعل.
كانت تكتب الأسماء كما لو أنها تستحضر أصحابها، كأن كل اسم ليس مجرد حروف، بل حضور كامل، وجوه، ضحكات، أصوات صغيرة تتداخل مع ذاكرة لا تريد أن تهدأ.
توقفت عند اسمٍ معين، بقيت تنظر إليه.
ثم أعادت كتابة نفس الاسم فوقه، بخط أبطأ، أثقل، كأنها تحاول أن تثبّته، أو تمنعه من التلاشي.
وفي تلك اللحظة بالضبط... اهتز الهاتف في يدها.
لم تنتفض، لكنها تجمدت قليلًا، نظرت إلى الشاشة، رسالة قصيرة... من اسم تعرفه جيدًا.
بقيت تحدق فيها لثوانٍ أطول مما ينبغي، كأنها لا تقرأ الكلمات فقط، بل تقرأ ما خلفها، ما قد تعنيه، وما قد تفتحه من أبواب.
تغيرت ملامحها ببطء، ظهرت ابتسامة خفيفة، حذرة، كأنها لا تثق تمامًا في حقها في هذه الابتسامة.
لكنها لم تدم، تلاشت تدريجيًا، كما لو أن شيئًا داخلها تذكّر فجأة... أو رفض أن ينسى.
أغلقت الهاتف.
لم ترد، لم تحاول حتى.
وضمت الدفتر قليلًا إلى صدرها، في حركة غير واعية، كأنها تحتمي به، أو تخفي فيه شيئًا لا تريد أن يراه أحد.
ثم بدأت تمشي من جديد، لكن هذه المرة...
كان صمتها أعمق، أثقل.
كأن الكلمات التي لم تقلها، والتي كان يمكن أن تقولها، تراكمت في داخلها دفعة واحدة، حتى صار الصمت هو الخيار الوحيد الممكن.
وكأنها تخشى، بشكلٍ لا تفهمه تمامًا... أنه إذا خرج صوتها عاليًا،
إذا تحولت تلك الأفكار إلى كلمات مسموعة...
فإنها لن تكون مجرد كلمات.
بل ربما...
ستتحول إلى شيءٍ أكبر منها،
شيء لا يمكن إيقافه بعد أن يبدأ،
شيء يشبه... المأساة.
*
المستشفى
عاد الرجل إلى مكتبه بعد أن هدأ الطفل قليلًا، لا لأن الألم اختفى، بل لأن الجسم اضطر إلى لحظة استراحة مؤقتة، كأن الوقت نفسه أعطاه مهلة قبل أن يعود كل شيء إلى حالته الطبيعية من توتر وقلق.
أغلق الباب خلفه ببطء، كأنه يحاول أن يمنع أي شيء، أي شعور، من أن يتسلل إليه مع الريح الباردة القادمة من الشرفة الصغيرة.
المكتب كان ضيقًا، بالكاد يتسع لكرسي خشبي قديم وطاولة تحمل أوراقًا مبعثرة، بعضها مطويّ، وبعضها مفتوح كما لو أن أحدهم بدأه منذ أسابيع ولم يعد له. على الأرض، حذاء الطفل الصغير الذي عاد إلى البيت الآن، وكأنه تذكر أنه لم يغادر الغرفة أبدًا.
جلس الرجل على الكرسي، الذي أطلق صريرًا خفيفًا تحت وزنه، صرير يبدو مألوفًا، كأنه يعرف كل ضغطاته وكل ساعات الليل الطويلة التي جلس فيها هنا بمفرده. أسند ظهره، ثم رفع عينيه نحو الساعة المعلقة على الحائط، التي تومض بعقرب الثواني الصغير، مستمرًا بلا تعب أو شعور بالمسؤولية، على عكس كل شيء آخر في الغرفة، على عكس كل شيء بداخله.
الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، ولكن الوقت لم يكن مهمًا الآن، لم يكن أكثر من مؤشر على أن كل شيء سيستمر، وأن الليل لن ينتهي إلا إذا انتهى داخله شيء من هذا الثقل.
نظر إلى الهاتف على الطاولة، ثلاث مكالمات فائتة، نفس الرقم.
ظل يحدق فيها لثوانٍ طويلة، يقرأها وكأنها رسالة من جزء منه لا يجرؤ على الحديث معه بصوت عالٍ. ثم تنهد، زفرة طويلة خرجت من أعماقه، تنهد يبدو وكأنه يجمع كل توترات اليوم، كل صرخات الممر، كل خوف الطفل، كل الصمت الذي لم يفرغ بعد.
أخيرًا، ضغط على زر الاتصال، ورفع الهاتف إلى أذنه، في الطرف الآخر... جاء صوت.
هادئ، مستقر، بسيط، بعيد عن كل الصراخ الذي تركه خلفه قبل دقائق.
صوت يختلف عن ضجيج الممرات، عن الغضب، عن الألم، عن الضغط الذي يملأ قلبه منذ ساعات.
ابتسم الرجل، ابتسامة صغيرة، خافتة، بالكاد تُرى، لكنها حقيقية، كأن جزءًا صغيرًا منه عاد إلى الحياة للحظة.
ثم قال، بصوت خافت، يختلط فيه التعب بالدهشة:
- كنت محتاج أسمعك...
صمت.
- وانت...؟
في الطرف الآخر، لم يأتِ جواب كثير، مجرد تنفس هادئ، ثابت، يبدو أنه يسمع كل شيء دون أن يحكم.
انتهت المكالمة سريعًا، وأبعد الرجل الهاتف عن أذنه ببطء.
عاد الصمت، لكن هذه المرة كان مختلفًا، أثقل، أعمق، وكأن جزءًا من نفسه ظل يتردد داخل الغرفة، يتسلل ببطء من الداخل، يختبئ بين الأوراق، بين حواف الكرسي، بين عقرب الساعة، يذكره بأن كل شيء لم ينتهِ بعد.
تنهد مرة أخرى، وضع يديه على وجهه، وابتعد عن الهاتف، وقال بصوتٍ منخفض، لنفسه فقط:
- مهما حاولت، بعض الأشياء... مبتهداش.
ثم جلس صامتًا، مستمعًا إلى كل شيء داخله، إلى الصراخ الذي بقي فيه، إلى ذلك الشعور الذي لا يمكن تهدئته بسهولة... وكأنه يعلم أن الليل كله لم يبدأ بعد، وأن ما تبقى له من السكون مجرد انتظار لما لم يأت بعد.
***