ليليان و رحلة الشهرين | من رواية مورغوليس " ملك أسفل الأرض "
ليليان و رحلة الشهرين
.........
مملكة براڤوس
مملكة براڤوس تُعد واحدة من أكثر الممالك تنظيماً وقوةً في
ظاهرها، فقد امتدت عبر سبعةٍ وعشرين قطاعاً مترابطاً، يعمل كلٌّ منها ضمن نظامٍ
دقيق لا يسمح بأي خلل. بلغ عدد سكانها نحو ثمانية ملايين نسمة، وكانت عاصمتها
"ڤوسا" مركز الحكم والنفوذ، حيث يعيش قرابة مليون شخص، جميعهم من
الطبقات العليا؛ من أثرياء وجنود. بدت المملكة من الخارج مثالية: شوارع نظيفة، أمن
صارم، ونظام لا يعرف الفوضى. لكن هذه الصورة لم تكن سوى واجهة تُخفي خلفها واقعاً
قاسياً ومظلماً.
اعتمدت براڤوس على نظام طبقي صارم يحدد مكانة كل فرد منذ
ولادته، ولا يمكن تغييره أو الهروب منه. في القمة تقف عائلة مورغيليس، وهي العائلة
الحاكمة التي تمتلك السلطة المطلقة وتتحكم بمصير المملكة بالكامل. تليها عائلات
الوزراء، الذين يشرفون على إدارة القطاعات وتنفيذ القرارات. بعدهم تأتي طبقة
الأغنياء وأصحاب النفوذ، وهم المستفيدون من النظام، يملكون المال والتجارة ويؤثرون
في مجريات الحياة. ثم تأتي طبقة أصحاب المهن الرفيعة، كالأطباء والمدرّسين
والمغامرين، وهم من يُبقون عجلة المجتمع مستمرة. يليهم الجنود والفرسان، الذين
يشكّلون القوة المنفذة للقوانين، ويعيشون على الطاعة والانضباط. أما في أسفل هذا
الهرم، فتوجد الطبقة الأضعف: العبيد والفقراء، الذين لا يُنظر إليهم كأفراد، بل
كعبء يجب التخلص منه.
كانت العلاقة بين هذه الطبقات قائمة على الفصل التام. الطبقات
العليا تعيش فوق الأرض في بيئة نظيفة وآمنة، بينما يُدفع الفقراء إلى أطراف
المملكة أو إلى أماكن مهملة، حيث القذارة والمرض. لم يكن مسموحاً للفقراء
بالاقتراب من مناطق الأغنياء، وأي محاولة منهم لتجاوز هذا الحد كانت تُقابل بالعنف
المباشر. لم يكن هناك اختلاط حقيقي بين الطبقات، بل كان كل مستوى يعيش في عالمٍ
منفصل، وكأنهم لا ينتمون إلى المملكة نفسها.
أما الظلم في براڤوس، فلم يكن سلوكاً فردياً، بل جزءاً من
النظام نفسه. كانت المملكة تتعامل مع الفقر على أنه تهديد يجب القضاء عليه، لا
مشكلة يجب حلها. إذا ظهرت منطقة فقيرة، تُرسل إليها قوات عسكرية لإبادتها بالكامل،
دون تمييز بين رجلٍ أو امرأة أو طفل. تُحرق البيوت، وتُقتل العائلات، وتُمحى
الأماكن من الوجود وكأنها لم تكن. لم يكن الهدف فقط إنهاء الفقر، بل محو أي أثر
له، حتى لا يبقى ما يذكّر بوجوده.
الفقراء كانوا يعيشون في خوفٍ دائم. لم يكن لديهم أمان، ولا
ضمان للبقاء على قيد الحياة. كانوا يواجهون الجوع، والمرض، والعنف يومياً. كثيرٌ
منهم كان يُقتل دون سبب واضح، فقط لأنه وُجد في المكان الخطأ. الأطفال يكبرون وهم
يرون الموت جزءاً من حياتهم اليومية، والأمهات يخفين أبناءهن أو يحاولن إبعادهم عن
أعين الجنود بأي وسيلة ممكنة. بعضهم كان يتظاهر بالجنون أو الضعف الشديد، أملاً في
أن يتم تجاهله وعدم قتله.
كانت وسائل القتل نفسها قاسية ومتعمدة، لا تقتصر على إنهاء
الحياة بسرعة، بل تهدف إلى بث الخوف في قلوب الآخرين. كان التعذيب يُمارس أمام
العامة، ليكون رسالة واضحة: لا مكان للضعف هنا. وكان الجنود ينفذون الأوامر دون
تردد، فقد تربّوا على أن هذه الفئة لا تستحق الرحمة، وأن القضاء عليها واجب للحفاظ
على استقرار المملكة.
هكذا بُنيت براڤوس؛ مملكةٌ قائمة على التمييز الصارم، والقوة
المطلقة، وإقصاء كل من لا ينتمي إلى صورتها المثالية. في ظاهرها نظامٌ متكامل، وفي
باطنها معاناة لا تنتهي. كان كل شيء فيها يعمل بانضباط، لكن هذا الانضباط نفسه كان
السبب في استمرار الظلم، وفي جعل حياة الفقراء سلسلةً متواصلة من الخوف والألم.
في صباح اليوم
التالي، نادتني لورا وطلبت مني أن أذهب معها إلى ساحةٍ قريبة من الغرفة. وعندما
وصلتُ إلى هناك، رأيت فاليرون ولورا ينتظران قدومي. قالت لورا بهدوء: أهلاً بك يا
رماس… هيا، لا تتردد واجلس على الكرسي.
تقدّمتُ وجلستُ
على الكرسي المقابل لفاليرون، لكنه كان لا يزال ينزعج من وجودي. كانت نظراته
الباردة كفيلة بأن تجعلني أشعر وكأنني مجرد عبءٍ ضعيف بينهم. لم ينطق بشيء، لكن
صمته كان قاسياً بما يكفي.
بعد لحظات،
تقدّمت لورا ووضعت صندوقاً ثقيلاً أمامي، ثم قالت:
افتح الصندوق يا رماس. ""
اقتربتُ منه
وفتحته بحذر. أول ما لفت انتباهي كان القناع؛ قناعٌ يشبه قناع لورا، لكن الرسومات
التي عليه كانت مختلفة. عندها قالت لورا:
" هذا
قناعك الجديد. الرسومات الموجودة عليه تشبه آثار الحروق التي على ظهرك. هذا تقليدٌ
لدينا في المنظمة، حيث يرتدي كل شخص قناعاً يرتبط به ويمثّل جزءاً من جسده، وأنت
قد حصلت على هذا القناع. احرص على ارتدائه دائماً، وأخفِ هويتك عن الجميع. "
بقيتُ أتأمّل
القناع بصمت، حتى لاحظت الرداء الأسود داخل الصندوق. وضعتُ القناع جانباً ومددتُ
يدي لألتقط الرداء، ثم رفعته أمامي وقلت:
لماذا هذا
الرداء مختلف عن أرديتكم؟ " "
أجابت لورا:
"في
الواقع، هذا الرداء مخصّص للشخص الذي سيقود الأعضاء الثمانية. "
اتّسعت عيناي
بدهشة، ونظرتُ إليها قائلاً:
هل تقصدين أنني... ""
لكن قبل أن
أكمل، أصدر فاليرون صوتاً يدل على انزعاجه وعدم تقبّله للفكرة.
تابعت لورا
حديثها بلطف:
"
فالامورغوليس هو اسم والدك، وقد سُمّيت المنظمة تيمّناً به. لذلك، فقط من ينتمي
إلى عائلة والدك يحق له أن يقودنا. "
نهض فاليرون
فجأة وقال بانزعاجٍ شديد:
" لا أحد
يتوقّع منك شيئاً أيها الصغير. أنت ضعيفٌ وهشٌّ للغاية، ولن أسمح لك بقيادتنا بهذا
الضعف. "
ثم غادر المكان
دون أن ينظر خلفه.
اقتربت مني
لورا وربّتت على شعري بلطف، وقالت:
" لا تقلق
يا رماس، هو لا يقصد أن يكون قاسياً، لكنه عانى كثيراً، لذلك يبدو بهذه القسوة مع
الجميع. هيا الآن، ارتدِ رداءك وقناعك وتعال إلى ساحة التدريب المجاورة. "
عندما ارتديتُ
الرداء، شعرتُ وكأن الأمر يفوق طاقتي، وكأن هذا الرداء ليس مجرد قطعة قماش، بل
عبءٌ سيلازمني طيلة حياتي. أمسكت القناع بيدي، ثم انطلقت نحو ساحة التدريب.
كانت لورا
تنتظرني هناك برفقة إحدى الأعضاء، وكانت ميرفين. اقتربت منهما وألقيت التحية.
قالت لورا:
" رماس…
من اليوم، ستبقى مع ميرفين، فهي من ستتولى تقوية جسدك. "
نظرتُ إلى
لورا، ثم إلى ميرفين، التي بدت في غاية القوة. كانت ملامحها توحي بأنها خاضت
الكثير لتصل إلى ما هي عليه الآن.
قالت ميرفين:
" أهلاً
بك أيها الصغير… من الآن فصاعداً سأكون معلمتك. التدريب سيكون قاسياً ومكثفاً،
وسأحرص على صقل جسدك حتى يصبح قوياً ومتيناً. والآن، هل أنت مستعد؟ "
نظرتُ إلى لورا
بتردد، فأومأت برأسها، ثم نظرتُ إلى ميرفين وقلت:
" من فضلكِ…
اعتني بي. "
ابتسمت ابتسامة
خفيفة وقالت:
" بالطبع…
سأحرص على أن تعاني كل عضلة في جسدك النحيل هذا. "
كانت كلماتها
مرعبة، فنظرتُ إلى لورا مرة أخرى، لكنها ابتسمت ابتسامةً خفيفة وكأنها تقول إنني
الآن وحدي. ثم غادرت المكان. بقيتُ مع
ميرفين، التي نظرت إليّ ثم أشارت بيدها نحو جبلٍ بعيد وقالت:
" والآن…
أول درسٍ لك هو ذاك. "
نظرتُ إلى
الجبل بدهشة وقلت:
ماذا تقصدين؟ ""
أجابت ببرود:
" لا
تتخاذل أيها الصغير. أنت تعلم ما يجب عليك فعله. أريدك أن تصل إلى قمة ذلك الجبل
وتعود قبل مغيب الشمس. "
قلتُ بصدمة:
" ماذا؟!
"
" لكن
المغيب قد اقترب، والظلام سيحلّ قريباً… كيف تتوقعين مني أن أذهب وأعود؟ "
قالت بلهجةٍ
حاسمة:
" لا تملك
خياراً آخر. من الأفضل أن تبدأ الآن، لأن وحوش الغابة تخرج في الليل… وستكون
جائعة. وإن تأخرت، فستكون وجبتها. "
تسلّل الخوف
إلى داخلي، فانطلقتُ أركض بكل طاقتي نحو الجبل.
كان الطريق
طويلاً وشاقاً، لكنني واصلت الركض حتى وصلت إلى القمة بصعوبة، وكان الغروب قد حلّ
بالفعل. لم يكن لدي وقت للراحة، فبدأت العودة فوراً رغم الإرهاق.
في منتصف
الطريق، حلّ الظلام، وأصبحت رؤيتي ضعيفة، أعتمد فقط على ضوء القمر. بدأت أصوات
الحيوانات المفترسة تتعالى من حولي، وكأنها تعلن حضورها. تسارعت ضربات قلبي، وبدأت
أنفاسي تتقطع، حتى سمعت صوت تكسّر أغصانٍ قريبة.
تجمّدتُ في
مكاني، وارتعشت قدماي، وبدأ العرق يتسلل من جبيني.
وفجأة… ظهر
دبٌّ بنيّ أمامي.
تراجعتُ إلى
الخلف مذعوراً، بينما كان يزمجر بقوة. هاجمني بمخلبه، لكن قبل أن يصل إليّ، قفزت
ميرفين عليه فجأة، وبدأت تدفعه وتصارعه بجسدها أمامي.
كان الأمر
جنونياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لم أكن أصدق أن بشرياً يمكنه أن يصارع دبّاً
بهذا الحجم بيديه العاريتين، لكن ميرفين كانت تفعل ذلك أمام عيني وكأنها تقاتل
خصماً عادياً. لم تمضِ سوى لحظات حتى سقط الدبُّ أرضاً بلا حراك. بقيتُ جالساً
مكاني، أحدّق بها بدهشة، غير قادر على استيعاب ما حدث,
اقتربت مني
ميرفين، ونظرت إليّ بثبات ثم قالت:
هل أنت بخير أيها الصغير؟ ""
أجبتها وأنا
أحاول التقاط أنفاسي:
نعم… أظن ذلك. " "
هزّت رأسها
بهدوء، ثم قالت بنبرةٍ حاسمة:
إذاً، انهض
وأكمل تدريبك. ""
نهضتُ بسرعة،
وتوقفت أمامها للحظة، ثم قلت:
شكراً لكِ أيتها المعلمة… ظننتُ أنني سأهلك قبل أن تصلي.
انفجرت ميرفين
ضاحكة بصوتٍ عالٍ، حتى خيّل إليّ أن أصوات الحيوانات من حولنا قد خمدت، وكأنها
تخشى وجودها. ثم قالت بابتسامةٍ خفيفة:
" أنت لطيفٌ أيها الصغير… لا تقلق، لن
أدع أي مكروهٍ يصيبك. والآن، هيا… أكمل تدريبك. "
أومأت لها
برأسي، ثم تابعت طريقي، وقد تسلل إلى قلبي شعورٌ غريب بالطمأنينة بسبب كلماتها.
عدتُ أخيراً
إلى ساحة التدريب، فوجدتها قد سبقتني وتنتظرني هناك. ما إن رأتني حتى قالت:
أحسنت عملاً أيها الصغير… يمكنك الآن أن تذهب للنوم.
" "
ثم أضافت دون
تردد:
ستعيد الأمر نفسه غداً. " "
توقفتُ في
مكاني وقلت بدهشة:
ماذا… مرةً أخرى؟ " "
ضحكت ميرفين
بصوتٍ عالٍ، ثم قالت:
ستكرر الأمر يومياً… إلى أن يصبح مجرد رياضةٍ خفيفة
بالنسبة لك. والآن اذهب، من دون اعتراض.
أخفضتُ رأسي
بصمت، وعدتُ إلى الغرفة منهكاً. ما إن وضعتُ جسدي على السرير وأغمضت عيني، حتى
شعرت وكأن الليل قد انقضى في لحظة.
استيقظتُ على
صوتها وهي تصرخ في وجهي، تقلب سريري بعنف:
كفاك تكاسلاً من أول يوم! هيا بنا إلى التدريب. "
"
تمتمتُ بصوتٍ
متعب:
أريد فقط لحظاتٍ قليلة… أريح بها عيني، ثم ألحق بك.
" "
اقتربت مني
بعينين حادتين وقالت:
ماذا قلت أيها الضعيف؟ " "
ثم أمسكت بشعري
وجرّتني إلى الخارج دون رحمة...
في ساحة
التدريب، طلبت مني أن أتسلق الجبل نفسه مرة أخرى. انطلقتُ مسرعاً، وعدتُ هذه المرة
قبل حلول الظلام، وكان الأمر أسهل بكثير بوجود ضوء الشمس. لكن ذلك لم يُرضِ
ميرفين، فأمرتني أن أعود مجدداً إلى الجبل، وألا أرجع حتى يحلّ الليل تماماً.
تكرر الأمر
مراراً وتكراراً.
تحولت الأيام
إلى أسابيع، والأسابيع إلى شهور، وأنا أتنقل بين الجبال والغابات، أركض في الظلام،
وأختبئ من الحيوانات والأفاعي. ومع الوقت، بدأ جسدي يتغير. أصبحت خطواتي أخف،
وحركتي أكثر مرونة، واعتادت عيناي على الظلام حتى صرت أرى ما لا يراه غيري. لم تعد
الصخور تعيقني، ولا الأغصان تخدشني كما كانت تفعل من قبل.
أصبح جسدي
أقوى… وأصبحتُ أنا شخصاً آخر.
كانت ميرفين
تراقبني بصمت، ويظهر في عينيها شيء من الفخر، حتى جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء.
قالت لي:
" رماس… لقد أصبحت سريعاً ورشيقاً، وجسدك
أصبح صلباً، لكن هذا لا يعني أن الأمور ستصبح أسهل. "
أجبتها بثقة:
نعم، أعلم ذلك أيتها المعلمة.
ابتسمت قليلاً،
ثم قالت:
جيد… الآن، أريدك أن تنطلق في مغامرةٍ لوحدك. "
"
توقفتُ بدهشة
وقلت:
مغامرة؟ أيُّ نوعٍ من المغامرات؟ "
"
نظرت إليّ
ببرود وقالت:
أريدك أن تبقى هناك لمدة شهرين… ولا تعود قبل ذلك.
نظرتُ إلى
المكان الذي أشارت إليه، فلم أرَ شيئاً سوى الفراغ. قلت بتردد:
لكن… لا يوجد شيء هناك. " "
ابتسمت
ابتسامةً غامضة وقالت:
" بالفعل… ولهذا أريدك أن تذهب. استكشف
المكان لمدة شهرين، وإن عدت قبل ذلك… فسأطردك. "
ابتلعتُ ريقي
بخوف، ثم بدأت أجهّز نفسي. ارتديت ردائي الأسود، حملت قناعي وبعض الأغراض، وانطلقت
نحو المجهول.
مرّ شهرٌ كامل،
وكنتُ أتسلّق جبلاً ثلجياً شاهقاً. كانت تلك أول مرة أرى فيها الثلج. كان المشهد
غريباً وجميلاً في آنٍ واحد، لكن البرد كان قاسياً. ومع ذلك، كان جسدي قد اعتاد
الظروف الصعبة. تعلمت كيف أصطاد الحيوانات الصغيرة، وكيف أبقى على قيد الحياة مهما
كانت الظروف.
وفي إحدى
الليالي، بينما كنتُ أراقب تساقط الثلوج بصمت، لمحت أضواءً تتحرك أسفل الجبل. كانت
غريبة، تتنقل بطريقة غير طبيعية. دفعني الفضول للنزول واستكشاف الأمر.
وعندما اقتربت…
رأيت ما لم أتوقعه.
كانت هناك
معركة. جنود المملكة يقاتلون مجموعة من الخارجين عن القانون. وفي وسط الفوضى، كانت
هناك عربة مزينة، يحيط بها الجنود لحمايتها. لكن الأعداء كانوا أكثر عدداً،
وتمكنوا من قتل معظم الجنود.
بقيتُ أراقب من
بعيد، دون تدخل… حتى سمعتُ صرخة.
كانت فتاة داخل
العربة. حاول أحد المهاجمين الوصول إليها، فصرخت بقوة.
في تلك اللحظة…
تجمدتُ.
ذلك الصوت…
أعاد إليّ صراخ أمي.
شعرتُ بشيءٍ
ينفجر داخلي. لم أستطع الوقوف مكتوف اليدين. ارتديت قناعي، واقتربت بصمت نحو
العربة.
سمعت أحدهم
يقول:
اخرجي أيتها الصغيرة… ولا تقاومي. "
"
ردّت الفتاة
بصوتٍ مرتجف:
أرجوك… دعني وشأني… لا أريد الذهاب معك. "
"
ضحك الرجل وقال
بسخرية:
" والدك الملك سيدفع ثروةً لمن يعيدك…
ونحن سنأخذها. سنقول إننا أنقذناكِ… رغم أننا من اختطفك. "
توسلت مرة
أخرى، لكن دون جدوى.
حاول بعض جنود
المملكة المتبقين التدخل، لكنهم قُتلوا بسرعة.
وفي لحظات… لم
يبقَ أحد.
سوى الفتاة…
وأولئك الخاطفين...
ثم فجأة هبّت
ريحٌ باردة في المكان، فتراقصت الشعلات في الهواء، وانعكس وهجها بين الأشجار على
جسدي للحظات عابرة. لمح أحد الخاطفين ذلك الوميض، فصاح بصوتٍ عالٍ:
من هناك؟
" "
اقترب وهو يرفع
شعلته نحو الموضع الذي ظهرتُ فيه، لكنني كنتُ قد انتقلتُ بسرعة إلى مكانٍ آخر،
تاركاً خلفي ظلالاً مضلِّلة. ظنّ الخاطف أن ما رآه لم يكن سوى وهمٍ أو خدعة بصرية،
فعاد ليساعد رفيقه في إخراج الفتاة من العربة.
حينها بدأتُ
أعدّهم بهدوء...
سبعة عشر.
كان عددهم سبعة
عشر شخصاً.
تمتمتُ لنفسي
بثقةٍ باردة:
حسناً… يمكنني
أن أقضي عليهم. " "
رغم أنني لم
أكن قد خضت قتالاً مباشراً من قبل، فإنني اعتمدتُ على هدوئي وسرعتي. التقطتُ حصاةً
صغيرة من الأرض، وقذفتها بسرعة خاطفة نحو رأس أحدهم، فسقط فاقداً لوعيه دون أن
يُصدر صوتاً يُذكر. التقطتُ أخرى، ثم أخرى… وواصلتُ رمي الحصى بدقةٍ متناهية،
واحداً تلو الآخر، حتى سقطوا جميعاً، ولم يتبقَّ سوى اثنين.
ساد المكان
هدوءٌ ثقيل، لم يكسره سوى صوت الفتاة المرتجف وهي تصرخ خوفاً.
تبادل الخاطفان
النظرات بقلق، ثم قال أحدهما:
لماذا أصبح المكان هادئاً هكذا؟ أين الجميع؟ اذهب وتحقق.
" "
تحرك أحدهما
بحذر، يتفقد رفاقه، لكنه تجمّد في مكانه حين رآهم جميعاً ملقين على الأرض بلا
حراك. اقترب من أحدهم وهزّه قائلاً:
هي… أنت… استيقظ… ما الذي حصل لك؟ "
"
لكن لم يتلقَّ
أي استجابة.
رفع رأسه ببطء،
وكأن إحساساً غريباً بدأ يتسلل إليه، ثم لمح شيئاً غير مألوف أمامه. رفع شعلته
واقترب أكثر… حتى رآني.
كنتُ أنتظره.
توقّف مكانه،
وحدّق فيّ بذهول، ثم قال:
" من أنت أيها الغريب؟ ما خطب هذا
القناع؟ هل أنت من فعل كل هذا برفاقي؟ "
لم أُجبه.
بقيتُ صامتاً تماماً.
كانت ميرفين قد
حذّرتني مراراً من التحدث مع الغرباء، وأكثر ما شددت عليه هو ألا أنزع قناعي أبداً.
اقترب مني
الخاطف وهو يلوّح بشعلته محاولاً إخافتي، لكنني لم أتحرك. وما إن اقترب أكثر ورفع
شعلته نحوي، حتى انحرفتُ عنها بسرعة، وسدّدتُ له ضربة خاطفة إلى وجهه، فسقط أرضاً
بلا وعي، ليلحق ببقية رفاقه.
لكن رفيقه الذي
بقي كان قد تبعه من الخلف، فرآني أطرح رفيقه أرضاً. كان يحمل الفتاة بين ذراعيه،
لكن ما إن وقعت عيناه عليّ حتى استشاط غضباً وصرخ بقوة.
ماذا فعلت أيها
الغريب؟ " "
ثم أنزل الفتاة
أرضاً، وشهر سيفه في وجهي. كنتُ أعلم أنني في خطر، فأنا لم أتعامل مع السيوف من
قبل. لم يكن لدي سوى حدسي وسرعتي لأُنهي هذا الأمر. اقترب الخاطف مني وبدأ يلوّح
بسيفه بسرعة فاقت توقعاتي، حتى إن نصله كان يمزّق ردائي مع كل ضربة.
أردتُ إنهاء
القتال بسرعة، لكن الفتاة اقتربت منه محاولةً إبعاده عني، فدفعها بقسوة لتسقط
أرضاً. تشتّت انتباهي للحظة، وكانت تلك اللحظة كافية ليباغتني بضربة قاتلة.
تفاديتُها بصعوبة، لكن سيفه أصاب ظهري، فتمزّق ردائي وانكشفت آثار الحروق أمامهما.
تجمّد الخاطف
في مكانه من هول ما رأى، بينما بقيت الفتاة صامتة تحدّق بظهري. لم أضيّع الفرصة،
اندفعتُ نحوه بسرعة، وسدّدتُ له ضربة قوية على رأسه أفقدته وعيه، فسقط أرضاً بلا
حراك.
كانت الفتاة لا
تزال تنظر إلى ظهري، كأنها تحفظ تفاصيل تلك الآثار في ذاكرتها. انتبهتُ لها،
فسارعتُ إلى إخفاء ظهري، ثم تقدّمت نحوها ومددتُ يدي لمساعدتها على النهوض.
" لا تقلقي...
لستُ مثلهم. "
" ش... ش...
شكراً لك على إنقاذي. "
على الرحب
والسعة. هل أنتِ بخير؟
نعم... بفضلك.
" "
" لا عليكِ.
ما اسمك؟ "
أنا لينا...
وأنت؟ " "
أنا... رم...
" "
كنتُ على وشك
أن أُكمل اسمي، لكن صوت الجنود قاطعني وهم يصرخون من بعيد:
أيتها الأميرة!
أيتها الأميرة! أين أنتِ؟ " "
التفتت الأميرة
لينا نحو الصوت لتدلّهم على مكانها، لكنها حين أعادت نظرها إليّ، كنتُ قد اختفيت
بين الأشجار القريبة.
وصل الجنود
مسرعين، وتبعهم الخدم ليطمئنوا على أميرتهم، لكن لينا بدت شاردة... كانت تبحث عني
بين الظلال.
وبعد وقتٍ
قصير، غادرت الأميرة برفقة الحراس نحو مركبة أخرى، واختفى المكان من جديد في صمته.
تنفّستُ بعمق،
وشعرتُ بالارتياح لأن الأمر انتهى أخيراً... لكن شيئاً غريباً بدأ يتسلل إلى داخلي.
لم أشعر بأي
ألم... رغم أن سيفه أصاب ظهري.
أكملتُ
رحلتي، وبعد شهرٍ آخر كنتُ قد أنهيتها وعدتُ إلى ميرفين.