زينمر عالمٌ جديد
عالمٌ جديد
.........
أرين... لا تنزل إلى الأسفل...
قبّلت جبيني قبلةً عميقةً دافئة، شعرت كما لو أن شيئًا
ما يدخل جسدي.
صعدت إلى غرفتي بسرعة وأقفلتُ بابها. جلستُ على السرير
أراقب الباب بينما أعانق كتاب القصص.
حينما كُسِرَ الصمت بصراخ جدّتي:
أرين... أهرب بسرعة...
ثم انقطع صوتها.
ارتعبتُ، لأنها المرة الأولى التي أسمع بها صراخها في
حياتي.
خانني عقلي كما خانني جسدي. لم أستطع الإتيان بأي فكرة
جيدة عما حصل. كانت دموعي تخرج بلا
انقطاع، بينما أكتم صوتي بيدي.
ثم سمعتُ صوتها من جديد:
أرين... حفيدي، انزل إلى الأسفل.
فرحتُ لسماع صوتها مرةً أخرى، وبينما أمسكتُ بمقبض الباب
تذكرت كلامها:
لم تكن جدّتي تقول حفيدي.
أخبرتني أن لا أنزل إلى الأسفل وأنها هي من ستصعد إلى
غرفتي.
هذه ليست جدّتي.
تراجعت خطواتي إلى الوراء، حتى وصلتُ إلى نافذة الغرفة
التي تطل على حديقة المنزل.
فتحت النافذة، لكن كنتُ خائفًا حتى من النظر للأسفل،
فكيف كان لي أن أقفز منها!!
سمعتُ صوت أقدامٍ تصعد إلى غرفتي. كان خوفي يتفاقم وضربات قلبي تتثاقل. كأن الهواء أصبح صلبًا ثقيلًا لا يدخل رئتي،
والوقت بطيئًا كريشة تتساقط من القمر نحو الأرض. مقبض الباب يتحرّك، يدور شيئًا فشيئًا...
لا تخف...!!
صوتٌ ناعم سمعته من قبل، بينما رائحة العبق تملأ رئتي.
كانت زينابا.
ظهرت فجأة، خفيةً كظلٍ بين الظلال، عيونها القرمزيّة
تلمعُ كأنها تجمع كلّ الغموض في الغرفة. أمسكت
يدي، وسرعان ما شعرتُ في التيه والرعب يلتف حولي كضبابٍ أسود. وفي لحظةٍ خاطفة، اختفيتُ معها، وكأنّ العالم من
حولي قد توقّف عن الحركة، تاركًا وراءه صمتًا قاتلًا ونجومًا خافتة تراقبنا بصمت.
فتحتُ عيني ووجدتُ نفسي داخل الغابة. وعندما أشحتُ بنظري
حولي، رأيتُ البحيرة. كانت ذاتها البحيرة
التي رأيتُ عندها زينابا في المرّة السابقة.
كان القلق يعتريني بسبب جدّتي، أردتُ العودة والبحث
عنها، ولكن حينما حاولتُ الخروج، ارتطم رأسي بالهواء أمامي.
ماذا حدث للتو؟
خطوتُ للأمام مجددًا، ولكن رأسي ارتطم ثانيةً...
هل أنا في حلم!!
وضعتُ يدي أتحسس الهواء. كان جدارًا صلبًا غير مرئي.
هل هذا حقيقي؟
سألتُ نفسي باستغراب، بينما ألحق بيدي الجدار الذي
أتحسّسه.
لا أدري المدة التي مشيتُ بها بمحاذاة الجدار، ولكن
التعب قد أرهقني حينها. كان الوقت ليلاً،
والقمر بازغًا.
استلقيتُ بجانب البحيرة في حيرةٍ من أمري، أنظر تجاه
القمر وأتأمل جماله، بينما عقلي منشغل بجدّتي. وبينما كنت أراقب القمر في صمت، لمحتُ شيئًا
فوقي.
دُب…؟؟
فزعتُ ورفعتُ رأسي حتى ارتطم برأسه.
كلانا صرخ كما جرى.
كان دبًّا صغيرًا... بل أقرب إلى لعبة محشوّة، ولكنّه كان حقيقيًا.
كان يمسح رأسه، حتى قال:
"رأسك صلبٌ يا صغير. "
اتسعت عيناي من هول ما سمعت. وحينما رفع الدب رأسه ناحية وجهي، صرخنا في ذاتِ
اللحظة مرة أخرى.
ولكن هذه المرة، كان كلانا مندهشٍ من الآخر.
دب يتكلّم...
"أرين… أنت هنا؟ "
قالها الدبُّ باستغراب، كما لو أنه يعرفني منذ زمن. وأنا… كنتُ على شفير فقدان عقلي، لولا أنني
تذكرتُ قصص جدّتي.
"هل تعرفني يا حضرة الدب؟ "
قال ضاحكًا:
"ومن لا يعرفُك أرين..."
أوه… هل هذا كتاب جدّتك؟
حدّق الدب في كتاب جدّتي، بينما أخفيته وراء ظهري. شعرتُ بالقلق من سؤاله.
هل يريد سرقة الكتاب؟
حينها نظر الدب في عيناي، ولم أنتظر أكثر، حتى بدأت
الركض بعيدًا عنه.
كان يركض بسرعة... سريعًا للغاية، كما لو أنه أكثر من مجرّد دبٍ
عادي.
وقبل أن أبتعد كثيرًا، قفز الدب على ظهري وأخذ يمسك شعري
بيديه القطنية.
"ابتعد عني يا غريب!"
"أعرني كتابك للحظة يا صغير..."
كلانا كان يطلب من الآخر شيئًا واحدًا.
وفي خضم معركتنا اللطيفة، ظهرت زينابا، وهي تضحكُ علينا...
من شدّة جمال صوتها، ارتخت يداي عن الدب. فأخذ مني
الكتاب وفرَّ ناحية زينابا.
كنتُ سعيدًا للغاية لأنني رأيتُ زينابا، والدب كان
سعيدًا لأنه أخذ كتابي.
وفي خضم تلك اللحظة، هطلت دموعي من شدة حزني على جدّتي...
"لا تحزن يا أرين… جدّتك بخير..."
لمعت عيناي بسطوع ضاهى سطوع القمر.
حقًا...!!""
أين هي الآن؟""
ما الذي حدث في المنزل؟
لمَ كانت تصرخ؟
ابتسمت زينابا حتى سمعتُ صوت ضحكها الخافت.
كانت تبدو جميلة للغاية… وكأن الجمال قد تخلّى عن العالم
ليبقى معها.
كانت عيونها القرمزيّة متوهجة... استطعتُ أن أراها عبر قناعها الأبيض.
تخلّى بالقليل من الصبر... سأخبركِ عن جدّتك، ولكن أوّلاً...
أتريد سماع بقيّة القصّة؟
"ماذا!!"
ذات العيون القرمزيّة… تريد أن تروي لي قصّة!!
كانت لحظة أشبه بحلمٍ لم أكن أجرؤ على تصوّره.
"بالطبع… أريد أن أسمع قصّة تحيكها شفاهك."
طلبت من الدب أن يعطيها الكتاب ويجلس أمامها. جلستُ بجانب الدب، بينما كانت هي تجلس على صخرة
بدت أشبه بكرسي من عالمٍ مغاير.
ومن دون انتظار، رفعت الكتاب في الهواء وأمرت أن يروي ما
جرى في حياتها. فجأة، تغيّر لون الكتاب
وتحوّل من اللون القاتم القديم إلى لونٍ تستطيع أن تشتمّ رائحته.
بدا غريبًا...
غريبًا للغاية...
بعد انتهاء الحرب العظمى وانتشار السلام بين الممالك،
عادت الأمور لطبيعتها. ولكن ما بدا أنه
قبل 685 سنة، كان في الحقيقة أقدم بعشرة أضعاف.
خللٌ في السحر جعل التاريخ يضطرب.
كان الكتاب يروي بقيّة القصّة بمشاهده، ولكن الساحرة
كانت ترويها بصوتها. بدا الأمر ساحرًا
لدرجة أن عيني امتنعتا عن التحرك. كانتا
ثابتتين على زينابا، بينما هي تنظر للمشاهد التي تُعرض أمامها.
البطل الغامض...
حينما سمعت هذه الكلمة، جمعت شتات تركيزي لأعرف بقيّة
القصّة.
أكملت زينابا كلامها:
البطل الغامض كانت زينابا… ولكنها لم تكن أنا. كانت جدّتي الكبرى… هي من قضت على الشر في زمن
حكم الطاغية، ثم اختفت عن الظهور بعد الحرب.
سألتها بدهشة:
لم لم تمنع جدّتك الحرب من الوقوع رغم امتلاكها هذه
القوة؟
لم لم تنقذ جدّتك إيناما من سيف حاكم الهجناء؟
لم لم تمنع جدّتك موت الملايين من الأبرياء؟
صمتت زينابا للحظات قبل أن تتابع بصوتها الرقيق:
" ليس من الحكمة أن تستخدم الساحرة ذات
العيون القرمزيّة. سحرها. ففي ذلك تبعاتٌ سلبية على كل شيء. جدّتي التي استخدمت السحر لإنهاء الحرب قد لقت
حتفها. زينابا… رمز للسلام وليست رمزًا للحرب والقتال."
أصاب ثقلٌ كبير قلب جدّتي لأنها رأت موت ملايين
الأبرياء، حتى اتخذت قرارها أخيرًا بإنقاذ ما تبقّى. كان قرارها سبب هلاكها.
شعب العيون القرمزيّة قليلون في العالم. " "
إن استخدمنا سحرنا، ستندثر سلالتنا من الوجود. منذ ذلك الحين… وقد أقسمت من تُختار لتكون
الساحرة ألا تستخدم القوة ضد غيرها.
حينها رفعت زينابا يدها، أمسكت قناعها، قبل أن تزيله
وتكشف وجهها...
لو أن القمر قد سرق جمال الكون،
لما استطاع أن ينافس جمال الساحرة.
كانت جميلة
لدرجة تجعلك تشعر أن قلبك سينبثق من جسدك
مسرعًا.
جميلة لدرجة تشعر أن الورود بدأت تنبت في روحك.
عيناها، التي كانت في غاية الجمال، بدت
أجمل أضعافًا من دون القناع.
أما رمش عينيها، فكان ينافس الريش
خفّةً ورقةً.
وجنتاها بدتا كـقمرين بازغين، أصغر
حجمًا، كأنّ السماء جلست على صدري تمنع النفس
من الحرية، بينما حبال قلبي تعتبر كل نبضة ألمًا.
حينما سقطت عيناي في عينيها،
رأيت كيف تصبح أصغر حجمًا حين تبتسم...
…
…
صمتت للحظات، أم لدقائق؟ لا أعلم.
كان الوقت مضطربًا.
كانت في غاية الروعة، وحينها هبّت رياح
خفيفة جعلت قلنسوتها البيضاء تكشف بعض خصلات شعرها
الرقيق تتطاير بفعل الهواء.
كانت… كانت...
كانت أجمل من أجمل شيء في الكون حينها.
كسر الصمت صوت ذلك الدب الغبي قائلاً:
" إيّاك أن تقول بأنها غير جميلة… انظر لها جيدًا
يا أرين. "
فهذه هي ساحرة العيون القرمزية، الأجمل
على الإطلاق...
كانت صغيرة العمر، تبدو أقرب للطفلة. لم تكن
تكبرني بسنوات كثيرة، بل كانت تمتلك ملامحًا طفولية تذيب القلب
وتحرقه في آنٍ واحد.
حينها انتبهت هي أنها قد كشفت وجهها
لفترة طويلة...
اقتربت مني حتى ملأ عبقها الطيّب
الفراغ بين وجهينا.
حدّقت في عينيّ بينما كانت عينيّ
تغوص في جمال خاصّيتها. ثم
ابتعدت، وابتسمت، قبل أن تضع القناع وترفع قلنسوتها،
كأنها تُخفي سرًّا صغيرًا عن العالم كله...
قالت لي بكلمات أعذب من أعذب مياه:
"… أرين...الولد الشجاع"
"جدّتك بخير… هي في منزل آمن
عند إحدى ساحرات المكتبة.
لا تقلق عليها… ولكنك لن تستطيع رؤيتها قريبًا."
عاد تركيزي بعد أن ضاع لقرونٍ خيالية
بسبب ملامح وجهها الطفولية.
نعم… نعم… جدّتي…
ما بها؟
كنتُ أخرقًا لدرجة أنني نسيت حتى قلقي على جدّتي...
حتى ركلني الدب على قدمي.
""ماذا تفعل يا أرين؟
"حافظ
على تركيزك!"
قالها الدب بغضب.
نظرتُ إلى الساحرة، ثم قالت لي:
"أتعلم من فعل هذا بجدّتك؟"
أومأت برأسي منفيًا.
قالت لي: "إنها مملكة إيلينور."
"ماذا؟"
ولكنها أقسمت على العدل والسلام.
تابعت كلامها بعد أن وضعت أصبعها على شفتيها
فوق القناع، كإشارة لي لأحافظ على صمتي: ثم قالت:
صحيح أن الممالك الخمسة قد أقسموا على
العدل والمساواة، ولكنهم لم يرحموا أي أحد سوى البشر. قتلوا ما بقي من الساحرات
وطاردوهم في كل مكان. وأحرقوا كل كتب
السحر التي عثروا عليها.
أصبح السحر مضطهدًا ومحرّمًا.
أتذكر تلك الحادثة في المكتبة؟"
أجبتها:
"نعم… أذكرها."
قالت:
"قدرتك على استخدام السحر
كانت مفاجئة. فقط الساحرات
يستطعن استخدام السحر، ولكنك اُخترت منذ عهد ميلانور، لهذا يمكنك
استخدام السحر."
" أنا!! "
وضعت يدي على فمي حتى لا أقاطع حديثها
مرة أخرى.
تابعت:
رغم قسم الممالك على العدل والسلام،
إلا أن جشعهم وحقدهم كانا أكبر من طيلة قلوبهم.
حاولوا قتل جدّتك لأنها ساحرة...
ولكنني أنقذتها في اللحظة الأخيرة،
وجعلتها ضيفة عند إحدى الساحرات اللطيفة
اقتربت مني ثانية، ووضعت يديها على كتفي.
أنتَ يا أرين… هو من تقصده النبوءة القديمة.
نبوءة همس بها القمر لـ أيناما
قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة...
أنتَ من سيجلب العدل للعالم أجمع.""
ابتعدت زينابا نحو الخلف، بينما كان جسدها
يختفي شيئًا فشيئًا.
وقبل أن تختفي كليًا، قالت:
"سيعلّمك الدب ما تحتاجه، وأنا
سأراقبك عن قريب..."
كنتُ أنظر إلى الدب باستغراب، وأسأل
نفسي:
"كيف لهذا الدب أن يكون معلمي؟"
قال لي بصوت هادئ وعميق:
"لا تتذاكى يا صغير، فأنا ذو شأن عظيم. "
هل يسمع ما أفكر به؟!
كنتُ أتأمل ملامحه...
كان دمية، ولكنه حقيقي، فراؤه، عيونه،
تضاريس أنفه.
سألته بتردد:
"كيف يُعقل أن تكون مثلي… حقيقي؟"
أجابني بثقة عمياء:
""لا تنصدِم يا صغير، ولكني ذو شأن
عظيم.
في داخلي عالمٌ مليء بالسحر.""
ثم رفع يده اللطيفة وأطلق وميضًا
ساطعًا.
لمعت عيناي كعادتها، كما لو أنني خلقت
في ذات اللحظة.
أحنيت رأسي أمامه، ويدي بمحاذاة جسدي، وصرخت بثقة:
"أرجوك يا معلمي.… علّمني كل ما
تعرف"
ضحك الدب ساخرًا، بينما رفع رأسه نحو السماء،
وكأن هذه اللحظة كانت أعظم من حياة هذا الدب بأكملها...
ثم انقضت الليلة بسرعة أو ببطء. لا أعلم كيف أصف الأمر
ولكن كل شيءٍ منطقي في العالم يكون نقضيه داخل هذه الغابة.
الوقت، الجوع، العطش، الحياة، و الموت...
في الصباح التالي، طلب مني الدب
أن أتّبعه. لم يخاطبني بكلمة طوال الطريق. كنّا نسير فقط في خط متعرّج...
حتى وصلنا إلى بحيرة مختلفة،
تعجّ بالألوان، كأنّ السحر يملأها.
وهناك...
غزلان صغيرة بقرون مضيئة، تلعب فيما بينها، بينما عصافير غريبة...
لا، لم تكن عصافير، بل كانت جنيات!!
صرختُ مذهولًا من رؤيتها، حتى باغتني الدب
بضربة على رأسي، دفنت وجهي في التراب:
"أول درس لك يا صغير، أن تتخلّص من غبائك
الشديد."
ارتعَبت المخلوقات من وجودي، وهربت نحو الغابة.
تقدّمت مع الدب نحو البحيرة، حتى
فاجأني بطلبه...
"اشرب من الماء يا أرين… وسترى حينها حقيقة ما حولك."
دون أي تردد أو سؤال نفسي عن علاقة ماء البحيرة
بالحقيقة وضعت رأسي حتى اختلّ توازني، وسقطت داخل البحيرة.
لم أكتفِ برشفة واحدة… بل ابتلعت ما
استطاعت معدتي تحمله من الماء.
وفي لحظات قليلة، بدأ وميض ساطع يخرج
من قلبي. سرعان ما فتحت عيني،
ورأيت أن ما بدا كبحيرة عادية ساكنة، ميّتة… قد تحول إلى عالم آخر، خفي عن
الواقع.
لم تنتابني أي رغبة في استنشاق الهواء... بل كانت دهشتي كفيلة بأن
تفقدني الإدراك بحواسي.
حيتان عملاقة تسبح في سماء البحيرة... كائنات خيالية قرأت عنها في كتاب جدّتي...
كلها كانت حقيقية.
شلالات تهبط من السماء… وكواكب يصل صريرها
إلى مسامعي...
صوت غناء عجيب يطرب أذني، ولمّا بحثت بعيني جيّدًا، وجدت
من يصدر هذه الأصوات...
كانت… لا أعلم ما هي على وجه اليقين، ولكنها كانت سلالة
لطالما سيطر علي الغموض تجاهها... كانت سلالة فتيات القمر، سلالة
عريقة عُرفت بغنائها الطربي... قيل إن
سماع غنائها له قدرة شفاءٍ عجيبة.
أردت اكتشاف المزيد عن العالم حولي، ولكن الدب
قد سحبني من ملابسي:
" تتنفّس
يا غبي..."
حينها بالكاد دخل الهواء جسدي... كنتُ
سألقى حتفي من شدّة دهشتي.
لقد انتهى درس اليوم،لقد
تعلّمت أكثر مما تحتاج. ""
تذكّر يا أرين أن الشهور
القادمة ستكون قاسية وطويلة... ولكنك أمل العالم...
"أرين… أيها المقاتل النبيل..."
اجعل سيفك رمزًا لحكمتك، وقلبك
رمزًا لعدلك." "
ألقى علي الدب حينها خطابًا
لم يصل إلى أذني.. بل اخترق قلبي، وحُفرت حروفه
على جدرانه...
لا أعلم كم مرّ من الوقت… كل شيء هنا غير منطقي.
تدريبي مع وحوش الغابة...
تحليقي مع طيور ظلّ أجنحتها كان يحجب نور
الشمس عن قرية بكاملها...
ها أنا الآن، بعدما اشتدّ ساعدي وتغيّر
جسدي ليصبح صلبًا وقويًا، منيعا لقوى الشر.
قاطعني الدب تأمّلي حين ظهر أمامي:
والآن يا أرين… بعد مرور ثلاثة عشر سنة
قد اكتمل تدريبك.""
"أنت الآن شعلة لن تنطفئ أمام أقسى الرياح. أنت الآن رمز
الأمل لجميع الأجناس دون استثناء."
ثلاثة عشر سنة… ها… مرّت ببطء شديد.
نسيت عدد المرّات التي كنت قريبًا فيها
من الموت.
أو عدد المرات التي تسمّم بها جسدي نتيجة السحر الكامن داخله.
أو عدد الجروح التي سبّبتها الوحوش
التي كانت تنافسني...
ولكنني ما زلت حيًّا." حيٌّ بعد كل هذه المدة"
كنت أتحدث مع نفسي… حتى قاطعني الدب
ثانية حين لمس يدي
يبدو أنني أصبحت أطول من أن يصل لي...
لم أرَ جدّتي لثلاثة عشر سنة،
ولا حتى زينابا...
يا ترى كيف أصبحت الآن؟
تبًا…
كنت أتحدث مع نفسي من جديد، حتى قاطعني الدب:
"يبدو أنك ما زلت وقحًا
كعادتك."
أنسيت أنني أقرأ أفكارك أم نسيت أنني
أستطيع أن أضخّم جسدي؟"
حينها كبر حجم الدب حتى أصبح كجبل
عظيم أمامي، وصرخ بصوت شديد كاد أن يمزّق كل أذني… قبل أن يعود إلى شكله
الصغير.
والآن… هيا أرين بإمكانك الذهاب لرؤيتها فهي تنتظرك." "
فجأة...عادت الحياة لي و سأراها
من جديد...
ذات العيون القرمزية....
سأرى زينابا.
كنت قد بدأت أفقد ملامحها من ذاكرتي...
ولكن طوال ثلاثة عشر سنة،
لم أتخط يومًا دون ذكر اسمها، أو دون أن أضيع في عبقها
الناعم.
"أين هي الآن يا دب؟"
"ستجدها في المكان الذي بدأ عنده كل شيء..."
البحيرة...
كانت المكان الوحيد
الذي دار في عقلي... توجّهت مسرعًا نحو
وجهة واحدة.