خلف الباب الأبيض | أعماق المفتاح
أعماق المفتاح
.........
وقف مايكل أمام الدرج الحجري الذي انشقّ من قلب الأرض، يتصاعد منه نور أزرق بارد، كأنه يتنفس ببطء.
ظل للحظات لا يتحرك.
الصمت من حوله لم يكن طبيعيًا… لم يكن مجرد غياب للصوت، بل حضور لشيء خفي، شيء يراقب، ينتظر.
نظر خلفه.
السماء البنفسجية، التماثيل، الأطلال… كل ذلك بدا بعيدًا فجأة، كأنه ينتمي لعالم آخر، عالم سطحي مقارنةً بما يكمن تحت قدميه.
ثم عاد بنظره إلى الدرج.
> “لو نزلت… مفيش رجوع.”
لم تكن فكرة… كانت إحساسًا.
قبض على يده دون أن ينتبه، فومضت العلامة الزرقاء على كفه بخفوت، كأنها ترد عليه.
ابتلع ريقه.
ثم… خطا.
مع أول درجة، تغيّر كل شيء.
اختفى الهواء المفتوح، وحلّ مكانه برودٌ كثيف، يلتف حول جسده ببطء. كان الضوء الأزرق يتسلل من الأعماق، لكنه لا يكشف الطريق بالكامل… فقط ما يكفي ليجعلك تستمر.
خطوة.
صدى خافت ارتد من الجدران.
خطوة أخرى.
الصوت تكرر… لكن أبطأ.
توقف.
رفع رأسه قليلًا.
الصدى لم يكن مطابقًا.
كأن هناك خطوات أخرى.... تتأخر عنه بنبضة.
تسارعت أنفاسه، لكنه لم يلتفت.
واصل النزول.
الدرج طال.
أكثر مما ينبغي.
دقائق… أم ساعات؟ لم يعد يميز.
الجدران من حوله بدأت تضيق تدريجيًا، والنور الأزرق صار أضعف، حتى أصبح مجرد خيط باهت يرسم حواف الدرجات.
مرر يده على الجدار.
كان باردًا… لكن ليس صامتًا.
شعر باهتزاز خفيف، كنبض بعيد.
توقف مرة أخرى.
ووضع كفه كاملًا على الحجر.
للحظة…
خُيّل إليه أن الجدار استجاب.
سحب يده بسرعة.
“المكان ده… عارفني.”
الفكرة خرجت منه دون أن يقصد.
ابتسم ابتسامة متوترة، كأنه يسخر من نفسه… ثم واصل النزول.
وفجأة! انتهى الدرج.
اتسعت المساحة أمامه دفعة واحدة.
تجمد
كان يقف على حافة قاعة هائلة، تمتد في الظلام بقدر ما تسمح له عيناه برؤيته. أعمدة شاهقة ترتفع إلى سقف لا يظهر، وأرضية ملساء محفور عليها دوائر معقدة، تتقاطع بخطوط زرقاء متوهجة، تنبض بإيقاع بطيء… نفس الإيقاع الذي شعر به في الجدار.
خطا خطوة للأمام.
الصوت هنا مختلف.
أثقل، أعمق.
كأن الأرض تحتفظ بكل أثر.
رفع بصره.
على الجدران، امتدت نقوش لا نهائية، متشابكة، أقدم من أن تُفهم… لكنها مألوفة بشكل مزعج.
اقترب.
مد يده.
وما إن لامست أصابعه الحجر
اهتز الضوء.
تحركت النقوش.
تراجَع خطوة، لكن عينيه لم تفارقا الجدار.
الخطوط بدأت تنزلق فوق السطح، تتجمع، تتفكك… ثم تحولت إلى مشاهد.
رأى أشخاصًا… يقفون في دوائر مثل تلك المرسومة تحت قدميه.
أيديهم مرفوعة… وعلامات مضيئة على كفوفهم.
بوابات تُفتح.
عوالم تتصل.
مدن تزدهر.
ثم… اهتزت الصورة.
تحولت.
ظلال عملاقة تعبر السماء.
نفس المخلوق المجنح… لكن بأعداد.
النور يتحول إلى فوضى.
دوائر الطاقة تنكسر.
بوابات تنهار.
صرخات.
ثم… ظلام.
اختفت الصور فجأة.
وعاد الجدار كما كان.
وقف مايكل مكانه، أنفاسه متقطعة.
“إيه اللي حصل هنا…؟”
لم يكن يتوقع إجابة.
لكن داخله… بدأ يفهم.
جزء صغير… مرعب.
ابتعد ببطء.
وعيناه تمسحان القاعة.
وهنا لاحظها.
أثر… ليس قديمًا.
خدش حديث على الأرض.
اقترب.
ثم رأى شيئًا آخر.
قطرة… داكنة.
جف حلقه.
“دم…؟”
تتبع الأثر بعينيه، حتى لمح شيئًا صغيرًا عند حافة إحدى الدوائر.
انحنى.
التقطه.
قطعة قماش ممزقة.
تعرف عليها فورًا.
جزء من قميص جاك.
اشتد قبضه عليها.
“هو هنا…”
الكلمات خرجت همسًا.
أمل… وخوف.
لو كان هنا… فأين هو الآن؟
تحرك نحو مركز القاعة.
شيء ما كان يجذبه.
لم يكن قرارًا واعيًا.
كل خطوة تقرّبه… كانت تبدو وكأنها مكتوبة مسبقًا.
حتى وقف داخل أكبر دائرة.
تحت قدميه، بدأت الخطوط الزرقاء تضيء أكثر.
ثم أكثر.
تراجع غريزيًا
لكن العلامة على كفه اشتعلت.
ضوءها أصبح أقوى، نابضًا، يتزامن مع الأرض.
ارتفعت حرارة غريبة في يده، كأن شيئًا يحاول الخروج من تحت جلده.
“إيه ده…؟”
لم يكن صوت سؤال… كان صوت إدراك متأخر.
فجأة
انفجرت الدائرة نورًا.
ابتلعه الضوء.
اختفى المكان.
اختفت القاعة.
اختفى كل شيء.
وقف.
لكن ليس في نفس المكان.
كانت القاعة… نفسها.
لكن مختلفة.
مضيئة.
حية.
الأعمدة سليمة.
الدوائر مشتعلة بالكامل.
وأمامها
شخص.
واقف في المركز.
ظهره له.
يتحرك بثقة… كأنه ينتمي هنا.
اقترب مايكل خطوة.
“مين…؟”
الشخص لم يلتفت.
رفع يده.
وعلى كفه
نفس العلامة.
لكن أقوى… أعمق… كأنها جزء منه، لا مجرد نقش.
ثم
التفت.
وتجمد مايكل.
لأن الوجه…
كان وجهه.
لكن ليس هو.
أكبر.
أهدأ.
وعيناه تحملان معرفة… لم يعشها.
فتح فمه… لكنه لم يستطع الكلام.
أما الآخر…
فاكتفى بالنظر إليه.
نظرة واحدة.
ثم مد يده نحو الهواء
وانفتحت بوابة.
ابتلع الضوء كل شيء من جديد.
عاد.
سقط على ركبتيه داخل القاعة.
يلهث.
قلبه يكاد ينفجر.
نظر إلى يده.
العلامة ما زالت تضيء… لكن أضعف.
“ده أنا…؟ ولا… مين؟”
صوته خرج مكسورًا.
ثم
خطوات.
هذه المرة… واضحة.
ليست صدى.
رفع رأسه ببطء.
ومن بين الأعمدة، في عمق القاعة…
ظهر ظل.
ثم صوت.
هادئ… لكنه ثقيل.
كأنه يعرفه منذ زمن طويل.
“تأخرت يا حامل المفتاح…”
وتجمد مايكل في مكانه.
لأنه أدرك فجأة…
أن هذا العالم…
لم يكن ينتظره ليصل.
بل لأنه…
عاد.