سارة ضد سوريسوس | روايه سوريسوس
سارة ضد سوريسوس
.........
نظفت سارة غرفة الجلوس و أعادت تنظيمها لتكون مثل حالتها السابقة، و عندما عاد والداها لم تخبرهم بما حدث فقد اختارت أن تحتفظ بكل ذلك لنفسها، في الوقت الحاضر على الأقل، فتصرفت معهما بشكل طبيعي و كأن شيئا لم يحدث، و في نفس تلك الليلة استلقت في فراشها و هي تفكر في ما حدث و ما سيحدث، لقد أحست بأن ما عاشته في ذلك اليوم أقرب منه للحلم من الواقع، بداية من المشعوذة الغريبة و وصولا لسوريسوس الذي يمثل أساس كل مشاكلها، كما أنها فكرت مجددا في معنى تلك الكلمات و تساءلت عن السبب الذي جعل ياسمين تكتبها. كانت قد سهرت لوقت متأخر، و كان عقلها قد انشغل بالتفكير في الكثير من الأشياء في نفس الوقت، حتى إذا غلبها النعاس و أحس جسدها بدفء فراشها كانت قد أغمضت عينيها و استسلمت لنوم عميق.
في اليوم التالي قضت سارة معظم اليوم في غرفتها، كانت لا تزال تفكر في ما حدث معها و لاتزال تبحث عن حل للتخلص من لعنتها البائسة، حتى أنها فكرت في العودة للطبيبة النفسية لعلها تساعدها على إيجاد حل نهائي، لكنها ترددت في الإتصال بها، و ترددت في البوح لها بالأشياء الغريبة التي حدثت معها، فهي على الأغلب لن تصدقها، و ربما ستشخص حالتها بالجنون، فاتخذت قرارها بعدم الإتصال بها، و الحل الوحيد الذي توصلت إليه هو أن تبقى حبيسة غرفتها، فبهذه الطريقة ستضمن بأن لا أحد سيتأذى بسببها، لكن ما لم تفكر فيه هو ماذا ستفعل عندما يستيقظ سوريسوس مجددا، فهو قد أخبرها بأنه لن يتوقف عن القتل، و هي مدركة تماما بعجزها في الوقوف في وجهه، و بسبب كل تفكيرها المفرط كانت قد نسيت بأن موعد استيقاظه سيكون بعد بضع ساعات لا غير، و هي ليست مستعدة بعد لمواجهته و مواجهة ما يستطيع فعله.
كانت قد خلدت للنوم بعد أن غاص عقلها في الأفكار الكثيرة التي شوشته و أرهقته، و أثناء صمت اليل، و داخل ظلام غرفتها، انقضت الدقائق تباعا.. ساعة بعد ساعة.. ثم.. رن المنبه دون توقف، و استيقظ سوريسوس المتعطش للموت، فتسلل داخل عقل سارة ليحول حلمها لكابوس، و ليوقظها بأسوأ طريقة ممكنة. فنهضت سارة فزعة، تتخبط في العرق، و تعاني من صداع متصاعد، فمدت يدها بسرعة للدرج بجانب سريرها و أخرجت المنبه الذي أصبح صوته بالنسبة لها من أبشع الأصوات التي ستكرهه لمدى حياتها. كانت الساعة تشير لمنتصف الليل.. مثل العادة، لكن ما جعلها تشعر بالغرابة هو أنه لا يزال بلا بطاريات فلم تفهم كيف عاد للعمل. لم تفكر سارة طويلا فأطفأته و أعادته لنفس الدرج و أغلقت عليه بإحكام فهي لم ترغب في النظر إليه، ثم قفزت من فراشها و ضغطت زر الإنارة، فذلك الظلام غرس داخلها شعورا بعدم الإرتياح و أعاد لذهنها كل الأشياء السيئة التي حدثت لها، و لأنها لم تستطع الخلود للنوم مجددا فقد جلست على حافة السرير تنتظر بصبر ساعات الليل المتبقية حتى تنقضي، و ربما كانت تأمل أيضا بأن يزول القلق الذي يتضاعف داخلها تدريجيا، رغم أنها تعلم مسبقا بأنه لن يزول.
مر الوقت ببطء ليحرم سارة طعم الراحة و ليمنحها في المقابل الكثير من الصمت و الهدوء حتى تتمكن من التفكير دون ضوضاء لتشوش على عقلها، و ما أن اقترب الليل من إعلان نهاية مناوبته و بدأ الظلام يضمحل شيئا فشيئا كانت سارة قد سمعت وقع خطوات خارج غرفتها، ثم سمعت دقات خفيفة و قد انفتح الباب إثر ذلك ببطء، و بعد أن ظلت لوقت طويل جالسة في نفس الوضعية و لم تتحرك قيد أنملة كانت قد أدارت رأسها نحو الباب فرأت أمها و هي تحمل في يدها كأسا من الماء.
- لقد كنت أحضر كأسا من الماء لأبيك حينما رأيت الضوء المنبعث من داخل غرفتك.
قالت سارة بصوت متعب:
- لم أستطع النوم.
- لماذا؟.. هل أنت مريضة؟
- بعض الكوابيس لا غير، سأكون بخير.
فتقدمت الأم للأمام و هي تقول:
- خذي اشربي بعض الماء فهو سينعشك.
فأدارت سارة رأسها و قالت بغضب متصنعة الانزعاج، فقد خافت أن يختار سوريسوس أمها كضحيته التالية:
- لقد أخبرتك بأنني سأكون بخير، لذا يمكنك العودة لغرفتك الآن.
في تلك اللحظة أحست سارة بجسدها يتجمد، تماما مثل المرات السابقة، عندئذ التفتت بسرعة نحو أمها و قد دب في قلبها خوف شديد، و ما أن رأتها واقفة بلا حراك، متصلبة الجسد، عرفت بأن شيئا سيئا سيحدث و أن سوريسوس قد اختار بالفعل ضحيته التالية، فصاحت:
- أرجوك توقف، لا تؤذي أمي.
لكن لا يبدو أن سوريسوس قد اكترث لما تقوله سارة و استمر في مبتغاه الخبيث، فقد فتحت الأم أصابعها فسقط الكأس و انكسر، ثم جثت على الأرض و حملت من الكأس المحطم قطعة كبيرة حادة، و بعد أن التفتت نحو سارة بدأت برفع يدها نحو رقبتها، و ذلك لتشهد على موتها و لتستمتع بمشاهدتها و هي تنحر عنقها أمامها. لم تكن سارة رغم الابتسامة التي ارتسمت على وجهها راضية بالمصير الشنيع الذي رسمه سوريسوس لأمها، فتوسلت مرارا و تكرارا طلبا للرحمة و قد غلبتها عاطفتها نحو أمها فنزلت دموعها لتحرق تلك الإبتسامة الزائفة، لكن هيهات فقد استمر سوريسوس بتجاهلها، و استمرت أمها في تحريك يدها فلم يعد يفصل بين قطعة الزجاج و رقبتها سوى مليمترات قليلة، عندئذ صرخت سارة بأعلى صوتها، مستغلة كامل طاقتها و كل مشاعرها في محاولة يائسة لتحريك جسدها، لمقاومة جنون سوريسوس و لتمنعه من إرتكاب جريمة أخرى، و في تلك اللحظة الحاسمة التي تفصل بين الحياة و الموت تمكنت سارة بصعوبة من تحريك أحد أصابع يديها، و إن كانت مجرد حركة بسيطة فقد كانت كافية لتشتت سوريسوس و تنقذ أمها، و بدل عنق منحور و موت شنيع كانت النتيجة خدش بسيط و فرصة أخرى للحياة.
ما أن تحررت سارة من تأثير سوريسوس، للوقت الحالي على الأقل، فقد سارعت نحو أمها لتطمئن عليها، و قد كانت تتجنب النظر في عينيها خوفا من أن يتكرر ما حدث منذ قليل، و على ما يبدو أن أمها لا تتذكر ما حصل معها، فقط أنها قد فتحت الباب لتتفقد سارة، لكن بعد ذلك فذاكرتها خالية تماما مثل صفحة بيضاء. ففكرت سارة سريعا لتبرير ما حدث، خاصة و أن أباها قد دخل للتو و هو يتساءل عما حصل، و ما أن خطرت ببالها الفكرة المثالية لتخرج نفسها من هذه الورطة حتى وضعت يدها فوق عينيها و قالت:
- لقد فقدت أمي وعيها فجأة و سقطت على الأرض.
فقال الأب بإستغراب و هو يساعد زوجته على الوقوف:
- و أنت.. لماذا تغطين عينيك هكذا؟
- إن عيناي تؤلمانني و لا أتحمل النظر و ضوء الغرفة مشتغل، لكن لا تقلق علي.. خذ أمي لفراشها حتى تستلقي و ترتاح و أنا سأتمدد بدوري في فراشي لأنام قليلا.
خرج الأب من الغرفة برفقة زوجته، و بعد أن أطفئ نور الغرفة التفت لسارة و قال:
- اخلدي للنوم الآن، و في الصباح ان لم تشعري بالتحسن فسآخذك للطبيب.