اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

رواية سوريسوس | الشيطان الذي يعيش بداخلي (1)

جاري التحميل...

الشيطان الذي يعيش بداخلي (1)

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

كانت سارة تقف في غرفة الجلوس، بمفردها، حافية القدمين، و قد كان الماء البارد المنتشر في أرضية الغرفة قد أشعرها بالقشعريرة. كانت قد أدركت على الفور بأنها قد نجحت في الإنتقال إلى داخل عقلها، أو إلى مركز اللاوعي الخاص بها كما أخبرتها ياسمين، لكنها لم تشعر بأي اختلاف، فقد بدا لها كل شيء واقعيا و كأنها لا تزال في العالم الخارجي. كانت قد نظرت حولها فلاحظت بأن الغرفة خالية تماما من الأثاث، فقط الجدران التي تحيط بها من كل مكان. ثم .. فجأة، أدركت أنها بمفردها، و أن ياسمين ليست موجودة معها، فتحركت بحذر خارج الغرفة و هي تنادي بإسمها، و ما أن عبرت خارج الباب حتى لاحظت بأن الماء منتشر في كل مكان، و أن كامل المنزل فارغ و خال من الأثاث تماما مثل غرفة الجلوس. كانت قد اتجهت للمطبخ حيث سمعت صوت الحنفية مفتوحة، و بعد أن أغلقتها بإحكام توجهت نحو الحمام و فعلت نفس الشيء مع الحنفية الموجودة هناك. كانت قد بحثت في جميع الغرف و لم يبقى سوى غرفتها، هذا دون أن تعثر على ياسمين.
فتحت سارة باب غرفتها و دخلت، كان الماء قد تسلل إلى داخلها أيضا، و كانت خالية تماما من أي أثاث، عدى تلك المرآة المعلقة في الحائط فقد بقيت في نفس المكان و لم تختفي مثل كل شيء آخر. اقتربت ببطء و نظرت إلى نفسها، فتفاجأت بأن شعرها عاد طويلا كما كان و أن الجرح الذي برأسها قد اختفى تماما، لكنها عندما رفعت يديها و لمست شعرها و تحسست قمة رأسها كان شعرها لا يزال قصيرا و كان الجرح لا يزال موجودا. نظرت إلى نفسها في المرآة مجددا، مستغربة من عدم تطابق صورتها المنعكسة أمامها بها، و كأنها تنظر لشخص آخر يشبهها. كانت قد فتحت فمها، حركت لسانها، غمزت بعينيها، و فعلت الكثير من الأشاء الأخرى المشابهة للتأكد بأنها تنظر لإنعكاسها، فأحست بنوع من الإرتياح عندما لاحظت بأن الحركات كانت متزامنة و متطابقة. 
استمرت في التحديق في نفسها لوهلة من الزمن ثم استدارت لتغادر، لكنها ما أن تجاوزت باب الغرفة حتى سمعت صوتا ينادي عليها:
- سارة، لا تذهبي.
 كان صوتا خافتا أشبه ما يكون بالهمس، و كان قادما من داخل الغرفة، فالتفتت على الفور فكانت الغرفة لا تزال خالية و كانت هي لا تزال بمفردها، فدخلت و عادت لتقف أمام المرآة لكنها لم تلاحظ أي اختلاف أو تغيير في ما تراه، و عندما أرادت أن تستدير و تغادر لم تستطع أن تتحرك، فقد تجمد جسدها بالكامل، تماما مثل المرات السابقة التي انتهت بموت أصدقائها. كانت سارة ستفزع و تشعر بالخوف، و كانت كل تلك الذكريات السيئة التي عاشتها ستعود مع بعضها البعض مرة واحدة لتتراكم داخل رأسها، لكنها في تلك اللحظة تشتت بما رأته أمامها، فرغم أنها لم تقم هذه المرة بأي حركة بوجهها إلا أن وجهها المنعكس في المرآة كان يحرك شفتيه بطريقة غريبة و كأنه يريد فتح فمه لكن لم يستطع.. و في لحظة غير متوقعة، تحركت الشفتان لتظهر ابتسامة غريبة و مخيفة، و بعد أن كانتا مغلقتان و ملتصقتان انفصلتا لتظهر خلفها أسنان لا يمكن أن تكون بشرية، فقد كانت حادة و مسننة، و كان عددها كبيرا لدرجة أنها كانت متراصفة فوق بعضها البعض، فنمت في كل مكان حول لثتها ليظهر الفم بذلك الشكل البشع و المقزز. و إن كانت سارة لم تتوقع أن يسوء الأمر أكثر بعد أن تحول إنعكاسها في المرآة ليظهر بذلك الشكل المخيف، فقد أعادت التفكير ما أن رأت تلك اليدين التابعة لإنعكاسها و قد تحركتا بسرعة فعبرتا من خلال المرآة و سحبتاها معها إلى الداخل.
كانت سارة تقف في نفس الغرفة لكن في الجهة الأخرى من المرآة، و أمامها، و على بعد خطوات قليلة فقط، رأت ما كان منذ لحظات قليلة فقط مجرد صورة لإنعكاسها، أما الآن فهي تقف أمامها كإنسان حقيقي مثلها، و كفتاة نسخة طبق للأصل منها، و فيما كانت نظرات سارة قلقة و خائفة فقد كانت نظرات شبيهتها باردة و مرعبة. مرت الثواني الأولى بطيئة للغاية حيث كانتا تنظران لبعضهما البعض دون أن تبادر أي واحدة منهما بقول أو فعل أي شيء، ثم.. انكسر الصمت عندما تكلمت الفتاة الغريبة، و رغم أن صوتها الآن قد أصبح أوضح بكثير إلا أنه ظل شبيها بالهمس.. بل أقرب ما يكون إلى شخص مصاب بإلتهاب في الحلق فتخرج الكلمات من فمه بصعوبة.
قالت الفتاة، و قد كانت شفاهها فقط ما يتحرك من كامل جسدها:
- أخيرا نحن نلتقي وجها لوجه، أنت و أنا.. لقد جمعنا القدر و قربنا الموت..
أحست سارة بخوف شديد بعد أن سمعت هذه الكلمات، و في لحظة واحدة أصبح كل ما تفكر فيه هو الهرب فنظرت حولها بحثا عن الباب.. لكنها لم تجد أي باب، فقط جدران إسمنتية صلبة ذات لون أبيض باهت، فخطرت ببالها المرآة و فكرت أن تحاول العبور من خلالها، رغم أنها لم تكن متأكدة إن كانت ستنجح في ذلك أم لا، لكن في الحظة التي استدارت فيها للخلف كانت المرآة قد تشققت و انكسرت، و فيما اهتز جسدها من صوت الإنكسار، و تشوشت أفكارها بعد أن خسرت ما اعتبرته المخرج الوحيد الذي تستطيع الهرب من خلاله، تكلمت الفتاة مجددا:
- لا يمكنك المغادرة الآن، فنحن قد التقينا للتو.
كانت سارة لا تزال تنظر للخلف و لم تتحرك، حيث أنها قد استدارت فقط بنصفها العلوي من جسدها.
 فتحدثت الفتاة مرة أخرى:
- لا داعي للخوف مني فأنا لن أقوم بإيذائك.. أنا أسعى لحمايتك، فليس من مصلحتي أو مصلحتك أن يحدث لك ما يهدد حياتك. 
استدارت سارة ببطء، فرغم أنها لا تزال خائفة فقد أيقنت أنه لا مهرب أمامها من هذه المواجهة، و إلى أن تتمكن من الهرب و النجاة بحياتها، أو حتى تأتي ياسمين لإنقاذها، فهي يجب أن تستجمع شجاعتها و أن تتحلى بالصبر، و ما أن التفتت و التقت نظراتهما مجددا حتى تكلمت الفتاة للمرة الثالثة:
- نحن يجب أن نتحدث، فأنت أيتها الفتاة صغيرة.. لا تملكين أي فكرة عما يحدث حولك، أو عن مصدر الخطر الحقيقي الذي يهدد حياتك و يرغب بموتك.
قالت سارة باستغراب، مترددة:
- أنت هي اللعنة التي وضعتها ياسمين بداخلي، أليس كذلك؟
- أجل.
- من تحاولين خداعه إذن؟، ألست أنت من يرغب بموتي؟
- هذا فقط في البداية، لكن الآن اختلف الأمر.
- اختلف.. كيف؟
فاقتربت منها الفتاة، و قالت بعد أن رفعت كلتا يديها و وضعتهما على كتفيها و أمسكتها بإحكام:
- لأنك مميزة
- مميزة.. كيف؟
فقالت الفتاة و قد سحبت سارة نحوها:
- هل تعلمين لماذا فشلت في قتلك في ذلك اليوم رغم أنك كنت تحت سيطرتي بالكامل؟، و الأهم من هذا هل تعلمين لماذا تركتك تعيشين و لم أحاول قتلك مجددا؟
صمتت سارة لتفكر و كانت قد أدارت وجهها بعيدا، فهي لم تطق النظر لتلك العينين البائستين، كما أنها لم تتحمل أنفاسها الثقيلة و الكريهة التي عكرت نقاء الهواء من حولها، ثم.. عندما لم تجد الإجابة المطلوبة قالت بتردد دون أن تلتفت نحوها:
- أنا.. أنا.. لا أعلم..
فقالت الفتاة:
- سأخبرك لماذا.
ثم تركتها و تراجعت إلى الخلف، و ما أن عادت سارة لتنظر نحوها أكملت حديثها، فقالت:
- في ذلك اليوم كنت قد خططت لكل شيء و كتبت كل التفاصيل التي ستقود في النهاية إلى موتك، و حتى آخر لحظة كنت متأكدا بأن نهايتك ستكون على يدي، لكن ما حدث تاليا كان قد فاجأني تماما، و السعادة التي أحسست بها في ذلك الوقت تجاوزت كل السعادة التي أحسست بها خلال سلبي لجميع أرواح ضحايايا السابقين مجتمعين. فأنت.. خلال ما يفترض أنها لحظاتك الأخيرة، و رغم أن جسدك كان تحت سيطرتي بالكامل، أنت.. بطريقة ما.. بالكاد تمكنت من تحريك قدمك اليسرى قليلا للخلف، و رغم أنها حركة بسيطة إلا أنها كانت كفيلة من تخفيف قوة الصدمة و بالتالي تفادي موت محتم. لقد تصرف جسدك من تلقاء نفسه و إستطاع التمرد علي و كسر سيطرتي المحكمة عليه، و لأنني أتشارك معك أفكارك و أحاسيسك فقد أدركت بأن رغبتك في العيش أقوى بكثير من رغبتك في الموت، و هذا ما حفز كل مشاعرك القابعة في جوفك، فتحركت.. و تضاعفت.. و انفجرت، لتجبر بذلك جسدك على التحرك لحمايتك.
لقد فكرت مليا، فهذا الشيء لم يحدث معي من قبل، و ربما لن يحدث مجددا، و بالتالي فأنا لن أحضى بمثل هذه الفرصة النادرة للفوز بهذا الجسد الذي استطاع أن يستوعب وجودي بداخله، و الذي يجسد حرفيا الطريقة المثالية لإستمرار تدفق السعادة لنفسي دون توقف، و بدل أن أقتلك.. لأن قتلي لك يعني إختفائي و اختفاء قوتي، قررت الإحتفاظ بك، فمن خلالك أنا أستطيع التمتع بقتل الآخرين، و أستطيع النجاة من خلال التغذي على مشاعرهم و طاقاتهم، هذا دون اللجوء إليك أنت كمصدر لتغذيتي، و بهذه الطريقة سنكون نحن الإثنان على قيد الحياة دون الحاجة لإيذاء بعضنا البعض.
قالت سارة:
- فقط لنكون واضحين، أنت تريدين أن تستغليني لقتل المزيد من الناس، و تريديني أنا أن أسمح لك بإستغلالي دون أي إعتراض.
- تماما، نحن نستطيع..
فقاطعتها سارة، قالت بنبرة ساخرة لكن جدية:
- أنت تتوهمين إن كنت تعتقدين بأنني سأساعدك، أنا لست قاتلة.. و بالتأكيد لست حمقاء لأقتنع بما تقولينه.. أنا.. أنا لست وحشا مثلك.
فقالت الفتاة و قد ابتسمت:
- ربما أكون قاتلا، و ربما أكون وحشا، لكنكم أيها البشر لستم أفضل مني، و لأكون صريحا.. أنتم أسوأ مني بكثير، فأنتم تقتلون، و تعذبون، و تسفكون الدماء، و تفعلون أبشع الأشياء دون شفقة أو رحمة، و رغم هذا فأنتم لا تعترفون بأخطائكم، بل على العكس فأنتم تجملونها بأكاذيب واهية ثم تصدقون هذه الأكاذيب، هذا لأنكم تتوهمون بأن ما تفعلونه سيكون في مصلحة البشرية العامة، لكن في الحقيقة أنتم تخفون أفعالكم السيئة خلف غطاء ممتلأ بالأعذار التافهة و الأسباب التي لا معنى لها، كل هذا لتحقيق غاياتكم الأنانية و لإشباع غروركم و طمعكم بأحاسيس مزيفة لا تمت بصلة للإنسانية. أما أنا فلست كذلك، أنا أعترف بالأشياء السيئة التي أفعلها، و أعترف بأنني وحش لا يملك داخله كل معاني الشفقة الرحمة، لكن الفرق بيني و بينكم هو أنني لا أفعل ما أفعله لمجرد التسلية أو لأنني أعاني من عقد نفسية تجعلني ألجأ للقتل حتى أشعر بالرضا تجاه نفسي أو لأجعل الآخرين يشعرون بالرضا تجاهي..لا.. السبب مختلف تماما، فأنا أقتل الناس لأنني مضطر لفعل ذلك، حتى أتمكن من النجاة، و لأتمكن من الإستمرار في العيش، فوجودي مرتبط بشكل مباشر بموت الآخرين.
قالت سارة بغضب و قد تقدمت خطوة للأمام دون أن تشعر:
- هذا ليس صحيحا، نحن لسنا مخلوقات بدائية خالية من الإنسانية، ربما يكون بعضنا سيئين، لكننا نظل بشرا، و الطبيعة المتجذرة داخلنا هي ما تعرفنا و هي ما تقودنا خارج الظلام الذي يحاول السيطرة علينا.
فتقدمت الفتاة خطوة نحو سارة و قالت:
- أنت بالفعل ساذجة إن كنت تفكرين هكذا و مقتنعة بأن البشر كائنات طيبة، ربما أكون أنا الظلام، لكن أنتم.. أنتم من أحظر هذا الظلام لعالمكم. هل تعتقدين بأنني أتيت من تلقاء نفسي؟، و أنني أنا من إختار أن يكون موجودا هنا.. في هذا المكان.. في هذه اللحظة. أنا يا صغيرتي الساذجة لست سوى نتيجة محتمة لسلسلة من الأفعال السيئة و الأفكار الأنانية، و إن كنت لا تصدقيني فأنا أستطيع إثبات ذلك.. أستطيع أن أريك كيف أنكم أيها البشر أسوأ مني بكثير.
قالت سارة بغير إهتمام:
- لا شيء مما ستقولينه يمكنه أن يجعلني أغير من رأيي.
فابتسمت الفتاة مرة أخرى و قالت:
- أقول.. لا.. لا.. أنا لن أقول أي شيء، بل سأجعلك ترين بنفسك الحقيقة التي تستمرين في إنكارها.
قالت ذلك ثم انحنت للأسفل و حركت الماء بيدها في شكل ثلاث دوائر صغيرة، و ما أن استقر الماء و عاد ليكون راكدا مرة أخرى، ظهرت صورة لإمرأة تتحرك من مكان لآخر و كأنها تبحث عن شيء ما.
قالت الفتاة:
- لا بد أنك تعرفت عليها؟
أجابت سارة و قد علت وجهها تعابير الفرح:
- أجل.. إنها ياسمين، لقد كنت قلقة بشأنها، من الجيد أنها بخير.
- هل تعلمين سبب وجودها هنا؟، و عما تبحث عنه الآن؟
- لا بد أنها تبحث عني، إنها تريد مساعدتي.
- إنها لا تريد مساعدتك بل تريد مساعدة نفسها، فهي السبب الذي أوقعك في هذه المشاكل منذ البداية.
- أجل، أنا أعلم بذلك، فهي قد أخبرتني بكل شيء. لكنها الآن تريد تصحيح أخطائها، و هي تسعى لإنقاذ نفسها و إنقاذي.
- بل هي تسعى لإنقاذ نفسها فحسب، و لا يمكن لذلك أن يتحقق دون أن تموتي أنت، إنها.. تريد قتلك.
فالتفتت سارة نحو الفتاة و قالت باستغراب:
- قتلي؟.. أنت مخطئة بلا شك، فهي قد أخبرتني بالحقيقة منذ البداية، و إن كانت فعلا تريد قتلي لفعلت ذلك منذ أن فتحت لها الباب، أنا أعني لماذا تفعل كل هذا  و هي تستطيع إنهاء حياتي بمجرد طعنة صغيرة.
- إن أفضل طريقة للكذب هي من خلال قول الحقيقة.. أو جزء من الحقيقة. لقد قالت الحقيقة اللازمة حتى تثقي بها و لا تشكي في نواياها الخبيثة، و بالتالي حتى تقبلي مساعدتها برضاك، لأنها الطريقة الوحيدة لتتمكن من سلبك حياتك و إنقاذ حياتها.
- لماذا لم تقتلني إذن عندما سنحت لها الفرصة لفعل ذلك؟.
- لأنها ببساطة لا تستطيع فعل ذلك، هي بحاجة لقتلك هنا، داخل لاوعيك، أما إذا ما قتلتك في العالم الواقعي.. هذا لن يكون في مصلحتها لأنه لن يقود سوى لموتها.
- كيف؟.. أنا لم أفهم ما تريدين قوله.
- بالنسبة لهذه اللعنة، كما هو الحال مع معظم اللعنات، هناك علاقة متينة تربط العالم الروحي بالعالم الواقعي، و هذه العلاقة تخضع لقواعد معينة و قوانين محددة، و أهمها أن ما يحدث في العالم الروحي يؤثر على العالم الواقعي لكن ما يحدث في العالم الواقعي لا يؤثر على العالم الروحي. فإذا هي قتلتك في العالم الروحي فستنكسر التعويذة من مصدرها و تنتهي تماما، أما إذا ما قتلتك في العالم الواقعي فاللعنة ستنتقل إليها، و بالتالي سأكون أنا من يتحكم في جسدها و سيكون قرار حياتها أو موتها بيدي. 
قالت سارة بنبرة مترددة و متقطعة، و قد بدأ ينتابها بعض الشك:
- لا.. لا.. هذا غير صحيح.. أنت تحاولين خداعي فحسب.. أجل.. هذا ما تحاولين فعله.
فأشارت الفتاة بيدها للأسفل و قالت:
- فقط راقبي بنفسك و ستعرفين من يقول الحقيقة.. أنا أم هي.
كان المكان المتواجدة فيه ياسمين مختلفا و غريبا، بل كان عبارة عن مجموعة من الأماكن التي تتغير تباعا كلما تقدمت نحو الأمام، تماما مثل قطار كبير يحتوي الكثير من المقطورات، و هي في كل مرة تعبر من مقطورة لأخرى. كان كل مكان يحمل ذكرى معينة من ذكريات سارة من مختلف سنوات حياتها، و كانت ياسمين كلما مرت من خلال تلك الذكرى ترى و تسمع ما يحدث بداخلها و كأنها تشهد مجددا على تلك الأحداث مرة أخرى، مثل صورة متحركة أو مشهد من مسرحية، و الإختلاف الوحيد هو أن الموجودين بداخل تلك الذكريات لا يستطعون رؤيتها أو الإحساس بوجودها و كأنها شبح بالنسبة لهم. يحتوي كل مكان على مجموعة من البوابات المتفرقة هنا و هناك في نظام متشابه و متكرر، حيث يمكن الرؤية من خلالها لمعرفة ما يحدث بداخلها، و بالنسبة لياسمين فقد كانت تعبر من ذكرى لأخرى عبر نفس البوابات المتواجدة في نفس الجهة، و كانت في كل مرة تنتقل فيها عبر احدى البوابات تقف قليلا و تنظر حولها و كأنها تبحث عن شيء ما ثم تكمل تقدمها.
قالت سارة متسائلة:
- إنها تعبر عبر ذكرياتي و كأنها تبحث عن شيء ما.. أو أنها تريد الوصول لمكان معين. 
أجابت الفتاة:
- إنها تريد الوصول لمكان معين من أجل الحصول على شيء ثمين.
فقالت سارة باستغراب و قد التفتت نحو الفتاة:
- شيء ثمين؟.. ماذا يكون؟.
- إنه جوهرك.
- جوهري؟.. ماذا يعني هذا؟
- إنه كل ما يمثل نفسك و كل ما يكون شخصيتك، كما أنه المركز الذي فيه يخزن كل شيء متعلق بك من أفكار و مشاعر و ذكريات، و هو أيضا الجدار الذي يفصل بين وعيك و لاوعيك.
- و ما غايتها من الحصول عليه؟
- لتدميرك بالطبع، فأي أذى يصيب الجوهر يأثر بصفة مباشرة على صاحبه.
فقالت سارة و قد أحست بالخوف:
- ماذا؟.. هذا غير مقبول.. أنا.. أنا لا يمكن أن أسمح بحصول أمر كهذا.. أخبريني.. هل هي تعرف مكانه؟
- إنها لا تملك أي فكرة عن مكان وجوده فهي تبحث بطريقة عشوائية، لكنها رغم ذلك فهي قد اقتربت كثيرا من العثور عليه.
- ما تقولينه غير منطقي.. هل تقصدين بأن بحثها العشوائي سيقودها مباشرة نحو ما تبحث عنه؟
قالت الفتاة:
- إن جوهرك موجود في مركز لا وعيك و هو محاط بالكثير من الطبقات التي تخفيه و تحميه. حسنا، إن ذكرياتك تمثل هذه الطبقات، و ياسمين بدأت بالتغلغل داخلها من الخارج إلى الداخل للوصول إليها، و إن كنت راقبت جيدا فلا بد أنك لاحظت بأنها في كل مرة تعبر من البوابة الموجودة في نفس الجهة مثل سابقتها، أي أنها تسير في اتجاه مستقيم نحو الأمام، و بعبارة أخرى فهي تقوم بالغش حتى تختصر الطريق نحو المركز، و كأنها تسير داخل متاهة من أجل الوصول للمخرج، لكن بدل السير في الممرات الكثيرة التي يمكن أن تضيع بداخلها بسهولة فهي ببساطة تعبر من خلال الجدران لتختصر على نفسها عناء البحث.
فقالت سارة و كأنها تذكرت أمرا مهما:
- انتظري لحظة، أليس من المفترض أن نكون أنا و هي بنفس المكان.. بإعتبار أننا عبرنا في نفس الوقت، كيف إنفصلنا عن بعضنا البعض؟
- لقد سحبتك نحوي إلى هنا، أما هي فلم أستطع سحبها، فهي ليست مرتبطة بي مثلك أنت، لكن لا تقلقي فهي قادمة نحونا على كل حال.
قالت سارة بإندهاش، متفاجئة مما سمعته:
- ماذا؟.. هل تقصدين بأنا جوهري موجود هنا؟.. لكن أين هو؟، أنا لا أراه في أي مكان.
فابتسمت الفتاة بخبث و قالت:
- هذا لأنك موجودة بداخله.
فنظرت سارة حولها و قد ازدادت دهشتها ثم قالت:
- هذا غير معقول.. لكن هذا المكان فارغ، و أنا..
فقاطعتها الفتاة، و قد أشارت بيدها للأسفل:
- انظري جيدا، لقد أوشكت على الوصول.
كان المكان الذي عبرت إليه ياسمين مظلما و لا يحتوي على أي بوابات، و بدل ذلك كانت هناك كرة بيضاء عملاقة ينبعث منها ضوء خافت، و قد كانت تطفو في الهواء و تدور حول نفسها ببطء، و ما أن اقتربت منها ياسمين و رفعت نحوها يدها لتلمسها حتى سحبتها الكرة لداخلها.
قالت سارة:
- أنا لا أصدق هذا، إنها الآن في غرفة الجلوس، تماما حيث كنت أنا عندما وصلت إلى هنا.، لكن.. ماذا الآن؟، كيف ستعثر علينا.
أجابت الفتاة بخبث:
- مثلما فعلت أنت، من خلال المرآة.
كان ما فعلته ياسمين شبيها لما فعلته سارة، فقد نظرت حولها و بحثت في كل الغرف، و عندما دخلت لغرفة سارة و اقتربت من المرآة تحرك انعكاسها من تلقاء نفسه فأمسك بها و سحبها نحوه.. إلى نفس المكان حيث توجد سارة و الفتاة.
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.