- ايها الطبيب هل يمكنني الخروج حقا ؟؟
قلتها بصوت مرتجف من سعادتي بهذا الخبر و من خروجي من هذا المكان المليئ برائحة الأموات و الأدوية .. أخيرا سأعود لحياتي المعتادة , فلم أكن أعلم أن لي حياة جميلة الا الان .. حقا نشعر بالأشياء حين تتغير و تذهب عنا, ففقدان الأشياء يجعلنا ندرك قيمتها مهما كانت صغيرة او تافهة .
- لقد تحسنتِ كثيرا و أبديت تفاعلا ايجابيا مع العلاج ثم ابتسم و تابع :
- و طبعا لكونك مطيعة و الفضل كله لخالتك .
فأطرقت برأسي خجلا من هذا الطبيب الوسيم و تساءلت عن عمره ؟ فهو يبدو في حدود الثلاثين , و أكاد أجزم أن في حياته امرأة ما فشخص بهذه الوسامة القاتلة لا يمكن أن يكون وحيد .
- هل مازالت تراودك نوبات سعال حاد أو الام في الرأس ؟
- تنتابني نوبات سعال أحيانا اما آلام الرأس فلم تعد تراودني لذا أنا بأحسن حال أيها الطبيب.
فإبتسم و قال بنبرة ممازحة :
- أرى أنكِ لم تحبي المكان كثيرا لذا أنا أراكِ متلهفة للخروج .
كيف سأخبرك ايها الطبيب ان لهفتي ليست الخروج من هنا بل ان لهفتي الوحيدة هي رؤيته .. كيف أخبرك أنني و طوال هذه الأيام كنت أفكر في كيفية التحسن سريعا و التحرر من هذا المكان؟ كيف سأخبرك أنني و طوال المدة الماضية كنت أتمنى فقط أن ألمحه و أسكت قلبي الذي بقي يناديه؟ كيف و أنا كنت أخفف عن نفسي برؤية ضبابية لا أدري هل هي واقع أم خيال خرافي؟ .
كيف سأخبرك أيها الطبيب أن قيصر هو لهفتي الدائمة لكل ما أعيشه ؟.
- أين ذهبتي ؟.
أيقضني من تفكيري صوت الطبيب ممازحا ، فإبتسمت بخجل و قلت بصوت منخفض :
- أنا هنا فقط مجرد أفكار تأتي و تذهب.. متى سأخرج ايها الطبيب ؟
- متى ما تنتهي خالتك من ملئ استمارة خروجك , لكن لا تتعرضي للهواء طويلا و ارتاحي لفترة فجِسمك مازال ضعيفا. ثم تابع بلطف :
- حسنا الان سأنادي الممرضة لتساعدك في تغيير ملابسك.
فشكرته و أتت الممرضة و ساعدتني في تغيير ثيابي ثم جاءت خالتي واصطحبتني خارج المستشفى.
فلففت وشاحي ذو اللون البني و أحكمت ازرار معطفي حين شعرت بقشعريرة تسري في كامل جسدي اثر برودة الهواء الذي جاء بعد مطر غزير و الذي بقي يلامس بشرتي و يحرك شعري الأسود ببطئ, فنظرت للسماء الرمادية و تسائلت بإحباط " كيف سأراك يا قيصر و هل سيضعني القدر في طريقك مرة اخرى؟".
لحسن الحظ لم يكن البيت بعيدا عن المستشفى فما هي دقائق إلا و نحن أمام الباب فدخلت و الاحباط يغلف روحي و يسيطر على قلبي فلم أنبس بكلمة واحدة و هذا ما جعل خالتي تتساءل :
- حبيبتي هل أنت بخير؟ .
فأجبتها بصوت مرتعش و بإبتسامة مصطنعة ارتسمت تلقائيا على وجهي :
- نعم يا خالتي انا بخير انا فقط متعبة هذا كل ما في الأمر لا تقلقي .
فأجابتني بشك ارتسم بوضوح على ملامحها :
- هل أنت متأكدة يا زهرتي ؟
- نعم يا خالتي أنا متأكدة لا تقلقي أنا بخير ثم تابعتُ بإبتسامة :
- سأذهب لغرفتي لأنام قليلا .
ثم أمسكت يدي و قالت برقة :
- نعم اذهبي يا عزيزتي سأناديك حين يكون العشاء جاهزا .
حينها و بردة فعل تلقائية عانقتها و قلت بصوت أقرب للبكاء:
- شكرا لكِ لأنك لم تتركيني و اهتممت بي أنا لا اعلم كيف أعوضك .
- عوضي أن تكوني فقط بخير يا زهرتي .
فإبتسمت لها و طبعت قبلة على خدها ثم دلفت لغرفتي و ارتميت على السرير و أنا أحدق في سقف الغرفة و أفكر كيف سأذهب اليه و أخبره عن مرضي ؟ كيف سأقول له و أنا أعلم أنه سيظنني غير مسؤولية؟ كيف سأستطيع أن أواجه تلك العينين التي تكتشف أسراري العميقة ؟ كيف سأواجه قيصر؟. كيف سأخرج كلماتي و كلها تخونني أمام حضوره.
هل قيصر لديه من الأساس مشاعر نحوي؟ أم يراني كمريضته؟ و هل لطفه نابع من قلبه أم من قلب طبيب متمرس ؟ هل يشعر أنه يحلق في السماء مثلي أم أن جناحيه يفضلان المكوث في الأرض بدل التحليق؟ .
حينها شعرت بإختناق مفاجئ و كأن كل الهواء قد انحسر من الكون ، فغلفني الاحباط مجددا و جعل تفكيري يذهب للحضيض فغيرت رأيي في المكوث في غرفتي و النوم , فقليل من الهواء البارد سيعيدني لصوابي و يجعلني أشعر بتحسن و من يدري فقد تلتقي طرقنا .. فحملت سترتي الرمادية و خرجت و ذهبت لخالتي في المطبخ .
- خالتي أنا سأخرج لأستنشق قليلا من الهواء .
فنظرت لي بتعجب و قالت :
- لكن الطقس بارد و أنتِ ما زلت مريضة و كنت أظنك ستنامين لأنك متعبة عوضا عن أنها الخامسة لقد تأخر الوقت .
- نعم لكن النوم لم يأتيني لذا أريد أن أقوم بنزهة خفيفة فقد مللت من المكوث في المستشفى .
حينها أمسكت يدي برقة و قالت بقلق :
- حسنا لكن كوني حذرة و لا تتأخري .
خرجت و أنا أفكر به و بديسمبر.. عجيب هو شهر ديسمبر، فهو يجمع بين الكئابة و الرقي .. بين البداية و النهاية .. بين رحيل اللحظات و بقاءها .. قاسي و حنون في نفس الوقت .. شهر لا يعرف الرحمة.. شهر مليئ بالأمنيات المؤجلة.. شهر مليئ بأشياء ذابلة نقدسها, تؤلمنا و نريد قربها .. شهر مليئ بزخات الانتظار و حماسة اللقاء.
فرفعت رأسي للسماء فرأيتها رمادية كلون سترتي و حياتي بدونه.. وحدي امشي في الطرقات المبللة و البائسة و الخالية من اقدام المارة. .
وحدي الا من قطة ضالة و قليل من الرياح , فأدخلت يدي في جيبي السترة و أنا أتساءل كيف أُعجبت بشخص لا أعرف مشاعره نحوي ؟ كيف تعمقت فيه و أنا لا أعرف هل عينيه موجهتان نحوي أم بجانبي ؟ كيف للإنسان أن يغرق في شخص لا يعلم هل قلبه ينبض له أم لا ؟ كيف سأتقبل اذا كانت مشاعره نحوي لا تتعدى احساس طبيب نحو مريضته ؟ كيف لي التقبل حين تكون مشاعره نابعة من خوف و حرص طبيب على اداء مهمته؟.
لقد كانت لهفتي كبرى لشعور لم اجربه من قبل .. شعور كنت احسبه حلم من أحلامي المنسية ، لقد كنت منغمسة فيه لدرجة انني بت مغيبة عن حقيقة كانت أمامي الا انني كنت انظر لما وراءها .. الى ما وراء الحقيقة حيث يمكث الوهم و الخيال .
لا بد أن المكوث في المستشفى قليلا قد فتح من بصيرتي . فإنتبهت أن قدماي قد أخذتني للمتجر الذي التقيته فيه المرة الماضية.
فنظرت اليه من بعيد و أنا أتأمل مدخله القديم المتهالك فتدفقت موجة من الحنين داخلي للأيام القديمة و الخالية من التفكير و الحزن ، و ما زادني غبطة سوى ملامح ذلك العجوز المليئة بالأشياء البسيطة و الخالية من السلبية , فإبتسامته وحدها تجعلك تعود لذلك الزمن الجميل المليئ برائحة البساطة و عنفوان الحب النقي البعيد عن الخبث و النفاق .
وجهه فقط يجعلك تتساءل اذا كنت عدت لذلك الزمن أم أنه تجسد على هيئة انسان جاء ليذكرنا بماضي نسيناه لكنه موجود في ركن بعيد ننفض غباره فور تدفق ما يسميى بالنوستالجيا.
أيقظت حواسي نفحات من رياح جعلتني أعود للواقع الذي كان ينتظرني , فقررت الدخول و إلقاء التحية على عجوز الزمن الجميل أو الجد جمال.. لا أدري فلربما وجدت من اشتاق له قلبي فهو الرابط الوحيد بيننا.
دفعت الباب القديم و دخلت للمتجر و أنا أبحث عنه علني أجده هنا مرة أخرى، لكن خابت توقعاتي حين علمت أنني الوحيدة الموجودة.. فأيقظني من خيبتي صوتٌ آت من زمن غير زماننا:
- مساء الخير يا مطر .
فنظرت له بتعجب و قلت :
- مطر؟!!
فإبتسم و أجابني بصوت مرح :
- اولستِ تلك التي بللها المطر من رأسها الى أخمص قدميها و التي أصبحت تبدو كدجاجة مبتلة خائفة من ضياع صغارها و طالبة للهاتف .
عند هذه الأخيرة انفجرت ضاحكة و قلت بصوت يغلفه الضحك :
- يا الهي هل ما زالت تتذكرني و تتذكر ذلك اليوم , عوضا عن ان اسمي توليب و ليس مطر
- اسمك جميل و فريد لكنني أحب مطر اكثر, و أنا اتذكرك جيدا فليس لدي زبائن كثر.ثم تابع بغموض و بصوت كأنه آت من الماضي :
- و ذلك اليوم بالتحديد لن أنساه .
فقلت بنبرة ماكرة لمعرفة العلاقة الخفية بينه و بين قيصر :
- بلى لديك زبائن أنا و ذلك الطبيب النفسي من يوم الدجاجة المبتلة .
فقال بتعجب و دهشة :
- هل تعرفين قيصر ؟!
فإبتسمت و قلت و كأني أخاطب نفسي :
- نعم إنني مريضته و هذا يعني أنه طبيبي.
- مما تعانين يا مطر أشعر أن لديكِ قصة طويلة.
- أنا بدوري لا أعلم ما بي لأنني مشتتة بين العودة للواقع و المضي في الأوهام .
حينها ضحك و قال بنبرة هامسة :
- حسنا هذا يفسر الكثير ثم إنكِ و قيصر كما قلتي زبائني المعتادون .
فكست فجأة سحابة حزينة وجهه الدافئ و تابع بصوت حزين مليئ بالحسرة :
- هل تعلمين أن الانسان يظن أن ما يملكه بين يديه هو قدره الأبدي , بينما في الحقيقة خيط القدر أرفع من شعرة خفيفة ، في رأيكِ يا مطر ما الذي سيقطع هذا الخيط ؟
فنظرت له و في داخلي الكثير من الأسئلة لكنني أجلتها و رحت افكر في اجابة لسؤاله المباغت ، فأجبته بصوت منخفض :
- القدر نفسه ؟ .
- بل اليد التي تملك القدر ، فما تمسكه يداك اليوم ستقطعه نفس اليد غدا .. و ما بين الخسارة و الامتلاك ستفقد جزءا منك .
فرحت اردد بصوت منخفض " ما بين الخسارة و الامتلاك ستفقد جزءا منك! ".
- لكن يا جدي كيف افقد جزءا مني في كلتا الحالتين , فالإمتلاك اهون من الخسارة !.
فإبتسم و قد انقشعت سحابة الحزن من وجهه و حل محلها ابتسامة دافئة. ثم قال:
- في الوقت المناسب ستعرفين الاجابة فالأقدار تختلف , و ما بين قدر و قدر خسارة و امتلاك يختلفان حسب الأشخاص , فصبرا يا بُنيتي و انتظري قدرك حتى يأتيك .
فنظرت اليه مندهشة من هذا العجوز الذي يحمل في داخله اكثر من زمن كامل و تجارب عديدة , فإحساسي يخبرني ان الكلام الذي قاله مرتبط بقيصر بطريقة ما لكنني لم أجرؤ على اخباره بأن قدري الذي يتحدث عنه قد اتى و أنا الآن مشتتة بين خسارته و امتلاكه .
فقلت بصوت مرح خالي من الصراع الذي يعتمر داخلي :
- لقد كنت مطر يا جدي و الان صرت ابنتك ان هذا غير عادل !.
حينها نظر لي نظرة دافئة و قال بصوت حنون :
- انت مشاكسة جدا، ففي كلتا الحالتين انتِ ابنتي و مطر ، لكنني اتفقت على مطر ، هل تعلمين لماذا؟.
فأجبت ضاحكة :
- لأنني اُذكرك بيوم الدجاجة المبتلة .
- بل لأنك سهلة للقلب كالمطر و لينة كتساقطها في الأرض و ما بينهما كنت قد ُولدت انتِ .
حينها نظرت له نظرة تأثر فهذا الجد لديه من القبول ما يجعلني أؤمن أنه مازال هناك أشخاص لا يعرفون الخبث ابدا. فقلت بنبرة اقرب للبكاء :
- أنا لا أدري ماذا اقول لك فكلماتك لمست وترا حساسا في قلبي , فهذا لقائنا الثاني و كلام مثل هذا ينبع من شخص لا أعرفه قد غرس في قلبي بذرة شعور كنت قد نسيته .
- لا يغرنك قلة اللقاء فالروح تألف روحا من المرة الأولى ، و روحا تبغض روحا من الف مرة و لقاء , فالقلة لا تعني عدم معرفة الجوهر فالجوهر يظهر في نقرة القلب الاولى و في ارتياحه و أنا عرفت جوهرك من اول نظرة .
- كيف هو جوهري؟
فإبتسم و أجاب :
- جوهرك يكمن في عيناكِ الحزينة و في بساطة الحديث معكِ ،فيا مطر أنت شخص جوهرك موجود في عيناكِ و في بساطتكِ التي تجعل الروح تألفك منذ اول مرة .
- كيف لديك هذا الكم من الفصاحة و التلاعب بالكلمات؟ .
فضحك و أشار لخطوط وجهه المتجعدة :
- هذه لم تأتي عبثا يا مطر , ثم تابع :
- لقد تأخر الوقت انها السادسة و لقد أوشك الظلام على الظهور و أعتقد أنه قد حان وقت العودة , فبقاءك هنا أثبت لي أنك لست هنا لتشتري شيئا ملموس بل لتشتري شيئ غير ملموس.
- و ما هو الغير الملموس الذي سأشتريه؟
فضحك و قال :
- اذا أردت أن نبقى هنا الليل بطوله سأجيبك.
فضحكت بدوري و نظرت لساعتي و قد وجدتها بالفعل السادسة فقلت له :
- نعم يجدر بي العودة لكن هل يمكنني المجيئ هنا حين أشعر بالرغبة في الحديث فأنا ليس لدي اصدقاء .
فأجاب بصوت دافئ :
- هذه هي الإجابة يا مطر أنت ستشترين الصحبة و الوقت و أنا سأدعك تشتريني و وقتي، لذا في اي وقت ستجدينني هنا و انا كلي اذان صاغية.
فإبتسمت له و ودعته لكنني شعرت فجأة أنني لم أعد وحدي فرفعت رأسي و تقابلت عينانا, فرأيت من ساقتني قدماي لرؤيته ، لكن بدلا عنه وجدت صحبة قلب جميل .
لقد وجدت اللهفة الأولى و القدر الحلو يتجسد امامي .
إنه قيصر.
لم أكن أعرف شعور غياب العالم كله و تغير الفصول في ثوان قليلة .. لم أكن أعلم خليط مشاعر الفرح مع الحزن ، الإشتياق و اللهفة و تيار الفراشات السريعة مع نبضة القلب اللذيذة .. الا حين رأيته و رأيت عيناه و هي تحدق في عينيّ , و يبدو من تعابير وجهه أنه تفاجئ أكثر مني.
فأعادني صوت جد الزمن الجميل للواقع حين قال يهمش شمعته:
- مطر أرى أنكِ قد أقفلت الباب في وجه زبوني العزيز و أرى أيضا أن باب آخر قد فُتح للتو.
فشعرت بحرارة ترتفع و تستقر في وجنتي و بخجل شديد جعلني اتسمر أمام الباب ، فإبتسامته الهادئة و عينيه المصوبتان نحوي جعلت قلبي على وشك الانفجار، فقلت بتلعثم و بصوت منخفض :
- أن.. أنا آ.. سفة تفضل.
و خرجت بسرعة دون أن ألتفت أو أنظر ، فمن شدة خجلي و ارتباكي لم أستطع أن أواجهه أو أتحدث معه أو حتى النظر اليه . فلم أكن أعلم أن ذلك المتجر السحري قد حقق حلما أرَق أيامي وتمنيته لليالي عديدة .
و لم أكن أعلم أيضا أنه يسرق الوقت لدرجة أنني لم أشعر بها و هي تظلم لهذه الدرجة، فحتى الرياح و القطط الضالة قد اختبئت من الظلام و أنا مازالت داخله أمشي بروحٍ مضيئة .
حينها تذكرت فجأة خالتي و انني للمرة الثانية اتأخر عليها .. لا بد أنها قلقة ! ، فذلك المتجر السحري يلعب بالوقت و يجعله يمر مرورا لحظيا لا أشعر به .
و لسوء حظي أن هاتفي ابتل من آخر مرة و هو عند المصلح الان لأنه كان هدية أبي رحمه الله في عيد ميلادي الثالث و العشرين و أنا ليس لدي طريقة اخرى لأطمئنها.
كيف سأتصل بخالتي يا االهي! هذه المرة أعلم أنها ستقتلني لا محالة ! حينها توقفت و تذكرت جد الزمن الجميل هل أعود و أطلب هاتفه مرة أخرى؟ لا لا قطعا لا كيف سأعود و أنا قد خرجت بتلك الطريقة؟ و الأدهى أن قيصر هناك ماذا سيقول عني؟.
أعلم ما سيقوله سيقول أنني خرقاء من الدرجة الأولى و غبية لا عقل لها.
فوضعت يدي في جيبي سترتي و مضيت ألتهم الطرق بسرعة لأصل فلحسن الحظ بيتي ليس بعيدا جدا !
و لا ادري لماذا ذلك القيصر يظهر في بالي الان ، يا الهي ! ليس وقتك يا قيصر حين أعود سأفكر بك و بعينيك جيدا أما الآن فشغلي الشاغل هو العودة للبيت و تقبل توبيخ خالتي بصدر رحِب.
حينها داهمتني فجأة نوبة من السعال الحاد و معها ألم حارق في صدري , فشعرت بإختلال في توازني وأن العالم قد انقلب رأسا على عقب في ثانية , فتذكرت انني لم أشفى جيدا و تعليمات الطبيب كانت ان ألازم البيت لفترة و أن لا أتعرض للهواء البارد , فضربتها في لحظة عرض الحائط أملا في رؤيته .
و ها أنا رأيته و لم تعد لتعليمات الطبيب أي قيمة و أهمية الان.
. فإستجمعت شتات نفسي و أكملت على مضض حتى شعرت فجأة بخطوات مسرعة ورائي، فإلتفت فوجدت شخصا طويلا يمشي مسرعا ورائي لكنني لم أره بسبب الظلام، حينها استبد بي الخوف و رحت أجري و أنا اشعر أن ذموعي ستنزل في اي لحظة ، حينها فكرت في أسوأ احتمال قد يحصل لي , فمر في ذهني شريط سريع و أنا أفكر في خالتي و في والديِّ و في الجد و في قيصر، حينها عادت لي نوبة السعال و أحسست بألم حاد في رأسي فتوقفت و أنا أشعر بالدوار , و فجأة شعرت بيد تمسك ذراعي , فإلتفت و أنا أفلت ذراعي بالقوة التي بقيت عندي و أصرخ بصوت ضعيف:
- أتركن..
فعادت لي نوبة السعال و لم أستطع أن أكمل بسبب اختناق الحروف داخلي و أنا أتخيل ماذا سيحدث لي .. حينها سمعت صوتا قد أنساني كل ما بي , و شعرت بأن كل شيئ اختفى، سعالي .. ألم صدري.. و العالم.
- توليب اهدئي.
كلمتين فقط أعادتني لوعي و ساعدت قلبي و جسدي، فحتى كلماتي لم تسعفني جيدا و خانتني مثلما خانني جسدي فأصبح قلبي ينبض بسرعة كبيرة , و تنفسي اصبح سريعا لدرجة أنني لم أعد قادرة على الوقوف على قدمي ، و لم أعرف هل بسبب هلعي أو بسبب قربه و لمسة يديه؟ .
فشعرت بيديه تلينان و هما تمسكان ذراعي برفق ، حينها اقترب مني حتى أصبحت أنفاسه الدافئة تلامس وجهي و قال :
- اهدئي يا توليب أنا قيصر لا تتحركي ابقي ثابتة ! .
فحاولت للمرة الثانية إخراج الحروف و التحدث لكن قلبي قال كلمة واحدة :
- قيصر؟.
- نعم أنا قيصر يا تولييب.
فقلت بهمس منخفض :
- ما الذي تفعله هنا ؟
- قولي لي أنتِ ماذا تفعلين هنا وحدك؟
فخرجت كلماتي متفرقة :
أنا.. لا.. جدي.. المت.. جر.
ثم احسست بيديه و هما تقبضان على ذراعي بقوة ثم قال بهمس :
- اهدئي و تنفسي ببطء.
ففعلت مثلما قال لي لكن قلبي ابى الاستماع لي و تمرد للمرة الألف، فإستجمعت نفسي و أنا أتنفس ببطء و تذكرت خالتي , فأخرجت كلماتي كلها دفعة واحدة وقلت بصراخ منفعل :
- الهاتف!!! أريد هاتفك لو سمحت لأتصل بخالتي فهاتفي ليس معي و أنا أعرف انها قلقة.
- حسنا يا توليب لكن اهدئي .
ثم أخرج هاتفه من جيبه و أعطاه لي، فإبتعد عني قليلا و هذه القلة كانت كافية لتشعرني بأن العالم موحش .
فتساءلت و أنا أضغط على الارقام بيد مرتعشة كيف ليدين بسيطتين أن يحملا كونا بأكمله ؟
- خالتي أنا توليب.
فصرخت و تخيلتها أمامي بتفاصيلها الحنونة و فمها الغاضب :
- توووووليب !! أين أنتِ بحق السماء لقد كدت أموت قلقا.
- أنا آسفة يا خالتي لكنني بخير لا تقلقي.
- كيف لا اقلق و انتِ قد تأخرتي كثيرا عوضا عن انني لم اجد طريقة للتواصل معكِ لكن ما به صوتك هل أنتِ بخير ؟
حينها عاد لي سعالي اللعين فلم أكد أنبس بكلمة حتى أخذ مني الهاتف و إبتعد يحكي مع خالتي، فلم أسمع ما قاله لها لكن ابتسامته الجميلة برهنت لي أن خالتي قد دخلت الى قلبه بعفويتها الفاتنة و بساطتها المحببة، حينها إقترب مني و قال بصوته الجذاب :
- لقد طمأنت خالتك بأنكِ معي و أننا سنصل قريبا.
فقلت بتردد و بخجل :
- لكن هل اخبرتها عن...
- لا لم أخبرها لا تقلقي .
حينها اقترب مني مجددا و عيناه لم تفارق عيناي, و أنا كذلك لم أبعد عيني عنه لأن الشوق قد رسم طريقا لقلبي لأيام عديدة , لم اهتم اذا عرف مشاعري أو سمع دقات قلبي فقربه مني و رؤيته هكذا امامي مع لمسة يديه الحنونة على ذراعي قد كانت جائزتي من أسبوع كامل من التعب ، فعينيه وحدها تزيح تعب العالم اجمع فكيف بتعبي أنا؟
- لماذا لم تحضري يوم الثلاثاء ؟
حينها انزلت بصري بخجل و كلماتي قد هربت مني مرة أخرى فكرر سؤاله بنفس الرقة :
- انظري إلي و أخبريني يا توليب لماذا لم تأتي؟
كيف سأنظر اليك و أنت تنظر لي تلك النظرة، النظرة التي قتلت قلبي و بعثرت روحي .. فحين نطق أسمي بتلك النبرة الرقيقة لم أعد أشعر بشيئ الا بيديه الحنونة على ذراعي .. ناهيك عن عينيه اللتان كانتا تخبراني بالكثير الذي لم أفهمه , و عطره الذي اسكر انفي و جعلني ما بين الهذيان و اليقظة.
فوددت لحظتها أن أعانقه و أتنفس رائحته و اخبره بألمي و ضعفي و كل شيئ صغير لم اقله لأحد من قبل ، اردت أن أخبره عن كيف أن تغير الفصول و التقلبات الجوية تعبث بمشاعري .. أردته أن يعلم عن سري الوحيد و كيف انني اصبحت اعشق الشتاء و الامطار و الرياح .. اردت أن أخيره عن حبي للأيام التي تجمعنا دون مواعيد أو ترتيبات .. أردته أن يعلم انني أحب خوض النقاشات و التلاعب بالكلمات في حضوره .
أردت أن اخبره أنني ما أحسست يوما بارتباك اللحظات و لهفة اللقاء الا معه .
لكن عوضا عن هذه الأفكار الحالمة و البسيطة اكتفيت بنظرة خجولة مرتبكة و سكوت لم اعرف كيف اقطعه , فحاولت اخراج الكلمات لكنها خرجت مبعثرة كتبعثر قلبي في تلك اللحظة :
- أنا .. ل..م أعرف ل..لا.
حينها أنزل يديه فجأة و عاد كل شيئ لطبيعته الا قلبي ، فعادت تلك النظرة الغامضة تطالعني بهدوء و كأنه ليس هو نفس الشخص الذي كان عليه قبل ثوان قليلة.. يا الهي!! كم يربكني هذا القيصر! كيف يتغير شخص للنقيض في ثوان قليلة. ثم قال بصوت عادي و قد عادت عيناه لوضعها الطبيعي .. فقيصر الطبيب قد عاد أمامي.
- لا حاجة لكي لتخبريني سبب غيابك فهذا يعود لكِ في كل الأحوال . ثم ابتسم و تابع ممازحا و تلك الرقة التي كانت تنحت وجهه و تغلف صوته كانت كحلم جميل ذهبت مع تغير نبرة صوته :
- سأصطحبك للمنزل و الا فخالتك ستقتلني فطبيبك لا يريد الموت مبكرا .
و كأن باستعماله كلمة " طبيبك " أكد لي بأنني بالنسبة له مريضته و هو طبيبي و أن نظرة القلق في عينيه ماهي الا قلق طبيب روتيني .. لكن تلك اللمسة التي جعلتني اطوف الكون في ثوان و أذابتني في نفس الوقت حتما لم تكن لمسة طبيب بل لمسة رجل.. قد تكذب العين و قد يخدع اللسان لكن الجسد لايفعل.
فإنتفضت حين وضع يديه على ذراعي ثم قال بصوتٍ منخفض :
- هل تريدينني أن أموت ؟
- نعم ؟!
لم يقل شيئا لكنه ابتسم ابتسامة ذات مغزى و حينها فهمت ما كان يقصد فإحمر وجهي خجلا , فأجبت بإنفعال مبالغ به :
- اااه لا فخالتي لطيفة لا تقتل ثق بي .
حينها انفجر ضاحكا و لأول مرة أراه يضحك بهذه الطريقة , فنسيت نفسي و قلبي و حتى سعالي و ألمي, فملامحه جذبتني و اوقعتني في نشوة لم أستطع الخروج منها .. فبقيت أتأمل تفاصيل وجهه والتجاعيد حول عينيه, و معها صوت ضحكته الجذابة.. فحتى ضحكته قد نالت نصيبها من قلبي.
كيف لشخص أن يكون جذابا و خطيرا لهذه الدرجة؟! فمن قال أن القتل يكون فقط بفعل وسيلة.. حتما لم يعرفه !.
فجأة توقف عن الضحك و نظر لي فوجدني أتأمله, فلم أشعر بنفسي الا و أنا أقول لا اراديا و بشرود:
- ضحكتك فاتنة جدا.
حينها اقترب مني ببطئ و ركز عينيه في عيني و أمسك يدي , ثم أصبحت أصابعه تكتشف أصابعي بفضول , حينها شعرت بأن الهواء قد انحسر من رئتاي و اختفى من العالم , و الشيء الذي اربكني اكثر أنني كنت مستسلمة و فاقدة للإحساس بكل شيئ و كل ذلك حدث بسبب تلك اللمسة التي حلمت بها ليالي طويلة .. فرائحة عطره قد اسكرتني و جعلتني غارقة في نشوة لا اريد الاستيقاظ منها, و ما زادني استسلاما سوى انفاسه الدافئة التي تلفح وجهي ومعها نظرته التي عادت الى رقتها و غموضها , فلم استطع ابعاد عيني عن عينيه و بقيت أنظر اليه بقلب امتلئ به حتى كاد ينفجر.
فيا الهي ما الذي افعله! لم أستطع التحرك او قول حرف واحد فجسدي قد خانني و انصهر كإنصهار الحديد بسبب قربه, فقيصر اذاب قوتي و جسدي روحي و معها قلبي حتى بت عاجزة عن ابعاد يدي تحت سطوة يديه الكبيرة .
لكن فجأة ترك يدي و نزع وشاحه و اقترب مني حتى احسست بأنفاسه الدافئة تلفح عنقي فرفع شعري و لف الوشاح حوله . ثم ابتعد و نظر لي نظرة غامضة و قال بصوت متحشرج :
- يداك باردة جدا و الوقت تأخر سأصطحبكِ للمنزل .
و مضى سريعا دون أن يقول كلمة واحدة فتبعته أيضا دون أن أتفوه بكلمة مع وشاحه البني الكبير المليئ برائحة عطره المذهبة للعقل , فأغمضت عيني و أنا استنشق عبق رائحته لأخبئه في رئتاي حين يأتيني الشوق و تزورني الوحدة .
لم أشعر بالوقت الا و انا أمام منزلي , فعجبا للوقت كم يمر سريعا حين نريد منه المزيد , و عجبا منه أيضا حين نريد منه المرور و لا يمر .. فأمسكت الوشاح لأعيده اليه فباغتني فجأة حين قال بنبرة غامضة منخفضة :
- لا تعيديه احتفظي به. ثم همس بشيئ عن التعادل لم افهمه و تابع :
- هيا ادخلي لن أرحل حتى أراك تدخلين.
- حسنا سأدخل تصبح على خير .
- و انتِ من أهل الخير .
فأدرت ظهري لأدخل لكني وقفت مترددة ثم حسمت أمري و عدت اليه و قلت بإندفاع :
- لقد كنت مريضة !
- ماذا ؟
- لم احضر لأنني كنت مريضة .
فإلتفت بسرعة لكي لا ارى ردة فعله , لكن فجأة شعرت بيد تمسكني من ذراعي .. ثم اقترب مني و قال في اذني بصوت هامس مبحوح اذاب قلبي :
" أنتِ تشبهين زهرة البدايات الأولى و مطر اللقاء الأول بالأرض .. مذهلة أنتِ حد التعب".
ثم أدار ظهره مباشرة و ابتعد كأنه لم يسقط قلبي .. لم يذيبه و يصهره بكلماته ..التفت و لم يأبه بنشوة اللحظة التي خلقها .. التفت و لم يكترث برفرفة روحي و التصاقها بظهره.
التفت و ذهب و أنا احسست بخدر في ساقي و لم استطع التحرك لأنني ما زلت تحت سحر كلماته و قربه حتى شلت قدماي . متسمرة في مكاني اراقب خياله الذي بدأ يختفي من أمامي.
- توليب لماذا انت واقفة هكذا ؟!
- لا شيئ يا خالتي سأدخل، حتما لا شيئ .