علي حافه الحلم (البدايه)
البدايه
في مدينة لا تتوقف عن الضجيج، حيث تمر الوجوه دون أن تلتفت، وتُخفى الحكايات خلف نظرات عابرة، تبدأ قصتنا… من لحظة بسيطة لا ينتبه لها أحد. لم يكن لقاءً مقصودًا، ولا قصة خُطِّط لها من البداية. مجرد طريق عادي، فتاة تمشي وفي قلبها أحلام صغيرة، وشاب يقف بعيدًا يراقب العالم بطريقته الخاصة. هي لم تكن تعرف أنه يراها. وهو لم يكن يعلم أن تلك اللحظة ستغيّر كل شيء. بين اختلافٍ لم يختاروه، ومشاعر لم يستأذنوا بها، تبدأ حكاية ليست عن الحب فقط… بل عن المسافة بين ما نريده، وما يُسمح لنا أن نعيشه
لم تكن **يارا** تظنّ أن يومًا عاديًا في شوارع ألمانيا سيغدو بداية حكاية تغيّر مجرى حياتها. كانت تسير بخطوات هادئة، تحمل حقيبتها على كتفها، وتتأمل ما حولها بعينين يملؤهما فضول طفولي، لا يشبه غربة المكان. جاءت من مصر، حاملةً حلمًا أكبر من المسافات… حلم أن تصبح يومًا طبيبة جراحة قلب، على خُطى مجدي يعقوب، الذي لطالما كان قدوتها. وفجأة… توقّفت. هناك، على جانب الطريق، كانت تقف سيارة سوداء فاخرة من طراز BMW، يلمع هيكلها تحت ضوء الشمس كأنها قطعة من حلم بعيد. اتّسعت عيناها قليلًا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة عفوية. نظرت يمينًا… ثم يسارًا… لتتأكّد أن أحدًا لا يراها. اقتربت بخطوات مترددة، ومدّت يدها تلامس سطح السيارة برفق، وكأنها تخشى أن تتلاشى إن لمستها بقوة. ثم أخرجت هاتفها على عجل، وبدأت تلتقط صورًا، تضحك في خفوت، وتعدّل وقفتها في حياء، تعيش لحظة صغيرة لكنها صادقة. غير أنّها لم تكن وحدها. على مقربة منها، كان يقف **لوكاس**. شاب ينتمي إلى عائلة ثرية، اعتاد مظاهر الرفاهية، حتى غدت مألوفة لا تثير فيه شيئًا. لكنه، في تلك اللحظة، لم يكن ينظر إلى سيارته… بل إليها. إلى تلك الفتاة البسيطة، بملابسها الواسعة، وخمارها الذي يحيطها بسكينة، وإلى تلك البراءة التي تتجلّى في حركاتها دون تكلّف. لم يُدرك لماذا ابتسم. لكنه ابتسم. راقبها وهي تلمس سيارته، وتلتقط الصور معها وكأنها تحقّق حلمًا صغيرًا، فضحك بخفة… لا سخريةً، بل إعجابًا بشيء لم يعتد رؤيته. وفي تلك اللحظة، دون أن يشعر أيٌّ منهما… كانت بداية طريق سيلتقيان فيه مجددًا. في الجامعة ذاتها، وفي الكلية نفسها، كلية الطب… قسم جراحة القلب. حيث لا يكون الحلم مجرّد أمنية، بل رحلة شاقة… نحو إنقاذ القلوب في صباحٍ بارد، كانت ساحة الجامعة تعجّ بالطلاب من مختلف الجنسيات، أصواتٌ متداخلة، وخطواتٌ مسرعة، ووجوهٌ تحمل مزيجًا من الحماس والقلق. وقفت **يارا** عند بوابة كلية الطب، تُمسك بجدولها الدراسي، تحاول أن تبدو هادئة، رغم الارتباك الذي يسكنها. كانت هذه أولى خطواتها الحقيقية نحو حلمها، ولم تكن تنوي أن تسمح للخوف أن يُضعفها. تنفّست بعمق، ثم تقدّمت. في الداخل، كانت القاعة الكبرى مزدحمة. جلست في أحد المقاعد القريبة، تُرتّب حجابها بهدوء، وتُخرج دفترها، تحاول التركيز على كل تفصيلة، كأنها تخشى أن يفوتها شيء. وفي تلك اللحظة… دخل **لوكاس**. بخطوات واثقة، ونظرات اعتادت المكان، كأن الجامعة جزء من عالمه الخاص. لم يكن هذا يومه الأول في مواجهة الحياة، بل يومًا آخر يمرّ كما اعتاد. لكن… حين وقع بصره عليها، توقّف. لم يحتج إلى وقت طويل ليتعرّف عليها. نفس الفتاة… نفس الملامح الهادئة… نفس الحضور الذي لم يفهمه بعد. تردّد لثوانٍ، ثم اتجه نحو المقاعد. وبدون تخطيط… جلس بجانبها. شعرت **يارا** بوجوده، فالتفتت قليلًا، لتجد شابًا غريبًا يجلس إلى جوارها. تبادلت معه نظرة سريعة، ثم أعادت نظرها إلى الأمام، محاولة الحفاظ على هدوئها. لكن الصمت لم يدم طويلًا. قال بهدوء، بنبرة خفيفة تحمل ابتسامة: "يبدو أنكِ تحبّين السيارات." تجمّدت للحظة. نظرت إليه بدهشة، واتّسعت عيناها قليلًا، وكأنها تحاول أن تفهم… ثم قالت بتردد: "ماذا تقصد؟" ابتسم أكثر، وأجاب: "السيارة السوداء… أمس." احمرّ وجهها فجأة، وشعرت بالحرج يتسلل إليها. خفّضت نظرها سريعًا، وهمست: "كنتُ أظنّ أن لا أحد رآني…" ضحك بخفة، ثم قال: "كنتِ مخطئة." ساد صمتٌ قصير، لكنه لم يكن مريحًا هذه المرة. ثم أضاف، بنبرة أكثر لطفًا: "لا تقلقي… لم يكن الأمر سيئًا. في الحقيقة… كان لطيفًا." رفعت نظرها نحوه ببطء، وكأنها تتأكد من صدقه. لم تجد سخرية في عينيه… فقط شيئًا غريبًا لم تعتد عليه. وقبل أن تقول شيئًا آخر، دخل المحاضر، وعمّ الصمت القاعة. لكن داخل كلٍّ منهما… لم يكن هناك صمت. بل بداية أسئلة… لم تُطرح بعد