اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

الفصل الثاني«في ذلك الحلم البعيد» | روايه طرف ثالث بالخطأ

جاري التحميل...

الفصل الثاني«في ذلك الحلم البعيد»

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

”في حياتي تعلّمتُ أن الحبّ ليس روايةً شرقيةً بختامٍ سعيد، لكنّه قدرٌ يمضي بنا… حيث لا نشاء، وتعلّمتُ أن الإنسان قد يربح العالم كلّه… ويخسر قلبه في لحظة ضعف.“

_ نزار قباني.


الفصل الثاني
”في ذلك الحلم البعيد“
ــــــــــ
”الحياة لم تكن يومًا قاسيةً كما نراها… لكن البشر هم من شوّهوا ملامحها، فصارت نسخةً أسوأ من حقيقتها، نسخةً لا تشبهنا ولا تحتوينا… ولا أعلم متى بدأ هذا الانحدار.“


__ إنت بتتكلم مع مين يا تميم__ قالتها نور، وهي تقفُ على أطرافِ أصابعها، تتطلعُ بفضولٍ نحو شاشة الهاتف التي أُطفئت.


ارتبكت نظراته نحوها للحظة، ثم احتدت ملامحه وهو يدس الهاتف في جيبه:
__ مش بكلم حد.. وبعدين بطّلي دخلة المخابرين اللي بتدخليها دي.


لوت فمها بضيق وهي تراقبُ ملامحه المتهجمة، أردفت بصوتٍ مرتفعٍ قليلًا:
__ وإنت هتكون بتعمل إيه يعني يا أستاذ تميم؟ ده إنت لسه داخل وأنا دخلت وراك..


قاطعتها يده التي دفعت كتفها ليُبعدها عن طريقه، متجهًا نحو الخزانة وهو يتمتم بلهجة حانقة:
__ يمكن أكون بغيّر هدومي، ولا هو البيت ده محدش بيعرف يرتاح فيه.


نظرت ليده التي تبعثرُ محتوياتِ الخزانة التي قضت ساعاتٍ في ترتيبها بالأمس، فصاحت بغيظ:
__ طب كفاية تبوّظ الدولاب، لسه عاملاه امبارح، ما هو أنا مش هفضل ليل نهار أطبّق في دولابك، مش زريبة هي.


همَّ بالرد لكنها قطعته وهي تقتربُ منه بمطلبها المعتاد:
__ المهم إيدك بقى على خمسة وسبعين جنيه علشان أنزل أجيب شوية حاجات من تحت، علشان أمك هتولّع فيا علشان مجبتلهاش حاجات الطبيخ بكرا.


تنهد «تميم» بعمق، ثم التقط قميصًا أبيض وألقاه بوجه «نور» مداعبًا، قبل أن يستدرا متجه نحو الكومودينو، أخرج المال و مدّه لها فأخذته بابتسامةٍ منتصرة وقالت قبل أن تخرج:
_ ابقى صالح خطيبتك علشان شكلها هتتفش بسبب أمك.


ثم غادرت الغرفة سريعًا، بينما ألقى تميم بجسده فوق الفراش بتعب، أخرجَ الهاتفَ مرةً أخرى ليرمقَ تلك الرسالة التي جمدت الدماءَ في عروقه: «لو مش خايف على نفسك خاف على أهلك و خطيبتك».


ضغط على الرقم بقلب مرتجف، أملًا أن يجيبه هذا المجهول، لكن الردَّ جاءه آليًا وباردًا: «الرقم المطلوب غير موجود بالخدمة»، زفرَ بحنق وألقى بالهاتفِ بعيدًا عنه، مررَ أصابعهُ في خصلاته بحركةٍ عصبية؛ فهو يشعر أن حياته تلك أصبحت مشاعًا ينهش فيه الجميع، ولا يجدُ مفرًا.. لا من نفسه، ولا من عائلته، ولا من ذلك الخطرِ المجهول الذي بدأ يحاصره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
”الورد في حديقتنا لم يكن يزهر… ليس لأننا لم نحاول، بل لأنه لم يكن لنا. زرعنا كثيرًا، وانتظرنا طويلًا، لكن الحصاد لم يأتِ، بينما رأينا غيرنا يزرع فيحصد بسهولة، حاولت مرارًا أن أجعله يزدهر، لكنه ظل كما هو… صامتًا لا ينمو، حتى قررنا أن نغيّر ما نزرع، أن نجرّب شيئًا آخر وعندها فقط… امتلأت الحديقة بالورد، وصار لنا حصاد لا ينقطع، تعلمت حينها أن بعض الأشياء، مهما حاولنا معها، ليست لنا… وأن الخطأ ليس فينا دائمًا، بل أحيانًا في ما نتمسك به لذلك، اترك ما لا يزدهر معك… واقترب مما يختارك كما تختاره.“


فتح باب الشقة، وأطلت فيروز من خلفه متسعة أعينها، ثم أشرقت ابتسامتها مندفعه تحتضن شقيقها بقوة مردفة:
__ زكريا، جيت أمتي و مقولتش ليه انك جاي.


رفع يده يمررها فوق رأسها قائلا:
__ قولت أعملها مفاجأة.


__وسّعي كده خلّيني أدخل__ دفعها برفق بعيدًا عنه..


تراجعت فيروز إلى الخلف، مفسحةً له المجال للدخول ثم صاحت بصوتٍ عالٍ لكي تستمع والدتها لها:
__ يا ماما زكريا رجع يا ماما.


خرجت ناهد من الغرفة بعد أن بدّلت ثيابها إلى عباءةٍ منزلية باللون الأزرق الفاتح، اقترب زكريا منها واحتضنها بقوة، كأنه غريب عاد أخيرًا إلى وطنه، أسند رأسه على كتفها فقالت ناهد بحنان وهي تربت على ظهره:
__ حمدالله على سلامتك يا نورعيني.


زفر براحة، وقال:
__ الله يا يسلمك يا امي.


__ طب وانا مليش حضن زيه كده و لا اي يا  ماما__ نطقت فيروز بها ممازحةً لهما، بينما كانت في داخلها تتأجج غيرةٌ حقيقية من هذا المشهد.


ابتعد زكريا، والتفت إليها، وقال ممازحًا إياها:
__ معلش، أصلًا أنا الابن البكر، علشان كده تلاقي أمي بتحبني أكتر منك.


عقدت ذراعيها أمام صدرها، ترمقه بغيرة، فأكمل زكريا حديثه ليُغيظها:
__ بطلي غيره بقي يا بومه.


هزّت ناهد رأسها بقلة حيلة، ثم قالت:
__ تعال يا بني نقعد، شكلك تعبان.


ساروا نحو غرفة المعيشة، وسارت فيروز خلفهما، ألقى زكريا بجسده فوق الأريكة، وجلست ناهد بجانبه، رفعت نظرها إلى فيروز التي وقفت علي عتبه الباب، ولا تزال ذراعاها معقودتين:
__ تعالي يا فيروز.


سارت نحوهما بسرعة حتى استقرت عن يمين زكريا، ثم قالت:
__ زكريا.


__ نعم. 


اخرجت هاتفها من جيبها، و فتحته و أخذت تقلب في الصوره حتي ضغطت أصابعها علي أحد الصوره و هي ترتدي الفستان الزفاف:
__ بص كده.


رفعت الهاتف تجاه اعينه، فابتسم زكريا وهو يتأمل مظهرها بفستان زفافها، تذكر كيف كانت شقيقته منذ سنوات طفلة يلاعبها و الان أصبحت عروس. 


نكزته فيروز في كتفه، والابتسامة تعلو ثغرها:
__ إيه رأيك؟ حلو؟


لم لم يُجبها بالكلام، بل جذبها إلى صدره يضمها بقوة ثم قبّل رأسها قال:
__ كبرتي وبقيتِ عروسة يا بومة، وهتسبينا.


اغرورقت عينا فيروز بالدموع وهي تلتصق بجسده، فقالت ناهد والدموع تتجمع في عينيها:
__هي في عروسة بتعيط يا بت؟


شهقت فيروز بغصّة، وهي تزداد في احتضانه:
__ ما تلغي الجوازة دي يا فيروز وتقعدي معانا، بدل ما تقعدي مع حماتك النكدية__ قالها بنبرة مازحة.


اختلطت ضحكاتها بدموعها، فقالت ناهد:
__ فكرتني، حماتها النهارده مسبتناش في حالنا، وكل ما نشوف فستان وتيجي أختك تتكلم مع تميم تروح هي حاشرة نفسها بينهم.


صاحت فيروز بضيق، فهي لا تريد أن تكون حماتها تلك المرأة المتطفلة محور الحديث:
__ يا ماما، خلاص بقى.


ابتعدت عن زكريا، وشفتيها مزمومتان بضيق:
__ ربنا يعينك يا فيروز عليها.


نهض والتعب يكسو جسده، يشعر بإرهاق شديد بسبب السفر الذي استمر ثلاث عشرة ساعة، ثم أضاف بتعب:
__ أنا داخل آخد دش… هو أبوي فين صحيح، مشفتوش في المحل.


قالت ناهد بهدوء:
__ راح عزاء الحاج عبدالصمد مع فريد وعمران.


تنهد زكريا، ثم اتجه نحو المرحاض ليستحم من ثقل السفر الطويل، ويأخذ قسطًا من الراحة قبل أن ينزل إلى والده بعد قليل، بينما ظلت فيروز في مكانها تمسح دموعها، تفكر في تغيّر تميم معها، وعصبيته الزائدة التي يفرغها فيها كل يوم، نظرت إليها ناهد وربّتت على كتفها بحنان، ثم خرجت لتحضر لزكريا ثيابه وتجهّز له الطعام قبل أن ينام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
”القمر شيء جميل نُشبِّه به بعض الفتيات، لكن هل تساءلت يومًا لماذا يُضيء بهذا الشكل رغم أنه في حقيقته مُظلم من الداخل؟ فهو لا يملك ضوءًا خاصًا به، ومع ذلك يبدو لنا متوهجًا وكأنه يحاول إخفاء عتمته الداخلية عن أعيننا. يظهر مضيئًا من الخارج، بينما يخفي داخله ظلمة لا يراها أحد.“


كان جسده مُمَدَّدًا على الأريكة، ورأسه فوق قدم جدته «عزيزة»، كانت عزيزة تمرر يدها داخل خصلاته الناعمة المتناثرة على جبينه، ما منحه مظهرًا وسيمًا، كان الهاتف بين يديه، وأصابع ماهر تمر سريعًا على الحروف. ارتفع صوت وصول الرسالة للطرف الآخر، وكانت مكتوبًا بها: «أنا روحت..».


نظرت عزيزة تجاه الهاتف الذي بيده، ورغم عدم خبرتها بتلك الهواتف إلا أنها قرأت ما كُتب على الشاشة، ورأت رسالة تصل إليه مكتوبًا فيها: «ماشي وأنا كمان روحت… أشوفك بكرة ومتنساش هتخرجني بعد بكرة». ابتسم وهو يكتب لها ردًا على حديثها: «مش هنسى🙂».


قالت عزيزة بخبث، وأصابعها لا تزال تمر بين خصلاته:
__شكلك بتحبّ يا ابن علياء


رفع عينيه تجاهها ونظر إليها طويلًا، ثم تنهد بصوتٍ مسموع، وكان بداخله يتمنى لو يستطيع أن يفعلها قلبه ويقع في الحب، لكن ظلام قلبه وحياته لن يسمحا بذلك.


__وأنا أعمل كده برضه يا زوزو؟__ قالها بسخريةٍ لاذعة.


و قبل أن تنطق عزيزة بشيء، خرجت علياء من المطبخ قائلةً:
__وليه ما تعملش كده يا قلب أمك… استنّي عليّا بس وأنا بكرة أجبلك عروسة تليق بمقامك.


ثم استكملت بأمنيتها التي يبدو أنها لن تتحقق:
__نفسي أفرح بيك يا ماهر.


اعتدل في جلسته وهو يفرك رقبته التي تؤلمه قليلًا، ثم تحدث ببرود:
__لا، انسي… أنا مش بفكر في الجواز خالص وبعدين ده أنا لسه صغير، مش كده ولا إيه يا زيزي؟


ابتسمت عزيزة بحزن، مردفةً:
__صغير على الهم يا بني.


لم تكتمل فقرة الحزن التي اعتادا عليها ككل مرة، اهتز هاتف ماهر بإشعارٍ آخر. فتح ماهر الهاتف، وكانت روان قد أرسلت له صورةً لها مع طفلٍ صغير، كان يلتصق بها وهي تقبّل خده، ومكتوبٌ تحت الصورة: «روحت عند بابا… زيد مش مبطل عايز يشوفك 😂». ابتسم ماهر وردّ عليها: «ابقي هاتيه معاكي بكرة… هتباتي عندك ولا هترجعي البيت؟».


__وحياة أمك يا ابن علياء… تعالي يا علياء شوفي ابنك تعالي.


اقتربت علياء سريعًا لترى الصورة، لكن ماهر كان قد أغلق الهاتف ونظر إليهما بحنق، وقال:
__ خصوصيات يا حاجة زيزي؟ مفيش عندكم خصوصيات؟


لكزته علياء على كتفه، مردفةً بصوتٍ عالٍ:
__خصوصيات... لا يا حبيبي دي عند أبوك الخصوصيات دي إنما هنا مفيش خصوصيات.


غمزت له، ثم دفعته بخفة في ذراعه قائلةً:
__لو في حاجة كده أو كده، قولي أنا أمك ستر وغطا عليك.


__ستارة وغطا إيه بس يا أمي؟ هو أنا بعمل حاجة غلط؟__ نطقها ساخرًا من حديثها.


فتح الهاتف مرة أخرى وأراه الصورة لوالدته وجدته، أردف بهدوء:
__ دي روان... وشغالة معايا في الشركة، وأنا بعتبرها زي أختي.


تنهدت علياء، فهي تعلم أنه صادق في حديثه، وإلا إن كان شيء آخر بقلبه لتلك الفتاة لكان قال لها منذ وقت طويل أو قال لـ عمران، زوجها، كون الاثنين مقربين رغم أن عمران زوجها وليس والده، لكن علاقتهما قوية ببعض. 


ربتت على كتفه، تقول بخفة: 
__ بقولك إيه، سيبك من كل ده وتعالى دوق حتة البسبوسة اللي عملتها يا بشمهندس.


اتسعت عيناه، فقالت عزيزة وهي تنهض تسير نحو المطبخ:
__ حيلِك يا ختي، وربنا البسبوسة دي محد هيلمسها غير لما أدوقها أنا وعمران الأول، غير كده لا.


__ ساعات بحس إن عمران هو اللي ابنها __ تفوهت بها علياء.


__شكله كده يا علياء__ قالها ولحق بجدته، وكعادته سيتذوق أولًا البسبوسة التي يتجاوز عشقه لها الحدود.


ابتسمت علياء وهي تسير خلفهما، وداخلها سعادة كبيرة ببقاء ابنها بجانبها كل تلك الفترة دون تدخل من طرف آخر يزعجهما ويعكر صفو مزاجهما، وهي تحمد ربها على كل ما حدث والذي جعلها تصل إلى تلك النقطة في علاقتها بابنها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغريب في الحب أنه ليست رواية رومانسية بحتة مثل أحلامي الوردية التي أحلم بها، بل مشاعر وأشياء يخجل المرء في إظهارها، أحيانًا أنزعج من عدم إحساسي بالحب لأحد لكن أحب هذا الشعور لكي أحفظ قلبي لمن قد يحبه قلبي، الحب غريب لكنه جميل.


كانت السماء كاحلة، لا يُضيئها سوى القمر الذي يتوسطها كنجمة بعيدة في السماء، في الحاره اسفل منزل عائلة العبد حيث يتوسط محل «العبد للخضروات و الفواكه الطازجة»، كانت الساعة تشير إلى الثامنة والنصف مساءً، كان زكريا يجلس على مقعدٍ في المحل، منشغلًا بالنظر في هاتفه، كان المحل هادئًا نوعًا ما، إذ لم يتبقَّ سوى وقتٍ قصير قبل أن يغلقه زكريا ويصعد إلى المنزل بعد عودة والده، وبينما هو غارق في هاتفه، دلفت نور إلى المحل، وانحنت قليلًا لتضع الأكياس البلاستيكية التي تحمل بعض ما اشترته. رفعت نظرها نحوه، التَمَعَت عيناها وهي تتأمل مظهره.


أحس زكريا بنظراتها، فرفع رأسه، فخفضت بصرها أرض، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:
ــ كنتُ عايزة... دقيقه.


لم تعد تتذكر ما كانت تريده، فأخرجت ورقةً صغيرة من جيبها، وأردفت بتلعثم:
__ عايزة كيلو… كيلو ونص طماطم، ونص كيلو خيار.


نظر إليها زكريا طويلًا، ثم نهض والتقط كيسًا بلاستيكيًا، وتقدّم نحو الرف الذي تعلوه الطماطم، وبدأ ينتقي منها ويضعها في الكيس:
__ تميم عامل إيه؟


__ الحمد لله__ قالتها بخجل، وعيناها منخفضتان نحو الأرض.


اقترب منها وهو يحمل الأكياس، وقال متسائلًا:
ــ هو في حاجة عجباكِ في الأرض


رفعت نظرها إليه سريعًا، فالتقت حدقتاها السوداوان بفيروزيتيه، فصرفت بصرها عنه، وقالت بخجل:
ــ لا.


ابتسم بسخرية، وانحنى قليلًا نحوها مع الحفاظ على مسافةٍ بينهما:
ــ أمال باصة للأرض ليه.


انتفض قلبها من قربه، ومن رائحة عطره التي ملأت أنفها، فتراجعت رغم أن المسافة بينهما كانت طبيعية، اخرجت أموالها ومدّتها له:
ــ اتفضل، ولو الحساب فيه زيادة، ماما هتبقي تحاسب عمو عاصم بكرة.


نظر إلى الأموال التي بيدها، تنهد ثم تراجع للخلف قائلاً:
ــ خذي حاجتكِ وامشي يا نور، مش ناقصين تخلف.


ــ أنا مش متخلفة.


قال بنفاد صبر__ خذي الحاجة وامشي يا نور، الله يكرمك__ فوضع الأكياس في حضنها وهي لا تزال ممدّة يدها بالمال، فرفعت يدها الأخرى سريعًا تمسك بهما.


لوت شفتيها بحنق، وأمسكت الأكياس جيدًا، وقالت:
__ شكرًا.


استدارت مغادرةً المحل، وابتسمت بخجل وهي تسير مبتعدة عنه، كان زكريا قد لاحظ ابتسامتها، فابتسم في هدوء وهو يراقبها تبتعد نحو منزلها، عاد إلى المقعد وجلس، زفر زفرةً طويلة يتمنى لو أنه حقًا… لا، لا يهم الآن، فقد فات أوان أمنيته تلك، وهو لم يتمنَّ في حياته شيئًا إلا ولم يتحقق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«الطيور على أشكالها تقع» 
هكذا اعتدنا أن نؤمن… أن كل روح تجد شبيهها، وأن البشر يلتقون بمن يشبههم في كل شيء... لكن، ماذا إن اختلّت القاعدة؟ ماذا إن سقطت الطيور على غير أشكالها، على اختلافٍ لا يشبهها في شيء؟.


خرجت فيروز من الشقة، تحمل بيدها أطباقًا وأكوابًا كانت والدتها قد استعارتها من عمتها بالأمس،  ركضت نحو الدرج، وبدأت تصعده مسرعة، تعدّ درجاته درجةً تلو الأخرى، غير عابئة بأنها لم تعد طفلة لتقوم بتلك التصرفات الطفولية، توقفت تحصي كم درجة صعدتها، لكن فجأة رفعت رأسها نحو مصدر صوتٍ ساخرٍ يقول:
__ عاملة زي الهبلة وإنتِ بتعملي حركات الأطفال دي.


امتقع وجهها من حديثه؛ فهي تبغض ذلك الرجل الذي يُدعى «ماهر»، رغم أنها لا تعلم سبب كرهها له، لكنها لا تطيقه. وهو أيضًا يبادلها الكراهية ذاتها. فقد بدأ الأمر منذ أن رأته أول مرة؛ حين نشب بينهما شجار، كسر خلاله هاتفها، فأجبرته على تعويضها بآخر. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد تطيقه، وهو كذلك.


هزّت رأسها، وابتلعت كلماتها كي لا تتشاجر معه. ثم صعدت بقية الدرج، حتى توقفت أمامه، أسفله بدرجتين، مردفةً بحنق:
— لو سمحت، عدّيني.


ارتفع حاجباه، وعقد ذراعيه أمام صدره، يحدّق في وجهها بنظرةٍ فاحصة لا تخلو من الاشمئزاز، لم يتنحَّ عن مكانه، مما زادها اشتعالًا، فصاحت بعصبية:
— إنت اتطرشت؟ ما توسّع من قدّامي هو أنا ناقصكَ؟


— على فكرة، أسلوبك زبالة أوي. ياريت تحسّني من طريقتك، ولسانك الطويل ده ما يبقاش معايا.


عضّت فيروز شفتها السفلية، لا تريد أن تتحدث، لكنها لم تستطع الصمت، فقالت:
— ابقى إنت احترم نفسك، ومتبقاش تتكلم معايا المرة الجاية.


أكملت حديثها بخبث وهي تصعد درجة أخرى:
— قول الصراحة، إنت بتحبني؟


وضع يديه في جيبيه، وضيق عينيه بسخريةٍ لاذعة:
— بقي أسيب بنات مصر كلها وأحبك إنتِ؟ (غمز لها) علشان عيونك الخضرا يعني؟ فاكرة إني ممكن أبصّلك أصلًا؟ لو فاكرة كده، يبقى إنتِ واخدة في نفسك مقلب كبير لاني مش بهتم بالشكل، وبصراحة أنا ما بثقش في أي حد عيونه خضرا.


شعرت بإهانة، لكنها لم تُرد أن تُظهر أنها تأثرت بكلامه، فقالت:
— مش هرد عليك علشان أنا متربية.


دفعته في صدره، فتنحّى مفسحًا لها مجالًا لتصعد. مرّت بجواره، فالتفت ليرحل، فأوقفته قائلةً باستفزاز:
— عارف يا ماهر، أنا أول ما بشوفك وشي بيكرمش.


ابتسم بسخرية ثم قال:
— ليه وشك ورقة كشكول


نظرت له بغيظ، ثم صرخت بغضب في وجهه، وضمت الأطباق إلى صدرها، واستدارت لتكمل صعودها بعصبية، بينما التفت ماهر وركض على الدرج حتى وصل إلى الأسفل، توقف في منتصف مدخل المبنى، يحرك رأسه يمينًا ويسارًا، ويده تفرك جبينه المتعرّق، أطلق زفيرًا ثقيلًا وأغلق عينيه، وهو يشعر بألمٍ في رأسه بدأ يتشكل على هيئة أصواتٍ كثيرة داخله؛ أصوات تجلد ذاته وتوبّخه على الماضي، حتى وإن لم يكن له ذنب فيه، انقبضت يده بقوة، وتسارع تنفسه أكثر، وكأنه يسمع شيئًا داخل رأسه لا يريد سماعه ولا رؤيته


مرّت لحظات حتى فتح عينيه، واتجه ليغادر المبنى قبل أن يراه أحد هكذا، فتح الباب وخرج متجهًا نحو سيارته المركونة، ثم دخل إلى مقعد السائق وأغلق الباب خلفه، نظر إلى الفراغ أمامه وهو يشعر بشللٍ في أطرافه، فأسرع وأسند رأسه فوق المقود، أغمض عينيه بقوة، محاولًا منع تدفّق الذكريات التي لا تتركه أبدًا يرتاح.


— كفاية صداع بقى… كفاية… اسكتوا… كفاييييه__ ضرب بيديه على جانبي رأسه، وكأنه يحاول حبس تلك الذكريات التي تذكره بضعفه أمامهم. لم يكن قادرًا على فعل شيء في ذلك الوقت سوى أن يبكي، بينما كان يستمع لأبيه وأمه وهما يخططان لحياتهما و كأنه ليس موجود.


لا يدري كم مرّ من الدقائق حتى رفع رأسه، مدّ يده إلى المفتاح وشغّل محرك السيارة، ثم زفر بقوة قبل أن ينطلق نحو منزله الذي يبعد مسافة قصيرة، كان يقود، وهموم العالم تتصارع داخل عقله، وكأنها في سباقٍ أيّها ستنتصر أولًا لتجعله ينهار، مرّت دقائق حتى وصل أسفل المبنى، فقاد السيارة إلى داخل الجراج الخاص بالعمارة. توقف في مكانه المخصص، ثم ترجل وأغلق الباب خلفه وأحكم إغلاقها جيدًا. مرّر يده في شعره بعصبية، ثم مشى متجهًا إلى شقته، باحثًا عن لحظة راحة من صداعه داخل قوقعته التي يسميها «النوم كمقتول»، بعدما سيأخذ المنوّم ويحاول أن ينام، أو يبقى مستيقظًا يواجه ما بداخله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرّ الوقت حتى بلغ الليل ذروته، عند منتصفه، حيث يسود الهدوء الأحياء السكنية، ولا يُسمع سوى همسٍ خافت لا يلتفت إليه أحد إلا إذا أنصت جيدًا، داخل غرفة فيروز، التي كانت مرتبة للغاية، كان الفراش يتوسط الغرفة أسفل نافذةٍ مزينة بستائر قطنية باللون البني الغامق، ينسجم مع مفرش السرير الذي كانت فيروز مستلقية عليه، بينما كانت قدمها اليمنى تهتز بعصبية.


كان الهاتف على أذنها، بينما تحدث تميم بصوتٍ متعب:
— قولتلك يا فيروز، مفيش حاجة… بس شوية مشاكل في الشغل.


قالت بصوتٍ حنون، تحاول أن تفهم ما يزعجه حقًا، فصوته المتعب لم يكن يوحي بأنها مجرد مشاكل عمل، بل بأمرٍ آخر لا تعلمه هي:
— تميم، كل الشغلانات فيها مشاكل، بس طريقتك بتقول إن في حاجة تانية… لو في حاجة، قولّي.


— مفيش حاجة، هو بس شوية مشاكل في الشغل__أردف محاولًا أن يجعلها تصدّق أن مشاكل عمله هي ما تجعله عصبيًا بتلك الطريقة.


زفرت بصوتٍ مسموع، وصل إليه، فأكمل محاولًا أن يلطف الجو المتوتر:
— أنتِ كويسة؟


— أنا تمام، بس حاسة إنك مخبي عليّا حاجة.


— فيروز، أنا مش عايز وجع دماغ، فكّك من الموضوع… بقولك إيه، أنا هقفل عشان هنام.


أسرعت قائلة:
— ما تخليك شوية، عايزة أسألك عن الفستان…


لكن قاطعها صوته العالي بعصبية:
— فيروز، أنا عايز أنام، عندي شغل بكرة.


عضّت على شفتها بغيظ، ثم تحولت نبرتها التي كانت ستنفجر غضبًا إلى برودٍ واضح:
— ماشي، سلام.


تنتظر أن يضيف أي جملة أخرى، وأنهت المكالمة، نظرت إلى سقف الغرفة وزمّت شفتيها، قلبها يخبرها أن هناك شيئًا يخفيه، وعقلها يخبرها أنها حقًا ضغوط في العمل، أغمضت عينيها وأخذت شهيقًا طويلًا ثم زفيرًا، فتحت عينيها ونظرت نحو الخزانة المفتوحة، ولمحت فستان حنّتها، كان الفستان بسيطًا ومحتشمًا باللون الكريمي، مزينًا بخطوط وتطريز باللون الأحمر من الأكمام وحواف الياقة حتى منتصفه، ويتوسطه حزام عريض بنفس اللون، وينسدل واسعًا حتى أسفل.


اعتدلت على الفراش ونهضت متوجهة نحو الخزانة، ابتسمت لفكرتها المجنونة بأن ترتديه لكي ترى كيف سيكون عليها، أخرجته وأسرعت تضعه فوق الفراش قائلة:
__مش هيحصل حاجة، هشوف شكله بس


نزعت ثيابها وارتدته سريعًا، وقفت بعدها أمام المرآة تتأمل مظهرها به، كان ضيقًا من الأعلى بفضل الحزام الأحمر المربوط على الخصر، وينسدل الفستان على جسدها النحيل ليعطيها مظهرًا رائعًا. رفعت يدها نحو ربطة شعرها وحررته، فانسدلت خصلاتها المموجة، ثم هزّت رأسها بقوة حتى تبعثر حول وجهها.


نظرت بغرور إلى مظهرها ذلك، ومن ثم أمسكت هاتفها ورفعته أمام المرآة وأخذت تلتقط عدة صور بوضعيات مختلفة، وبعدما انتهت من التقاط الصور تحدثت وهي تتأمل أحد صورها:
__ ده أنا تحفة فنية والله، خسارة في تميم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نلتقي على خير


يارب الفصل يكون عجبكم، متنسوش الڤوت.


#طرف_ثالث_بالخطأ
#الفصل_الثاني
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.