اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

رواية مورغوليس " ملك أسفل الأرض " (طفولة مظلمة)

جاري التحميل...

طفولة مظلمة

جميعنا وُلدنا أحراراً… هكذا يُفترض. لكن حين ظهر الجشع، لم يسرق الحرية فقط… بل صنع لها أقفاصاً. انقسم العالم إلى نصفين: نصفٌ يختبئ خلف وهم الرفاهية والسلطة، ونصفٌ يُسحق تحت الخوف والعبودية… بأيدي قلوبٍ اسودّت. فأين اختفت عدالة هذا العالم؟ من أعماق القمامة وتحت ظلام الأرض، ينهض رماس… فتى من الطبقة المنسية، يحمل في داخله ناراً لا تنطفئ. يسعى لانتزاع العرش… لا طمعاً، بل انتقاماً ممن سرقوا حياته، وقتلوا والديه، وسلبوه حقه في أن يكون حراً. لكن الحقيقة أكثر قسوة… رماس ليس مجرد ناجٍ… بل وريث العرش الحقيقي، ابن ملكٍ تخلّى عن الحكم يوماً من أجل عائلته. والآن، يقف أمام العرش بسيفه… يطالب بحقه. وخلفه أعمدة القمر الثمانية، جنودٌ أقسموا الولاء لدمٍ لم يمت بعد. لكن حتى في أكثر الأيام إشراقاً… تزحف الخيانة في الظلال، ويتمدد الجشع في القلوب… حتى أنقى القلوب. في طريقٍ مليء بالخسارة والدم، يسعى رماس لإعادة العدالة إلى عالمٍ نسي معناها… لكن السؤال الحقيقي ليس: هل سينتصر؟ بل… هل سيبقى كما هو، أم أن الانتقام سيحوّله إلى ما كان يكرهه؟

تحميل الفصول...
المؤلف

القوي يقضي على الضعيف.

هكذا بُني هذا العالم.








 
 
 
إن كانت القوة
بيدك، فأنت ملك أو نبيل، وإن كان الضعف يسيطر على حياتك، فأنت مجرد حشرة يمكن
استبدالها بسرعة.
 




















 
 
 
غريبٌ كيف تسير الأمور في هذا العالم...

من قرر أن الحياة للأقوياء فقط، وأن الضعفاء مجرد حشرات؟
من وزّع القوى على هؤلاء الأشخاص؟

وهل هم فعلاً يستحقونها؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
أمي أخبرتني بأن
القوي يحمي الضعيف...

فلماذا أرى الأقوياء من حولي يستغلّون الضعفاء؟
كانت أمي دائماً تخبرني بأن عليّ أن أكون صالحاً،
وأن أحمي الضعفاء. ولكن...  لا أستطيع أن أحميهم
وأنا أفتقر إلى القوة.
 


























































 
 
 
حاولت جاهداً أن أصبح قوياً، بشتى الوسائل...  لكن أصحاب السلطة في المملكة كانوا دائماً
طمّاعين، ولا يمنحون القوة إلا لمن يشاركهم جشعهم واحتقارهم للطبقة الفقيرة
والضعيفة.
لذلك قررت...
إن لم أستطع أن أكون قوياً وأحمي الضعفاء، فسأكون
سارقاً… أسرق من الفاسدين، وأعطي المحرومين.



















وهكذا بدأت قصتي المليئة بالخداع والاحتيال.


وُلدتُ في غرفة مظلمة، في أحد الأحياء الفقيرة
التي تقع تحت الأرض.

كان النبلاء وأصحاب المال والقوة يعيشون فوقنا بكل سلامٍ
ورخاء، بينما يعاني الفقراء في الأسفل، كأنهم مجرد جرذانٍ في المجاري.
وُلدتُ داخل غرفة مظلمة، أشبه بسجنٍ ضيّق.  لم يكن فيها ضوءٌ قوي، فقط كنت أستطيع رؤية
أقدام الأثرياء من نافذةٍ صغيرة، كانت ملاصقة لإحدى طرقهم المعبّدة بعناية.
كانت النافذة محاطة بقضبانٍ حديدية، كأنها سجنٌ
سحيق يمنع حتى الهواء النقي من الدخول.
الغرفة كانت ضيّقة للغاية، مطليّة بذلك اللون
الرمادي القذر، الذي يكاد يحمل في طيّاته رائحة العنف.
أبي...!! 

لا أعلم عنه شيئاً.

لا أذكر ملامحه، فقد تركني حين وُلدت، وفرّ هارباً نحو
الحرية.
أمي...!! 
أصابها الجنون من جلوسها الطويل داخل هذه الغرفة
المقرفة.  فقدت عقلها، وبدأت تهذي طيلة
الوقت.
تُدعى " أريا " 

امرأة في غاية الجمال.  شعرها ذهبي لامع، وبشرتها بيضاء صافية. كان
الجميع يُسحر بجمالها، ويخشاها في الوقت ذاته، لأنها كانت زوجة أبي.
لا أعلم لماذا كان الجميع يهابها، ولا يتحدث
إليها… حتى أصابها الجنون من وحدتها، ومن تحديقها المستمر في الجدران المظلمة.
كان الحي الذي أعيش فيه يقع تحت الأرض، عبارة عن
غرفٍ متقاربة ومتلاصقة، كأن الفقراء جميعهم محاصرون داخل هذا المكان الضيّق.
المياه كانت دائماً متسخة، ورائحتها كريهة.  الأرض موحلة، تجعل الملابس متّسخة باستمرار.  وآثار الفقر كانت بادية على وجوهنا دائماً. كانت
رائحة الأمراض والموت منتشرة في كل مكان، لدرجة أنها تجبرك على وضع شيء على أنفك
حتى لا تشمّها.  رغم هذه الظروف القاسية...
 كنا سعداء نوعاً ما… أو ربما ليس جميعنا.
كنت أشتعل غضباً دائماً من هذا الواقع. بلغتُ العاشرة
حينها،ولم أعد أطيق الصبر على هذا الجحيم.
كنت أخرج من الغرفة صباحاً، أبحث بين القمامة عن
أشياء أصلحها كلُعبٍ بسيطة، أو أفتّش عن كتبٍ ومخطوطاتٍ قديمة مرمية. ثم أعود
ليلاً لأطمئن على والدتي المريضة.
كان الأولاد ينظرون إليّ بغرابة، رغم أنهم يعيشون
نفس الفقر الذي أعيشه، ورغم أن آثار الاتساخ والغبار كانت واضحة على وجوههم
وملابسهم الممزقة.
 
بقيتُ على هذه الحال... حتى اكتفيت من هراء هذا
الفقر.
كنتُ جالساً مع أمي في الغرفة،أتأمّل  صوت أقدام النبلاء وهي تمر بجانب النافذة.
كانت أمي بجانبي، تجلس على السرير المهترئ، تضم
جسدها بين ذراعيها، وتهزّ رأسها للأمام والخلف كطفلةٍ صغيرة، وتهذي بكلماتٍ غريبة.
فالا... " "

فالا... " "

فالا... " "
دائماً دائماً دائماً تردّد نفس الكلمات. 




اقتربتُ منها حتى أصبح وجهي مقابل وجهها، ثم
وضعتُ يدي على خدّيها،

وضغطتُ بلطف… حتى تهدأ.
كانت تلك الكلمة كابوساً بالنسبة لها، تجلب لها
هلوساتٍ مؤلمة،وتحرمها من النوم، وتدفعها أحياناً لإيذاء نفسها.
كنت أتساءل دائماً...  ما معنى هذه الكلمة؟
فالا.. " "
ماذا تعني؟
وفجأة... توقفت أمي عن ترديدها.
نظرت إليّ...  كأنها تراني لأول مرة.  تسلّل ضوء القمر إلى الغرفة، وانعكس على وجهها، فرأيت
دموعها تنساب بهدوء… حتى وصلت إلى يدي الصغيرة.
ثم همست:
رماس... " "
 رماس هو اسمي الاسم الذي أطلقتْه عليّ قبل أن تفقد
عقلها.
كم مرّ من الوقت منذ أن سمعتها تنطق به؟


لا أعلم...
تابعت بصوتٍ هادئ:
رماس... "

الأشياء الجميلة غالباً ما تكون بعيدة...

كالسماء...

كالغيوم...

وأنت. "
ثم ابتسمت...  وأغمضت عينيها ببطء، حتى بدت لي كأنها ملاكٌ سقط
من السماء.  لا أدري ماذا كان شعوري حينها،
لكنني تمنّيتُ من كل قلبي لو أن تلك اللحظة لا تنقضي.  ثم تغيّرت ملامح أمي، وعادت باردة، عادية،
وحادّة من جديد، وأخذت تردد نفس الكلمات وهي تهزّ جسدها النحيل:
فالا... " "

فالا... " "

فالا... " "
شعرتُ باليأس يغمرني ويطرد شعور الراحة الذي كان
في قلبي قبل لحظات.  أبعدتُ يديّ عن وجهها
بعد أن مسحتُ دموعها، ثم نزلتُ عن السرير، ومددتُ جسدي على الأرض الباردة، وأطبقتُ
يديّ على أذنيّ كيلا أسمع أنينها المعتاد وكلماتها الغامضة… كما في كل ليلة.
كان الأمر يرهقني كثيراً… أن أرى الشخص الوحيد في
حياتي يعاني إلى هذه الدرجة.





انقضت الليلة ببطءٍ شديد، حتى ظننتُ أن الغبار
سيكسو جسدي من شدّة بطء الوقت.  حين حلّ
الصباح، فزعتُ من نومي كعادتي أبحث عن أمي. وجدتها نائمة في مكانها على السرير،
فوضعتُ الغطاء عليها بهدوء حتى لا أوقظها.
ثم خرجتُ من الغرفة متجهاً نحو مكبّ النفايات.
 
كان المكان هناك عبارة عن ساحةٍ شاسعة، مليئة بكل
ما هو غير مرغوبٍ به في هذا العالم.
كان الأثرياء وأصحاب الطبقة العليا، الذين يعيشون
فوق الأرض، يرمون كل نفاياتهم هناك. لذلك كان الفقراء يتسابقون عند وصول النفايات
للحصول على أفضل المقتنيات، ويأخذونها إلى بيوتهم.
أما أنا، فكنتُ أذهب بعد أن ينتهي الجميع.  لم أرد أن أتسبب في أي مشاكل، خاصة وأن الجميع
كان يتصرف معي بغرابة ويتنمّر على آثار الحروق الموجودة على ظهري.
أُصبتُ بها عندما كنت في الرابعة من عمري. لا
أذكر ما حدث حينها، لكن الطبيب العجوز أخبرني بأن هذه الآثار لن تزول أبداً، وأن
عليّ التعايش معها إلى الأبد.
كانت أمي هي من تسببت بها… لكنني لست غاضباً
منها. لا يمكنني أن أكره أمي. يكفي أنها أنجبتني، ولا تزال معي حتى هذه اللحظة.
 
كنتُ أبحث بين القمامة عن أشياء عشوائية لأقايضها
بالطعام.  كانت هناك ألعاب كثيرة، مهترئة
قليلاً لكنها لا تزال جميلة. من شدّة ثراء أهل الأرض فوقي، كانوا يرمون كل شيء
بمجرد أن يبدأ بالقدم.
بحثتُ لساعاتٍ طويلة، أفتّش عن شيءٍ ذي قيمة. لم
يعد أحد يهتم بالألعاب… وأردت شيئاً أكبر...  بدأ الوقت يتأخر، ولا زلت أبحث بكل استماتة.
بقيتُ وحدي بعد أن رحل الجميع.
 
كنا دائماً نسمع حكاياتٍ مخيفة عن هذا المكان...
عن أناسٍ يظهرون ليلاً بلا وجوه، يصطادون من يبحث
في القمامة… وأن من يخرج ليلاً يختفي إلى الأبد.  كنت أبحث بقلق، أحاول أن أجد أي شيء بسرعة…
وأهرب إلى أمي.  لكن تلك الحكايات كانت
تتردد في رأسي باستمرار، كأنها تنبض داخل عقلي.
 
وفجأة...
صوت خطواتٍ يقترب من خلفي.
تجمّدتُ في مكاني، وتوقّفتُ عن إصدار أي صوت،
أحاول الاستماع جيداً. كنت أحدّق أمامي، بينما الصوت يقترب شيئاً فشيئاً.  كان قلبي يتخبّط بجنون، وكأنه فقد صوابه.  بقيتُ عاجزاً… حتى شعرتُ أن صاحب الخطوات أصبح
خلفي تماماً.
ثم...
فالامورغوليس... " "
دخلت الكلمة إلى مسامعي، كأنها همسة بمحاذاة أذني.
فالامورغوليس... !! " "
ردّدتها بصوتٍ خافت، وعيناي لا تزالان تحدّقان
أمامي بجمود. كنت خائفاً من الالتفات… لم أرد أن أُختطف مثل الآخرين.  أردت فقط… أن أعود إلى أمي.
 
ثم اختفى… كما ظهر.  بقيتُ وقتاً طويلاً ثابتاً في مكاني، غير قادر
على الحركة من شدّة الخوف.  حتى بدأت عيناي
تثقلان، وترنّح جسدي… ثم سقطتُ أرضاً.  فزعتُ
فوراً، ونهضتُ ألتفت يمنةً ويسرة، لكن لم يكن هناك أحد.  لم يكن هناك شيء يتحرك… سواي.  تنفّستُ الصعداء، وأردتُ الهروب فوراً.
حين وقفتُ على قدمي، لاحظت شيئاً غريباً...  كان هناك كيسٌ بالقرب مني، وبداخله شيء مزيّن
بشكل غير مألوف. انحنيتُ والتقطته. وحين فتحته...  اتسعت عيناي.
قناع...
أبيض، مزخرف بطريقة غريبة.  لم يكن فيه فتحات للعينين، كأنه لم يُصنع
ليُلبس، بل ليخفي الملامح البشرية بالكامل.  كانت النقوش وحدها هي التي تمنحه ملامحه الغامضة.
وفي داخل الكيس أيضاً...
عملة ذهبية. 
لم أرَ في حياتي عملة كهذه، فقط رأيت صورها في
كتبٍ قديمة. لكن هذه كانت مختلفة.  ليست
كعملات الأثرياء في الأعلى.  كانت تحمل
نقوشاً غريبة جداً على كلا الوجهين. 
تذكّرتُ أمي فجأة.  أغلقتُ الكيس بسرعة، وانطلقتُ عائداً إلى المنزل.
 كان الليل قد حلّ منذ وقتٍ طويل، وكنت
قلقاً… أن تفقد أمي صوابها وتبدأ بالصراخ لأنني تركتها وحدها.
حين وصلت...  كان باب الغرفة مفتوحاً على مصراعيه.  تجمّدتُ في مكاني.  اقتربتُ بحذر...  لأجد العجوز التي تسكن في الغرفة المقابلة
جالسةً بجانب أمي… وتطعمها.  كانت الغرفة مظلمة… ولا يضيئها سوى شمعة العجوز. التي أحضرتها معها هي ما كان يضيء المكان.  دخلتُ الغرفة على
مهلٍ، حتى لا أفزع أيّاً منهما.  حينها لمحتني العجوز، التي كانت ترفع الملعقة
لتطعم أمي،فابتسمت لي ثم قالت:
مرحباً بك يا صغير… لقد عدت متأخراً اليوم كثيراً. " "

" قلقتُ عليكما، لأنك لم تأتِ اليوم
وتجلب الطعام لوالدتك، فجئتُ إليها بنفسي، ولكنني لم أرك. "
قل لي أيها الصغير… أين كنت طيلة هذا الوقت من الليل؟ " "
 
أخفيتُ الكيس وراء ظهري، وقلتُ متلعثماً:
ل… ل… لا شيء... "
"

" كنتُ أبحث في القمامة، وغفوتُ هناك من
شدة الإرهاق، ثم استيقظتُ لأجد أن الليل قد حلّ بالفعل. "
 
"ماذااااا…؟  "

ما الذي تفعله هناك في هذا الوقت المتأخر؟ "
" 

ألا تدري بأن هناك أشياء مخيفة تحدث ليلاً؟ "
"

وقد اختفى الكثير من الأشخاص من حيّنا! "
"
بالطبع أدري...  لهذا
عدتُ بسرعة. " "

"
انظري إليّ… أنا بخيرٌ تماماً. 
كنتُ لا أزال أخفي الكيس وراء ظهري.  أظن أن العجوز قد لمحت أنني أخفي شيئاً، فسألتني
بعفوية، وهي لا تزال ترفع الملعقة:
"إذاً… هل وجدتَ شيئاً جديراً بعد كل هذا العناء؟  "
ضغطتُ على الكيس بقوة أكبر، أخفيه جيداً وراء ظهري، ثم قلت:
"
لا… لا، لم أجد شيئاً جيداً. "

سأبحث غداً مرة أخرى. " "
حينها ابتسمت العجوز وقالت:
 يا لك من ولدٍ مهذّب...  هيا، تعال لتأكل مع والدتك المسكينة. " "
" حسناً… حسناً… أنا قادم. "
ذهبتُ وجلستُ بجانب والدتي الساكنة، وأخفيتُ الكيس ببراعة تحت
الغطاء.  أعطتني العجوز وعاءً قديماً، فيه
بعض العصيدة.  كان هذا هو طبق اليوم.
في الحقيقة… لم آكل شيئاً غير العصيدة من قبل.  هذا هو طعام الفقراء مثلي...  كلنا كنا نأكل نفس هذا الطعام.  بعدما انتهت العجوز من إطعام والدتي، غادرت
مستأذنة إلى غرفتها. بقيتُ مع أمي وحدنا.  كنتُ
أتأمل ملامحها الهادئة...  لقد كانت هادئة
على نحوٍ غريب.
لم تهذِ كما كانت تفعل دائماً، الأمر الذي جعلها تغطّ في نومٍ
عميقٍ بسرعة. شعرتُ ببعض الراحة...  ثم
قررتُ أن آخذ غفوة بجانبها.
 
حينما فتحتُ عيني،كان الصباح قد حلّ بالفعل.  كانت خطوات الأثرياء تصدح في المكان.  كانت عيناي لا تزالان ثقيلتين بعض الشيء.  وضعتُ يدي بجانبي أتحسّس الكيس الذي حصلتُ عليه...
 فلم أجده.
اتسعت عيناي...  ونهضتُ
فزعاً أبحث عنه.
رأيتُها...
والدتي كانت تمسك بالعملة، وترفعها إلى الأعلى، وتتأملها بحذر...

كأنها تعرف شيئاً خطيراً لا أعرفه.
كانت تمسك العملة بيد، وتتحسّس النقوش باليد الأخرى،.وعيناها
جاحظتان، وهي تردد:
فالا... " "

فالا... " "

فالا... " "
 
اقتربتُ منها بهدوء، وجلستُ أمامها.  كان القناع على الأرض، فالتقطته بيدي، ونظرتُ
إليه بتمعّن.  كنت أراقب تلك النقوش
الغريبة، وملامحه غير الطبيعية...  أنفٌ
وشفاه...  لكن بلا عينين.  فقط نقوش ورسومات تزيّن مكانهما.  أدرتُ القناع لأرى ما على الطرف الآخر منه...  لكنني لم أجد شيئاً.  كان مجرد قناعٍ عادي. رفعتُ القناع، وقرّبته من وجهي لأرتديه.  كان خانقاً بعض الشيء، ولا أرى عبره شيئاً.
 
حينها تذكّرتُ تلك الكلمة التي سمعتها الليلة الماضية.  حاولتُ تذكرها...  لكنني لم أستطع في البداية.  أزلتُ القناع عن وجهي، ووضعته في حجري.  كنتُ أتحسّس الرسومات عليه، وأحاول تذكّر الكلمة.
كانت أمي لا تزال تردد:
"فالا… فالا… فالا...  "
وهي تنظر إلى تلك العملة.
ثم...  تذكّرتها.
فالامورغوليس... " "
قلتها دون وعي، وأنا لا أزال أتحسّس القناع،وعيناي تسرحان فيما
حدث الليلة الماضية.
لكن...  شيئاً غريباً
حدث.
صمتت أمي للحظات...

رفعتُ رأسي أنظر إليها، فوجدتها تحدّق بي في صدمة،  كأنني قلت شيئاً مرعباً. اقتربت مني فجأة، ورمت
العملة أرضاً، ثم وضعت كلتا يديها على كتفي،

وبدأت تهزّني بقوة.
"
فالا… فالا… فالا... !! "
 
كانت تهزّني بعنف، وكنتُ عاجزاً عن منعها.  ناديتها مراراً، لكنها لم تستمع إليّ.
 
حينها… قلت الكلمة مجدداً:
فالامورغوليس... " "
ومجدداً...
"
فالامورغوليس... "
ومجدداً...
فالامورغوليس... "
"
توقفت أمي فجأة و ابتعدت عني ثم نطقت أخيراً:
فالادوهايريس... "
"
فالامورغوليس...  وفالادوهايريس…؟
كلمتان غريبتان...  لم
أجد لهما أي معنى.
اقتربتُ منها، وضعت يديّ على خدّيها بلطف، ثم قلت:
ما بكِ يا أمي؟

ما هذه الكلمات التي تنطقين بها؟

ماذا تعني فالامورغوليس؟

ولماذا كنتِ ترددينها لسنوات؟

هل تخفين عني شيئاً مهماً؟
لكنها لم تُجب.
بقيت فقط تحدّق بي...  في
صدمةٍ عجيبة. انتظرتُ... لكن دون جدوى. نهضتُ من مكاني،  وأخذتُ العملة والقناع ووضعتهما في الكيس، ثم
خرجتُ من الغرفة تاركاً أمي غارقة في صدمتها. ضقتُ ذرعاً من جهلي بكل شيء يخصّها.
عدتُ نحو مكبّ القمامة مجدداً، أبحث عن أي شيءٍ ثمين… كعادتي.
لكنني لم أكن أعلم... أن عودتي إلى هناك...  ستكون بداية رحلتي الجديدة.
حينما وصلت، كان المكان مكتظاً بالفقراء الذين
يبحثون عن الأشياء الثمينة، كما جرت العادة. ابتعدتُ عنهم كثيراً حتى لا أسمع
كلماتهم المقززة عني.  كنتُ وحدي أبحث في
بقعةٍ لا يقترب منها أحد، لشدّة قربها من حفرةٍ مظلمة.
كان الكيس في حقيبتي التي أرتديها على ظهري...  حقيبة مهترئة.
حينها سمعتهم يقتربون مني مجدداً...  مجموعة من الأولاد المزعجين، الذين كانوا دائماً
ما يضايقونني.  اقتربوا مني، وصنعوا حلقةً
بأجسادهم حولي، وبدأوا ينعتونني بأسوأ الصفات، ويستهزئون بمظهري.
كانوا يتحدثون بكل وقاحة وجشع، كأن الفقر الذي
نعاني منه جميعاً لم يكن كافياً لهم.  أظنهم
أرادوا أن ينتقموا من سوء حالهم، بأن يفرّغوا غضبهم على من هو أضعف منهم.  اقترب أحدهم من خلفي، وأمسك حقيبتي، فنزعها
بالقوة حتى تمزّقت، وسقطت بعض أغراضي...  والكيس
أرضاً.  اقترب آخر، وبدأ يعبث بالأشياء
التي سقطت، ثم التقط الكيس وفتحه.
أخرج القناع...  ونظر إليه بدهشة.  ظننتُ للحظة أنه قد أعجبه...  لكنه سرعان ما انفجر ضاحكاً، وتبعه أصدقاؤه.
ألم تكتفِ بأنك أحمق وضعيف... " "

بل أصبحت تقتني أشياء غريبة أيضاً؟ "
"
قالها أحدهم،فأجبته:
"أعده لي… هذا يخصّني أنا.  "
 
"ماذا تقول أيها الجبان؟

أشياؤك هي أشياؤنا.

هل نسيت؟

أم عليّ أن أذكّرك بأنك خادم؟"
حين قال ذلك...  تذكّرتُ ما حدث في المرة الماضية.  حين لم أنفذ ما طلبوه مني...  ضربوني بشدة.  لا زلتُ أتذكر ذلك الألم.  كان عقلي شارداً...  حتى لمعت تلك العملة في عيني. رفعها ذلك الجشع
عالياً، وبدا متفاجئاً بها.
"أعد إليّ أشيائي...  "
قلتها هذه المرة، بغضبٍ وعجز.
 
لكنهم قابلوا كلامي بالسخرية والضحك.
فقال ذلك الجشع:
"إذاً أيها الضعيف…

هل تريد قناعك الغبي،

وعملتك المهترئة هذه؟"
نظرتُ في عينيه، واستجمعتُ شجاعتي، وقلت:
"أعطني ما أريد… الآن.  "
شعر بالانزعاج من كلامي، ثم قال:
حسناً...  سأعيد لك أشيائك،فقط إن تحمّلت العقاب. " "
 عقاب؟! ""
قلتها بتعجّب.
اقتربوا جميعاً...  وبدأوا يركلونني بلا رحمة، دون أن يتركوا لي
فرصة لألتقط أنفاسي.
مرّ الوقت ببطءٍ شديد...  حتى ظننته سنوات. ثم توقفوا أخيراً، بعد أن
أنهكهم التعب.  كنتُ لا
أزال واعياً.  يبدو أن جسدي أصبح أقوى، بعد
كل الضرب الذي تعرّضتُ له خلال السنوات الماضية.
اقترب مني ذلك الجشع مجدداً، وقال:
يبدو أنك تحمّلت العقاب...  بجسدك المقرف هذا، لكن الأمور لن تنتهي كما
تعتقد.
هل ما زلت تريد أشياءك، أيها الضعيف؟ ""
"أعدها لي… الآن.  "
شعر بالضيق لأنه لم يستطع كسر إرادتي، فقال:
حسناً...  خذ أشياءك. " "
مدّ يده ليعطيني إياها. رفعتُ يدي لألتقطها،  لكن في اللحظة الأخيرة سحب يده، وقال:
أتدري ماذا؟ 
لقد غيّرت رأيي.
" إن أردت أشياءك...  فاذهب
وخذها من الأسفل. "









































































































































































































































































































































ثم رمى القناع والعملـة في الهواء نحو القاع
المظلم.
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.