تذكرت - مرآة مشروخة
مرآة مشروخة
.........
في غرفتها المظلمة، كانت ندى تحتضن وسادتها، وعيناها مثبتتان على شاشة هاتفها. "لماذا لم يعاود الاتصال؟ يارا قالت إنه سيشتاق لي إذا غبت.. لكن الغياب يطول، والشوق لم يظهر أثره."
كانت ندى تذبل. نصيحة يارا بـالابتعاد كانت تقتلها ببطء، لكنها كانت تثق بيارا ثقة عمياء. "يارا تحبني، هي أختي التي لم تلدها أمي، وبالتأكيد هي تعرف أحمد أكثر مني الآن."
فجأة، رن الهاتف. كانت يارا.
"أهلًا يارا.. هل تحدثتِ معه؟" سألت ندى بلهفة منكسرة.
جاء صوت يارا عبر الهاتف حزينًا ومترددًا: "ندى حبيبتي.. أنا لا أعرف كيف أقول لكِ هذا، ولكنني رأيتُ أحمد اليوم صدفة في المكتبة.. كان مع إحدى زميلاته، وكان يبدو.. سعيدًا جدًا."
سقط قلب ندى في قدميها: "سعيدًا؟ ومن هي هذه الزميلة؟"
"لا أعرفها، ربما هي تلك التي تدعى ليلى التي ذكرناها سابقًا." قالت يارا بخبث. "ندى، أنا قلقة. أحمد بدأ يتحدث عن الحرية والاستقلال. يبدو أن ابتعادكِ عنه، بدلًا من أن يجعله يشتاق، أعطاه فرصة ليرى حياته بدونك."
"لكنكِ أنتِ من قلتي لي أن أبتعد!" صرخت ندى بيأس.
"أنا قلتُ لكِ أن تعطيه مساحة للتفكير، ولم أقل أن تقطعي عنه الأكسجين تمامًا." قالت يارا بنبرة عتاب رقيقة كأنها تلوم ندى على سوء فهمها. "يا حبيبتي، يبدو أنكِ بالغتِ في الصمت حتى ظن هو أنكِ لم تعودي مهتمة. أحمد رجل لديه كبرياء، والآن هو يبحث عن التقدير في مكان آخر."
"ماذا أفعل؟ سأتصل به الآن!"
"لا! إياكِ!" صرخت يارا بحزم. "إذا اتصلتِ به الآن وأنتِ في هذه الحالة، ستؤكدين له أنكِ غير متزنة. اسمعيني.. ابقي هادئة. سأذهب إليه غدًا وأحاول فهم ما يدور في رأسه. سأكون عينكِ هناك."
"شكرًا يارا.. أنا لا أعرف ماذا كنتُ سأفعل بدونك."
"لا تشكريني يا ندى.. نحن واحد."
أغلقت يارا الخط، ونظرت إلى المرآة. لم تكن ترى يارا، بل كانت ترى الفنانة التي تعيد تشكيل الواقع.
في اليوم التالي، توجهت يارا للقاء ندى، ولكنها تعمدت أن تترك هاتفها مفتوحًا على طاولة ندى وهي تذهب للحمام. كانت قد رتبت رسالة تصلها في تلك اللحظة من رقم مجهول، كانت قد سجلته باسم مستعار يوحي بأنه صديق لأحمد.
قرأت ندى الرسالة الفضولية التي ظهرت على شاشة هاتف يارا: "يارا، أحمد يسأل عنكِ، يقول إن القهوة معكِ أمس كانت أجمل لحظة في أسبوعه. هل ستأتين اليوم أيضًا؟"
تجمدت الدماء في عروق ندى. القهوة؟ أمس؟
يارا قالت إنها رأته صدفة في المكتبة مع زميلته، ولم تقل إنها كانت تجلس معه وتشرب القهوة!
خرجت يارا من الحمام، ملامحها هادئة تمامًا. نظرت لندى التي كانت شاحبة كالموتى، ثم نظرت لهاتفها. "أوه.. هل وصلتني رسالة؟"
سألت ندى بصوت يرتجف: "يارا.. هل كنتِ مع أحمد أمس؟"
لم ترتبك يارا، بل تنهدت بأسى مبالغ فيه: "ندى.. كنتُ سأخبركِ، ولكنني خفتُ على مشاعركِ. ذهبتُ لأوبخه على إهماله لكِ، ولكنني وجدته في حالة سيئة جدًا، فاضطررتُ للجلوس معه لأخفف عنه وأحاول إصلاح صورتكِ في نظره. لم أرد أن أشغلكِ بالتفاصيل وأنتِ في هذه الحالة."
نظرت ندى ليارا بعيون بدأت ترى الشك لأول مرة. "ولماذا لم يخبرني هو؟ ولماذا الرسالة تقول إن الوقت معكِ كان أجمل لحظة؟"
اقتربت يارا من ندى، وأمسكت وجهها بين كفيها بنظرة مليئة بالصدق المرعب: "لأنه يقارن يا ندى. يقارن بين هدوئي وبين صراخك. يقارن بين دعمي وبين اتهاماتك. أنا أفعل هذا من أجلكِ، لأبقيه قريبًا من دائرتنا حتى لا يضيع تمامًا. ألا تثقين بي؟"
تراجعت ندى خطوة للخلف. الشك كان كالبذرة التي نبتت فجأة في أرض محروقة. "أثق بكِ.. ولكنني أشعر أنني أفقد كل شيء."
ابتسمت يارا ابتسامة غامضة: "أنتِ لا تفقدين شيئًا يا حبيبتي.. أنتِ فقط تكتشفين الحقيقة."
عندما غادرت يارا منزل ندى، كانت تعلم أن المرآة قد انشرخت فعلًا. ندى بدأت تشك، وهذا ما تريده يارا بالضبط. تريد أن تجعل ندى تهاجمها، لتظهر يارا مرة أخرى في دور المظلومة التي ضحت بسمعتها من أجل صديقتها الخائنة.
لقد اقتربت لحظة الإنهيار الكبير.