اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

أنتِ الأمان الذي لم أبحث عنه لكنه وجدني - الفصل الأول: اللعبة التي يسمّونها صداقة

جاري التحميل...

الفصل الأول: اللعبة التي يسمّونها صداقة

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

أنا لم أكن يومًا فتاة عادية… كنت دائمًا أشعر أن داخلي أوسع من عمري، أعمق من قدرتي على الشرح، كأن في صدري حكاية طويلة لا تجد طريقها إلى الكلمات، حكاية بدأت منذ أول مرة سمعت فيها كلمة "أخت" وشعرت بوخزة غريبة في قلبي، ليست غيرة ولا مجرد أمنية عابرة، بل إحساس حاد كأن أحدهم نادى اسم شيء يخصني… لكنه ليس لي، كأن هناك مكانًا في حياتي مخصصًا لشخص لم يأتِ أبدًا، وبقي هذا المكان فارغًا، صامتًا، يوجعني كلما مرّت عليه ذكرى أو كلمة أو مشهد عابر بين أختين تضحكان أو حتى تتشاجران، لأنني كنت أرى في خلافاتهم دفئًا لم أعرفه، وأرى في قربهم حياة كنت أتمنى أن أعيشها ولو للحظة واحدة.لم يكن لدي أخت، لم يكن هناك من أشاركه أسراري دون أن أخاف أن تُستخدم ضدي، لم يكن هناك من أغضب منها ثم أعود بعد دقائق لأحضنها وكأن شيئًا لم يكن، لم يكن هناك من يفهمني من نظرة واحدة، من يقرأ صمتي قبل أن أتكلم، من يرى في عينيّ تعبًا لا أقوى على وصفه فيربت عليّ دون أن يسألني لماذا أنا حزينة، كنت دائمًا وحدي في هذه التفاصيل الصغيرة التي تصنع الشعور بالأمان، وكنت أبتسم عندما يتحدث الآخرون عن شجارات الأخوات، عن غيرتهن، عن ضحكاتهن بعد البكاء، لكن بداخلي كان شيء ينكسر بهدوء شديد، شيء لا يُسمع لكنه يؤلم، وكنت أقول لنفسي دائمًا: حتى هذا الخلاف… نعمة، على الأقل لديهم من يختلفون معه، على الأقل هناك شخص ثابت لا يرحل مهما حدث.
كبرت بهذا الإحساس، لكنه لم يكبر معي فقط… بل ترسّخ، تمدّد، أصبح جزءًا من تكويني، لم يعد مجرد رغبة في وجود أخت، بل تحوّل إلى فراغ عميق، كأن جزءًا مني لم يُخلق من الأساس، وكأنني أحاول طوال الوقت أن أُكمل نفسي بشيء خارجي، فوجدت نفسي أتجه إلى الصداقة، ظننت أنني ربما أستطيع أن أخلق هذا الشعور مع الآخرين، أن أجد في صديقة ما لم أجده في أخت لم تولد، فبدأت أعطي… أعطي كثيرًا، دون حساب، دون حدود، دون أن أنتبه أنني أستنزف نفسي قطعة قطعة.
أصبحت أنا التي يعرفها الجميع، التي يلجأ إليها الجميع، التي يسمعونها حين تضيق بهم الدنيا، التي تحمل هموم غيرها وكأنها خُلقت لذلك، كنت أنا الملجأ، الحضن، الأمان المؤقت لكل من يحتاج، كنت أصلح ما ينكسر بينهم، أجمع القلوب المتباعدة، أداوي الكلمات القاسية، أكون الجسر الذي يعبرون عليه ليعودوا لبعضهم، وكنت أفعل ذلك بحب، أو هكذا كنت أظن، كنت أعتقد أن هذا هو الحب… أن أكون دائمًا موجودة، دائمًا متفهمة، دائمًا قوية، دائمًا متاحة.
لكن الحقيقة كانت تقف أمامي بصوت صادم لم أرد سماعه:
لا أؤمن بتلك التي يسمونها "أختك التي لم تلدها أمك"…
ففي عالمٍ تمتلئ وجوهه بالأقنعة، كيف أصدق وجهًا يدّعي القرب وهو يتبدّل مع كل موقف؟ كيف أؤمن برابطة يُفترض أنها صادقة، وأنا أرى كل يوم كيف يرتدي كل شخص قناعًا على مقاس مصلحته، يخلعه حين ينتهي الدور، ويبحث عن آخر يناسب المشهد التالي؟
لا أؤمن بها… لأن الأخت لا تكون حين تحتاج، وتختفي حين أحتاج، لا تكون حين تفرغ، وتغيب حين أمتلئ بالألم، لا تكون وجهًا جميلًا في النور وقلبًا باردًا في العتمة.
وسط هذا الزحام… كل واحد يرتدي قناعًا، قناع الحب، قناع الاهتمام، قناع القرب، لكن خلفه وجوه لا أعرفها، ولا تشبه ما صدقته يومًا… فكيف أؤمن بعلاقة يُفترض أنها تشبه الدم، في عالم لا يشبه الحقيقة؟
كنت أراهم يخطئون بلا خوف، يجرحون، يتخاصمون، يبتعدون، ثم يعودون وكأن شيئًا لم يحدث، وكنت أنا من يُعيدهم، من يُصلح، من يُسامح، من يُبرر، من يرقّع العلاقات الممزقة، أما أنا… فلم يكن مسموحًا لي أن أخطئ، وكأنني لست بشرًا، وكأن دوري في هذه الحياة أن أكون مثالية أو لا أكون، غلطة واحدة مني كانت كفيلة أن تهدم كل شيء، كانت كفيلة أن تُسقطني من أعينهم، أن تغيّر نظراتهم، أن تُبرد كلماتهم، أن تُغلق قلوبهم في وجهي، وكنت أقف بينهم مذهولة، لا أفهم كيف يتحول كل هذا الذي سميته حبًا إلى قسوة في لحظة.
كنت أختنق بينهم، نعم أختنق، رغم ضحكي معهم، رغم وجودي بينهم، رغم أنني لم أكن وحدي من الناحية الظاهرة، لكن داخلي كان يصرخ: هذا ليس مكانك، هذه ليست العلاقات التي تشبهك، هذه ليست القلوب التي تستحق كل هذا العطاء، لكنني كنت أخاف، أخاف أن أتركهم، أخاف أن أعود إلى تلك الفتاة الصغيرة التي تقف عند باب قلبها وتنظر إلى الفراغ وتقول: ليت لدي أخت، كنت أخاف من الوحدة أكثر مما أخاف من الألم، فكنت أختار البقاء في مكان يؤلمني على أن أواجه شعور الفراغ الذي يطاردني منذ الطفولة.
كنت أرى الأقنعة بوضوح، أرى كيف تتغير الوجوه حسب المواقف، كيف تتلوّن الكلمات حسب المصلحة، كيف تُقال مشاعر لا تُشعر، كيف يكون الاهتمام مؤقتًا، والحب مشروطًا، والقرب مرتبطًا بالحاجة، كنت أرى كل ذلك، لكنني كنت أتجاهله، لأنني كنت أحتاجهم، أو بالأصح… كنت أحتاج الإحساس بأن هناك أحدًا حولي، حتى لو كان هذا الإحساس مزيفًا.
كنت أجلس بينهم وأشعر أنني الوحيدة الحقيقية، الوحيدة التي لا تعرف كيف تتصنّع، ولا كيف تُخفي مشاعرها، ولا كيف تكون نسخة مختلفة لكل شخص، كنت أنا… فقط أنا، بكل صدقي، بكل ضعفي، بكل حبي، وربما كان هذا هو الشيء الذي جعلني أتألم أكثر، لأنني كنت أعطيهم شيئًا حقيقيًا… وهم كانوا يعطونني شيئًا ناقصًا.
كانوا يقتربون مني وقت مصالحهم فقط، وقت ما يحتاجون حضنًا، نصيحة، حلًا، أو حتى مجرد شخص يسمع، كنت موجودة دائمًا، لا أرفض، لا أتأخر، لا أضع حدودًا، لكنهم لم يكونوا موجودين لي، لم يكن لدي تلك الصديقة التي أقول عنها "هذه لي"، لم أعرف معنى "بيست فريند"، كنت أسمع الكلمة كثيرًا، أراها في حياتهم، لكنني لم أشعر بها يومًا، كل واحدة منهم كان لديها شخص مميز، شخص تختاره، تفضّله، تعود إليه دائمًا، أما أنا… فكنت مجرد محطة عابرة، يمرّون بي حين يحتاجون، ثم يرحلون دون أن يلتفتوا.
كنت أعرف عنهم كل شيء، أسرارهم، تفاصيلهم، ضعفهم، حكاياتهم، لكن لا أحد كان يعرفني أنا، لا أحد سألني بصدق: ماذا بكِ؟ لا أحد انتبه أنني أحتاج من يسمعني كما أسمعهم، كنت أعطي بلا حدود، وأستقبل فراغًا، وربما لهذا… لم أسامحهم يومًا، ربما ظل داخلي شيء مكسور، شيء غاضب، شيء يتساءل: لماذا أنا دائمًا الطرف الذي يعطي أكثر؟ لماذا أنا دائمًا الخيار المؤقت؟
ومع الوقت… بدأت أتغير، لكن ليس التغير الذي يُشبه القوة، بل التغير الذي يُشبه التعب، بدأت أتنقل بينهم كما يتنقل الغريب بين أماكن لا تخصه، أقترب من واحدة، أقضي معها وقتًا، أوهمها أنها الأقرب، أنها "البيست فريند"، وربما كنت أوهم نفسي قبلها، ثم حين أشعر بالفراغ يعود كما هو، أبتعد، وأذهب إلى أخرى، أكرر نفس الدائرة، نفس المحاولة، نفس النتيجة، لم أكن قاسية… كنت فقط ضائعة، كنت أحاول أن أملأ شيئًا لا يُملأ بالناس الخطأ.
وفي أعماقي… كنت أعرف الحقيقة التي أهرب منها، أنني لا أبحث عنهم، ولا عن صداقات كثيرة، ولا عن اهتمام مؤقت، أنا أبحث عن شيء واحد فقط، شيء بسيط لكنه نادر… أبحث عن قلب ثابت، عن علاقة لا أشعر فيها أنني مجبرة على أن أكون مثالية، عن شخص لا يجعل خطئي نهاية، ولا يجعل وجودي مرتبطًا بحاجته، أبحث عن أخت… حتى لو لم تلدها أمي، أخت حقيقية، ليست كلمة تُقال، ولا دور يُمثّل، ولا قناع يُلبس.
كانت الصداقة بالنسبة لي مجرد لعبة… لعبة يُحدد فيها الآخرون القواعد، ويختارون من يكون موجودًا ومتى، لعبة أبدأها وأملأها بكل ما أملك من مشاعر ووقت وصدق، وأكتشف في النهاية أنني مجرد قطعة تُستبدل حين يملّون، أو يُترك فراغي بلا اعتبار. لم تكن هناك أخت حقيقية، لم تكن هناك صديقة تفهمني وتبقى معي، كل واحدة منهم كانت محطة عابرة، وقت فراغهم، وقت الحاجة، أما أنا… فلم يكن لي وجود إلا حين يحتاجون شيئًا مني.
كل مرة أحاول أن أؤمن، أن أُصدق، أن أحتفظ بشيء مما يسمونه صداقة، أكتشف أنني أخدع نفسي فقط. الصداقة عندهم ليست رابطًا، بل مجرد لعبة مصالح… لعبة يُلعب فيها الحب والاهتمام مؤقتًا، والوفاء يُقاس حسب الحاجة، والقلوب تُفتح وتُغلق بحسب الوقت والموقف. كل ما بذلته منهم، كل ما أعطيته… كان يُسترد أو يُترك بلا مقابل، ولا شيء يعود إليّ سوى الفراغ، وكلمات باردة، ونظرات تخبرني أنني لم أكن أبدًا جزءًا من هذه اللعبة إلا كأداة.
وهكذا أدركت… أن الصداقة التي يسمونها "أختك التي لم تلدها أمك" ليست سوى وهم… لعبة يقيمها الآخرون، وهم وحدهم يحددون قواعدها، وأنا كنت أحاول أن أعيشها كأنها حقيقة، بينما هي لم تكن سوى قناع آخر، وجه آخر، دور آخر أُجبر على لعبه. لم يعد في قلبي مكان لتلك الخدعة، لم أعد أؤمن بما يلبسه الآخرون من وجوه مزيفة، لم أعد أبحث عن صداقة يمكن أن تُستعار وتُترك عند الملل، لم أعد أبحث عن أخت لم تلدها أمي في وجوه مليئة بالأقنعة… بل بدأت أبحث عن نفسي، عن ثباتي، عن حقيقة لا يُمكن استبدالها، عن أمان يمكن أن أملكه وحدي.
ورغم كل هذا… ما زال هناك شيء صغير بداخلي، شيء لم ينكسر تمامًا، أمل خافت لكنه موجود، يقول لي إن يومًا ما قد أتحرر من هذه الدائرة، من هذه العلاقات المؤذية، من هذا الاحتياج الذي يجعلني أقبل بما لا أستحق، يومًا ما قد أتعلم أن أكون لي أولًا، أن أحتوي نفسي كما احتويت الجميع، أن أكون أنا الأمان الذي كنت أبحث عنه في الآخرين.
وربما في ذلك اليوم… لن أخاف من الوحدة، لأنني سأفهم أخيرًا أنني لم أكن وحدي حقًا… كنت فقط… مع الأشخاص الخطأ.
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.