توليب أهذا انتِ ؟
- نعم يا خالتي لقد عدت الآن .
- لماذا تأخرتِ كثيرا ؟
ابتسمت ابتسامة مصطنعة و أنا اجيبها :
- لقد كنت عند الطبيب فقد كان يعطيني بعض التعليمات و الإرشادات التي يجب أن ألتزم بها .
فعانقتني خالتي و قالت بدفئ :
-لا بأس يا صغيرتي المهم ان تكون قد شُفيت الآن و اصبحتِ تشعرين بتحسن ، فكل شيئ مُرٍ مَر و الآن ركزي على حياتك في الحاضر و انسي الماضي بآلامه و أوجاعه.
عانقتها بشدة و أنا أبكي فجأة ، لم أستطع تمالك نفسي هذه المرة و لم أخبرها بشيئ فقد كنت بحاجة الى عناق يفهمني بدون أن أتحدث، بدون أن ابرر أو افتح فمي ,ثم أبعدتني خالتي و هي تمسح دموعي التي تنهمر على خدي و هي متفاجأة .
- توليب ما بكِ لماذا تبكين ؟
- لا شيئ يا خالتي أنا اشعر انني بخير لهذا أنا أبكي ولأنني أيضا ممتنة لكِ لأنك بقيتي معي و لم تتركيني و أنا سأشتاق اليكِ كثيرا .
فنظرت لي نظرة حنان و دفئ و أمسكت يدي برفق و قالت :
- لا تقلقي يا صغيرتي فخالك يعمل على أن تسافري معنا و لا تبقي وحدكِ هنا لذا لا تقلقي كثيرا .
ابتسمت ثم قلت بتعب :
- هل لا بأس أن أذهب لأرتاح و أنام قليلا فأنا متعبة و أريد النوم .
- حسنا يا زهرتي اذهبي لترتاحي قليلا فأنا سأخرج مع خالكِ لشراء بعض المستلزمات .
- حسنا يا خالتي انتبهي لنفسك و حين تأتي ايقظيني .
فذهبت اجر اذيال الخيبة و أنا اخذها معي لغرفتي ،لقد شعرت بذنب كبير لأنني كذبت على خالتي و مازلت سأشعر , لأنني لم و لن أخبر عنه احد باستثناء صديقي الكبير في السن فهو يعلم .
دخلت و أنا أنظر في ارجاء الغرفة و اتأملها بسخرية .. أتأمل كل ركن فيها و أنا أتذكر الأيام التي كنت سعيدة فيها بنشوة الحب .. مرآتي التي شهدت تورد الحب في وجهي و الآن هاهي تشهد ذبول ملامحي من الحزن .. خزانتي التي انتقيت فيها اثواب الشوق لمواعيدنا، سيغلفها الآن تراب الانتظار .. السماء خارج نافذتي التي دائما ما كنت اسرح في تفاصيلها و قمرها و نجومها الآن سيؤلمني وجودها و سيحزنني عدمها .. قيصر الذي كنت قبل أن اسدل ستار الأحلام لواقعي ليكون آخر ما أرى سأراه الان سرابا و وهما بعيدا لن تطاله يداي لا واقعا ولا حلما.. سريري ووسادتي اللتان لاطالما سكبت فيهما نفسي .. سأسكب فيهما الآن دموع الخيبة و الغياب.
هذا هو المكان الوحيد الذي جمع تناقضاتي منذ أن عرفته، لكن مؤخرا و بفضله أصبحت لي رفيقة بكماء لكنها ليست صماء تسمعني و تدعني اسكب فيها ألمي و حبي و شوقي .
هذه الرفيقة التي انتظرت اليوم بطوله لأكتب لها و اليه ما حدث لي .. .. اشتكيه اليه عله يأتيني .. عله يوبخ نفسه على ما قاله لي .
نظرت لها و حملتها و أنا أقرأ ما كتبته عنه لأول مرة بمرارة و خيبة ، فجلست على الكرسي و دموعي قد بدأت تنسكب وحدها و كأنها انتظرت طويلا للحظة ما او موقف ما لتنفجر فيها .. أنظر اليها و الحنين بدأ يتغلغل داخلي , فاحتضنتها و أنا أشعر بطيف ذراعيه الدافئتين تلتفان حولي .. ثم وضعتها في مكتبي و فتحت اول صفحة لأقرأ ما كتبته و أنا تحت نشوة الحب اما الآن سأكتب اليه و أنا تحت سطوة الألم و الخذلان .. سأكتب و أنا مليئة بالرضوض التي خلفها بُعده في قلبي .. سأكتب اليه و عيني تبكي في حين انها قبلا كانت تبتسم .
ثم بدأت أكتب و أبكي و ابتسم في نفس الوقت .. ثم كتبت و ابتسمت و بكيت مرة أخرى ، و بقيت اكتب و اكتب و اكتب بلا توقف إلا أن جفت دموعي و معها جفت كلماتي و لم أجد ما أقوله له اكثر .
فنهضت و ذهبت لخزانتي و أخرجت وشاحه ثم عدت إلى سريري و استلقيت و عانقته بقوة و أنا استنشق رائحته و أتخيله أمامي و هو يمسح على رأسي برفق و يهدئني بكلماته الدافئة , فقلت بهمس و دمعة أخرى وحيدة و اخيرة فرت من عيني قبل أن اغمضهما بتعب .
" قيصر أنا أحتاجكِ" .
استيقظت فزعة على صوت صراخ خالتي العالي و صراخ خالي أيضا، فنهضت سريعا و خرجت اليهما و أنا بالكاد أراهما
- خالي .. خالتي ماذا حدث !
فنظرت لي خالتي و بدأت تبكي وهي تعانقني فنظرت لخالي و رأيت الحزن في عينيه
- خالتي لماذا تبكين ما الذي حصل ؟
فنظرت لي و قالت بألم :
- الذي حدث انكِ لن تستطيعي المغادرة معنا لأن الأوراق التي دفعها خالكِ ستستغرق وقتا طويلا و هو يجب أن يعود لعمله و مُصر أن أذهب معه و اترككِ.
فنظرت لهما و رأيت الألم و الحزن يغلفهما و هذا آخر ما أريده , فأنا أريدهما أن يكونا سعداء ما داما باستطاعتهما أن يكونا معا , فالموت لا يعرف الانتظار و كذلك الحب .. فالحب لا يطفئه شيئ سوى الغياب , و أنا لا اريد لشعلة حبهما أن تنطفئ.
- خالتي لقد وعدتني أنه عندما تقابلين الطبيب و يطمئنكِ عن حالي ستذهبين معه لماذا اذا تبكين و تعارضين الأمر؟
- الأمر هو أنه كان عندي بصيص أمل انك ستأتين معنا لكن الان أنا لا أستطيع ترككِ وحدكِ هنا لأنكِ ستشعرين بالوحدة من دون أي يكون معكِ اي شخص .
ابتسمت بسخرية و أدركت أنني لا طالما كنت وحيدة.. مقصية.. بعيدة كل البعد عن الاشخاص حتى بين الأشخاص الذين احبهم ، الا هو .
هو الشخص الوحيد الذي لم أشعر في حضرته انني وحيدة ، فكرة انه موجود في يومي جعلتني أعلم أن قلبي ألفه منذ اول مرة رأيته فيها .
فابتسمت لها ابتسامة مصطنعة و قلت بهدوء :
- خالتي لقد تحدثنا في هذا الموضوع قبلا ارجوكِ لا تبكي , انا سأكون بخير لقد سمعت الطبيب , و أيضا اعلم أن مكانك الصحيح ليس معي بل مع خالي و سنتحدث في الهاتف وقت ما تريدين ارجوكِ لا تكوني هكذا .
ابتسمت لي ابتسامتها الحنونة و قالت بصوتها الرقيق لكن بنبرة حزينة :
- لقد كبرتِ يا زهرتي فمشكلتي الوحيدة أنني لازالت اراكِ صغيرة .
- لقد كبرت الا ترين و لقد ازددت طولا قليلا .
فضحك خالي و عانقني و قال :
- هذه هي ابنتنا توليب لقد كبرت و ازدادت طولا أيضا. ثم تابع بجدية :
- لكِ وعد مني أنني لن ارتاح حتى اخذك معنا سأجد حلا حين اسافر مع خالتكِ.
ابتسمت و شكرته من كل قلبي ، ثم سألته :
- خالي متى ستسافران؟
- بعد أسبوع من الان في اواخر شهر ديسمبر .
- لماذا لا ننتظر أسبوع آخر حتى اقضي بعض الوقت مع توليب فأنا سأشتاق اليها.
- اعلم فأنا أيضا أردت التأجيل لكن تعلمين بأنني اخذت أيام اجازتي و قد اتصلوا بي في الامس و أخبروني انه هناك مشكلة في العمل و يجب أن أعود غدا لذا أخبرتهم أنني سأحضر زوجتي معي و يلزمني بعض الأوراق فقالو لي أن اسرع بالعودة.
نظرت له خالتي بحزن و كأن خيط املها قد قطع للتو , فأسرعت انا اطمئنها و أخبرتها انه لا بأس و أنني بخير و سأتعود , لذا اقترحت أن نمضي الأسبوع بأكمله نفعل فيه اشياء تحبها , فأنا أعلم أنني انشغلت عنها و بقلبي لذا سأعوضها .
فقالت و هي تعانقني :
- أريد شيئا منك و اريدكِ أن تحققيه لي ؟
- ما هو ؟
- ان تطبخي لنا .
فنظرت لها و تذكرت اليوم الوحيد الذي طبخت فيه ماذا حصل , فسرت رعشة للحظة في جسدي لكني ابتسمت و قلت لها :
- حسنا سأطبخ لكِ لكن بدون تعليقات او نقد مفهوم ؟
فضحكت و قد زال الحزن من تعابير وجهها , ثم قال خالي:
- و أنا أليس لي نصيب من طبخكِ ؟
- انت هي و هي انت فما الفرق .
فخجلت خالتي و قال خالي و هو يغمز لها :
- ارأيتِ عليك اخذ الدروس منها فأنا ارى انها أصبحت خبيرة في الحب .
فإبتسمت بحزن و بخيبة ثم أخفيتها سريعا و أنا أدير ظهري لهما و أقول :
- لست خبيرة بل هو كلام الروايات لا أكثر.
- اذا عليك التقليل من الروايات من يدري قد تقعين في حب أبطال رواياتكِ.
- لقد وقعتُ في أحدهم و انتهى .
- هاه ماذا قلتِ ؟
- لا شيئ لقد قلت أنني سأبدا باعداد العشاء.
ها قد انقضى اسبوع كامل و لم اشعر لا انا به و لا خالتي .. اسبوع و أنا أقتات على ذكريات مرت و لن تعود.. اسبوع و أنا انفض الغبار على لقاء جعلني اهوي و اذوب كلما تذكرته .. فأنا لم أعد أشعر بأي شيئ .. كأن روحي قد غادرت جسدي منذ ذلك اليوم , فأصبحت جثة متحركة تأكل و تنام و تستحضر الذكريات التي بها تعود لنقطة البداية .. أعود إليه مسلبة الأنفاس و بدون عقل او منطق.
و ها هي الآن خالتي تنظر لي و تبكي و لا تريد أن تغادر و أن تبقى هنا قليلا.
- توليب يا عزيزتي أنا سأشتاق اليكِ.
قالتها و هي تعانقني و تبكي فعانقتها بدوري و أنا أقول لها بحزن:
- و أنا أيضا يا خالتي سأشتاق اليكِ كثيرا لقد عوضتني عن كل ما مر بي و كنتي امي الثانية و لم تتركيني للحظة أنا ممتنة لكِ جدا .
ابتعدت عني و هي تمسح قطرات نزلت من عيني و هي تخبرني بحنان و حب :
- أنا لم أفعل أي شيئ فأنتِ أمانة ياسمين رحمها الله و أنا أحبك بقدرها .
فإبتسمت لها بحب و اشتياق و هي تتذمر حول الاسبوع الذي فات بلمح البصر , فأنا أعلم انني لن أراهم إلا بعد مدة طويلة , لذا على الاقل سأجعل الوداع مليئ بالحب و التمثيل لكي لا يعرف احد منهما الخراب الذي بداخلي و أنني على بعد خطوة واحدة من الانهيار.
- هيا اذهبا الآن لكي لا تفوتكما الطائرة و حين تصلا اتصلا بي لأطمئن انكما وصلتما بسلام.
فجاء خالي يعانقني و هو يأتمنني على نفسي , ثم سمعت خالتي وهي تقول بصوتها الرقيق الحزين :
- حسنا سنفعل يا زهرتي و طمنينا انت عليكِ بين الحين و الآخر .
- حسنا يا خالتي لا تقلقي سأتصل بكِ دوما لكن لا تملي مني فقط .
فعانقتني مرة أخرى و هي تبتسم :
- اتصلي فقط أنا لن أمل لحظة منكِ فأنتِ زهرتي الحبيبة .
قفاطعنا خالي بإنفعال :
- هيا يا عزيزي سنتأخر إلى اللقاء يا توليب سنفعل المستحيل لكي تكونيِ معنا لا تقلقي.
- و انا اثق انكما ستفعلان إلى الملتقى.
خرجت اودعهما و خالتي تارة تبكي و تارة تلتفت لتراني , كأنها كانت تعلم أننا لن نلتقي مرة أخرى .. فركبا في السيارة و انطلقا و أنا بقيت أنظر لأثرهما بألم و حزن. حينها فقط انهرت أرضا و نزعت قناع التمثيل و أنا أبكي لأن أمي الثانية غادرتي ابكي لأنني سأكون حبيسة الوحدة مجددا .. ابكي لأن جميعهم غادروني فلم يبق لي سواي .
أنا فقط بقيت لنفسي .. لا حتى نفسي لم تعد كما كانت لقد تغيرت .. فقد بت ابكي و أصبحت هشة و سريعة الانكسار .. ابكي و أنا أشعر بأن روحي قد غادرتني .. أبكي لأنني لم أكن أنانية كفاية لأحرمها من زوجها و حبيبها الذي لا طالما اشتاقت إليه.. أبكي و أنا أعلم انني أردت أن اتشبث بقدمها مثل طفلة اعتادت التشبث بقدم امها لكي تأخذها معها اينما ذهبت.
أنا أبكي لها و له و لنفسي.
لقد اتقنت فن الوداع .. لقد ودعت أحبة.
الوداع لهم .. إلى أن يشاء القدر أن يجمعنا مرة أخرى.
شتاء ديسمبر
٢٠١٠