تذكرت | الانهيار العظيم
الانهيار العظيم
.........
كما توقعت يارا تمامًا، ذهبت ندى مباشرة إلى مكتب أحمد. كانت عيناها محتقنتين، وصوتها يخرج ممزوجًا بالعويل والاتهامات. اقتحمت مكتبه في وقت كان فيه منشغلاً بإنهاء تقرير هام جدًا لمديره.
"أحمد، هل تعلم ماذا فعلت صديقتكِ المقدسة؟ هل تعلم أنها اعترفت لي الآن بأنها تحبك؟" صرخت ندى وهي تضرب بكفها على مكتبه.
رفع أحمد رأسه بذهول، ونظر إلى الموظفين الذين بدؤوا ينظرون نحو مكتبه بفضول. "ندى! ما هذا الجنون؟ اخرجي الآن، سنتحدث في المنزل."
"لن أخرج، يارا تتلاعب بنا، هي كانت تجلس معك وتدعي أنها تصلح بيننا بينما هي تخطط لأخذك مني!"
وقف أحمد، وكان وجهه يتصبب عرقًا من الخجل والارتباك. "يارا؟ يارا التي كانت تدافع عنكِ بالأمس؟ ندى، أنتِ فقدتِ عقلكِ تمامًا. يارا اتصلت بي منذ قليل وهي تبكي، قالت لي إنكِ اتهمتها باتهامات شنيعة وجرحتِ شرفها لأنها فقط حاولت نصيحتكِ."
تجمدت ندى: "هي اتصلت بك؟"
"نعم." صاح أحمد. "قالت إنها لم تعد تحتمل غيرتكِ التي طالت حتى أقرب الناس إليكِ. يارا إنسانة رقيقة، والآن هي في منزلها في حالة انهيار بسبكِ. والآن تأتين إلى مكان عملي لتفضحيني بهذه القصص الخيالية؟"
"أحمد، أرجوك صدقني.. هي قالت لي بلسانها..."
"كفى." قاطعها أحمد بقسوة لم تعهدها فيه. "أنا لا أصدق إلا ما أراه. وأنا أرى أمامي ندى التي تدمر حياتي وحياتها، وأرى يارا التي تحاول لملمة الحطام. ندى.. أعتقد أننا وصلنا للنهاية. أنا لا أستطيع العيش في هذا الجحيم بعد الآن."
ساد صمت مميت في المكتب. نظرت ندى إلى أحمد، الرجل الذي كانت تخطط لتقضي حياتها معه، ورأت في عينيه شيئًا لم تره من قبل: "الاشمئزاز". لقد نجحت يارا في تحويل حب أحمد لندى إلى شعور بالخزي.
خرجت ندى من المكتب وهي لا ترى أمامها. وفي تلك اللحظة، رن هاتف أحمد. كانت يارا.
"أحمد.. هل أنت بخير؟" جاء صوتها عبر الهاتف رقيقًا، مشوبًا بنبرة حزن مكتوم. "أنا آسفة جدًا لأن ندى ذهبت إليك. كنتُ أحاول منعها، لكنها كانت هائجة جدًا."
"لا تتأسفي يا يارا." قال أحمد وهو يتنفس الصعداء. "أنتِ الشخص الوحيد الذي لم يخذلني. أنا انتهيتُ من ندى تمامًا."
"لا تقل هذا يا أحمد.. ندى مريضة، هي تحتاج للمساعدة." قالت يارا بخبث، وهي تعلم أن كلمة "مريضة" ستترسخ في ذهن أحمد كحقيقة علمية لا نقاش فيها. "أنا سآتي إليك الآن.. أنت لا يجب أن تبقى وحيدًا في هذا الوقت."
"شكرًا يارا.. لا أعرف ماذا كنتُ سأفعل لولا وجودكِ."
أغلقت يارا الخط، وكانت تقف أمام مرآة غرفتها. لم تكن تبكي، بل كانت تضع أحمر شفاه هادئًا، وتستعد للخروج لإنقاذ أحمد من أنقاض حبه القديم.
كانت يارا تشعر بذكائها يتدفق في عروقها. هي لم تسرق أحمد؛ هي فقط رسمت الفشل في حياة ندى، وقدمت نفسها كـ الخيار الوحيد. لم يكن الأمر يتعلق بالحب بقدر ما كان يتعلق بـ التميز؛ يارا أرادت أن تثبت أنها تستطيع الحصول على ما تريد، ليس بالقوة، بل بكلمات رقيقة وقدرة مرعبة على قلب الحقائق.
بينما كانت تخرج من باب منزلها، تذكرت جملة قرأتها يومًا في رواية فلسفية: "الضحية الحقيقية ليست من يتألم، بل من يُقنع العالم بأنه هو من يتألم بينما هو يمسك السكين."
ابتسمت يارا لنفسها. "نعم.. هذه أنا."