ملكٌ على حافّة العدم - فصل مشاعر فيّاضة
مشاعر فيّاضة
.........
فعلتُ كما أراد، واختبأتُ تحت شجرةٍ كثيفة، بينما بدأ أسيلاف
يصرخ بصوتٍ عالٍ وهو يضغط على ساقه المصابة، ثم ركض مبتعدًا.
بعد ثوانٍ قليلة، ظهرت أعدادٌ غفيرة من المقنّعين، فانطلقوا
خلفه بأقصى سرعة.
كانت الأغصان
تلسع وجهي، والبرد يمزّق صدري، وخلفنا... كانت
الظلال تركض. وكأن الماضي... يطاردنا.
ما الذي يجري؟ ""
لم يكن من المفترض أن يطاردونا؟ ""
أسئلة كثيرة انهمرت في خاطري، بينما أخفي جسدي بين أوراق الشجر
الكثيفة. كان قلبي يخفق بعنف، إلى درجةٍ شعرتُ معها أنّ صوته وحده قد يفضح مكاني.
...
فجأة تكسر غصن صغير خلفي
اتّسعت عيناي من شدة الخوف، وضعتُ يديّ على فمي لأحبس أنفاسي،
خشية أن ينكشف أمري، ثم خفت الصوت.
تردّدتُ...
هل أتوهّم؟ ""
أزحتُ يديّ ببطء، تنفّستُ مجددًا، ثم أدرتُ رأسي بحذر لأتأكد
إن كان هناك شيء قريب… أو لعلّه مجرد حيوانٍ صغير. رفعتُ بعض أوراق الشجر لأختلس النظر من خلفها،
لكنني لم أرَ ما يثير الريبة.
حينها فقط، تنفّستُ الصعداء. بدأ المطر يهطل بغزارة و قلتُ في نفسي:
لعلّ المطاردين قد ابتعدوا الآن. عليّ أن أجد مأوى قبل أن تبتلّ ثيابي. "
"
لكن... ما إن أدرتُ
رأسي حتى رأيتُ ابتسامةً مخيفة أمامي. كان شخصًا غريبًا، منحني الرأس، قريبًا من وجهي،
يبتسم تلك الابتسامة المريبة التي لا تشبه ابتسامات البشر.
لقد وجدتك أيها الصغير...
قالها بينما تتّسع ابتسامته أكثر، ويسيل اللعاب من فمه كما لو
أنّه حيوانٌ مفترس. اقترب خطوةً أخرى، حتى
أدركتُ أن الموت نفسه يحدّق بي.
التقطتُ حفنةً من التراب، وقذفتُها في وجهه بكل ما بقي لديّ من
قوة. انتفض للخلف وهو يمسح عينيه، لكن في لحظة خاطفة شعرتُ بشيءٍ باردٍ يخترق وجهي.
فقدتُ الرؤية في إحدى عينيّ. كانت سكينًا صغيرة، شقّ بها عيني بلا تردّد. صرختُ من الألم، بينما كان هو يزيل التراب عن
عينيه، ويتوعّدني بالقتل.
"
عليّ أن أهرب… بسرعة. "
كنتُ أكرّر هذه الكلمات في رأسي، وأنا أجرّ نفسي بصعوبة
مبتعدًا عنه. خطواتي كانت ثقيلة، تغوص في الطين وتترك أثرًا عميقًا خلفي.
تداعى تركيزي… حتى لم أعد أعلم أيّهما أغزر:
المطر المنهمر من السماء؟ "
"
أم الدم المتدفّق من عيني الجريحة؟ ""
عليّ أن أعيش...
لأجل أمّي.
لأجل أبي.
عليّ أن....
ثم سقطتُ على ركبتي. بدأ العالم يتراقص أمامي، يتمايل كما لو أنّه وهم. لكنني تمسّكتُ بما تبقّى من وعي.
لن أموت الآن... "
"
استجمعتُ طاقتي، نهضتُ من جديد، وتابعتُ طريقي بين أوراق الشجر
الكثيفة... حتى خرجتُ من الغابة، ووصلتُ إلى جرفٍ صخريٍّ شاهق.
أنا عالق! " "
وقفتُ عاجزًا.
الجرف أمامي... وذلك
الذي يطاردني ما زال خلفي، بين ظلال الغابة.
ثم فجأة...
وجدتك أخيرًا أيها الصغير... "
"
اتّسعت عيناي، وضعتُ يدي على عيني الجريحة، ثم التفتُّ خلفي.
كان هناك. يقترب بهدوءٍ مرعب، وهو يرسم على وجهه تلك
الابتسامة المضرّجة بالشر. تسارعت نبضات
قلبي، كأنها تحاول الهرب من جسدي.
إذاً… هل لنا أن نتابع حديثنا مجددًا؟ " "
قالها وهو يضع خنجره الصغير على لسانه، ويلعق الدم العالق عليه.
تراجعتُ خطوةً بعد أخرى، حتى وصلتُ إلى حافة الجرف دون أن
أنتبه. اختلّ توازني، لكنني تمسّكتُ بنفسي في اللحظة الأخيرة. وقف أمامي بثقةٍ مطلقة، وكأنّه يعلم أن الخوف قد
التهم كياني. رفع رأسه إلى السماء، وبدأ
يضحك... ضحكٌ يتصاعد، حتى تحوّل إلى جنونٍ
مطلق.
ثورين... " "
" ما رأيك الآن؟ "
" هل سيُقتل ولدك العزيز بعد قليل؟
"
هل كان الأمر يستحقّ أن تتحدّى العشيرة وتحاول قتلي في تلك
الليلة؟ ""
هاااااه....
هل تراقب ولدك من السماء؟ ""
"
إذاً راقب جيدًا… ولا تفوّت لحظة واحدة لأنني
سأستمتع بتعذيب ولدك الأحمق. "
ثم نظر نحوي، أخرج لسانه، وضع يديه على وجهه، وقال بصوتٍ مرتعش
من النشوة:
أنا منتشٍ الآن... "
"
أريد أن أجعلك دميتي، وأن أستمتع بتحطيم جسدك رويدًا
رويدًا. " "
كنتُ أحدّق به وهو يضحك ويخاطب السماء. أسئلة كثيرة كانت تعصف برأسي:
لماذا أنا؟ " "
ما ذنب أمي؟ " "
"
ما ذنب أبي؟ "
هل سأموت الآن؟ " "
من هذا المختل؟ " "
أبي... ""
أشعر أن طاقتي تنفد. فقدتُ الكثير من الدماء. أين أنت
الآن؟ " "
أريدك أن تحميني… أن تضمّد جروحي."
"
أبي… أرجوك. " "
أنا أحتاجك. " "
" هل تفكّر في والدك أيها الصغير؟ "
قالها وعيناه تضيقان من شدّة الابتسامة، ثم تابع:
" للأسف… لن يأتي لينقذك. "
" لقد حطّمتُ قلبه، وزهقتُ روحه قبل
قليل. تركك وحدك… تواجه هذا العالم القاسي. "
"
والدك... كان جبانًا وأحمق. وقع في حبّ بشريةٍ حمقاء، خان العشيرة، وحاول
قتلي. "
هاه… صحيح. " "
أنت لا تعرف من أنا. ""
اقترب أكثر، حتى باتت ملامحه واضحة تمامًا. نصف وجهه كان مشوّهًا بآثار حروقٍ غائرة، إحدى
عينيه مطفأة… بلا نور. حدّقتُ فيه بصمت،
مشلولًا بالخوف.
قال:
في تلك الليلة... حين
كان من المفترض أن يقتل ثورين أمك الحمقاء، تراجع والدك، وانقلب علينا. طُعنتُ في منتصف صدري، وتُركتُ هناك لألقى حتفي
تحت النيران.
صمت للحظات، وضع يده على وجهه، ثم تابع بصوتٍ منخفض:
لكن يبدو أن الحظ ابتسم لي. ظننتُ أنني متّ… لكن السيف أخطأ قلبي. بقيتُ على قيد الحياة… بالكاد.
ثم رفع رأسه، وحدّق بي.
وها أنا اليوم... أستردّ ثأري. "
"
من ثورين… الخائن.
لكنني لن أكتفي بذلك. لن يهدأ لي بال حتى أسلب الحياة من كل شيءٍ
ارتبط باسمه. وهذا يشملك أنت أيها الصغير...
كما شملتُ والدتك سابقًا.
والدتك...
كانت في غاية الجمال، وهي تتوسّل إليّ أن أترك ولدها وشأنه. كانت تبكي بحرقة، بينما الدماء تنزف من جسدها
بلا رحمة. قدّمت عرضًا مذهلًا بتوسلاتها
المثيرة للشفقة.
بقيت تردّد اسمك طوال الوقت، أيها الصغير...
لم تصمت لحظة.
شعرتُ وكأن قلبي تحوّل إلى حطامٍ متشظٍّ، من شدّة وقع كلماته
عن والديّ.
"
أيها الشرير... "
كيف تجرأت على قتل والديّ؟ ""
سأقتلك... " "
سأثأر لأمي! " "
اندفعتُ نحوه بكل ما تبقّى لديّ من قوة، والدموع تنهمر من عيني.
وما إن وصلتُ لألكمه، حتى باغتني بلكمةٍ قاسية على
معدتي، أسقطتني أرضًا، ثم ركلةٍ عنيفة دفعتني للخلف... قريبًا جدًا من الحافة.
لا تتسرّع أيها الصغير...
سأقتلك بلا شك، لكنني أريد أن أرى اليأس يلتهم حواسك
أولًا.
والآن... أرِني
اليأس في عينك المتبقّية.
نهضتُ مجددًا. كان
الطين يلتصق بجسدي، والمطر يثقلني كأنّه يريد دفني حيًّا. الإنهاك تمكّن مني، ورؤيتي باتت ضبابية، لكن… لا
أدري لماذا اشتعل داخلي حقدٌ لا يُطفأ.
رغبةٌ عارمة في الثأر.
تقدّمتُ نحوه وأنا أترنّح من شدّة التعب، وتوقّفتُ أمامه
للحظات.
"
ما الذي تفعله أيها الوضيع؟ "
لماذا توقّفت الآن؟ " "
انحنى برأسه ساخرًا، اقترب وجهه من وجهي...
وفي تلك اللحظة، بصقتُ الدم المتجمّع في فمي على وجهه.
ما رأيك بهذا؟ ""
سألته بسخرية، بينما بالكاد ارتسمت ابتسامة على وجهي.
تبًّا لك أيها الوضيع! "
"
قالها، وبدأ ينهال عليّ باللكمات بلا رحمة. سال الدم بغزارة، ثم سقطتُ أرضًا، لكنه لم يكتفِ...
راح يركلني كأنني مجرّد حصاةٍ تافهة. ومع ذلك… لم أفقد وعيي. لعلّ كلمات والديّ هي ما أبقاني واقفًا. نهضتُ مرة أخرى، وساقاي ترتجفان كما لو أنّ
زلزالًا يضرب عظامي. تمسّكتُ بثيابه
محاولًا الوقوف، بينما كان هو يراقبني بصمت... كأنني أقدّم له عرضًا مسلّيًا.
وحين اعتدلتُ أخيرًا، وجّهتُ له لكمةً خفيفة على معدته.
ساد الصمت.
للحظة… ظننتُ أنّها أنهته.
لكن عندما رفعتُ وجهي المثخن بالدماء، رأيته يحدّق بي
بعينين قاتلتين. أمسكني من رقبتي، ورفعني
عاليًا. كان الهواء يتسرّب بسرعة من رئتي،
وعنقي يكاد يتحطّم تحت قبضته. حاولتُ ركله. حاولتُ نزع يده عن رقبتي... بلا جدوى.
كان المطر يهطل بجنون، والرعد يصرخ كوحشٍ في السماء.
ابتسم ذلك الشرير وقال:
اكرهني إن أردت. "
"
احقد عليّ إن أردت. " "
لكن في النهاية… أنت ضعيف، تمامًا كوالدك. "
"
لقد خسرتَ عينك، مصدر قوتك. " "
لم يعد بإمكانك إخراج نارك من داخلك. " "
وها أنت الآن... ستموت كجروٍ صغير. " "
رفع خنجره، وضعه أمام عيني، ثم قال:
اثأر لوالديك في حياتك القادمة يا صغير.
الآن… سينتهي كل شيء وحياتك أيضًا.
غرز الخنجر في منتصف صدري بكل قوته. شعرتُ وكأنّه سيخرج من الجهة المقابلة.
في تلك اللحظة... توقّف
الزمن.
تحوّل كل شيء إلى رماديٍّ باهت، حتى مشاعري… انطفأت.
وداعًا... ""
أفلت قبضته عن رقبتي، وسقطتُ خارج الجرف. كنتُ أسقط بخفّة... كأنني ورقةٌ صغيرة انفصلت عن غصن شجرة. حينها... بدأت ذكرياتي تتدفّق.
دفء أمي...
ابتسامتها اللطيفة...
قوّة كلماتها وتشجيعها الدائم.
ثم أبي...
كان يطلب مني دائمًا أن أكون قويًّا، أن أحمي من أحب.
لكنني خذلتهم جميعًا.
لم أكن قويًا كما أراد أبي.
لم أثأر لهم.
لم أحمِ أمي.
كنتُ عبئًا...
سببًا في معاناتهم.
ثم تذكّرتُ أولئك الأطفال.
كيف كانوا ينادونني دائمًا:
ابن الشيطان...
" "
رغم أنني كنت لطيفًا معهم.
انهمرت دموعي.
أعتذر يا أمي... "
"
لن أكون لطيفًا بعد الآن. " "
سأصبح ابن الشيطان كما كانوا يقولون. ""
سأجلب الدمار لكل شيءٍ جميل في هذا العالم. "
"
سأسحقهم... " "
سأسحقهم جميعًا. " "
عاد الزمن يجري فجأة.
ارتطم جسدي بالأرض بقوةٍ هائلة. شعرتُ وكأن جميع عظامي تحطّمت. حدّقتُ في
السماء، وقطرات المطر تتساقط على وجهي.
رفعتُ يدي بصعوبة وقلت:
في المرة القادمة لن
أكون ضعيفًا. " "
سقطت جفوني.
غرق كل شيء في الظلام.
وتوقّف قلبي عن العمل.
…