اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

مايا&موسى (الفصل الاول)

جاري التحميل...

الفصل الاول

يقولون إن التوائم يولدون بقلبين.. لكننا ولدنا بقلب واحد يضخ في جسدين. بدأت حكايتنا بمحاولة الأطباء فصل أيدينا المتشابكة في الصرخة الأولى، وتنتهي اليوم بمحاولة الحياة فصل أرواحنا في الصرخة الأخيرة. أنا مايا، الفوضى التي لا تهدأ، وهو موسى، السكون الذي يسبق العاصفة.. وبيننا أب وأم لم يدركا أن طلاقهما ليس مجرد ورقة، بل هو عملية بتر لكيان واحد لا يقبل القسمة على اثنين." كانا شقيقين لا يفترقان. يكبران معًا، يضحكان معًا، ويظنّان أن العالم صغير طالما هما بجانب بعضهما. كان موسى السند، وكانت مايا الروح الخفيفة التي تملأ البيت حياة. لم يكن بينهما أسرار، ولا مسافات، ولا خوف من الغد. لكن الحياة لا تسير دائمًا كما نريد. في لحظةٍ قاسية، افترقا. تفرّق الطريق، وكبر كلٌّ منهما بعيدًا عن الآخر. كبر موسى وهو يتعلّم كيف يخفي مشاعره خلف القوة والسيطرة. وكبرت مايا وهي تحمل في قلبها أسئلة كثيرة عن ماضٍ لم تفهمه بالكامل. سنوات مرّت… وتغيّر كل شيء. لم يعودا الطفلين اللذين كانا يتشاركان الضحكات والأحلام. أصبح كلٌّ منهما شخصًا مختلفًا، يحمل أسرارًا لا يعرفها الآخر، وجروحًا لم تلتئم. وحين جمعهما القدر من جديد، لم يكن اللقاء بسيطًا كما تخيّلاه يومًا. كان لقاءً مليئًا بالدهشة، والحنين، والشك أيضًا. فهل تستطيع الأخوّة أن تعود كما كانت؟ أم أن السنوات التي فرّقتهما خلقت بينهما مسافة أكبر من أن تُختصر بكلمة "أخي"؟ هنا تبدأ الحكاية… حكاية شقيقين فرّقتهما الحياة، وجمعهما القدر من جديد، لكن بعد أن أصبح كلٌّ منهما يحمل عالمًا كاملًا من الأسرار.......... 💭 هل أنتم مستعدون لقراءة قصتهما؟

تحميل الفصول...
المؤلف

كانت أمي تجرجرني من ثيابي وأنا أقاوم بكل قوتي، عضضتُ يدها فصرخت وتركتني أسقط أرضاً. نهضتُ لأجري بسرعة، لكنها جذبتني من شعري وألقتني ثانية بقسوة؛ سقطتُ على ذراعي وتألمتُ بشدة، لكني لم أصرخ. نظرتُ إليها بغضب وبصقتُ عليها بحنق، مسحتْ هي البصقة من وجهها وهتفت بجنون:
— "كيف لفتاة لم تتجاوز السادسة من عمرها أن تكون بتلك الشراسة؟ لمَ تصرين على الهرب؟"
قلتُ بصوت يقطر كراهية: "أريد العودة لموسى!"
​مالت عليّ تمسكني من ياقتي بعنف، تضغط على عنقي وتصرخ بفقدان أعصاب: "لا تذكري اسمه هنا مجدداً!"
نظرتُ لها بتحدٍّ: "سأعود لموسى أخي.. لن أبقى معكِ."
جذبتني بعنف وهي تتوعد: "أريني كيف تعودين أيتها الساخطة الصغيرة."
​دفعتني داخل غرفتي وأغلقت الباب بالمفتاح، بينما كنتُ أصرخ وأخمش الخشب بأظافري. هددتني من خلف الباب: "لقد أخذتُ كل أوراقكِ، لن تستطيعي الابتعاد كثيراً حتى لو هربتِ، ستصيرين مجرد مشردة قذرة.. ولن تقابلي موسى مجدداً أبداً، عليكِ البقاء معي إذا أردتِ رؤية شقيقكِ ثانية."
​توقفتُ عن الصراخ حين نال التعب من جسدي الصغير، جلستُ أستند بظهري إلى الباب، وأفكر في عمري الذي سيمر دون موسى. لماذا فرقتنا الحياة وقد كنا لا نفترق لدقائق؟ كانت تلك الفكرة تؤرقني؛ أنني سأكبر بعيداً عنه، تمر السنون دون أن نبني ذكريات مشتركة.. طفولتنا ومراهقتنا، أجمل أيامنا صارت أسوأها.
​هو يشبهني، يفكر مثلي ويشعر مثلي.. لماذا كُتبت عليه التعاسة؟ حين يكون سعيداً أشعر بالسعادة بداخلي دون سبب، وحين يتألم يتمزق جسدي معه. اتصالنا بالروح وثيق لا فرار منه، ومنذ صغرنا كان أحدنا يتألم لألم الآخر. كنتُ أنا الأكثر قوة، وكان هو الأكثر ذكاءً. كان أبي يفضله عليّ، كان يكرهني لأنني أحمل صورة أمي في ملامحي. كان له الحق في ذلك، فطبيعته الشرقية لم تحتمل أمي المتحررة؛ اختلاف ثقافات شاسع بين امرأة أجنبية وبين صورة نمطية لفتاة عربية كأمه أو شقيقته.. إذا أراد امرأة تشبه عائلته، لِمَ تزوج أمي إذن؟
​أبي مصري وأمي أوروبية، لذلك أصرّ أبي على تسمية شقيقي اسماً عربياً (موسى) واختارت أمي اسمي (مايا). كيف تزوجا وهما على طرفي نقيض؟ أبي جاد صارم، وأمي لعوب جامحة. كانت معظم شجاراتهما بسبب ملابسها وتصرفاتها التي يراها مخجلة.. سهرها وعلاقاتها الكثيرة، كل ذلك جعل أبي يرى خطأه بالزواج منها. ورغم غضبه، كان يبدو في عينيه لمحة حب تظهر فجأة حين يراها خائفة من يده الممدودة، فيتراجع.. تلك النظرة لم ينظر لي مثلها أبداً، كانت نظراته نحوي دوماً مليئة بالنفور، وكأنه يفرغ غضبه من أمي فيّ أنا؛ لذلك كنتُ أتعمد استفزازه.
​هربت أمي وأخذتني معها وتركت شقيقي له، كانت تريد تركه لضمان الإرث لا أكثر؛ تخلت عن ابنها لكي يرث أموال أبي وبالتالي تفوز هي في النهاية. لم أكن أريد الذهاب، ضربتها وخدشتها، لكنها أخذتني بالقوة، وخدعتني بأنها ستأخذ موسى لاحقاً. انتظرتُ عاماً وراء عام حتى أدركتُ أنه عليّ نسيان شقيقي.. انقطعت صلتنا تماماً، وفجأة انقطع ذلك الشعور الروحي به؛ حينها علمتُ أنه نسيني، أو ربما صار يكرهني.
​حاولتُ مراراً الهروب لكنها أخفت أوراقي وهاتفي. والآن، بعد خمسة عشر عاماً، تخبرني أمي أننا سنعود لمصر.. لماذا؟ لأن أبي قد مات، وحان الوقت لأخذ الثروة.
​تأملتْ أمي السيارة الفخمة التي أرسلها أخي للمطار بانبهار وقالت بلغتها السويدية المتعجرفة: "انظري لفخامة السيارة.. ربما زادت ثروات أبيكِ وأخيكِ الأحمق الذي ورثها."
نفختُ شفتي بحنق: "هو ليس أحمق.. أنتِ الحمقاء لو اعتقدتِ أنه سينسى ما فعلتِ."
نظرت لي بغضب: "يا لكِ من شقية، لِمَ أحضرتكِ معي إذن؟ أنا أعلم أن تأثيركِ عليه أقوى، سنستغل هذه النقطة لصالحنا."
ثم تفحصتني بحنق وأضافت: "ألم آمركِ بتبديل ملابس الأولاد هذه؟ وهذا الحلق في شفتيكِ، والوشوم الغريبة واللون الأسود على شفتيكِ.. كيف سيفكر موسى حين يراكِ هكذا؟"
تمتمتُ بسخرية: "هل تظنين أن موسى ما زال يهتم؟"
هزت كتفيها بملل: "ما زال يحبكِ، فأنتِ شقيقته الوحيدة رغم كل شيء."
​ابتسمتُ بسخرية من أفكارها. ربما كرهني موسى أو نسيني، لم أخبرها أنني وافقت على العودة لأجله فقط، وبعدها سأعود لعالمي الخاص.. العالم الذي صرتُ جزءاً منه بإرادتي، حين كنتُ أهرب من المنزل كي لا أرى قذارتها.. العالم الذي لا يعلم عنه أحد شيئاً.
​منذ أن هبطنا داخل القصر الواسع، وأمي تنظر حولها بشره وتتمتم: "لقد تضاعفت الثروة بالتأكيد." أما أنا، فكانت عيناي تدوران بجنون بحثاً عنه، خفقات قلبي تعلو حتى كادت تصم أذناي.. ربما عاد الاتصال بيننا وما أشعر به الآن هو لهفته هو أيضاً.
​هبط أخي من غرفته، مرتدياً حُلّة رسمية.. وسيم، قوي، وصلب. مشيته ونظرته تذكرني بأبي. خفق قلبي بقوة: "موسى أخي.. ما الذي تغير فيك؟"
رسمت أمي في عينيها نظرة حزن منكسرة وقالت باشتياق زائف: "موسى.. طفلي الحبيب."
نظر إليها موسى ببرود كالثلج، وجه جامد لا يتحرك، وقال بجمود: "مرحباً بكِ، هل كانت رحلتكِ جيدة؟"
​تعلقت عيناي به، ليس هذا شقيقي اللطيف، لقد أصبح نسخة من أبي بقسوته. تأملته وكأنني أنظر لنفسي في المرآة؛ هو وجهي تماماً، يرتدي نظارته الطبية كما في صغره، لكن نظراته اختلفت.. لم ينظر إليّ مطلقاً، بل سأل أمي ببرود: "لِمَ قررتِ العودة الآن؟ وكم ستبقين هنا؟"
​علت الصدمة وجه أمي، ولم أتمالك نفسي من الضحك بسخرية؛ لم تكن تتوقع هذا، أما أنا فكنت أتوقعه. تقدمتُ نحوه بابتسامة واسعة: "مو.. أخي التوأم.. لقد أصبحت رجلاً، لم تعد ذلك الطفل الباكي."
نبرة الحنان في صوتي جعلته يلتفت لينظر إليّ أخيراً. حين التقت أعيننا، انكسر الحقد في عينيه للحظات شعرتُ فيها بدفء يغمرني. عانقته بقوة، ولاحظتُ أن قوتي البدنية تفوقه، كان هزيلاً ونحيلاً وكأنه لم يتناول الطعام منذ دهر.
​ضمني برفق، وأيقنتُ أن اتصال الشوق قد عاد. سالت دموعي لأول مرة في حياتي وأنا أقول: "أخي.. لِمَ أنت هزيل هكذا؟ ألم يكن أبي يطعمك؟"
ابتسم بطرف شفتيه وربت على ظهري يمسح دموعي: "لقد أصبحتِ أنتِ الطفلة الباكية.. لم أركِ تبكين في طفولتنا أبداً."
انهمرت دموعي بغزارة، سألني وهو يتأمل وجهي: "كيف حالكِ يا شقيقتي؟"
قلتُ من بين شهقاتي: "لم أكن بخير مثل الآن.. لقد صبرتُ كثيراً لأراك، هل أنت بخير؟ كيف كانت أيامك؟ هل كونت صداقات أم كنت وحيداً؟ هل أكملت تعليمك؟ هل كنت تأكل جيداً؟ أما زلت تخاف الظلام وتكره الطعام الحار؟"
​ربت على كتفي يهدئني: "رويدكِ يا صغيرتي.. سنتحدث كثيراً فيما بعد، ارتاحي الآن."
قاطعت أمي اللحظة بحنق: "ألن تعانق أمك يا فتى؟"
تصلب جسده وعادت النظرة القاسية لعينيه، ابتعد عني وقال ببرود: "لا أعرف كيف يحيي الأجانب بعضهم، لم يتم تعليمي هذا."
ثم وجه كلامه إليّ متجاهلاً إياها: "أمرتُ الخادمات بتجهيز غرفكن، سيحملن الحقائب الآن."
​وكأن الشوق الذي غمرني به اختفى. قلتُ بارتباك: "شكراً يا مو."
قال بصرامة: "لا تناديني (مو) مرة أخرى.. اسمي موسى."
نظرتُ له بتحدٍّ مرح ومسحتُ عيني: "من موسى هذا؟ لا أعرف سوى (مو).. وسأناديك به، حاول منعي."
برقت عيناه وهو يحاول اصطناع الغضب، ثم أشاح بوجهه ليخفي ابتسامة: "أيتها الشقية.. لم تتغيري أبداً."
غمزتُ له بمرح: "أنت تتذكرني إذن!"
​تنهد وهو يشير للخادمة أن تتبعنا. تابعته بعيني وهو يبتعد، والتقت عيناي بعيني أمي؛ كانت تنظر لموسى نظرة أرعبتني.. نظرة تقول إنها ستجعل أيامه جحيماً. خفق قلبي برعب.. لن أرحل، سأحمي موسى منها ومن العالم أجمع.

يتبع
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.