الابتسامة خلف القناع - رواية حبيبتي ولكن
الابتسامة خلف القناع
.........
استيقظت ليلى في اليوم التالي وهي تشعر بثقل غريب في أطرافها، بقايا المهدئ الذي دسه زين في شايها كانت لا تزال تعبث بجهازها العصبي. لكن، ولأول مرة منذ الحادث، لم يكن ذهنها مشوشًا تمامًا. كان هناك وضوح بارد، يشبه وضوح شفرة حادة تحت ضوء القمر. تذكرت كل شيء من الليلة الماضية: سلك الهاتف، البرنامج الصوتي، وبرود زين المفاجئ والأبواب المغلقة.
نظرت إلى الجهة الأخرى من السرير؛ كان فارغًا، لكن رائحة عطره لا تزال عالقة بالوسادة. أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا. قررت في تلك اللحظة أن ليلى الضعيفة والمستسلمة يجب أن تظل موجودة أمام زين، بينما ليلى المحاربة ستولد في الخفاء.
نزلت إلى الطابق السفلي. كان زين في المطبخ، يرتدي مئزرًا أنيقًا ويقوم بإعداد البان كيك المفضل لديها. كان المنظر شاعريًا لدرجة تجعل أي امرأة تشعر بأنها ملكة، لكن ليلى لم ترَ سوى صياد يعد الطُعم.
"صباح الجمال يا ملكة قلبي،" قال زين بنبرة تفيض عذوبة وهو يلتفت إليها. اقترب منها وطبع قبلة رقيقة على وجنتها، ثم ضمها إليه لفترة أطول من المعتاد. "كيف حالكِ اليوم؟ هل نمتِ جيدًا؟"
رسمت ليلى ابتسامة خجولة، وأسندت رأسها على صدره، متظاهرة بالاستمتاع بدفئه. "نمتُ كأنني في حلم يا زين. شكرًا لأنك احتملت تقلباتي بالأمس. أشعر بالخجل من نفسي لأنني شككت فيك، حتى لو لثانية واحدة."
تصلب جسد زين للحظة، ثم ارتخى تمامًا. شعرت ليلى بنبضه الذي تسارع قليلًا قبل أن يعود لهدوئه. "لا تعتذري أبدًا. أنا هنا لأمتص غضبكِ وحيرتكِ. المهم أنكِ أدركتِ الآن من هو عدوكِ ومن هو حبيبكِ."
جلسوا لتناول الإفطار. كان زين يتحدث عن خططهما لتجديد الحديقة، وعن رحلة بحرية ينوي القيام بها بمجرد أن تسمح حالتها الصحية. كان يصف الرحلة بتفاصيل مذهلة؛ لون البحر، ملمس الرمال، والخصوصية المطلقة التي سيتمتعان بها.
"زين،" قاطعته ليلى بنبرة رقيقة، "أريد أن أطلب منك شيئًا."
"عيوني لكِ، اطلبي ما تشائين."
"أشعر بضيق لأنني لا أستطيع ممارسة هوايتي بشكل صحيح. المرسم جميل، لكنني أشعر فيه بالوحدة. هل يمكنني الحصول على مفتاح القبو؟ أتذكر أنني كنت أحتفظ هناك ببعض اللوحات القديمة والمخططات التي رسمتها قبل الحادث. ربما رؤيتها تساعدني على استعادة شغفي."
توقف زين عن الأكل. لمعت عيناه بوميض حذر لم تستطع ليلى تجاهله. "القبو؟ القبو مكان مظلم ومليء بالغبار يا ليلى، ولا أعتقد أن فيه شيئًا يستحق العناء. كل لوحاتكِ المهمة نقلتها إلى المرسم بالأعلى."
"أرجوك يا زين،" قالتها وهي تمسك يده وتنظر إليه بتوسل اصطنعته بإتقان، "أريد فقط أن أشعر بآثاري القديمة. أريد أن ألمس الأشياء التي لم تلمسها يدك بعد.. لعلها تخبرني بشيء عن نفسي القديمة."
ضغط زين على يدها بقوة، وابتسم ابتسامة غامضة. "حسنًا يا حبيبتي، إذا كان هذا سيسعدكِ. لكن ليس اليوم. سأقوم بترتيب المكان أولًا وتأمينه من أجلكِ. لا أريدكِ أن تتعرضي لأي أذى أو حساسية من الغبار."
أومأت برأسها موافقة، وهي تعلم يقينًا أنه سيقوم بتطهير القبو من أي دليل قد يدينه قبل أن يسمح لها بالدخول. لكنها حققت هدفًا واحدًا: لقد عرفت أن هناك شيئًا ما في القبو يخشى عليه.
بعد الإفطار، فاجأها زين بهدية. علبة مخملية سوداء بداخلها قلادة من الذهب الأبيض، تتوسطها ماسة زرقاء نادرة تشبه لون عيني ليلى في لحظات الحزن.
"هذه لتذكركِ دائمًا بأنكِ جوهرتي الوحيدة،" قالها وهو يقف خلفها ليلبسها إياها. "أريدكِ ألا تنزعيها أبدًا. إنها تحمل نبض قلبي."
شعرت ليلى ببرودة المعدن على جلدها، وشعرت بشيء آخر؛ بروز صغير خلف الماسة. كان حدسها يهمس لها بأن هذه ليست مجرد قلادة، بل ربما تكون جهاز تتبع أو تنصت. ومع ذلك، تظاهرت بالانبهار الشديد، والتفتت إليه لتعانقه بحرارة.
"إنها رائعة يا زين.. سأرتديها دائمًا."
مرت الساعات وزين مشغول في مكتبه. استغلت ليلى الوقت وبدأت في تنفيذ خطتها البديلة. إذا كان زين يراقب الهواتف والإنترنت، فإنه بالتأكيد لا يستطيع مراقبة الصمت.
توجهت إلى المرسم. أغلقت الباب وبدأت ترسم. لكنها لم تكن ترسم لوحة فنية، بل كانت تستخدم مهاراتها في التظليل لرسم خريطة للمنزل من الداخل بناءً على ما رأته وما شعرت به. كانت تحاول تحديد مكان الكاميرات المخفية. لاحظت وجود فتحات صغيرة جدًا في أجهزة إنذار الحريق، وفي زوايا البراويز المذهبة التي اختارها زين بعناية.
بينما كانت تمثل دور المستغرقة في الرسم، سمعت صوت سيارة تتوقف أمام المنزل. هذا أمر نادر، فزين لا يسمح للزوار بالاقتراب. تطلعت من النافذة بحذر؛ كان رجلًا في الخمسينيات من عمره، يرتدي بذلة رسمية ويحمل حقيبة جلدية.
خرج زين لاستقباله بسرعة، وبدا عليه التوتر. دار بينهما حديث قصير لم تستطع ليلى سماعه، لكنها رأت الرجل وهو يسلم زين مظروفًا كبيرًا، ثم غادر بسرعة وكأنه يخشى أن يراه أحد.
دخل زين المنزل، وتوجه مباشرة إلى مكتبه وأغلق الباب.
قررت ليلى أن تخاطر. خرجت من المرسم وتسللت نحو المكتب. وضعت أذنها على الباب. سمعت صوت تمزيق ورق، ثم صوت زين وهو يتحدث في الهاتف بنبرة حادة لم تسمعها منه من قبل.
"قلت لك أريد تقريرًا كاملًا عن تحركات عائلتها، كيف وصلوا إلى المحامي؟.. لا يهمني الثمن، ليلى لن تخرج من هنا، ولن يعلم أحد بمكانها الحقيقي. تأكد من أن المحضر تم إغلاقه كحادث عرضي تمامًا."
تجمدت أنفاس ليلى. المحامي؟ عائلتها لم تستسلم كما أخبرها زين! هم يبحثون عنها، وهناك محاولة للتحقيق في الحادث. والأسوأ.. أن زين هو من يمنع الحقيقة من الظهور.
فجأة، انفتح باب المكتب. تراجعت ليلى بسرعة محاولة التظاهر بأنها كانت مارة بالصدفة.
نظر إليها زين بشك، لكنها بادرت بالقول وهي تمسك بقلادتها وتتصنع الألم: "زين.. القلادة.. أشعر أنها تضغط على عنقي، ربما القفل به مشكلة."
تلاشت نظرة الشك من عينيه فورًا وحل محلها القلق. "أوه، حبيبتي، تعالي لأرى."
أخذ يعبث بالقفل برقة، وبينما هو كذلك، استطاعت ليلى أن تلمح بعينيها فوق مكتبه. رأت جزءً من ورقة خرجت من المظروف؛ كانت صورة فوتوغرافية لها، لكنها ليست صورة جميلة. كانت صورة لها وهي مغطاة بالدماء، داخل سيارة محطمة، وبجانبها شخص يرتدي قفازات سوداء يمد يده نحو مقود السيارة.
لم يكن ذلك الشخص المسعف. كانت الساعة التي يرتديها في الصورة هي نفس الساعة التي يرتديها زين الآن في يده اليسرى.
شعرت ليلى بصرخة مكتومة تمزق حنجرتها، لكنها ابتلعتها. شعرت بغثيان شديد، لكنها أجبرت نفسها على الابتسام عندما انتهى زين من إصلاح القفل.
"هكذا أفضل؟" سألها وهو يقبل يدها.
"أفضل بكثير يا حبيبي.. شكرًا لك،" أجابته، بينما كانت روحها تصرخ: أنت لست زوجي.. أنت من حاول قتلي!
عادت ليلى إلى غرفتها، وأغلقت الباب. لم تعد تبكي. الدموع كانت رفاهية لا تملكها الآن. جلست أمام المرآة تنظر إلى القلادة الماسية، وإلى وجهها الذي أصبح غريبًا عنها.
"حبيبتك.. ولكن،" همست لنفسها. "حبيبتك ولكني سجينة. حبيبتك ولكني ميتة في نظر العالم. حبيبتك ولكنك ستكون نهايتي."
بدأت ليلى تدرك أن الحاجز الذي كانت تشعر به في البداية لم يكن فقدان الذاكرة، بل كان جدارًا من الأكاذيب بناه مهندس بارع. وإذا أرادت هدم هذا الجدار، فعليها أن تبدأ في إضعاف أساساته من الداخل، وبنفس البراعة التي يمتلكها هو.
في تلك الليلة، وبينما كان زين يغط في نومه، نهضت ليلى بهدوء. توجهت إلى خزانة الملابس، وبدأت تبحث في جيوب بدلاته. لم تجد شيئًا. لكنها لاحظت أن هناك بلاطة في أرضية الخزانة تبدو غير مستقرة.
رفعت البلاطة بحذر، لتجد تحتها صندوقًا معدنيًا صغيرًا. فتحته بقلب يرتجف.
لم تجد مالًا ولا مجوهرات. وجدت مفكرات صغيرة مكتوبة بخط يدها هي!
فتحت الصفحة الأولى من إحدى المفكرات، وقرأت السطر الأول:
"إذا كنتِ تقرأين هذا يا ليلى، فهذا يعني أنني فشلت في الهروب، وأن زين قد نجح في مسح ما تبقى من عقلي. لا تصدقي كلامه، لا تصدقي حبه.. ابحثي عن الرجل الذي كان يراقبنا من خلف النافذة.. ابحثي عن عمر.. هو الوحيد الذي يملك الحقيقة."
أغلقت ليلى المفكرة بسرعة وهي تسمع صوت تقلب زين في السرير. أعادت كل شيء لمكانه، وعادت للفراش، وجسدها يرتجف تحت الغطاء.
الآن، لم يعد الأمر مجرد شكوك. لقد أصبحت تملك دليلًا من ليلى القديمة. وعمر.. عمر الذي قال زين إنه لا وجود له، هو مفتاح نجاتها.
الرومانسية التي يغرقها بها زين أصبحت الآن سلاحًا ذا حدين؛ فهي الغطاء الذي يحميها، وهي السم الذي يحاول قتل وعيها.