قلوب لا تجد مأوى - عندما تقاطع الخطان
عندما تقاطع الخطان
.........
كانت فيروز جالسة على سطح البيت القديم كما كانت لا تفعل شيئًا محددًا سوى النظر إلى السماء التي بدت أقرب من أي وقت مضى الغروب كان قد انسحب تاركًا خلفه زرقة باهتة تتخللها خطوط برتقالية خفيفة الهواء كان ساكنًا على غير العادة كأن الحي كله حبس أنفاسه فجأة جلست القرفصاء وأسندت ظهرها إلى السور القصير المتآكل ومدت يديها تلمس الأسمنت الخشن تحت أصابعها كما لو كانت تطمئن على وجوده
قالت لنفسها بصوت خافت يكاد لا يُسمع: لسه واقف
لم تكن تعرف لماذا شعرت بالحاجة إلى قولها هذا ربما لأنها كانت تشعر منذ أيام أن البيت لم يعد كما كان أو ربما لأن الشقوق التي بدأت تظهر في الجدران لم تعد تخيفها بقدر ما تحزنها نهضت ببطء ووقفت تنظر إلى البيوت المجاورة المتلاصقة التي تشبه بيتهم في كل شيء تعبها ووقوفها العنيد
من أسفل وصلها صوت والدتها تناديها :فيروز انزلي
اجابتها قائلة : حاضر
لكنها لم تتحرك فورًا شعرت بثقل غريب في قدميها كأن السطح لم يعد مجرد مكان مرتفع بل صار مساحة وداع أخير
في الوقت نفسه كان ياسين في شقته يجلس في الصالة كما اعتاد في الظلام لا يشعل الضوء ولا التلفاز الهاتف ملقى على الطاولة أمامه بلا حراك كان اليوم أثقل من المعتاد رغم أنه لم يحمل حدثًا استثنائيًا ظاهريًا لكنه شعر بشيء غير مفهوم يضغط على صدره كأن هناك خطأ ما على وشك الحدوث
وقف فجأة وتوجه إلى النافذة فتحها قليلًا ودخل هواء البحر ببرودته المألوفة لكن هذه المرة لم يشعر بالراحة بل بقلق غير مبرر أغلقها ثانية وعاد يجلس وهو يضغط بأصابعه على جبهته محاولًا طرد تلك الشعور المـﯝلم
وفي الحي القديم كان الصوت الأول أشبه بأنين طويل خرج من قلب الجدران صوت خافت لكنه عميق جعل فيروز تتجمد مكانها لحظة ثم نظرت حولها بفزع اهتز السطح تحت قدميها اهتزازًا خفيفًا كأن الأرض نفسها تتنفس بصعوبة
صرخت :ماما
وجاءها صوت والدتها من الداخل: في إيه
لم ترد لأنها لم تكن تعرف كيف تصف ما تشعر به الانين تكرر هذه المرة أعلى ومعه صوت تكسير مكتوم شعرت فيروز بقلبها يقفز في صدرها اندفعت نحو باب السلم وبدأت تنزل بسرعة
في الداخل كانت والدتها تقف في الصالة تنظر إلى الحائط الذي انشق فجأة بخط طويل قالت الأم بصوت مرتعش : يا ساتر
قبل أن تكمل جملتها اهتز البيت بعنف أكبر سقط جزء من الجبس وتناثر الغبار في الهواء صرخت فيروز :ماما اطلعي بسرعة مفيش وقت لازم ننزل
أمسكت والدتها بيدها لكن خطواتها كانت أبطأ من اللازم ومع كل ثانية كان الصوت يزداد كأن البيت يصرخ أخيرًا
خرجوا إلى السلم الذي كان يمتلئ بالجيران الجميع يركض يصيح يندفع لا أحد يعرف إلى أين فقط الهروب للأمام فيروز كانت تسحب والدتها بكل قوتها قلبها يدق بعنف أذناها ممتلئتان بالضجيج
عند باب العمارة سقطت قطعة كبيرة من الطوب ارتطمت بالأرض بقوة جعلت الجميع يتراجع لحظة في تلك اللحظة تعثرت والدتها وسقطت أرضًا
صرخت فيروز بقلق : ماما
انحنت تحاول رفعها لكن صرخة ألم خرجت من فم الأم: رجلي ي فيروز بتوجعني اوووي
كانت الفوضى حولهم بلا رحمة غبار صراخ أصوات انهيار جزئي سيارات تتوقف فجأة في الشارع الضيق فيروز لم تشعر بشيء سوى الخوف الخالص حاولت جر والدتها بعيدًا لكن جسدها لم يستجب
صرخت في الناس :حد يساعدني
لكن الكل كان مشغولًا بنفسه
في تلك اللحظة بالضبط كان هاتف ياسين يرن بعنف قفز من مكانه والتقطه الرد جاء سريعًا بلاغ انهيار مبنى جزئي في حي قديم (الأنفوشي) وإصابات محتملة تحرك فورًا
لم يسأل عن تفاصيل ارتدى سترته وأمسك مفاتيحه وخرج من البيت كما هو لم يغلق الباب جيدًا هذه المرة نزل السلم ركضًا وركب السيارة وانطلق بأقصى سرعة
عند وصوله كان المشهد أشد مما تخيل شارع ضيق مملوء بالغبار ناس تصرخ إسعاف تحاول الدخول سيارات متوقفة عشوائيًا نزل من السيارة وهو يرفع صوته
وسعوا الطريق
بدأ يعطي أوامره بسرعة عيناه تتحركان في كل اتجاه يحاول السيطرة على الفوضى
وفجأة رأى فيروز
لم يعرف اسمها وقتها بالطبع لكنه رآها جاثية على الأرض تمسك امرأة أكبر سنًا تحاول رفعها وجهها مغطى بالغبار عيناها مذعورتان لكنهما ثابتتان بشكل غريب اقترب دون تفكير
قال بصوت حازم :في إصابة هنا
نظرت إليه بعينين متوسلتين : رجليها مش راضية تقوم
انحنى بسرعة فحص قدم الأم بحذر: لازم إسعاف فورًا
صرخت فيروز: استنوا مش قادرين نشيلها
أشار ياسين بيده لعربه الاسعاف
هاتوا نقالة هنا بسرعة
ثم نظر إليها وقال بنبرة أقل حدة: إهدي هنعملها اللازم هتبق كويسة
لم تعرف لماذا صدقته لكنها فعلت سحبت نفسًا مرتعشًا وحاولت تثبيت والدتها بين ذراعيها
قالت الأم بصوت واهن : البيت
لم تجبها فيروز فقط هزت رأسها وهي تبكي بصمت
وصلت الإسعاف أخيرًا ساعدهم ياسين بنفسه في رفع الأم ووضعها على النقالة لمست فيروز يده دون قصد كانت يده ثابتة بشكل غريب وسط كل هذا الجنون
قال لها :اطلعي معاهم
😮💨
هزت رأسها بالإيماء :حاضر اكيد مش هسيبها
تحركت الإسعاف وياسين واقف ينظر إليهما للحظة قبل أن يعود لموقعه لكن شيئًا داخله لم يعد كما كان
البيت كان لا يزال قائمًا جزئيًا لكنه بدا ككائن جريح محاط بالناس والغبار والضوء الأصفر
تحركت سيارة الإسعاف ببطء وسط الزحام بينما كانت الصفارات تشق الشارع الضيق كأنها تحاول أن تفتح طريقًا وسط الصدمة فيروز كانت جالسة جوار والدتها تمسك يدها بقوة أكبر مما تحتمله أصابعها لم تكن تريد أن تتركها حتى للحظة وكأن ترك اليد قد يعني فقدانها الأم زينب كانت تتنفس بصعوبة عيناها نصف مغمضتين وشفاهها تتمتم بكلمات غير واضحة
قالت فيروز بصوت مبحوح وهي تميل بجسدها نحوها :أنا معاكي ما تغمضيش عينيكي
فتحت الأم عينيها قليلًا ونظرت إليها بنظرة متعبة :وجعني يا فيروز دي حياتنا هنروح فين بعد كد
ردت بسرعة وهي تحاول أن تبدو أقوى مما تشعر :هتعدي كل حاجة هتعدي المهم دلوقتي تبقي كويسة وصحتك تبق كويسه
لكنها في داخلها لم تكن متأكدة من أي شيء كانت تشعر أن كل ما تعرفه قد خرج عن السيطرة في دقائق قليلة البيت الشارع الأمان وحتى شكل الغد
عندما توقفت سيارة الإسعاف أمام المستشفى اندفع المسعفون يحملون النقالة بسرعة فيروز لحقت بهم تركض خطواتها متعثرة قلبها يخبط بقوة أكبر من قدرتها على الاحتمال دخلت خلفهم إلى الممر الأبيض الطويل حيث اختفى صوت الشارع وحل محله صدى خطوات سريعة ورائحة مطهر خانقة
وقفت خارج غرفة الطوارئ للحظات قبل أن تُغلق الأبواب شعرت لأول مرة بالفراغ الحقيقي جلست على المقعد البلاستيكي وأسندت ظهرها إلى الحائط نظرت إلى يديها فوجدتهما ترتجفان أدركت أنها لم تبكِ بعد وأن الدموع ما زالت عالقة في صدرها
في نفس الوقت كان ياسين لا يزال في موقع الانهيار يقف وسط رجال الدفاع المدني والشرطة يراقب البيت الذي بدا وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة الأضواء الصفراء انعكست على الحوائط المتشققة فزادت المشهد قسوة تلقى عدة اتصالات متتالية ورد عليها باختصار وعقلُه يعود في كل مرة إلى وجه الفتاة التي خرجت مع الإسعاف يتذكر ملامحها التي كان يغلب عليها الخوف والحزن
اقترب منه أحد الضباط : يا فندم الإخلاء تم تـﯝمرنا بحاجه تانية
رد ياسين وهو ينظر للمبنى :خلاص محدش يقرب عايز تأمين كامل
الضابط:اوامر ساعتك ي فندم انهي جملته وتركه ورحل
لم يكن صوت ياسين بنفس الحدة المعتادة كأنه فقد شيئًا من صلابته دون أن يشعر عندما انتهى كل شيء تقريبًا جلس في سيارته للحظات دون أن يدير المحرك أخرج نفسًا طويلًا وأغمض عينيه ثانية واحدة فقط
لم يكن معتادًا أن تلاحقه التفاصيل لكن هذه المرة التفاصيل رفضت أن تتركه
في المستشفى خرج الطبيب بعد وقت بدا لفيروز أطول من العمر كله وقفت فورًا:طمني يا دكتور
قال بهدوء : كسر في الساق محتاج تثبيت وملاحظة بس الحمد لله الحالة مستقرة
أغلقت فيروز عينيها للحظة كأنها تستقبل الكلمات داخل صدرها ثم هزت رأسها :أقدر أشوفها
ابتسم الطبيب لها بهدوء : دقائق وتدخلي
مرت تلك الدقائق بصعوبة بالنسبة لها دخلت الغرفة ببطء رأت والدتها مستلقية على السرير قدمها مثبتة وملامحها شاحبة لكنها حية اقتربت وجلست جوارها أمسكت يدها :أنا هنا جمبك
فتحت الأم زينب عينيها ونظرت إليها نظرة ممتلئة بالتعب والخوف : البيت
قالتها كأنها تسأل
ابتلعت فيروز غصة حادة وردت بهدوء مصطنع :المهم إنك بخير ي ماما
لكن في داخلها كانت تعرف أن البيت لم يعد كما كان وأنهم لن يعودوا إليه بسهولة وأن ما سقط لم يكن جدارًا فقط
مع حلول الليل خفتت الحركة في المستشفى وبقيت فيروز جالسة جوار أمها تنظر إلى الجدار الأبيض تفكر في أين ستنام غدًا في ماذا ستفعل حين تخرج أمها ومن أين سيبدأون حياة بلا بيت
وفي مكان آخر كان ياسين قد عاد إلى شقته وقف في الظلام ينظر إلى البحر من شرفته لأول مرة يشعر أن المسافة بينه وبين العالم صارت أكبر لا أصغر كان يعلم أن تقريرًا سيكتبه في الصباح وأن قرارًا إداريًا سيُتخذ وربما يكون هو نفسه من يوقّعه
لم يكن يعرف اسم تلك الفتاة التي تشغل راسه ولا قصتها لكن ملامحها ظلت عالقة في ذهنه كأنها سؤال بلا إجابة ملامح هادئ فتاة بملامح ذات طابع مصري وليس مبالغ فيها ظل علي تلك الحاله لساعات عديدة وحين غلبه التعب ذهب للمرحاض وقام بالوضوء وذهب ادي فرضه وركعتين كي يتسمد منهم الراحه ثم بدل ملابسه لملابس مريحه اكثر وذهب لسريره ظل يفكر ف تلكرالمنزل والحي والناس حتي غلبه النوم
وفي تلك الليلة نامت المدينة على جرح مفتوح وبقي الصمت واقفًا ينتظر ما سيأتي بعده