بينما كنت شخصاً أخر (الفصل الأول)
الفصل الأول
ما لم تكن تعرفه العائلات الثرية عن التربية الصحية، ان الأخطاء ليست نهاية العالم. أن كلمة لست بخير حق للجميع
لم أكن أعرف إن كنتُ أتذكرها، أم أختلقها كي أتحمل وحدتي. كانت المدينة تمتد أمام نافذتي مثل فكرة غير مكتملة: شوارع طويلة، مبانٍ رمادية، وسماء لا تقرر إن كانت مساءً أم صباحًا. في تلك المدينة، كان كل شيء يحدث بصوت منخفض، حتى الألم. رأيتها أول مرة في مقهى صغير عند زاوية شارع لا يحمل اسمًا. لم تكن جميلة بالمعنى الذي يُقنع الآخرين، لكنها كانت تملك تلك الهيئة التي تجعل الغرفة تصمت حين تدخل. كأنها لا تطلب الانتباه، بل تفرضه دون عنف. كانت تجلس وحدها، دائمًا وحدها، تقرأ كتبًا لا يبدو أنها تستمتع بها. تعرفتُ على اسمها لاحقًا، أو ربما اخترعته لها: إيلين. الاسم بدا مناسبًا لحزنها الهادئ. الراوي — وأنا — لا أذكر من بدأ الحكاية. هل كنتُ أنا من اقترب؟ أم أنها تركت الكرسي المقابل فارغًا عمدًا؟ قالت لي في أول حديث: «هل تصدق أن بعض الناس لا يريدون أن يُنقَذوا؟» لم أجب. كنت مشغولًا بملاحظة يديها: ثابتتان أكثر مما ينبغي، كأنهما تعلّمتا مبكرًا كيف لا ترتجفان. منذ تلك اللحظة، صار اللقاء عادة. لا وعد، لا اعتراف، لا حب معلن. مجرد جلوسين متقابلين، وحديث يلتف حول الأشياء دون أن يلمسها. كانت تحكي عن طفولة بلا مآسٍ واضحة، وذلك أخطر أنواع الطفولة. الأشياء التي لا تُكسر فجأة، تتشقق ببطء. أحيانًا، كنت أشعر أنني لا أستمع إليها، بل أستمع إلى نفسي من خلاله صوتها. وأحيانًا أخرى، كنت متأكدًا أنها تعرف أشياء عني لم أقلها. الراوي هنا يتوقف قليلًا… لأنه لا يريد أن يعترف بأن الحب بدأ كنوع من الفضول النفسي. في إحدى الأمسيات، قالت: «هل تخاف أن تكون مجرد شخصية في قصة شخص آخر؟» ضحكتُ. لكن الضحكة لم تصل إلى داخلي. منذ تلك الليلة، بدأتُ ألاحظ التصدعات. تأخرها المتعمد. اختفائها أيامًا بلا تفسير. نظرتها حين أقترب أكثر مما تسمح به. وكان هناك ذلك السؤال الذي لم يُطرح أبدًا: من فينا الحقيقي؟ المدينة نفسها بدت وكأنها تتآمر. الأضواء تخفت حين نلتقي. الوقت يتباطأ. والأحاديث تترك أثرًا يشبه الندم. لم أكن أعلم — ولم يكن الراوي يريد أن يعلم — أن إيلين لم تكن تخاف الحب… بل تخاف اللحظة التي سيكتشف فيها أحدهم أنها لم تعد متأكدة من وجودها أصلًا. لن يكون الغموض حول من نحب… بل حول من يروي الحقيقة. لم يكن هادي يحب اسمه. ليس لأنه لا يشبهه، بل لأنه يشبهه أكثر مما ينبغي. الهدوء الذي يحمله لم يكن خيارًا، بل مهارة بقاء. تعلّمه مبكرًا: أن لا يرفع صوته، أن لا يطالب، أن لا يترك أثرًا واضحًا خلفه. الأشخاص الذين لا يُلاحظون، لا يُؤذَون كثيرًا. الراوي هنا يتردد. لأن الحديث عن هادي يعني الاعتراف بأنني أعرفه أكثر مما ينبغي. وربما… لأنني هو. هادي لم يكن وحيدًا بالمعنى التقليدي. كان محاطًا بالناس، بالزملاء، بالمقاهي، بالأحاديث العابرة. لكن كل علاقة كانت تنتهي في النقطة نفسها: قبل أن يضطر لشرح ما يشعر به. إيلين لم تطلب شرحًا. وهذا ما جعلها خطيرة. كانت تنظر إليه وكأنها تنتظر أن يختفي. وكأن وجوده المؤقت يريحها. في إحدى المرات، سألها: «هل تظنين أن الصمت جزء من الشخصية… أم نتيجة لها؟» أجابت دون تفكير: «نتيجة. الشخصية الحقيقية تترك أثرًا، حتى لو كان مؤلمًا.» تلك الجملة لم تُزعجه فورًا. ظهرت لاحقًا، في الليل، حين كان يحدّق في سقف غرفته، ويحاول تذكّر آخر مرة شعر فيها بشيء حاد. هادي لا يغضب. لا ينهار. لا يفرح كثيرًا. وهذا — بحسب طبيبه السابق — ليس استقرارًا، بل تسطّحًا عاطفيًا. لم يخبر إيلين عن الجلسات العلاجية. عن الأسئلة المتكررة: متى بدأت تشعر بهذا؟ هل مررتَ بصدمة؟ هل تشعر بأنك منفصل عن نفسك؟ لأن المشكلة لم تكن أنه لا يشعر… بل أنه يشعر وكأن المشاعر تخص شخصًا آخر. وهنا يبدأ الغموض الحقيقي. في إحدى الليالي، وجد في مفكرته سطرًا لم يتذكر كتابته: «إن بقيتُ هادئًا أكثر من اللازم، سأختفي.» خط يده. توقيعه. لكن بلا ذاكرة. في اليوم التالي، لاحظ أن إيلين تنظر إليه بقلق غير مألوف. كأنها رأت شيئًا لم يقله. قالت له فجأة: «هادي… هل سبق أن شعرت أنك تؤدي دورك بإتقان، لدرجة أنك نسيت من كتب النص؟» لم يجب. لأن السؤال لم يكن فلسفيًا. كان تشخيصًا. الراوي الآن لا يملك رفاهية الحياد. لأن القصة لم تعد عن امرأة غامضة، بل عن رجل يخشى أن يكون نسخة قابلة للاستبدال من نفسه. لن يكون الخطر في فقدان إيلين… بل في اكتشاف أن هادي ربما لم يكن الراوي أصلًا. لم تختفِ إيلين فجأة. هذا ما يجعل الأمر أسوأ. الأشياء التي تنتهي بلا انفجار، تترك مساحة كافية للذنب كي يتمدد. هادي يعرف اللحظة التي بدأ فيها فقدانها، لكنه لا يعرف متى أصبحت الخسارة نهائية. كان ذلك في مساء عادي، من تلك الأمسيات التي لا يُنتبه لها إلا بعد فوات الآوان قال شيئًا لم يكن قاسيًا، لكنه كان باردًا أكثر مما تحتمل إنسانة تبحث عن دليل حياة. قاله بنبرة هادئة… نبرته المعتادة. النبرة التي لا تُظهر حاجة، ولا خوفًا، ولا تشبثًا. إيلين لم تبكِ. لم تغضب. فقط نظرت إليه طويلًا، كأنها تحاول التأكد من شيء كانت تخشاه منذ البداية. ثم قالت: «أنت لا تؤذيني… أنت لا تشعر بي أصلًا.» تلك الجملة لم تُسجَّل في ذاكرة هادي كحدث. سُجّلت كـ فراغ. بعدها، بدأت تغيب تدريجيًا. رسائل أقل. مواعيد مؤجلة. نبرة تتغير. وهادي… لم يلحق بها. ليس لأنه لم يحبها، بل لأن الحب عنده لا يتحول تلقائيًا إلى فعل. وهنا تقع الخطيئة. إيلين كانت الشخص الوحيد الذي وثق به دون حساب. الشخص الذي رآه دون أن يطلب تفسيرًا. وحين شعر — متأخرًا — بأنه قد يخسرها، كانت آليات النجاة القديمة قد استلمت القيادة. الانسحاب. الهدوء. المراقبة من بعيد. ثم اختفت فعلًا. لا رسالة أخيرة. لا تفسير. لا مشهد وداع يصلح للذاكرة. ومنذ ذلك اليوم، تغيرت طريقة رؤية هادي للعالم. لم يعد يعيش. صار يشاهد. المدينة تحولت إلى خلفية. الناس إلى شخصيات ثانوية. نفسه إلى بطل لا يشعر بما يكفي ليؤثر في الحبكة. كان يمشي في الشارع وكأن هناك كاميرا تتبعه. يلاحظ التفاصيل، لكن دون مشاركة. حتى الألم… صار يبدو وكأنه مكتوب لشخص آخر. الراوي هنا يتدخل، ليس ليشرح، بل ليعترف: هادي كان متسطحًا عاطفيًا قبل إيلين، لكن بعدها، صار منفصلًا عن الواقع. الفرق خطير. التسطح يمنع الإحساس. أما الانفصال… فيجعل الإحساس يبدو غير حقيقي. أحيانًا، كان يتخيل أنه لو صرخ فجأة في مكان عام، فلن يخرج صوت. ليس لأن حنجرته عاجزة، بل لأن المشهد لا يتطلب ذلك في السيناريو. وفي ليالٍ معينة، كان يعيد تلك اللحظة مع إيلين، ويغير جملته. نبرته. تعبير وجهه. لكن الفيلم لا يتغير. المشهد ثابت. وهنا تبدأ القسوة الحقيقية: ليس أنه خسرها، بل أنه يعرف أنه خسرها بهدوئه. آخر مرة رآها، كانت تنظر إليه كما يُنظر إلى شيء كان يمكن إنقاذه… لكن فات. ، لن نسأل: هل يمكن أن تعود إيلين؟ بل السؤال الأخطر: ماذا يحدث لشخص يرى الحياة كفيلم… ثم يدرك فجأة أن العرض قد انتهى، وهو ما زال جالسًا؟ هادي
