اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

موعد خاص (الفصل الثاني)

جاري التحميل...

الفصل الثاني

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

كانت تقف نهى أمام نافذة الغرفة وتغمض عينيها بينما يتخلل الهواء وجهها، فتحت عينيها بشرود قبل أن تأخذ نفسًا عميقًا لعله يهدأ قليلًا من الثقل والضغط الذي تشعر به، سمحت لعينيها أن تسبح للمنظر اسفل شرفتها كان المكان فارغًا إلا من حارس البوابة الذي كان يجلس بهدوء والسيارات الفارهة التي كانت مصطفة بدقة، تنهدت بسخرية وهي تطالع المنظر بصمت حتى لاحظت البوابة تفتح وفي تلك اللحظة لم تهتم بشيء سوى أنها أغلقت النافذة سريعًا هي لا تريد رؤية أحد والعكس صحيح. لذا سارعت تجلس مجددًا على سريرها وفعلت ما كانت تهيئ نفسها لفعله، أمسكت بهاتفها وضغطت على أحد الأرقام ثم وضعته على أذنها قبل أن تتحدث: 
"ألو، إزاي حضرتك أقدر أعرف أخبار والدتي دلوقتي؟"
 

خرج صوت الممرضة بالمقابل: 
"هي منتظمة فى العلاج وبمشيئة الله هتتحسن، بس زي ما حضرتك عارفة هي هتسافر تتعالج في برلين والحاج سيف متابع الموضوع أول بأول." 
 
تنهدت نهى هوهي تغمض عينيها بسبب الضيق الذى ملأ صدرها عند تذكرها للأحداث الماضية ولكنها بالرغم من ذلك إرتاحت قليلاً لأنها ستكمل علاجها بالخارج، فعلى الأقل عمها يهتم بذلك وهى لن تجد أي أمل حتى ولو كان صغيراً إلا وتتعلق به حاليًا.

 رمشت نهى ثم قالت بتساؤل:
"شكرًا لحضرتك، وطبعًا هقدر أشوفها قبل سفرها مظبوط؟" 

تحدثت الأخرى مطمئنة إياها:
"مظبوط هنبلغك فورًا قبل سفرها، مفيش داعي للقلق."

ابتسمت نهى بإرتياح تام قبل أن تغلق هاتفها وتلقيه بجانبها ولم تشعر بنفسها إلا وعيناها تمتلئ بالدموع بينما ارتجفت يداها وهي تمسح على وجهها ثم خرج صوتها ضعيفًا تحدث نفسها: 
"ليه يا ماما عملتي فينا كدة؟ ليه عذبتيني طول السنين دي ودلوقتي زاد عذابي أكتر!." 

 
نظرت إلى حقيبة ملابسها التي كانت تقبع بأحد أركان الغرفة، ثم ذهبت لفتحها وأخذت أحد الملابس بداخلها لتبدل ملابسها، رغم أنها بالفعل قد بدلت ملابسها التي كانت ترتديها بالمشفى إلا أنها تشعر برائحة المكان تحوم حولها، ذهبت للاستحمام سريعًا وخرجت مرتدية ملابس أخرى ثم جلست بتعب على السرير وكانت على وشك أن تتمدد لتنام ولكنها سمعت صوت طرق الباب فتوسعت عينيها بخضة قبل أن تسمع صوت أنثوى: 
"ممكن أدخل؟." 
 
رمشت نهى وأغمضت عينيها بضيق، هي حقًا لا تريد رؤية أحد ولكن مع ذلك نهضت لتفتح الباب، ولم تلبث أن وجدت إبنة عمها سلمى تمسك بصينية مليئة بالطعام، بينما تحدق بها تترقب ردة فعلها بتوتر ولكن سرعان ما استوعبت نهى وتحدثت: 
"اتفضلي يا سلمى." 
 
ابتسمت الفتاة بخجل بينما كانت تلمع عيناها بمرح وهى تدلف للداخل وتضع الطعام على الطاولة: 
"انا بس حبيت أطلعلك الأكل بنفسى يعنى كنت عايزة أشوفك بصراحة!. أنا سلمى بنت عمك سيف." 
 
ثم امسكت طرف ملابسها واكملت بتوتر: 
"طبعًا انا مقصدش ابقى حشرية وفضولية.. أنا كنت عايزة بس اشوفك عادي يعني." 

 
رمشت نهى وقد لاحظت شعورها بالاحراج فتحدثت قبل ان تلتفت للطعام: 
"شكرًا ليكي يا سلمى، انا فعلًا بحب الاكل دة." 
 
إبتسمت سلمى وقد تلاشى توترها فورًا: 
"الحمدلله، ماما عملته مخصوص وصدقيني أكل ماما تحفة ولا يُعلى عليه، إن شاء الله هيعجبك." 
 
اومأت لها نهى بهدوء لتعاود سلمى التحدث: 
"احنا هنتعشى النهاردة كلنا سوا تحت، ياريت لو تقدري تنزلي تاكلي معانا هنكون مبسوطين اوي."

 
ارتسمت على وجه نهى ابتسامة حاولت قدر الامكان ان تكون حقيقية: 
"هشوف ان شاء الله..."

ومع ذلك ذهبت نهى بحماس قبل أن تغلق نهى الباب بالمفتاح، وارتمت على فراشها. لم تبكِ هذه المرة. أخرجت من حقيبتها أحد الأساور تلمسها بأصابعها، بينما حدثت نفسها بثقة:
"هيعالجوا ماما، وهاخدها ونمشي من هنا.. المكان ده مش مكاني، والناس دي مش أهلي."

بعدها ​فتحت النافذة مجددًا لتستنشق الهواء، لكنها لم تجد ضجيج الباعة ولا ضحكات الجيران هذه المرة كبيتها القديم. ولكنها عادت مرة أخرى لتأكل طعامها بلا اهتمام في حين غرقت بأفكارها. وبينما كانت تراقب الغسق من نافذتها الغريبة، سحبها خيالها إلى غروبٍ آخر، كانت الشمس فيه تغادر حيها القديم ببطء أثقل مما هي عليه الآن.

*****
قبل أيام…

كانت الشمس تلملم خيوطها الأخيرة من فوق أسطح الحي الشعبي، بينما دخلت نهى إلى بنايتها بعد أن عادت من جامعتها ودقت الباب بهدوء ولكن لم يفتح لها أحد، عقدت حاجبيها بإستغراب إلى أين يعقل أن تذهب أمها الآن؟.

أخرجت مفتاح المنزل من حقيبتها وفتحت الباب سريعًا ثم ألقت حقيبتها على الأرضية ومشت بإتجاه غرفتها.

"ماما أنتِ فين؟"

 خرج صوتها بتساؤل حتى وجدت شروق تجلس بالغرفة وهي تراقبها من بعيد، ونظراتها تحمل ثقلاً لا تدركه نهى.. ثقلاً يشبه الجبال.

​"نهى.. تعالي يا بنتي عايزة أتكلم معاكي."

​صوت شروق كان مخنوقاً، وكأن الكلمات تجرح حنجرتها وهي تخرج، مما جعل نهى تقترب من والدتها التي كانت تجلس بجمود بينما لاتزال تحدق بها.

​"في حاجة يا ماما؟ تعبانة؟ أكلم الدكتور؟" سألت نهى بلهفة وهي تمسك يد أمها الباردة.

​نظرت شروق لعينين ابنتها الجميلتين، وسكتت للحظة وكأنها تودع براءتها قبل أن تتحدث:
"أنا خبيت عليكي كتير يا نهى.. خبيت عشان كنت خايفة عليكي من الأذى اللي مكتوب يلاحقني. بس خلاص.. هما وصلوا لينا، والوقت مابقاش في صالحنا."

​تجمدت نهى في مكانها: 
"أذى إيه يا ماما؟. إحنا ملناش حد يا ماما.. مين دول اللي وصلوا لينا؟."

​ابتسمت شروق بمرارة، وسقطت دمعة حارقة على كفها: 
"عيلة أبوكي يا نهى والبيت اللي أنتِ فيه ده، والعيشة اللي عيشناها دي.. كانت تمن هروبي بيكي منهم."

​شعرت نهى وكأن الغرفة تدور بها قبل أن تتحدث:
"بابا؟. أنا معرفش غير اسمه!، وهروب إيه يا ماما أنتِ قولتيلي إن بابا مات من قبل ما اتولد!، أنتِ بتهزري صح؟"

همست شروق بضعف:
​"يا ريتني بهزر.."

​"سقطت الكلمات فوق رأس نهى كوقع المطارق، لتحدث دوياً أصمَّ أذنيها عن كل شيءٍ آخر. تجمدت نظراتها الزيتونية فوق شفتي أمها، وكأنها تنتظر منها أن تضحك فجأة وتقول إنها مجرد دعابة ثقيلة، لكن ملامح شروق المتصلبة بالوجع كانت "الحقيقة" التي ترفض نهى ابتلاعها.
​شعرت نهى وكأن جدران المطبخ المألوفة تضيق، تتداعى، وتتحول لزنزانة غريبة. خُيل إليها أن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة، بل صارت هشة توشك على الانفجار. حاولت أن تنطق، لكن لسانها كان ملتصقاً بسقف حلقها من جفاف مفاجئ، وقلبها.. كان يقرع صدرها بعنفٍ يطالب بالخروج.
​مرت ثوانٍ من الصمت الخانق، لم يكن يسمع فيها إلا صوت أنفاس نهى المتسارعة التي تحولت لشهقاتٍ مكتومة قبل أن تقف فجأة، وصوتها يرتفع بذهول: 
​"مش هروح يا ماما.. مش هسيبك." همست نهى وهي ترتمي في حضن أمها.

حاولت شروق كتم بكائها وإعطائها كلمات مفهومة وقالت وهى تنظر لها بحزن:
"أنا بعدتك عن أهلك وأنتِ صغيرة، لما أنا وباباكي إتطلقنا زمان رجعت بيت أبويا ... وإكتشفت بعديها إنى حامل فيكى…"

نظرت لها الأخرى بصدمة وخرج صوتها متقطعًا:
"يعني… أنا السبب؟"

هزت شروق رأسها بسرعة وهي تشد على حضنها بقوة:
"مستحيل!، أنتِ أحلى حاجة حصلتلي في حياتي ومن غيرك هضيع، إوعي تفكري تاني كدة يانهى!"

ثم ابتسمت بين دموعها وأردفت:
"حتى لو ساعتها كنت مش موجودة في الدنيا... اوعي تنسي ان انا بحبك اكتر من اي حاجة في الدنيا، وصدقيني إني عملت المستحيل عشان محدش ياخدك مني."

أغمضت نهى عينيها وهي لا تريد سماع المزيد من ذلك الكابوس وقاطعتها:
"كفاية يا ماما، إوعي تقولي كدة… بعد الشر عليكي."

انهمرت دموع نهى بصمت وهي تتشبث بوالدتها بقوة كأنها ستهرب من بين يديها بينما والدتها قبلت رأسها بحنان بالغ وخرج صوتها بضعف:

"مش هتطمن عليكي غير وانتي وسطهم حتى لو قلبي هياكلني عليكي، مش هقدر أسيبك لوحدك."

*****

تلاشت صورة والدتها وصوتها الدافئ تدريجياً، ليحل محلها صوت طنين الصمت في غرفتها الباردة. حل عليها ضوء الصباح وتسللت خيوطه على وجهها مما جعلها تزيح الغطاء من عليها ومسحت وجهها تحاول جمع شتاتها، ثم نظرت للساعة بجانبها، لازال الوقت مبكراً.

فور خروجها من الحمام سمعت صوت دق الباب لتحدق به قليلاً بتوتر وثوانٍ حتى تقدمت لفتحه لتجد سلمى بنت عمها تنظر لها بوجه محمر قليلًا ينم عن إحراجها بمجيئها غرفتها في هذا الوقت المبكر.

حمحمت سلمى قبل أن تتحدث:
"معلش أنا صحيتك بس الفطار جاهز تحت ولازم تيجى، إمبارح منزلتيش تتعشى معانا لازم بقى تنزلى النهاردة."

تفاجأت نهى عندما وجدت راجية تطل خلف ابنتها سلمى بينما تبتسم بإتساع:
"لا لا أنا مش هسمحلك انك متفطريش معانا النهاردة.. خدي بالك انا سبتك إمبارح بس عشان كنتي تعبانة وعمك مرضاش يكلمك برضو."

ابتسمت لها نهى بهدوء:
"معلش يا طنط صدقيني انا مليش نفس خالص للأكل."

لوت راجية شفتيها ثم قالت ممازحة:
"يه اللي ملكيش نفس للأكل دي لا أنا مش عايزة اسمع الكلام دة ايه رأيك هتنزلي معانا وتخلصي طبقك كله كمان!"

تنهدت نهى بإحراج وهي لا تعرف ماذا تقول أو تتصرف فهي حقاً لا تملك الشهية للطعام ولا تملك الطاقة لتتحدث، حتى هي ليس لديها القدرة للجلوس مع عائلتها التي عرفتهم تواً، ولكن إذا اضطرت للنزول معهم حتى يتوقفوا عن الإلحاح عليها ستفعل ذلك.

نظرت راجية نظرة ذات معنى لسلمى التي كانت تقف متسمرة مكانها وعلى وجهها إبتسامة بلهاء:
"انزلي انتي يا سلمى وانا ونهى جايين وراكي."

أومئت لها سلمى مبتسمة لتتجه ركضاً إلى أسفل بينما التفتت لها راجية مما جعل نهى تشير لها بأدب لتدخل غرفتها وأن لا تظل واقفة هكذا، دخلت راجية غرفتها ثم ابتسمت بدفئ وهي تمرر عينيها على ملامح وجهها:
"انا عارفة، أنتِ معندكيش الطاقة انك تقعدي مع حد وليكي كل الحق في دة بس صدقيني القعدة لوحدك مش هي الحل بالعكس."

عقدت نهى حاجبيها وهي تشعر بجفاف في حلقها لدرجة عندما حاولت كسر الصمت والتحدث لم تخرج كلماتها وذلك جعل راجية تقترب منها بينما تمسك بأيديها:
"أنتِ مش متخيلة احنا فرحانين قد ايه بيكي وبوجودك كأن في جزء كان ناقصنا واحنا مش عارفين وكملنا بس بيكي."

رمشت نهى بفتور رغم أنها تشعر بصدق كلماتها ولكنها لا تستطيع الوثوق بها، لا تستطيع الاطمئنان وسطهم حاليًا حتى إن حاولت ذلك.

تنهدت راجية كأنها تقرأ ما يدور بعقلها الآن وعلامات التردد التي تملأ وجهها، بغض النظر أعينها التي كانت منتفخة أثر البكاء والتعب، مدت يدها تمسح على خديها برفق:
"صدقيني كل حاجة هتبقى كويسة مفيش حاجة مش بتعدي وانا واثقة انك هتتعودي علينا وهتحبينا على الاقل قد ما بنحبك."

ثم أكملت تتحدث بثقة:
"ممكن تكوني مش عايزة دة وحاسة إنك هتبقي مش مبسوطة، بس كلها إفتراضات… هل أنتِ جربتي تقعدي معانا وتقربي مننا؟، صدقيني لما تحبسي نفسك في أوضتك هتتعبي أكتر."

تمعنت نهى بكلماتها، ولكنها لن تنزل من أجل أنها تريد التحسن والتقارب معهم كعائلة، بل لأنها تريد فهمهم.. تريد إجابات عن أسئلتها ولن تحصل على أيًا منها إلا بالاختلاط معهم لذا وجدت نفسها تومئ لها بهدوء مما جعل راجية تبتسم برضا وتحدثت:
"يلا روحي اجهزي بسرعة عشان نلحقهم."

فور ذهاب راجية، تحركت نهى لتبديل ملابسها سريعًا بينما ارتسمت على وجهها ملامح الهدوء كعادتها ولكن الفرق أن تلك المرة لم يكن داخلها هادئًا حقًا كما يظهر خارجها.

فور أن خطَّت قدميها صالة الطعام التفت لها جميع الجالسين لم تركز كثيراً او بمعنى اصح اجبرت نفسها على عدم التركيز لأن آخر ما تريده حاليًا هو أن ترى نظرات الشفقة في أعينهم أو أي نظرة تضايقها على أية حال، تنهدت بينما تغلق قبضتيها بتوتر لعل ذلك يحافظ على قناع وجهها الجامد قبل أن تلقي السلام بهدوء.

جلست نهى على طرف مقعدها الوثير بجسدٍ متصلب، وكأنها تخشى أن يبتلعها الحرير أو يترك فوق ثيابها البسيطة علامة تدل على تطفلها في هذا العالم. كانت عيناها الزيتونيتان تسبحان في فراغ القاعة الشاسع، لكنهما في الحقيقة كانتا كعدسة كاميرا دقيقة، تلتقط كل إيماءة وتحللها بريبة؛ تحاول فك شفرات هذه الوجوه التي تبتسم لها بحنانٍ مريب، أو ترمقها بجفاءٍ لا يداريه التكلف.
​كانت تراقبهم بصمتٍ مطبق؛ لفت انتباهها يد سما زوجة عمها حامد، وهي تمسك بملعقتها بخفةٍ مسرحية، ورنين أساورها الذهبية وهو يصطدم بحافة الطبق أمامها؛ رنينٌ حاد كان يثقب أذني نهى كأنه صرخة استعلاءٍ غير منطوقة. أما حامد، عمها الثاني، فكان يجلس بهدوءٍ رزين، يتبادل نظرات غامضة مع شقيقه سيف، ونبرة صوته الرخيمة وهي تتحدث عن "توسعات الشركة" كانت تشعر نهى بأنها مجرد ملف إضافي تم ضمه لدفاتر العائلة مؤخراً.

​شردت لثوانٍ في انعكاس صورتها فوق سطح الطاولة الرخامي المصقول؛ بدت باهتة، ضئيلة، وتمنت لو تستطيع التلاشي، لكن نظراتهم كانت تقيضها، تشعرها أنها مراقبة من كل إتجاه.

​"كلي يا حبيبتي.. ليه ساكتة؟"

​اخترق صوت راجية ضباب تشتتها، فالتفتت نهى بابتسامة باهتة لم تلامس عينيها. حاولت تحريك لقمة صغيرة في طبقها، لكن حواسها كانت مشغولة بمراقبة سلمى التي كانت تجلس بجانبها، تحاول بابتسامتها العفوية ونظراتها المشجعة أن تكسر حدة الجو، وكأنها الجسر الوحيد الذي يربط نهى بهذا الشاطئ الغريب.
نظرت نهى حولها مجددًا و​لاحظت وجود كرسيين خاليين في نهاية المائدة، وهذا له معنى واحد فقط، أن هناك فردين آخرين من العائلة ولم يحضروا. أشاحت بوجهها بعدم اهتمام فلم يكن ذلك ما ينقصها أيضًا.

​كان الضجيج حولها يتصاعد؛ ضحكات مكتومة بين حامد وسيف، رنين المعالق، وخطوات خدمٍ يمرون بخفة الأشباح، لكن نهى لم تكن ترى سوى الظلال.. ظلال حياتها القديمة التي تتلاشى في الأفق، وظلال هؤلاء الغرباء الذين يحيطون بها كجدران قصرهم العالية، يبتسمون في وجهها بينما يسحبون البساط من تحت قدميها ببطءٍ وثبات، تمهيداً لتلك اللحظة التي ستنفجر فيها الحقيقة في رأسها.

رسمت ابتسامة هادئة ولو كانت مزيفة على وجهها ولكنها شعرت بنظرات ابنة عمها ليلى المتفحصة والتي كانت تجلس امامها ولكنها اومأت لها على أية حال لتومئ لها الأخرى ببرود، وقبل أن تستوعب نهى نظرتها اخرجها من افكارها سلمى وهي تنكزها بينما تقول بصوت منخفض:

"متتكسفيش يلا كلي."

تحدث سيف ناظراً لسلمى:
"اومال أيهم راح فين دلوقتي؟."

التفتت سلمى نحون ثن اجابت باعتيادية:
"هو خرج برا في الجنينة مش هيفطر معانا عشان وراه شغل مستعجل في المصنع."

اومأ سيف بتفهم ليتحدث حامد أخاه قاطعاً الصمت:
"في سنة كام دلوقتي يا نهى؟؟."

انتبهت ملتفتة إليه من سؤاله المفاجئ ولكنها أجابت:
"في رابعة جامعة."

سيف مبتسماً:
"هانت خلاص بكرة تتخرجي، سمعت إنك متفوقة في دراستك ما شاء الله."

رمشت نهى بينما تحبس أنفاسها، كيف علم يا ترى؟ أيعقل أن تكون والدتها؟. لو عرف من والدتها فمتى ذلك أو بأي مناسبة؟. وفي تلك اللحظة لم يفت عليها نظرات زوجة عمها سما التي رفعت حاجبيها ببعض السخرية... عقدت نهى حاجبيها بتوتر وشعرت لوهلة انها غير مرغوب بها هنا.

لم تكن نهى تسمع رنين الملاعق على الاطباق ولا همسات "حامد" و"سيف" المتزنة؛ كان كل ما يصل إلى مسامعها هو طنينٌ حاد، يشبه صوت انذارٍ بعيد. شعرت فجأة ببرودة الرخام تخترق حذاءها، وبأن جدران القاعة حولها بدأت تضيق، تضيق حتى كتمت أنفاسها.

​نظرت إلى طبقها الذي لم تلمسه ببرود، ثم رفعت عينيها لتجد ليلى ابنة عمها تطالعها هي الأخرى بفتور، بجانب نظرات والدتها المتفحصة التي لم تبارح وجهها، وشعرت لحظتها بأنها دمية في عرضٍ لا ينتهي.

​"نهى.. يا بنتي، مكلتيش حاجة؟"

​كان صوت راجية حنونًا، لكنه في تلك اللحظة كان القشة التي قصمت ظهر صمودها. وضعت نهى المنديل الحريري على الطاولة بيدٍ مرتعشة، ودفعت الكرسي للخلف بهدوءٍ أحدث صريراً خفيفاً جعل الرؤوس تلتفت نحوها.

خرج صوت نهى خفيضًا:
​"أنا.. أنا متأسفة جداً، بس حاسة بشوية صداع وتعب. محتاجة ارتاح."

​نطق سيف بنبرةٍ آمرة مغلفة بالاهتمام: 
"سلمى، اطلعي مع بنت عمك، شوفيها محتاجة إيه."

قاطعت نهى بصوتٍ واهن لكنه حاسم:
​"لا.. من فضلك يا عمي، محتاجة أكون لوحدي شوية.. بعد إذنكم."

​لم تنتظر رداً؛ تحركت بخطواتٍ شبه متعثرة، ولكن قبل أن تذهب وتهم للصعود، قطع افكارها صوت محرك سيارة لتنقل نظرها عند مدخل الفيلا الذي كان مفتوحاً مالت برأسها بفضول لمعرفة من القادم ولكنها ضيقت عينيها قليلاً عندما وجدت أحد السيارت السوداء بالخارج رمشت عدة مرات هذه السيارة تعلمها جيداً.. تلك السيارة السوداء رأتها مرتين بحياتها، هي متأكدة… لقد حفظت رقم اللوحة، أتتخيل أم هذا فعلاً حقيقة؟!.

يجب أن تتأكد من هذا...

ولكن قبل أن تَفِق من دهشتها كانت السيارة قد إنطلقت بعيداً…
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.