(مشاعر تبسمت) غموض الجبل القاسي
(مشاعر تبسمت)
.........
(مشاعر تبسمت) ﷽
كانت نظرات جبل تلاحق أمينة بين الحين والآخر من مرآة السيارة،
يراقب فرحتها الطفولية بالخروج بصمت.
وصلوا أخيراً أسفل البناية حيث عيادة طبيب والدته. عند نزولهم من السيارة،
فُكَّ رباط حذاء أمينة، وكادت أن تميل لتربطه،
لكن جبل استوقفها بصوت حازم:
جبل: "متميليش في الشارع .. ادخلي جوه العمارة وعدليه."
وقفت أمينة مكانها لا تستطيع السير بخطوات متزنة، فنظرت الحاجة صفاء لابنها وقالت: "طيب يا ولدي، أمسك يدها لما تدخل وأنا طالعة قدامكم، متعوقوش."
صعدت الحاجة صفاء للعيادة،
بينما اقترب جبل من أمينة دون حديث أو حتى نظرة مباشرة،
وقال بلهجة آمرة: "اخلصي."
أمسكت أمينة بذراعه لتتوازن،
ودخلا سوياً لمدخل البناية. عدلت حذاءها بسرعة ثم بدآ في صعود الدرج.
وأثناء صعودهما، كان هناك رجلان ينزلان السلم؛ وفي تلك اللحظة،
وبحركة تلقائية يملؤها الحرص، لف جبل ذراعه خلف خصر أمينة لينحيها جانباً،
ثم وقف بجسده العريض أمامها مباشرة،
ليكون حائلاً بينها وبين الرجلين حتى لا يحتك أحدهما بها.
في تلك الأثناء،
غمرت أمينة مشاعر غريبة لم تشعر بها من قبل؛ وهي تقف خلف ظهر جبل العريض،
شعرت بالأمان والاحتواء لأول مرة.
ارتجف جسدها،
لكنها لم تكن رجفة خوف أو تذمر كما اعتادت،
بل كانت رجفة خرجت من أعماق قلبها،
وكأنها اكتشفت جانباً آخراً في "الجبل" لم تكن تراه.
أكملا الصعود ووجدا الحاجة صفاء تجلس في الانتظار. أشار جبل لأمينة بالذهاب إليها،
بينما ذهب هو لحجز الكشف. جلست أمينة،
لكن عيناها كانت تلاحق جبل في كل حركة،
وكأنها تراه اليوم لأول مرة. عاد وجلس بجوارها في صمت، حتى جاء دور والدته.
الحاجة صفاء: "يالا يا بتي.. دورنا جه."
وقفت أمينة لتسير خلف حماتها، لكن جبل أمسك يدها فجأة وجذبها نحوه قليلاً،
وقال بنبرة محذرة ومنخفضة:
جبل: "تدخلي منظر بس.. تقعدي ساكتة، أوعاكي تتحدتي وترغي ويا الدكتور واصل، فاهمة؟"
أمينه: حاضر.
ـــــــــــــــــ
بعدما انتهت الحاجة صفاء من الفحص،
نزلوا جميعاً ليركبوا السيارة عائدين للمنزل.
وفي الطريق، أوقف جبل السيارة فجأة أمام أحد المحلات.
جبل: "عاوزة حاجة يا ماي؟"
الحاجة صفاء (بحنان): "لا يا ولدي، ما يِعوزك غير الخير.. شوف مرتك لو عوزاها حاجة."
التفت جبل نحو أمينة وبنبرة رسمية وجادة سألها: "عوزاها حاجة؟"
أمينة (بتلقائية): "لا سلامتك.." ثم تذكرت وجود أمه فعدلت كلامها سريعاً: "قصدي مِعوزاش، حاجه "
ترجل جبل من السيارة،
وغاب لدقائق ثم عاد يحمل بعض العصائر الباردة. أعطى لوالدته ثم لأمينة،
وكان يحمل حقيبة أخرى وضعها بجانبه في الأمام بغموض. انطلق جبل حتى وصلا للمنزل،
وهناك وجدوا "ملاح" و "دياب" يجلسان في البرندة يتحدثان.
بمجرد نزولهم، قال ملاح مازحاً بصوت عالٍ:
ملاح: "يا مرحب! مرت أخوي راجعة منورة.. كأنها كانت في السجن هنا وطلعت شمّت هوا!"
تبسمت أمينة بخجل من تشبيه ملاح وأكملت سيرها للداخل، بينما كانت هند تجلس بجوار دياب وعيناها تلمعان بالشر.
هند (في سرها): "أيوه كدة يا ملاح.. زودها كمان وكمان، عشان الموضوع يسهل عليا وجبل يشوف كلامك"
دخلت أمينة للدار، فاستقبلها صغار فاروق "بكري ويوسف" بحب وهما يركضان نحوها.
احتضنتهما أمينة بحنان، وأعطتهما ما تبقى من العصير الذي اشتراه جبل،
ثم صعدت لغرفتها لتبدل ملابسها وهي لا تزال تشعر بلمسة ذراع جبل على خصرها في السلم.
في تلك الأثناء بالأسفل..
بقي جبل واقفاً مع إخوته، وكان يمسك بالحقيبة التي اشتراها. نظر لملاح نظرة غامضة، ثم سأل دياب عن شيء ما في العمل، لكن عقله كان لا يزال يكرر كلمة ملاح: "كأنها كانت في سجن".
ـــــــــــــــــــــ
صعد جبل للشقة
وضع تلك الحقيبة الغامضة على الطاولة ونزل فوراً دون أن ينطق بكلمة واحدة، وتبعته امينه. انتهى اليوم والجميع اجتمعوا للعشاء،
وبعدها خرج الرجال للجنينة، بينما جلست عبير وأمينة في البرندة تستنشقان نسيم الليل.
عبير (بغمزة): "يلا يا ستي.. اشكريني بقى، أنا اللي سددت كل السكك في وش جبل عشان يضطر ياخدك معاه وتخرجي تشمي الهوا."
أمينة (بابتسامة عريضة): "ألف شكر يا عبير.. والله فرحت قوي إني طلعت وشفت الدنيا، حتى لو معملتش حاجة ولا رحت مكان."
عبير: "كفاية إنك طلعتي مع جبل.. دي لوحدها إنجاز."
أمينة (بتنهيدة): "له والله.. لو الخرجة من غيره كانت هتبقى أحسن بكتير! كان نفسي أتجوز راجل (أوبن مايند) كدة، يفهم ويقدر، مش واعر في كل حاجة."
ضحكت عبير وقالت بمداعبة: "وبعدين معاكي؟ وماله جبل؟ ما هو (أوبن مايند) أهه وخدك معاه للدكتور!"
قالت أمينة بتلقائية وعفوية وهي لا تدرك خطورة كلمتها:
أمينة: "لا ده (بهيم مايند) !"
انفجرت عبير في الضحك بصوتٍ عالٍ لم تستطع السيطرة عليه،
مما جذب أنظار الجميع في الجنينة. نظر دياب وهند التي كانت تجلس جواره باستغراب،
بينما عقد فاروق حاجبيه وقال بحدة: "وبعدين؟ في ايه؟"
ارتبكت عبير وحاولت كتم ضحكتها،
وهمست لأمينة: "اسكتي الله يخرب بيتك.. هتقوميهم عليا!"
أمينة (برعب وهي تلتفت لترى إن كان جبل سمعها): "أوعي تقولي حاجة يا عبير! أنا كنت بهزر والله.. جبل لو عرف هيقطع خبري!"
ضحكت عبير بهدوء وهي تطمئنها: "متخافيش.. مش هقول، أصلاً كلهم (بهايم مايند) مش جبل بس!"
لكن "هند" لم يفتها الضحك المريب ولا الهمسات بينهما، فظلت تراقب أمينة بنظرات فاحصة،
متمنية أن تعرف ما الذي قيل وجعل عبير تضحك بهذه القوة
هدأ ضجيج الدار وذهب الجميع لمضاجعهم.
ـــــــــــــــــــــ
صعدت أمينة لشقتهما،
وبعد قليل دخل جبل،
أبدل ثيابه بصمت وجلس على طرف الفراش، بينما كانت أمينة قد اعتلت الفراش لتنام وتتهرب من نظراته.
وفجأة، قطع جبل الصمت بسؤاله الصاعق:
جبل: "كنتي بتقولي إيه عني لعبير تحت؟"
ارتبكت أمينة وشعرت بأن قلبها سيسقط في قدميها، وتلعثمت: "ها.. هقول إيه؟ متكلمناش عنك واصلا!"
جبل (وهو يضيق عينيه بشك): "متأكدة؟ أُمال الضحك اللي كان مسمع الجيران ده كان على إيه؟"
أمينة (وهي تحاول التماسك): "أيوه متأكده كنا بنهزر عادي."
جبل: انتي ليه كل سؤال الاجابه عادي عادي
امينه: مش عارفه عادي ااا قصدي
جبل:(مقاطعا): خلاص اسكتي.
زفر جبل بضيق،
ثم أمسك الحقيبة التي أحضرها معه من الخارج ومدها نحوها: "خدي."
نظرت أمينة للحقيبة بفضول: "إيه ده؟"
جبل (ببرود): "لو خدتيها هتعرفي."
أخذتها أمينة وفتحتها بلهفة،
فبرقت عيناها وهي تجد هاتفاً حديثاً وجميلاً من ماركة معروفة.
أمينة (بفرحة لم تستطع إخفاءها): "إيه ده؟ بتهزر؟ ده ليا ؟"
أراد جبل أن يكسر فرحتها قليلاً كي لا تظن أنه "لان" معها، فقال بجفاء مصطنع:
جبل: "لأمي.. خديه معاكي نزليهولها الصبح."
انطفأت لمعة الفرح في عين أمينة قليلاً وقالت بعفوية: "صوح؟ طيب وليه مدتهولهاش تحت وهي قاعدة معاك؟"
هنا نفد صبر جبل من "غباء" أمينة الذي يفسد عليه لحظات كرمه، فغمغم بضيق
جبل: "استغفر الله العظيم..
نظر إليها جبل بنفاد صبر وقال: "انتي شفتي مع أمي تلفون والّا له؟"
أمينة: "أيوه.. معاها تلفون عادي بزراير."
جبل: "طيب يبقى مش ليها، التلفون ده ليكي أنتي."
اتسعت عينا أمينة بذهول وفرحة: "طيب قول من الأول.. جايبهولي ليه؟"
جبل (بجموده المعتاد): "عشان تكلمي أهلك.. مش ببقى فاضي كل شوية حد يرن عليا عشانك."
مدت أمينة يدها وأخرجت شريحة الخط،
وبدأت تفك العلبة بفرحة عارمة وجبل يراقبها بصمت. قلبت الهاتف بين يديها بحيرة وقالت: "التلفون ده غريب.. الخط مكانه فين ملقياهوشي؟"
جذب جبل الهاتف من يدها: "هاتي .."
اقتربت أمينة منه جداً،
والتصقت بكتفه لكي تشاهد يديه وهي تضع الخط بدقة وترقب. كانت أنفاسها قريبة منه،
وعيناها تلاحق حركة أصابعه بشغف طفولي.
أمينة (بعفوية): "تعملها كام العدة ديتي علي كده؟"
توقف جبل للحظة،
يفكر فيما قالته أمينه.
بعدها شعر بكهرباء تسري في جسده من قربها المفاجئ، لكنه لم يجب وأكمل عمله بتركيز مصطنع. انتهى من تركيب الخط وفتح الهاتف وقام بتشغيل كل شيء، وأمينة لا تزال ملتصقة به،
تتابعه بتركيز شديد.
في تلك اللحظة، غمرت جبل نفس مشاعر أمينة التي شعرت بها في العيادة؛
كان من داخله لا يريد الانتهاء من ضبط الهاتف،
فقط لتبقى أمينة قريبة منه لهذه الدرجة،
يشتم عطرها ويشعر بدفء وجودها بجانبه. مد يده بالهاتف إليها أخيراً.
أمينة: "كده خلاص؟ اشتغل؟"
جبل: "أيوه.. اشتغل."
أخذت أمينة الهاتف وبدأت تتفحصه بإعجاب: "حلو قوي.. والخط ديتي بقا باقة والّا هقضيها كروت؟"
لأول مرة منذ أن عرفها،
لم يستطع جبل السيطرة على نفسه،
وتبسم بتلقائية وهدوء على حديثها "الغبي" والعفوي. لم تنتبه أمينة لابتسامته لأنها كانت غارقة في استكشاف عالمها الجديد داخل الشاشة،
وسرعان ما استعاد جبل جموده المعتاد وكأن شيئاً لم يكن.. ظلت أمينة تتفحصه بشغف وحب،
وعيناها تلمعان بضوء الشاشة،
غير مدركة أن عين جبل لم تغادر وجهها لحظة واحدة. كان ينظر إليها بجموده المعتاد،
يراقب حركاتها وتلقائيتها بصمت ثقيل.
فجأة، مد جبل يده وأخذ الهاتف من بين يديها ووضعه جانباً على الطاولة، دون أن ينطق بكلمة. نظرت إليه أمينة باستغراب، لكنها لم تجرؤ على السؤال. سحبها جبل من يدها نحوه بهدوء واتزان، وعيناه تحملان تلك النظرة الآمرة التي لا تقبل الجدال.
لم يكن هناك كلام، ولا وعود، ولا غزل؛ فقط وقع خطواته وسكون الليل. مال عليها وثبّت نظراته في عينيها، قبل أن يطبع قبلة قوية ومختصرة على وجنتها، قبلة تحمل طابع "الجبل" في تملكه وخشونته.
في تلك الليلة، كان قربه منها هادئاً لكنه حازم، علاقة صامتة غلب عليها طبع جبل الناشف، الذي لا يعبر عن مشاعره بالكلمات، بل بفرض وجوده كزوج وسيد لهذا البيت، لتشعر أمينة تحت سطوته بمدى قوته وتملكه لها، في ليلة انتهت بسكون تام لم يقطعه سوى أنفاسهما