يوم الحفل بدا يوما عاديا في ظاهره يخفي الكثير خلفه , الغرف تضج بأصوات التجهيزات للذهاب إلى الحفل الذي لم يكن حضوره من أجل المتعة بل من أجل العودة باستثمار يعيد شركة آل مونتكلير إلى المقدمة . وقف الشقيقان أمام الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي مع أندريه و ماري التي كانت تحذرهما :
" هذا الحفل ليس مجرد حفل , يجب أن تعودا باستثمار في فائدة الشركة "
ويليام رد : " حسنا سنحاول ذلك "
عندها جاءت رافييلا تلبس فستانا أزرق ملكي خلفها ميلينا التي لا تستطيع رؤية ملامحها المنزعجة التي كانت تُضحك ديفيد لكنه كان يغطي فمه كي لا تنتبه , نظرت ماري إليهما ثم سألت : " أين فيكتوريا ؟ "
أجابت رافييلا : " قالت لي أنها ستحضر شيئا ما قبل أن تأتي , لن تتأخر "
بعد لحظات نزلت فيكتوريا تلبس فستانا أحمر فضفاضا بدت فيه كالأميرة , ميلينا الواقفة خلف رافييلا لم تركز على مظهرها بقدر ما ركزت على نظرات ويليام لها و عيناه اللتان تتسعان و هي تكلم نفسها : " لن يدوم ذلك طويلا ... أعدك "
جاء الجد مع ماري التي كانت تحمل أندريه و وقف مقابل حفيديه قائلا : " لا تنسيا , هذا الحفل ليس لمجرد المتعة يجب أن تعودا على الأقل باستثمار واحد مع شركة كبرى "
ديفيد أكد لجده بأنه سيفعل أما ويليام فلم يرد بل مد ذراعه لفيكتوريا التي أمسكت بها و خرجا هما أولا .
ثم خرج ديفيد بعده و خلفهم ميلينا تراقب ويليام و هو يفتح لفيكتوريا باب السيارة و يساعدها على الصعود ثم أغلق الباب خلفها بحرص و أخذت تخطو خطوات نحوهما إلى أن استوقفها صوت الجد يسألها : " ميلينا ... إلى أين ؟ "
انتبهت لنفسها ثم عادت إلى المنزل و بعد أن أغلقت الباب تظاهرت بأنها ستذهب إلى غرفتها لترتاح لكنها توجهت إلى غرفة فيكتوريا و ويليام إلا أن الباب كان مغلقا بالمفتاح فتوجهت إلى الخزانة في نهاية الممر حيث كانوا يخفون كل نسخ مفاتيح الغرف و أخذت كل النسخ لتجربها لكن تلك الغرفة الغريبة في نهاية الممر استوقفتها فغيرت الوجهة إليها و أخذت تجرب المفاتيح في القفل حتى وجدت النسخة التي تناسبه ثم دخلت و أخذت تنظر إلى زواياها و هي تقول لنفسها : " ها قد دخلت ... كنت تعتقد أنك ستمنعني يا ويليام "
و أخذت تفتش الغرفة و رفوف الكتب و حتى الأريكة حتى وجدت شيئين لم تتوقع إيجادهما : بخاخ فيكتوريا و الوثائق التي أخفتها مع رافييلا , ابتسمت و هي تمسك بهما ثم أخذت هاتفها و أغلقت باب الغرفة و أجرت مكالمة و بمجرد أن رد الطرف الآخر تغيرت نبرتها إلى شيء مخيف : " لقد وجدتها , وجدت بقية الوثائق التي كنتِ تبحثين عنها "
أجاب الطرف الآخر و الذي كان صوته صوت امرأة :
" أحسنت فتاة مطيعة , يجب أن تحضريها لي "
ردت ميلينا : " وجدت شيئا آخر , وجدت بخاخا أزرق اللون , أعتقد أنه لها "
ردت المرأة : " مثير للاهتمام , أحضريه أيضا ... لنسرق بعض الأنفاس لنرى كيف سيختار أن يعيش "
أغلقت ميلينا الخط و أخفت البخاخ حيث لا يمكن لأحد أن يجده .
وصل الشقيقان إلى الحفل الذي نظمته منظمة النخبة , الصالة كانت كبيرة تضم أكبر العائلات ذات الوزن الثقيل في البلاد يجتمعون لإبرام صفقات مهمة تنقذ سمعتهم و شركاتهم , ويليام و ديفيد اجتمعا مع فردين يمثلان عائلة هارينغتون الصديقة للعائلة يناقشون استثمارا جديدا ينقذ شركة مونتكلير عندما اقترب منهم شاب في مقتبل العمر و وقف أمام ويليام مبتسما : " ويليام , أنت هنا و بخير . كنت أعتقد أنك مضيت "
النظرات كلها اتجهت نحوهم , ديفيد أراد التدخل لكن زوجته منعته أما فيكتوريا فلاحظت أن الانزعاج بدأ يظهر على ويليام فأمسكت يده أسفل الطاولة كي يهدأ لكنه شد عليها ففهمت أنه يتألم , التفت إلى الشاب و رد :" لم أمض أنا من آل مونتكلير و لست ضعيفا كغيري "
انزعج الشاب هذه المرة و اقترب من الطاولة أكثر و قال بنبرة تحذيرية : " هذا الاجتماع من أجل إعادة تعيين موازين القوى التي ستنقلب لصالح عائلتي و عائلات أخرى تستحق مثل آل بلاك ويل "
ديفيد نهض بسرعة و أمسك بذراعه لكن ويليام تدخل و منعه قائلا : " هذا يكفي , إن لم يكن لديك استثمار معنا فغادر هذا المكان حالا "
سحب الفتى ذراعه بقوة و غادر أما ويليام فعدل سترته و جلس لكن ديفيد بقي منزعجا فقالت له زوجته : " ديفيد دعنا نخرج قليلا , هذا المكان خانق "
التفت ديفيد إليها و قال : " حسنا كما تريدين "
ثم وجه الكلام إلى شقيقه : " لن نتأخر , لا تتعامل مع أمثاله اتفقنا ؟ "
رد ويليام : " حسنا سأتدبر الأمر هنا "
غادر ديفيد مع زوجته أما ويليام جلس يعدل سترته فانتبه إلى فيكتوريا التي كانت شاردة في أجواء الحفل و تنظيمه و ذراعها ملتفة حول ذراعه عندها اقترب منها و أبعد خصلة شعرها عن وجهها و سألها : " فيم شردت ؟ "
ابتعدت متفاجئة : " لا شيء , تعجبني الأجواء قليلا "
ابتسم قائلا : " هل تريدين شيئا ؟ "
أجابت : " كلا , ابق هنا فقط "
بعد لحظات عاد ديفيد و جلس مع زوجته و بينما هم يراقبون المكان اقترب رجل متوسط العمر منهم يرتدي بذلة سوداء و قال بنبرة محترمة : " سيد ديفيد , سيد ويليام بدأ اجتماع سادة النخبة في القاعة الشرفية في الطابق العلوي , يرجى حضوركما "
التفت الشقيقان إلى بعضهما ثم أومآ له بالموافقة فغادر , أما الفتاتين فنظرتا إليهما بنظرة رجاء كي تذهبا معهما إلا أنهما رفضا الأمر و لحقا بالرجل.
في القاعة الشرفية , اجتمع رجال كبار الشركات و انتشروا في زواياها مكونين مجموعات صغيرة يتفقون فيم بينهم و يوقعون على صفقات كبرى , أما ويليام و شقيقه وقفا في زاوية بعيدة يراقبان الصفقات التي تبرم بين العائلات و التي كانت كلها سوداء و ليس الحبر فقط ما يوقعها عندها اقترب منهما شاب في مقتبل العمر مثلهما , كان آريس ابن عائلة هارينغتون صديقة عائلتهما و أشار لهما باللحاق به إلى طاولة أخرى لكن ويليام رفض قائلا : " أي صفقة سنوقع أولا يا آريس ؟ "
على الفور انزعج ديفيد و قال : " ها قد بدأ السيد أخلاقي "
لم يعره ويليام انتباها و انتظر رد آريس الذي قال :
" مضطر للأمر قبل أن تخسر أكثر , علينا التوقيع على عقود تقضي باستخدام نوع قوي من الرقاقات المتقدمة ممنوعة التصدير , لا تقلق حول أمر شرائها لأنها صفقة تعاون بين ثلاث شركات و لن تخسر "
ديفيد سأله : " كيف سنشتريها و نحن في أزمة ؟ "
أجاب آريس : " سنتعاون فيما بيننا لا تقلق "
في الوقت الذي كان فيه ديفيد سعيدا لأنه سينقذ شركته ويليام رفض الأمر كعادته على الفور قائلا :
" ليست النوع الوحيد الذي يمكن شراؤه , هناك أنواع أخرى بنفس القوة مسموحة التصدير "
رد آريس على الفور : " لكنها ليست ناجحة في التجسس الذي يقضي بإبقاء زبائنك خاضعين لك "
وافقه ديفيد الرأي : " بالفعل فنحن نريد أن نبقي على الزبائن "
لكن ويليام رفض مجددا : " لا و ألف لا , سيأتي اليوم الذي سيخرج فيه الزبائن عن طوعنا و نخسر أضعاف ما نربحه الآن , أنا لن أغدر بأحد "
و كما تعود عليه , نفذ صبر ديفيد : " ويليام إنها هنا تراقبنا و تستمتع بخسارتنا , لا مجال للتراجع الآن "
عندها وصلته رسالة من مسؤول المالية مكتوب فيها :
" سيد ويليام , سحب مجموعة مستثمرين استثماراتهم من الشركة والأرباح تنخفض بنسبة مرعبة , نحتاج إلى مناقشة الأمر حالا "
رأى الثلاثة الرسالة ما زاد إصرار ديفيد على الأمر أكثر , أما ويليام فبين قلبه الذي يرى منظومته الأخلاقية التي بناها تنهار و يرى ثقة فيكتوريا تغادره و عقله الذي يجبره على الاستمرار كي لا يخسر إرث والده الذي وعد بالحفاظ عليه , وجد سؤال أمه يتكرر داخله : " ماذا سيكون اختيارك الأخير يا ويليام ؟ "
شد بيده على الهاتف ثم أشار إلى الطاولة في منتصف القاعة و قال : " لنفعل ذلك "
آريس نظر إليه بحيرة و فهم أن هناك شيئا غير اعتيادي بدأ يظهر على ويليام الذي يعرفه أما ديفيد فلم تعد القاعة تسعه من شدة السعادة لأنه سينقذ الشركة على عكس ويليام الذي سيختنق لأنه خان نفسه التي وعدها بأن يتغير و والده الذي وعده بأن يسير في طريقه الجديدة التي اختارها و حددها في وصيته الأخيرة , و فيكتوريا التي خذلها أشد الخذلان و هي التي وثقت في نفسه التي ظنت أنها ستتغير و قلبه الذي سيختارها و لو مرة .
اقترب نفس الرجل الذي دعاهم قبل قليل إلى القاعة و قال :
" فليتقدم ممثل واحد عن كل عائلة لتوقعوا على صفقتكم مع آل آشفورد "
عائلة آشفورد كانت أيضا من أكبر العائلات ذات النفوذ و السيطرة على مجال الرقاقات المتقدمة ذات الإصدار المحدود و التي تمثلها ابنتهم كلارا : فتاة في التاسعة و العشرين من العمر لكنها لم تكن سهلة التعامل كأي فتاة
جلس ويليام على كرسي يقابل كرسيها الذي كانت تجلس عليه ببذلة رسمية سوداء و شعر أصفر مفرود على ظهرها و كتفيها و عينان خضراوان ذات نظرة ثاقبة .
وضع مسؤول الجلسة ورقتي العقد بينهما و قال : " يرجى منكما قراءة محتوى العقد بتأنٍ و اهتمام , أي معارضة لأحد الشروط يرجى مناقشتها هنا لتحديد قرار الاستمرار أو الانسحاب , لكن يبقى الاختيار الأخير لكما "
قرأ ويليام ورقة العقد التي يقضي أحد شروطها بعدم الانسحاب أو دفع تعويض عند اختيار ذلك , الشيء الوحيد الذي لمع في رأسه هو فيكتوريا لكن الأفكار تزاحمت حين رأى امرأة خلف كلارا ترتدي ثوبا أسود عليه عباءة تغطي بها جسمها و وجهها عدا الشيء الوحيد الظاهر منها ألا و هو ابتسامتها التي يعرفها فعاد صوتها يهمس له : " ماذا سيكون اختيارك الأخير يا ويليام ؟ "
عقله يقول : " أثبت قوتك و أنقذ الشركة "
و قلبه يقول : " لا تخذلها فحبها أهم من أي صفقة "
و بين قلبه و عقله و يده التي تلعب بالقلم ارتفع صوت أنثوي يقول : " لقد قرأت الشروط و أنا موافقة , ماذا عنك يا شريك ؟ "
ضغطت على كلمة شريك كما تضغط الأفكار على عقله الذي احتلته صورة والده الذي يحن إليه رغم كل الظروف , و إن لم يكن قد عاش معه طويلا فهو يريد لشركته أن تستمر فوجه القلم نحو الورقة و خط عليها الحرف الأول من اسمه و الحرف الأول من اسم العائلة في خطوة جديدة نحو إصراره على البقاء في القاع المظلم .
المرأة الواقفة خلف كلارا ابتسمت ابتسامة نصر لم يرها أحد غير ويليام الذي كان يشعر أن نارا اشتعلت في قلبه و أن حبلا آخر قيده مجددا في هذا العالم , غادرت المرأة القاعة تاركة الهتافات تهزها احتفالا بهذه الصفقة و في الرواق صادفت شخصا كانت تنتظر بشدة أن تراه , كانت فيكتوريا واقفة بعيدا قليلا عن باب القاعة تنتظر خروج ويليام و هي لا تفهم سبب الهتافات التي تهز القاعة , اقتربت منها و قالت :
" كأميرة ضائعة في قصر ضخم , بالفعل لا يبدو عليك أنك تنتمين إلى هذا المكان "
ثم رفعت العباءة عن رأسها لتكشف عن وجهها و هنا كانت المفاجأة , كانت والدة ويليام السيدة غابرييلا . اتسعت عينا فيكتوريا من الصدمة و سألتها :
" ماذا تفعلين هنا ؟ "
أجابت بثقة : " جئت لأبسط سيطرة عائلتي على البلاد و أرى ويليام و هو يوقع على صفقة أخرى تثبت انتماءه إلى هذا العالم "
ردت فيكتوريا بنبرة تحدٍ : " أنت تكذبين , ويليام جاء لينقذ الشركة فحسب "
اقتربت منها قليلا و سألتها : " هل تعلمين سبب هذه الهتافات ؟ "
فيكتوريا لم ترد بل استمرت في التحديق بها , ضحكت ضحكة قصيرة ثم قالت : " يحتفلون بويليام , بخطوة أخرى يخطوها نحو أعماق هذا العالم "
تمسكت فيكتوريا بأمل ضئيل في كونها تكذب أما غابرييلا فغادرت بخطوات بطيئة تعكس جرأتها و هي تقول : " هذه ليست إلا البدايات يا فيكي , مازالت هناك اختيارات أخيرة لويليام ليغرق فيها "
و بعد اختفائها خرج الرجال من القاعة و بينهم ديفيد الذي كان يحمل في يده حافظة سوداء عليها الأحرف الأولى من اسمي العائلتين بها مجموعة من الأوراق ما أثبت لفيكتوريا حقيقة ما سمتعه , خلفه خرج ويليام على وجهه ملامح لا يمكن قراءتها أو فهمها إن كانت انتصارا أو ندما , الشيء الوحيد الذي فهمته فيكتوريا هو أنه أخلف وعده و أنه لا مكان لديها في قلبه , و بمجرد أن رآها اتسعت عيناه من الصدمة و لم يعرف ما عليه أن يفعل بل توقف أمامها تاركا مسافة قصيرة بينهما ينظر إليها بندم و هي تنظر إليه بنظرات تمزج غضبها بعتاب لم تتفوه به , وقف ديفيد خلفه و قال : " يجب أن نغادر , طالما أن فيكتوريا هنا فأنا سأحضر رافييلا . انتظرني في الخارج يا ويليام "
ثم ذهب لكن ويليام لم يرد ربما لأنه لم يسمعه أو ربما لأنه لم يكن معه في نفس العالم بل كان في عالم آخر بعيد كل البعد عنهم اسمه : فيكتوريا و نظراتها المعاتبة , اقترب منها خطوة ليخبرها و يشرح لها ما فعله و الأسباب التي دفعته لذلك لكنها ابتعدت و رفعت يديها قائلة :
" لا تقترب مني , أنا أحذرك من ذلك . أعطيتك كتفي لتستند عليه لكنك اخترت أن تخلف بوعدك , ليتني لم أقترب منك منذ الوهلة الأولى , ليتني لم أفتح لك الباب "
حاول أن يوضح موقفه : " فيكتوريا اسمعيني , أنا لم أختر ذلك أنا اضطررت لفعل ذلك , أردت أن أنقذ ما تبقى من الشركة كي لا ننهار جميعا "
ردت بسخرية : " نعم بالفعل , تضحي بي لتنقذ الشركة , أحسنت أيها البطل "
بالنسبة له كلماتها كانت سكينا أكثر من سخرية , نظرت إلى يده التي مدها إليها و بقيت معلقة في الهواء و قالت :
" يمكنك أن تعد هذه اللحظة آخر لحظة لي في عالمك هذا , لن أعود معك إلى المنزل , أفضل السير خطوة خطوة إلى المكان الذي جئت منه في طريق وعرة في الظلام على أن أسير تحت جناحك إلى المنزل "
لم يكن لديه ما يقول لأنه يعرف حجم الذنب الذي ارتكبه لكنه على الأقل قرر التمسك بها فاقترب خطوة منها و أمسك بيدها و قال : " يمكنك أن تفرغي غضبك فيَ كما تشائين لكن رجاء لا تفعلي شيئا متهورا يؤذيك "
سحبت يدها بعنف و قالت : " لا أريدك أن تهتم مرة أخرى بما أفعله أو ما يؤذيني , أنت بالفعل آذيتني "
سكتت قليلا ثم أكملت : " كانت محقة حين قالت أنني لن أستطيع تغييرك , أنت بالفعل نسخة عنها "
ثم التفتت إلى الخلف كي لا تراه و غادرت المكان بخطى ثقيلة , لم يستطع تركها تغادر المكان بمفردها فسار خلفها بخطوات أبطأ حتى وصلا إلى مدخل المبنى و هناك رأت ديفيد و هو يفتح باب السيارة لرافييلا فتوقفت مكانها و هي تنظر إلى سيارة ويليام التي كان ينتظرها أمامها و بابها مفتوح هو الآخر لكنها اقتربت بخطوات بطيئة و اختارت الباب الخلفي , لم يجادلها فيم فعلت بل ركب السيارة هو الآخر و غادروا المكان في صمت .
المنزل كان شبه فارغ عندما عادوا إليه لكن الجد و ماري لم يناما لأنهما كانا في انتظار آخر الأخبار من ويليام و شقيقه حول مصير الشركة , دخل ديفيد أولا مع رافييلا التي كانت تمسك بذراعه خلفهما ويليام و خلفه فيكتوريا بخطواتها الثقيلة و بمجرد أن رآهما الجد اقترب سريعا و سألهما : " إذا ما مصيرنا ؟ "
أجاب ديفيد بسعادة : " حظينا بصفقة تعاون ثلاثية كبيرة بيننا و بين عائلة هارينغتون وعائلة آشفورد نبدأ العمل بها غدا صباحا , الأرباح منها ستكون كبيرة ما يكفي لتغطية الخسارة و إعادة الشركة إلى الواجهة "
تغيرت ملامح الجد إلى السعادة و ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه و سألهما : " من وقع عليها ؟ "
كان سؤالا بسيطا لكنه فتح جرح فيكتوريا و ويليام مجددا فأجاب ديفيد : " ويليام كالعادة "
التفتت ماري إلى فيكتوريا و فهمت الملامح المرسومة على محياها أما الجد فقال لويليام : " أحسنت بطل العائلة كالعادة
أنقذتنا من أزمة كبيرة "
ويليام لم يرد بل اكتفى بإيماءة بسيطة أما ديفيد فتدخل لإنهاء الحديث قبل أن تشتعل النار بين ويليام و فيكتوريا أمام الجد : " نرجو المعذرة يا جدي سنذهب الآن لنخبر هاريس عن الأمر حتى نعد كل شيء لنبدأ العمل "
ابتسم الجد قائلا : " أجل الأمر للغد في اجتماع معه , أما الآن فاذهبوا لترتاحوا تأخر الوقت "
ويليام أشار لفيكتوريا بالذهاب للغرفة فسارت قبله و كذلك ديفيد و رافييلا أما الجد فالتفت إلى ماري و قال : " لا تعتقدي أنني لم ألاحظ , أخبريني بما يحدث بينهما "
ماري أجابت بنبرة ثابتة : " لأصدقك القول يا سيدي , الأمر يتعلق بكم جميعا كعائلة , بخصوص الأعمال الغير شرعية التي تقوم بها الشركة ففيكتوريا غير موافقة على الأمر و تراه خطأ "
رد الجد و هو يهم بالنهوض : " هذه هي حياة رجال الأعمال , عليها تقبل الأمر كما تقبلته أنت "
ردت ماري : " أنا لم أتقبله و لن أتقبله , أنا أنتظر قرارا نابعا من قناعتكم بالخروج من هذه الحفرة يا سيدي دون إكراه , مع ذلك لن أتوقف عن نصحكم و الأخذ بيدكم حتى تخرجوا إلى النور "
بدا الانزعاج على ملامح الجد الذي قرر إنهاء الحديث :
" هذه هي حياة آل مونتكلير و من سمو مثلها من العائلات , لا مكان لنا في قعر الفشل أو الفقر "
شعرت ماري أن كلمة " فقر " تقصدها و غيرها من البسطاء فتغيرت نبرتها إلى الغضب سريعا و ردت :
" هذا لا يعطيك أحقية إهانتنا , و لا تنسَ أن ابنك خسر حياته بسبب هذا العالم "
التفت إليها و سألها بصدمة : " ما الذي تتفوهين به ؟ أسباب وفاة إدوارد معروفة و الفاعل معروف "
ردت بنبرة ثابتة : " نعم لكن لا أحد يعرف السبب الحقيقي غيري أنا و ويليام "
اقترب منها و سألها : " ماذا تعرفين ؟ "
أما في غرفتهما , فيكتوريا كانت قد غيرت ملابسها و رمت بالفستان بعيدا ثم أخذت حقيبة كانت لها و أخذت تجمع كل ما أحضرته من منزل عائلتها متجنبة ما حصلت عليه من ويليام الذي كان يتبعها في كل خطوة تخطوها و هي تجمع أغراضها و يحاول إقناعها بمناقشة الأمر قائلا :
" فيكتوريا دعينا نتناقش في الأمر , افهمي الأسباب التي دفعتني للأمر "
ردت بنفاذ صبر : " لا داعي لتكرار الأمر, سمعت أسبابك و الاختيار الأخير اختياري "
أمسك بذراعها و قال برجاء : " لا تغادري , لا أستطيع العيش بدونك , أعدك بأن أتغير من أجلك "
سحبت ذراعها بعنف و قالت بنبرة حادة : " هذه ثاني مرة أخبرك فيها بأن لا تلمسني , وفر وعودك لشخص آخر أحمق يمكنه تصديقك . لا تعتقد أن حبي لك سيجعلني مغفلة و أمنحك فرصة أخرى "
بدأ يبرر لها أفعاله : " أنا لم أفعل ذلك لأنني أردته , فعلته لأنني أردت إنقاذ العائلة من السقوط في الهاوية "
وضعت ما في يدها بعنف و قالت : " أنت في الهاوية منذ اخترت أن تكمل معهم في نفس الطريق , هل توجد هاوية أخرى قد تصل إليها أكثر من هذه ؟ "
تقدم إليها خطوة واحدة و قال برجاء : " أعدك بأن أعيد كل شيء كما تريدين لكن أرجوك لا تغادري , أنا لم أكن في أفضل حال قبل أن أعرفك "
لكنها لم تبتعد هذه المرة بل رفعت يدها لتوقفه عن التقدم خطوة أخرى و قالت بصوت مرتفع مسموع : " أنت لا تستطيع الوفاء بوعودك و ستستمر في التمثيل علي , لذا فلننهي هذه المسرحية هنا لأنه لا داعي لأن تمثل علي بأنك تغيرت و لا داعي لأن أمثل بأنني غيرتك "
وصل صوتها المرتفع إلى الأسفل ما جعل ديفيد و زوجته و ماري و الجد و ميلينا التي كانت في غرفة قريبة تنتظر شيئا كهذا يهرعون نحو الغرفة و يتقفون أمام بابها ينظرون إلى الجدال بينهما بدهشة و بعض من السعادة التي تسللت إلى ميلينا , أما فيكتوريا فعندما ابتعدت كي تكمل جمع أغراضها ضاقت أنفاسها فجأة فوضعت يدها على صدرها و هي تتراجع بخطوات غير ثابتة و عيناها تدوران في الغرفة كأنها تبحث عن الهواء و على الفور لمعت فكرة في رأسها : " بخاخها الذي لا تستطيع التنفس بدونه "
بدأت تلتف يمينا و يسارا بحثا عن بخاخها لكنها لم تجده فأصابها الذعر الذي زاد الأمر تعقيدا و على الفور التفتت باحثة عن ويليام و أخذت تخطو نحوه خطوات مرتجفة كطفل صغير يتعلم المشي و تناديه بصوت متكسر :
" وي .. ليام .."
ويليام لم يتردد في الإسراع نحوها و إخراج البخاخ الذي كان في جيبه طوال الوقت ثم سندها بذراعه خلف ظهرها و باليد الأخرى وضع البخاخ في فمها و أخذ يضغط عليه ضغطة تلو الأخرى و هو يحاول طمأنتها : " تنفسيه فحسب , حسنا ؟ "
لكن هذه المرة لم تستجب مباشرة كالعادة بل كانت تسعل بعنف و تختنق و لأول مرة ارتجف صوته أمامها و هو يحدثها : " لا ... لا ... لا تفعلي هذا ... ابقي معي "
عند هذا اقتربت ماري مسرعة و جلست بجانبها ثم أمسكت بيدها و أخذت تحاول تهدئتها قائلة : " فيكتوريا اهدئي قليلا كي تستطيعي التنفس "
لكن عيناها كانتا تدوران في جوانب الغرفة و بين من فيها بذعر و هي تحاول السيطرة على رجفتها و على أنفاسها التي ينظمها البخاخ الذي يمسك به ويليام أما ميلينا فقد كانت تشعر بحرارة الغيرة تحرقها فابتعدت نحو غرفتها و خافت من أن يكشف أمرها إلا أن رافييلا لحقتها و بمجرد أن اقتربت من غرفتها نادتها قائلة :
" ميلينا توقفي لحظة "
شعرت ميلينا بالخوف يسري في جسدها ثم التفتت و جسدها يرتجف و ردت بنبرة تحاول تثبيت نفسها بها :
" نعم , ماذا تريدين ؟"
اقتربت رافييلا منها بخطوات ثابتة بطيئة و قالت بنبرة تستعد لفضحها بها : " يبدو أن قلبك تألم لرؤية فيكتوريا في تلك الحال فلم تتحملي و غادرت "
ردت ميلينا مرتبكة : " الأمر لا يعنيني , إنه مرضها و هذا يهمها هي "
اقتربت رافييلا خطوة أخرى : " أنا أعرف تماما أن البخاخ في غرفتك , ما رأيك أن أخبر ويليام كي يستعيده ؟"
حاولت ميلينا التهرب منها قائلة : " هذا المنزل يسبب الاكتئاب و أنا أريد العودة إلى المنزل في المدينة الغربية "
هزت رافييلا رأسها قائلة : " الفراشة المسكينة تشعر أنها محتجزة , سأخبر ويليام بالأمر ليخرج ابنة عمه العزيزة في نزهة إلى وجهة لا تعود منها "
ردت ميلينا بانزعاج : " أنا لا أفهم السبب الذي يجعلك تعاملينني هكذا , منذ زواجك من ديفيد و دخولك هذا المنزل تعاملينني كأنني دخيلة و أنا ابنة العائلة على عكس تلك الدخيلة الحقيقية "
هزت رافييلا رأسها بالنفي و قالت : " تلك الدخيلة لا تؤذي نملة على عكس الوحش الواقف أمامي الذي حاول قتل انسان "
شعرت ميلينا بأنها ستخسر ويليام بما فعلته فقالت برجاء :
" لا تخبري ويليام أرجوك , أنا أحبه و لن أتحمل أن ينزعج مني بسبب ما فعلته "
ابتعدت عنها رافييلا ثم مررت يدها وسط شعرها بقلة صبر و قالت : " أنا أعرف ما تخططين له و ليس هناك مجال لأن يقع ويليام في مأزق آخر , جدي سببا تقنعين به جدك بأن يسمح لك بالمغادرة قبل أن تنالي عقابا لا تنسيه من ويليام "
وجدت ميلينا أخيرا فرصة مناسبة للهرب بعد تمثيليتها أمام رافييلا فتراجعت خطوة أخرى و تظاهرت بالسعادة قبل أن تكتشف رافييلا أمرها و قالت : " حسنا سأفعل شكرا "
ثم التفتت لتغادر و على وجهها ابتسامة نصر أقل ما يقال عنها أنها شريرة و دخلت غرفتها لتجمع اغراضها استعدادا
لمغادرة المنزل نحو منزل آل بلاك ويل الذي أرسلتها والدة ويليام منه .
أما ويليام فقد كان يحاول إنقاذ فيكتوريا فبعد أن استعمل البخاخ لتنظيم أنفاسها أسندها إلى صدره يطمئنها و يعد معها الأنفاس حتى هدأت بعد ثوان بدت كأنها دهر بالنسبة لهما انتظم تنفسها و توقف صوت الصفير في صدرها ثم انهارت بين ذراعيه , أبعد خصلات شعرها المبللة بالعرق و هو يهمس لها :
" سيدفع سارق أنفاسك الثمن غاليا "
سأل الجد بقلق : " هل هي بخير ؟ هل ننقلها للمشفى ؟ "
وضع ويليام يده على خدها و رفع رأسها إليه ثم سألها بصوت منخفض : " هل مازلت لا تستطيعين التنفس ؟ "
أجابت بتعب : " لا أنا بخير , أنا متعبة قليلا "
رد الجد الواقف قريبا منهما : " إذا لندعها ترتاح قليلا و أبقوا سائقي السيارات على أهبة الاستعداد لنقلها في حال تعبت مجددا "
التفتت إليه بصعوبة و قالت : " لا داعي لهذا سأكون بخير
شكرا جدي "
تنهد الجد بارتياح و قال : " حسنا كما تريدين , لنخرج الآن و ندعها ترتاح "
و بعد خروجهم التفت ويليام إليها و قال : " دعيني أحملك إلى السرير لتنامي "
لكن قبل أن يحملها أوقفته قائلة : " ويليام انتظر لحظة , هل لي بطلب ؟ "
رد بصوت حنون : " لو قلت ضع العالم بين يدي سأضعه حالا "
شبكت أصابعها بأصابعه و قالت : " أريد الذهاب إلى منزلنا , أحن لأمي "
لم يجد مجالا للتفكير و لم يستطع الرفض فقال : " حسنا "
ثم حملها إلى السرير و فرد الغطاء عليها لكنه لاحظ أن لون وجهها تحول إلى الأحمر فوضع يده على جبينها و إذ بحرارتها ترتفع شيئا فشيئا فذهب و أحضر لها كمادات باردة ليخفض حرارتها فسمعها تهذي : " أمي ... خديني معك "
اقترب منها و قبل جبينها و همس لها : " سآخذك إليها غدا أعدك "
سهر ويليام تلك الليلة إلى جانبها و لم يغفل عن مراقبتها و لم يغمض عينيه و لو لحظة حتى انخفضت حرارتها .