اللعنة المدفونة (الفصل الثالث: الحارس الذي لا يُرى)
الفصل الثالث: الحارس الذي لا يُرى
.........
وقفت ليلى في الظلام التام داخل الكهف، ولم تكن ترى شيئًا على الإطلاق. كان الظلام كثيفًا إلى درجة شعرت معها وكأنه مادة حقيقية تحيط بها من كل جانب، تضغط على صدرها وتجعل أنفاسها أثقل. لم يبقَ في المكان سوى صوت قطرات الماء المتساقطة من السقف وصوت تنفسها المتسارع… ثم ذلك الصوت الآخر. تنفس بطيء عميق، قريب جدًا منها، كأن صاحبه يقف خلف كتفها مباشرة.
لم تتحرك.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف عن الحركة.
كانت تعلم أن أي حركة مفاجئة قد تجعل الشيء الذي يقف خلفها يتحرك أيضًا.
لكنها لم تستطع البقاء هكذا طويلًا.
همست بصوت مرتجف بالكاد خرج من بين شفتيها:
"من… من هناك؟"
لم يأتِ جواب مباشر، لكن الصمت نفسه بدا وكأنه يجيبها. كان صمتًا ثقيلًا، صمتًا مليئًا بشيء خفي يتحرك في الظلام. ثم عاد الصوت العميق الذي خرج من جدران الكهف قبل لحظات، صوت قديم كأنه لم يُستخدم منذ مئات السنين.
قال الصوت ببطء شديد:
"اللغز ينتظر… والوقت ينفد."
ابتلعت ليلى ريقها بصعوبة. عقلها كان يحاول أن يتذكر الكلمات التي ظهرت على الباب الحجري قبل أن ينطفئ المصباح. حاولت أن تستعيدها في ذهنها، كلمة كلمة.
"أنا بلا فم لكني أتكلم… بلا أذنين لكني أسمع… أعيش مع الريح… وإذا اختفيت يعود الصمت…"
فكرت بسرعة.
ما الذي يتكلم بلا فم؟
ما الذي يسمع بلا أذنين؟
وما الذي يعيش مع الريح؟
فجأة خطرت لها الإجابة.
همست بتردد:
"الصدى…"
في اللحظة التي نطقت فيها الكلمة، حدث شيء مفاجئ.
اهتزت أرضية الكهف قليلًا، واشتعل ضوء خافت على جدران القاعة. لم يكن ضوءًا طبيعيًا، بل توهج أزرق باهت بدأ يظهر من داخل الشقوق الصغيرة في الصخور، كأن الكهف نفسه أضاء من الداخل.
ظهرت القاعة الحجرية أمامها مرة أخرى.
لكن الشيء الذي كانت تخشاه لم يكن خلفها.
نظرت بسرعة حولها.
لم يكن هناك أحد.
اختفى صوت التنفس.
لكن آثار الأقدام في الطين… كانت لا تزال هناك.
بل أصبحت الآن أوضح من قبل.
وكأن صاحبها وقف قريبًا جدًا منها منذ لحظات.
التفتت ببطء نحو الباب الحجري الضخم. الرموز الثلاثة التي كانت محفورة فيه بدأت تتوهج بضوء خافت: العين… المفتاح… الشجرة.
ثم انزلق حجر صغير من داخل الباب وسقط على الأرض بصوت مكتوم.
اقتربت ليلى بحذر والتقطته.
كان قطعة حجرية صغيرة منحوتة على شكل عين.
في اللحظة التي لمستها فيها، شعرت ببرودة غريبة تسري في يدها، وكأن القطعة تحمل ذكرى قديمة أو طاقة نائمة منذ زمن طويل.
فجأة تذكرت كلمات جدها المكتوبة على الخريطة:
"الغابة هي الإجابة."
نظرت إلى القطعة الحجرية مرة أخرى.
العين.
هل هذه إحدى المفاتيح الثلاثة؟
رفعت نظرها نحو الباب.
الرموز الثلاثة كانت لا تزال تتوهج.
لكن شيئًا آخر ظهر الآن.
كلمات جديدة بدأت تتشكل ببطء على سطح الحجر، كأن قوة خفية تكتبها أمام عينيها.
اللغز الثاني
"لدي جذور لا تُرى،
وأرتفع أعلى من الأشجار،
أموت بلا ماء،
وأتنفس بلا رئتين.
من أنا؟"
حدقت ليلى في الكلمات.
كان عقلها يحاول التفكير رغم الخوف الذي بدأ يتزايد داخلها.
جذور لا تُرى…
يرتفع أعلى من الأشجار…
يموت بلا ماء…
يتنفس بلا رئتين…
فكرت للحظة.
ثم اتسعت عيناها.
"النار…" همست.
في اللحظة التي قالت فيها الكلمة، أضاء الرمز الثاني على الباب — المفتاح — بضوء أقوى من السابق.
ثم تحرك الباب قليلًا.
لم ينفتح… لكنه أصدر صوتًا عميقًا كأنه يتنفس بعد سبات طويل.
لكن قبل أن تتمكن ليلى من الشعور بالراحة، سمعت صوتًا آخر في القاعة.
صوت خدش خفيف.
التفتت بسرعة نحو الطين على الأرض.
آثار الأقدام…
كانت تتحرك.
لم يكن هناك جسد، لم يكن هناك شخص، لكن الآثار كانت تظهر واحدة تلو الأخرى في الطين، كأن مخلوقًا غير مرئي يسير ببطء عبر القاعة.
خطوة.
ثم خطوة أخرى.
ثم توقف.
شعرت ليلى بأن الدم يتجمد في عروقها.
الآثار توقفت أمامها مباشرة.
كانت هناك مسافة متر واحد فقط بينها وبين آخر أثر.
لكن لا شيء يقف هناك.
ومع ذلك… شعرت بوجوده.
شعرت بنظرة ثقيلة تراقبها من الفراغ.
ثم خرج صوت جديد، ليس من الجدران هذه المرة.
بل من الهواء أمامها مباشرة.
صوت أجش بطيء قال:
"اثنان من الألغاز حُلّا… لكن الطريق لا يُفتح بعد."
ارتجفت يد ليلى وهي تمسك المصباح الذي عاد يعمل بضوء خافت.
"من أنت؟" سألت بصوت مرتجف.
لم يأتِ جواب واضح.
لكن الآثار في الطين تحركت خطوة أخرى.
والصوت قال بهدوء مخيف:
"أنا الحارس.
سكت قليلًا… ثم أضاف:
"وأنا أنتظر منذ مئة عام… الشخص الذي يحمل خريطة الرجل الذي لم يخرج من هنا."
اتسعت عينا ليلى.
"جدي…؟"
لكن الصوت لم يجب مباشرة.
بل قال ببطء:
"إذا أردتِ أن تعرفي مصيره… يجب أن تجيبي عن اللغز الأخير."
في تلك اللحظة بدأ الرمز الثالث على الباب — الشجرة — يتوهج ببطء.
وظهرت الكلمات الأخيرة على الحجر:
اللغز الثالث
"كلما أخذتَ مني كبرتُ،
وكلما أعطيتني صغرتُ،
أنا موجودة في الأرض منذ البداية،
وأنا النهاية لكل طريق.
من أنا؟"
ساد الصمت في الكهف.
لم يتحرك الحارس غير المرئي.
لم تتحرك الآثار في الطين.
حتى قطرات الماء توقفت للحظة كأن المكان كله ينتظر الإجابة.
وقفت ليلى هناك، قلبها يخفق بعنف، تدرك أن الكلمة التالية التي ستقولها قد تفتح الباب…
أو توقظ شيئًا أقدم بكثير من الغابة نفسها.