روايه محكوم (خمسة)
خمسة...
يوميات شخص ،محكوم عليه بالاعدام، في آخر أيّامه.
كانت الغرفة لا تتسع لأكثر من جسد واحد كي يعيش فيها، كي يتعفّن.
لكنها غصّت بكائنات، لم ولن يجمعها سوى صدى ذلك المكان، بجدرانه الإسمنتية الخشنة.
أوّلها، أوّل جدار، كان بنعومة جسدِ من اتّكأ عليه.
بينما ثالثها تُطلّ منه نافذة صغيرة، عالية، لا تسمح برؤية السماء بل لسرقة قطعة منها فقط، وكأنّ السماء أبت أن تحبس نفسها هناك بين تلك القضبان.
أمّا رابعها فقد كان بالكاد يحتضن بابًا من حديد صدئ، له عين صغيرة لا تبصر إلا ما تريد هي رؤيته.
على الأرضية،و يا لها من أرضية، إسمنت اهترأ فأضحت تجاعيده شقوقًا عميقة ، كندوب زمنٍ منتقمٍ. و لم يخفها، تلك التجاعيد، سوى طبقة من تراب ناعم، ربما تسلّلت من
النافذة، أو ربما من صدر ذلك الجسد.
فوق التراب، ارتسمت بقعة بسائل لونه أصفر.
كانت رائحته تشبه شيئاً مالوفًا... شيئًا مات ثم تعلّم كيف يموت مرة أخرى.
هل هو ماء؟
لا أظنّ ذلك.
إنّه فقط أصفر و فظّ. يتمدد هناك، كحقيقة لا تحتمل أن تشمّها.
وبين هذا وذاك، تناثرت أو هربت حبات من الأرز الأبيض. كان بعضها ملتصق ببعض كأنه أُخرج من فم جائع.
و بعضها الآخر منشور بعناية غريبة، ليس كمن ألقاه، بل هناك من زرعه على تلك الأرضية القذرة، كما يُزرع الأمل في قلب يائس. ربما يد ما أخذت حفنة من أرز ناضج وراحت تنثره في كل اتجاه: -هكذا أُطعم النمل. هكذا تُقبل التوبة.
في منتصف الغرفة، و على ظهر الجدار الأوّل التصق هو.
ليس على سريره المتخاذل، و لا على كرسي لم يمتلكه، بل على الأرض مباشرة.
كانت ركبتاه مطويتان إلى صدره، وذراعاه تحتضنهما كما يحتضن المرء ما يوشك أن يضيع منه. بينما كان جسده يتأرجح.
إلى الأمام.
إلى الخلف.
إلى الأمام.
إلى الخلف.
لم يكن يصلي.
بل كان يقلّد عقارب ساعةٍ لا تسير إلى الأمام فقط، بل و تتراجع أيضاً.
حركتها دائرية لكنها مستقيمة في تناقض فيزيائي يعيشه جسد واحد.
جسد يتأرجح و هو يتمتم:
- خمسة أيام.
خمسة أيام.
خمسة أيام.
لم يكن صوته حزيناً ولا غاضباً. بل كان صوتًا دون هويّة.
صوت رجل تعوّد على الانتظار لدرجة أنه نسي ما ينتظره.
ثم جاء الضوء.
لم يكن فجراً ولا شروقاً، بل كان نقيض الأمل، نقيض النور.
كان مجرد وقت من النهار حيث تشقّ الشمس طريقها عبر النافذة العالية، فتسقط على الأرضية خلفه.
وهناك، على الجدار الإسمنتي الثاني، جدار الحقيقة، تشكّل الظّلّ، أمامه مباشرة.
ليس ظلاً عادياً و ليس انعكاساً لشخص جالس .
بل ظِّلّاً يقف بطريقة مختلفة. رأسه مائل قليلاً، كأنّه ينظر إلى الجالس من فوق، يستجوبه و هو يعرف الحقيقة مسبقا.
توقّف الجالس عن التّأرجح. ثم رفع عينيه.
لم ينظر إلى النافذة، ولا إلى الضوء. لكنّه حدّق في ذلك السّواد، متيقّنًا أنّه هو من يستحق النظر، وليس مصدره.
صمتَ طويلًا ثم همس:
- أتعلم لم ... لم أكن أظنّ أنّك ستُقلق راحتي اليوم.
ثمّ حدّق في أشعّة الشمس و قال بحسرة:
- اعتقدتُ أنّك ستعود بعد المطر...أو ربما بعد...
بعد خمسة أيام.
ابتسم بسخرية و هو يضيف:
- ان استطعت طبعا.
لم يتحرّك الظّلّ لكنّ صوته انطلق من ظلامه، من مكان ما بين الجدار و قلب ذلك الجسد:
- أنت تعرف أنني لا أُشرق عند المطر... و لا أنير بصيرتك و أنت مغلق عينيك.
أنا فقط أعود عندما تنظر اليّ ...عندما تنتظرني.
للحظات أقصر من رمشات عين، لاحت على وجهه ابتسامة كطفل صغير يخفي كذبه بابتسامة:
- لا أريد انتظراك... لا أريد النّظر اليك.
لقد فات الأوان...أوان كل شيء.
صمت الظلّ برهة ثم قال بهدوء :
- لماذا تتمتم''خمسة أيام'' ؟ ماذا بعد خمسة أيام؟
ضمّ الجالس ركبتيه أكثر و بدأ يتحرّك مجدّدا الى الأمام و الخلف، لكن أبطأ.
- أمي...
أمي كانت تعدّ الأيّام. عندما نحتاج الى بقالة أو طعام تقول: خمسة أيام و ينتهي الشهر و يبدأ شهر.
عندما يمرض أبي، تقول: خمسة أيام و يختفي الامر.
حتى عندما كنت أخاف الظلمة، كانت تواسيني: خمسة أيام فقط و تكبر.
تنهّد، ربما الظلّ و ربما ذلك الجالس، طويلا كدهر.
ثم أضاف:
- عدّت أمي خمسة أيّام... كبرت و مازلت أخاف ، و لن أكبر.
عدّت أمي خمسة أيّام و هي تنتظر نهاية الشهر... فبدأ شهر جديد ماتت هي فيه و تغيّر القدر.
فمن الذي سيعدّ لي الآن حتى نهاية الأمر؟
تحرّك الظلّ قليلا يمسح قطرات تساقطت على الجدار... و همس:
- أنت الذي تعدّ الآن...
- امم.
وافق الجالس باقتضاب ،لا يريد الكلام أكثر. فسأله الظلّ:
- خمسة أيام حتى ماذا؟
في تلك اللحظة، ولأوّل مرة، ارتعش جسد الجالس من الإجابة.
ارتجف ارتجافة كاملة، من رأسه حتى أخمص قدميه. ثم نظر الى تلك الأرضية، الى بقعة السائل الأصفر التي غمرها صفار دافئ جديد.
قال و هو شاخص في حبّات الأرزّ المنتشرة:
- خمسة أيام حتى ينتهي الشهر... حتى ينتهي الكبر... حتى لا أخاف و يتمّ الأمر.
سكت الظلّ و سكت الرجل المبلّل بالأصفر.