بينما كنت شخصاً أخر (الفصل الثاني)
بدون عنوان
الفصل الثاني
ظهر نوح في حياة هادي كما تظهر الأخطاء الطباعية في نص مكتوب بعناية:صغير، مزعج، ومستحيل التجاهل. لم يكن صديقًا، ولا معالجًا، ولا شخصًا يبحث عن إنقاذ أحد. كان زميلًا جديدًا في العمل، من ذلك النوع الذي يتحدث وكأن العالم يجيبه. ضحكته عالية أكثر مما ينبغي، أسئلته مباشرة حدّ الوقاحة، ونظرته… لا تتوقف طويلًا عند الأقنعة. في أول يوم، قال ل هادي دون تمهيد: «أنت تبدو كأنك حاضر بجسدك فقط. هل هذا أسلوبك أم تعب؟» لم يجب هادي. اكتفى بابتسامة خفيفة، تصلح لكل الأسئلة التي لا يريد الإجابة عنها. لكن نوح لم يكن من الذين يرضون بالابتسامات. مع الوقت، بدأ يلاحظ تفاصيل لا ينتبه لها الآخرون: كيف يتوقف هادي لحظة أطول قبل الرد، كيف ينظر إلى الناس وكأنه ينتظر نهاية جملتهم ليُكمل المشهد في رأسه، كيف لا يغضب… ولا يفرح. قال له مرة، وهما خارجان من العمل: «تعرف ما الذي يخيفني فيك؟ أنك لا تبدو مكسورًا. المكسورون يمكن فهمهم.» تلك الجملة لم تُزعج هادي. لكنها علقت. نوح كان حاضرًا أكثر مما يسمح به السيناريو المعتاد. يجرّ هادي إلى قهوة لم يخطط لها. يسأله عن أشياء شخصية بلا إذن. ويتحدث عن نفسه بلا خوف. كان هذا مزعجًا. ومثيرًا للريبة. في أحد الأيام، وبينما كانا يسيران، توقف نوح علي السلالم فجأة أمام متجر قديم وقال: «هل تؤمن أن بعض الناس يختفون لأن أحدًا لم يمسكهم في اللحظة المناسبة؟» تجمّد هادي. لم يكن السؤال عامًا. كان دقيقًا أكثر من اللازم. نظر إليه نوح، ثم أضاف بهدوء غير متوقع: «كنتُ مخطئًا حين ظننتُ أنك لا تشعر. أنت تشعر… لكنك لا تتدخل.» وهنا، للمرة الأولى منذ اختفاء إيلين، لم يشعر هادي أنه يشاهد المشهد من الخارج. شعر بشيء أقرب إلى الانكشاف. في تلك الليلة، عاد إلى شقته، ووجد ظرفًا أبيض تحت الباب. لا اسم. لا طابع. فقط ورقة واحدة، مكتوبة بخط يعرفه جيدًا. «هل ما زلتَ تشاهد؟» الراوي يصمت هنا. لأن هذه ليست مصادفة درامية. ولأن نوح… لم يكن من المفترض أن يعرف عن إيلين شيئًا. ، لن يكون السؤال: من أرسل الرسالة؟ بل: من الذي سمح للفيلم أن يتحول إلى تحقيق؟ عائلة هادي لا تضرب. وهذا ما يجعلها خطيرة. لم يكن هناك صراخ، ولا إهانات مباشرة، ولا مشاهد تصلح للشفقة. كان هناك شيء أسوأ: توقع دائم بالاتزان. في بيتهم الكبير، كان كل شيء محسوبًا: مواعيد النوم، طريقة الجلوس، نبرة الصوت المناسبة، حتى الحزن له مساحة زمنية محددة. والد هادي كان يقول دائمًا: «الانفعال ضعف. نحن لا ننهار، نحن نُدير الأزمات.» والدته كانت تبتسم حين ينجح، وتصمت حين يفشل. الصمت كان كافيًا. تعلّم هادي مبكرًا أن الحب لا يُمنح، بل يُستنتج من غياب العقاب. إن لم يُوبَّخ، فهو جيد. إن لم يُلاحظ، فهو ممتاز. وهكذا، كبر دون أن يعرف كيف يبدو القرب الحقيقي. العائلة كانت فخورة به: الابن الهادئ، الناجح، الذي لا يسبب إحراجًا في المناسبات. لم يسأل أحد: ب ماذا يشعر؟ لأن السؤال نفسه غير عملي. حين ذهب لأول مرة إلى معالج نفسي — في العشرينات — لم يكن بسبب انهيار، بل بسبب فراغ. قال له المعالج: «أنت لا تبدو مكتئبًا.» رد هادي: «أعرف. وهذا ما يقلقني.» لكن العائلة لم ترَ مشكلة. بل رأت مرحلة مؤقتة. قالت أمه: «أنت مرهق فقط. خذ إجازة، سافر، اشترِ شيئًا.» كأن المشاعر تُهدَّأ بالإنفاق. إيلين كانت أول شخص لا يُكافئ هدوءه. ولا يُعاقب صمته. كانت تراه… ثم تنتظر. وهذا أربكه . حين كانت تقول له: «أحتاج أن أعرف أنك هنا… فعلًا» لم يكن يعرف ماذا تفعل العائلات الناجحة في مثل هذا الموقف. لا توجد قاعدة. لا بروتوكول. ففعل ما يعرفه: بقي هادئًا. وهنا تتقاطع التربية مع الخسارة. الراوي يعترف الآن بما لا يقال عادة: هادي لم يُهمِل إيلين عن قسوة، بل عن تدريب طويل على عدم التدخل. التربية التي جعلته “ناجحًا”، جعلته غير صالح للعلاقات التي تتطلب مخاطرة شعورية. وفي مساء متأخر، كان نوح يجلس مع هادي في المقهى نفسه الذي عرف فيه إيلين. نظر إليه فجأة وقال: «تعرف؟ أنت لا تخاف الفشل. أنت تخاف أن تحتاج.» هادي لم ينكر. لأن الإنكار يحتاج طاقة شعورية لا يملكها. ثم أضاف نوح، بصوت أخفض: «العائلات الثرية لا تصنع أبناء أقوياء دائمًا. أحيانًا تصنع أبناء مُدارين جيدًا.» تلك الليلة، عاد هادي إلى شقته، وأخرج صورة قديمة: طفل ببدلة أنيقة، يقف مستقيمًا أكثر من اللازم. نظر إليها طويلًا، وشعر لأول مرة بشيء غير مريح: حزن… لكن ليس حادًا. حزن يشبه إدراكًا متأخرًا. ، لن يكون الصراع مع إيلين، ولا مع نوح، ولا حتى مع العائلة… بل مع السؤال الذي لم يُسمح ل هادي بطرحه يومًا: ماذا لو لم يكن هدوئي فضيلة… بل أثرًا جانبيا لتربية لم تسمح لي أن أكون إنسانًا كاملًا؟ نوح