ليله الدم: عرش رماد الظل
ليله الدم
يقولون إن الممالك تسقط بالخيانة. لكنهم لم يخبرونا أن الخيانة أحيانًا تكون رحمة. في زمنٍ كانت فيه السماء تنقسم نصفين، نصفٌ من نورٍ بارد لا يدفئ، ونصفٌ من ظلالٍ لا تعترف بالندم، وُلد عهدٌ لم يُكتب بالحبر… بل بالدم. ثلاث ممالك حكمت القارة. ثلاث عروش تعاهدت تحت قمرٍ أحمر، أن يبقى السلام… مهما كان الثمن. لكن السلام لا يعيش طويلًا في عالمٍ تتغذّى فيه القوة على الخوف، ولا يبقى العهد قائمًا حين يبدأ الملوك بالكذب. في تلك الليلة، حين نزف القمر لأول مرة، قُتل ملك بيد ابنته. ولم يكن ذلك بداية الحرب… بل بداية الأسطورة. يقولون إن الأميرة كانت باردة كالجليدلم تبكِ، لم تصرخ، لم ترتجف حتى ودم أبيها يغمر يديها. ويقولون إن أمير النور كان يرى الموت قبل أن يحدث، وأنه منذ اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينيها، رأى نهايتها. لكن ما لم يره أحد… هو أن الموت أحيانًا ليس نهاية. بل باب. بابٌ يُفتح مرة كل ألف عام، عندما ينكسر العهد، ويستيقظ التنين، ويختار الحب أن يكون خنجرًا. هذه ليست قصة عن الخير والشر. وليست حكاية حرب بين نور وظل. هذه قصة عن قرارٍ واحد… قرارٍ ظن صاحبه أنه ينقذ العالم، فاكتشف متأخرًا أنه كان يحرره من قيوده.وعندما تحترق السماء، وتسقط العروش، وتنهض الأسطورة من رمادها… سيُذكر اسمان فقط. اسم الفتاة التي قتلت أباها. واسم الرجل الذي قتلها.
لم تكن السماء حمراء تلك الليلة… بل كانت تنزف. قمرٌ ضخم، بلون الدم الطازج، علق فوق أبراج مملكة الظلال كعينٍ تراقب الخيانة قبل أن تولد. الرياح كانت باردة، لكن القصر يتعرّق خوفًا. سيرين فاليرا لم تكن ترتجف. وقفت في الشرفة العليا، عباءتها السوداء تنساب خلفها كظلٍ حي، وعيناها الرماديتان تراقبان الساحة الداخلية حيث تجمّع الجنود. أصوات الصراخ ترتفع من الأسفل. الخدم يركضون. السحرة يشكّلون دوائر حماية. لكنها كانت تعرف. الحماية لن تنفع الليلة. خلفها، في عمق القاعة الملكية، كان والدها يصرخ. صرخة ليست بشرية. أغمضت عينيها للحظة. ليس خوفًا… بل تركيزًا. الصوت الذي خرج من حنجرة الملك لم يكن صوته. كان أعمق. أقدم. كأنه آتٍ من بئرٍ بلا قاع. استدارت ببطء ودخلت القاعة. الشموع كانت تنطفئ واحدة تلو الأخرى، كأن شيئًا يمر بينها ويمتص نورها. وعلى العرش… لم يعد يجلس ملك مملكة الظلال. جلده اسودّ كالفحم المحترق. عروقه تتوهج بلون قرمزي. عيناه لم تعودا بشريتين، بل بؤرتين من نار سائلة. "سيرين…" جاء الصوت مزدوجًا، صوت أبيها وصوت آخر متداخل معه، "اقتربي." لم تتحرك فورًا. قبضت على مقبضي سيفيها المزدوجين. الفولاذ الأسود لمع تحت ضوء القمر المتسلل من النوافذ العالية. "أنت لست أبي." قالتها بهدوء. ابتسم الكيان داخل جسد الملك. ابتسامة واسعة… أكثر مما ينبغي لوجه إنسان. "لكني أستطيع أن أكون كل شيء تحبينه." في اللحظة التالية، اهتزت القاعة. الأعمدة تشققت. الأرضية ارتفعت ثم سقطت بعنف. صرخات الحراس خارجًا اختفت فجأة… كأنها قُطعت بسكين غير مرئية. تقدمت سيرين خطوة. ثم أخرى. لم تكن دموعها ظاهرة. لم يكن هناك انهيار. فقط برودٌ يشبه سطح بحيرة متجمدة. "اتركه." قالتها. ضحك الكيان. ثم نهض الملك من على العرش… لكن حركته كانت خاطئة. مفاصله تلتوي بزوايا غير طبيعية. رأسه يميل أكثر مما يجب. واندفع نحوها. تحركت سيرين في اللحظة ذاتها. سيفها الأول صدّ ضربة سوداء تشكّلت من الظل. الثاني شقّ الهواء نحو صدره. الاصطدام أطلق موجة طاقة أطاحت بالنوافذ الزجاجية. شظايا الكريستال تساقطت كالمطر. "اقتليني…" خرجت الكلمة فجأة من بين شفتي الملك. صوته الحقيقي هذه المرة. ضعيف. متألم. تجمّدت لجزء من الثانية. وكان ذلك كافيًا. الكيان صرخ وغرس مخالبه في كتفها. الدم سال دافئًا فوق جلدها البارد. لكنها لم تصرخ. بدلًا من ذلك… ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة. "سامحني، أبي." ودفعت السيفين معًا… مباشرة في قلبه. توقّف الزمن. صرخة هزّت القصر بأكمله، ثم انفجر الضوء الأسود من جسده كإعصار. النوافذ تحطمت بالكامل. الشموع انطفأت. وعندما عاد السكون… كان الملك ممددًا بلا حراك. والعرش… مغطى بالدم. سيرين سحبت سيوفها ببطء. ركعت أمام الجسد. لم تلمسه. لم تحتضنه. فقط انحنت برأسها احترامًا. ثم سمعت التصفيق. بطيئًا. باردًا. جاء الصوت من خلفها. "يا لها من أميرة مطيعة." استدارت. رجل برداء رمادي يقف عند مدخل القاعة. وجهه نصفه مخفي في الظل. وعلى صدره… شعار مملكة الرماد. ابتسامته لم تصل إلى عينيه. "لقد أتممتِ الطقس كما هو مكتوب." شعرت بشيء داخلها… يتحرك. حرارة غير طبيعية تسري في عروقها. عيناها توهجتا للحظة بلون ذهبي خاطف. الرجل لاحظ. واتسعت ابتسامته. "أوه… يبدو أن الختم بدأ يضعف أسرع مما توقعنا." في الخارج، بدأ الجنود يقتحمون القاعة. صوت أحدهم دوّى: "الأميرة قتلت الملك!" لم تدافع عن نفسها. لم تبرر. فقط وقفت مستقيمة، الدم على ثيابها، والقمر الأحمر خلفها يشهد. وفي تلك اللحظة… بدأت الأسطورة.
