لنلخص الأمر أكثر توليب كانت بحاجة إلى مكان يشبهها تسكب فيه قلبها كما هو بدون زيف او زيادة ، فصدمة وفاة والديها و طردها من العمل جعلتها تنكمش على نفسها و تعيش في قوقعة الوحدة التي لا طالما كانت تجدها السبيل الوحيد للبقاء آمنة بعيدة عن الألم .. فكلما كان الألم كبير كلما انغلقت على نفسها و هكذا. عوضا عن عقدة الذنب التي اوهمت نفسها بها حتى باتت ترى أن كل شيئ بسببها و هذا ما جعلها تريد أن تبتعد عن الواقع .
بقيت أنظر إليه مشدوهة و خالي و خالتي ينظرون بحيرة لبعضهما , فكسرت الصمت خالتي بصوتها المتوتر و هي ممسكة بيد خالي:
- انا لم أفهم كيف و ماذا تقصد هل هي مريضة؟
فقال قيصر بعملية و كأنه اعتاد التفسير لأهل المريض:
- هي ليست مريضة كما يصح التعبير لكن هي تجيد الكتمان و اذا تفاقم الأمر سيصبح مؤلما و سيتولد داخلها احساس ان لا احد يفهمها و لن يفهمها احد ، لذا ستبقى معاناتها داخلها و ستعاني وحدها , لذا فهمت أن ما تحتاجه هو مواساة من نوع آخر ففكرت في الكتابة كنوع من افراغ للذات و كوسيلة للإحساس بالفهم و التقبل و لتخفيف من صدمة واقعها الذي عاشته .
فأطرقت برأسي و أنا لا أدري هل أشعر بالدهشة ام بالسخرية , فهناك من قرئني لقد أعطى وصفا دقيقا لما امر به و بما مررت به , فشعرت كأنني أريد أن أذهب اليه و أن اخطو انا الخطوة الأولى و تبا لكل شيئ .. أردت أن اصرخ به و أخبره كيف انك فهمتني و حاجتي للحديث.. أردته في تلك اللحظة بكل جوارحي, لكنني في الاخير اتراجع بخيبة و أنا اقنع قلبي ان هذه هي مهنته و واجبه أن يفهم داخلي و الرضوض التي تقبع بها. في الأخير انتِ لست مميزة عنده يا توليب هذا عمله .
فرفعت رأسي و لم انبس ببنت شفة فقابلتني عيناه و هي تنظر لي نظرة طويلة و غامضة و أنا بقيت أنظر له نظرة وداع و اشتياق و كأنني احفظه داخلي لأنني لن أراه مجددا و قد يكون هذا اللقاء الأخير.. فقد اتخذت قراري لحظة رؤيته و تأكدي التام أنني أتألم وحدي و أعذب قلبي دائما.. أن اتألم و أنا بعيدة خير من و أنا قريبة
فسمعت خالتي تهمس لخالي برقة:
- لقد أخبرتك يا عزيزي إنه ماهر جدا لم يمضي على توليب شهر و ها هي قد تماثلت للشفاء.
شفاء؟ يا لشخرية! فهو السبب .. هو السبب في تقبلي و شفائي .. هو علتي و دائي ، اي هراء يتفوهون به؟ هو من جعلني امضي و هو من عوضني عن الفقد بحضوره .. فأي هراء يتحدثون عنه ؟ فلا المهارة و لا العلاج من ساعدني لا شيئ سوى وجوده.
لذلك دست على قلبي و اتخذت القرار الذي لم اظن يوما أنني سأتخذه أنا! و بكامل ارادتي و قوتي .. سأنتزعته مني انتزاعا و أنا انزف و لن ابالي سوى بابتعادي عنه.
- هل لديكِ ما ستقولينه يا توليب ؟ سألني بنبرته العميقة و أنا أجبت بهدوء :
- لا شيئ سوى أنني بأحسن حال ولا حاجة لي للمجيئ هنا لذا هذه ستكون آخر جلسة بيننا .
لقد انتهى كل شيئ و قتلت نفسي , لا سيما حين وافقني خالي و خالتي فقد كنت اتمنى على الأقل ان يعارضوني و يعارضني هو علني أجد عذرا او سببا اتراجع فيه عن قراري . فتابع خالي يقول بحماس :
- نعم أيها الطبيب أرى انها في أحسن الأحوال لا سيما انها عادت للضحك مرة أخرى و أصبحت لديها هواية جديدة هي الكتابة و هي منشغلة بها ، لكنني أريد أن أسألك هل ستكون بخير؟ فأنا و خالتها سنسافر للعيش بعيدا و لا نستطيع أخذها معنا الا بعد وقت طويل هل ستكون بخير وحدها؟.
فبقي ينظر لي و له و ينقل نظارته بيننا ثم قال بصوت عملي و هادئ :
- حسنا أنا أيضا أرى أنها قد تحسنت مقارنة بأول جلسة بيننا لذا لا أرى داعيا أن نكمل الجلسات , لا سيما اذا كانت الموافقة منها و بما انها كبيرة كفاية ستدبر أمرها وحدها , و اذا شعرت أنها تريد الفضفضة فأنا هنا لأسمعها و يمكنها أن تأتي الي في اي وقت .
كأنه نطق بحكم الإعدام علنا ، ا لهذه الدرجة لم أكن أعني له شيئا ؟ هكذا بكل بساطة قالها دون أن يرف له جفن .
لقد حكمت علي بالإعدام يا قيصر.
فقالت خالتي و هي تهم بالوقوق :
- نحن ممتنون لك أيها الطبيب على علاجها و شكرا جزيلا لك على ما فعلته معها .
فوقف قيصر بدوره و صافح خالي بعملية و هو يبتسم بتهذيب لكنه فجأة قال ما جعل قلبي ينبض حتى كاد يخرج من مكانه :
- لكن ا تسمحون لي بدقيقة مع توليب لأخبرها بما يجب عليها فعله حين تبقى بمفردها.
فإبتسمت خالتي و قالت بلطف:
- طبعا. ثم التفتت لي و قالت برقة :
- توليب نحن سنذهب لأن لدينا أوراق مستعجلة لنخرجها عن الانتقال و هاك المظلة لأنني اظنها ستمطر بالخارج .
فإبتسمت و أمسكت المظلة و قلت بصوت منخفض:
-حسنا يا خالتي صحبتكما السلامة .
بقيت اتابع خروجهما بعيني المتوترة خوفا من أن يستمع لصوت دقات قلبي العالية و ترقبا لما سيقوله.
فتنهد ثم قال بصوته العميق:
- حسنا يا توليب لماذا ستوقفين جلساتك ؟
فأجبت بثقة مصطنعة :
- كما أخبرتك أشعر بتحسن كبير .
- لكنك لم تقوليها المرة الماضية.؟
- ماذا ؟
- بسؤالك شعرت أنكِ لم تريدي التوقف عن الجلسات .
فتذكرت ما حدث في آخر جلسة و سؤالي عن التوقف عن الذهاب للجلسات يا الهي لقد امسك بي ! ماذا يجب أن أقول يجب أن اخرج نفسي من هذه الورطة لأنه اذا استمر بأسئلته هذه سيعرف ما اكنه له , لذا قلت اول شيئ تبادر لذهني :
- الا اتعرف أيها الطبيب أن القرارات تتغير بين يوم و آخر أضف على ذلك أنني شعرت بأنه لا لزوم لهذه الجلسات إذ أنني بخير .
فبقي ينظر لي نظرته الغامضة و الباردة ثم قال :
- هل شعرت بأنكِ بخير و انكِ لم تعودي تحتاجي للجلسات ام انكِ شعرت بشيئ آخر؟
- ماذا تقصد ؟
فقال بتلقائية و ببساطة :
- اقصد الحب أو الإعجاب ؟
لقد امسك بي فنظرة الثقة التي يرمقني بها الآن توحي أنه قد عرف لكنني سأبدد هذه الثقة فأنا اكتفيت منه و من تلاعبه .
- أنت طبيبي و أنا نظرت اليك كطبيب طوال جلساتنا ام هل أنك معتاد على حب المريضات لك؟
فأنزل رأسه و ابتسم ابتسامة ثقة ثم قال :
- نعم لهذا أنا أريد أن اعرف هل انتِ منهن ام لا؟ .
فبقيت أنظر له نظرة طويلة مليئة بالحزن ثم أطرقت رأسي.. أهذا هو الرجل الذي حلمت به طويلا؟ هل هذا هو نفسه الذي عشت ليال كاملة أحلم به و بقربه؟ لم اتوقع ان يُكسر قلبي بقربه و امام عينيه و بحضوره هنا .
و هنا تيقنت ان هذا الشعور الذي شعرت به الآن لم و لن أنساه و سيبقى اثره باقيا.
- توليب أين سرحتِ بنظراتك ؟
رفعت رأسي و التقت عيناي المجردة من المشاعر بعينيه الواثقة فأجبت ببرود :
- لقد كنت افكر في تلك الجلسة حين أخبرتني بأنني مميزة كإسمي ، هل الآن أصبحت مثلهم ؟
- قصدت في شخصيتك و ليس قلبك.
فإبتسمت إبتسامة سخرية و قلت :
- آسفة لأنني خيبت ظنك لكن قلبي كشخصيتي لا اعطيه لأي أحد كان ولا اتنازل عنه مقابل كلمات غزل عبثية . ثم تنهدت وتابعت :
- هل اعتقدت أنني وقعت بسهولة حين أخبرتني تلك الليلة بتلك العبارة؟ حسنا لم تكن الأول الذي تغزل بي لذلك التمست لك العذر، عوضا عن ان العديد من مريضاتك قد وقعن لك بعباراتك و غزلك ، لذا فقد اعتبرتني منهن , لكنني لا انتمي لهن ولا لأي شخص , لاطالما كنت الوحيدة التي لم تكون صداقات و الوحيدة التي لم تدخل في علاقة قط و الوحيدة التي رغم قربها من عائلتها الا أنها لاطالما شعرت بالبعد و اللافهم ، و الوحيدة التي اتخذت الكتمان سبيلا للعيش .. لا تقارني معهن فهناك الكثير مني ، لكن لا أحد مثلي.
ثم ابتسمت بألم حين تذكرت جد الزمن الجميل و قلت :
- الا أنني لم اعتقد يوما أنني مستعدة للبوح لأحد أو أن أشارك أسراري .. و أنني قريبة من شخص رغم البعد المكاني و سأصبح صديقة لشخص يفوقني في العمر كثيرا.
اعتقد أنني رأيت نظرة حيرة للحظة في تفاصيل وجهه و هذا ما أردت بالضبط أن يشعر به ، لكنني و لأول مرة أُعجبت بنفسي ، فأنا لم اتوقع ان تخرج هذه الكلمات مني، فأنا اشعر بالضياع و الألم و التشتت .. و بحجم خيبتي و خذلاني قلت كلام لم اشعر به حتى كيف انساب من فمي لا اراديا ، فقد علمت أن الشرخ الذي أحدثه كان عميقا .. و علمت أيضا أنه سيحتاج وقت طويل ليندمل و يُشفى لكن اثره لن يختفي ابدا.
تنحنح و قال بصوته العميق ليكسر هدوء اللحظة أثر كلماتي :
- اذا هذه المرة كنت مخطئ إذ أنني حسبتك قد وقعتي فيَّ مثلهن , فأنا لدي حدود مع المرضى و لا أحب اي تجاوزات، اعرف أنني تجاوزت حدودي تلك الليلة و أنا اعتذر فعيناكِ قد اغرقتني للحظة لكنني انتشلت نفسي سريعا حين ودعتك أمام باب بيتكِ.
فسكتتُ و أنا استمع لكلماته التي ضربت جدار قلبي ، هل الومه لأنه انتشل نفسه ام ألوم نفسي لأنني لم انتشل نفسي للآن ؟ الآن فقط عرفت بأن كل الخطأ يقع علي هو لم يكن سوى رجل شعر بالافتتان تجاه امرأة في شوارع الليل المظلم فالليل هو الوقود الذي يجعل الحب يلتهب .. يئن .. و يهوي و يذوب . كما هويت و ذبت أنا فيه .
فقلت بلا مبالاة و قلبي يعتصر من الألم :
- لا عليكِ فهكذا هم الرجال يميلون و لا يقعون .
ابتسم ثم قال و كأنه تذكر شيئا :
- بما انها اخر جلسة لنا أخبريني يا توليب لماذا لا تريدينني أن أقرأ ما كتبته في مفكرتك؟ . ثم تابع ممازحا:
- انا أراه كدين يجب عليكِ سداده.
- لا أريد لأي شخص أن يقرئني .
- كيف ؟
- لأنك ستقرئني و أنا لا أحب ان يقرئني أحد ، لا أريد لأي شخص كان أن يقرأ تقلباتي و انهياراتي .. تشتتي و فوضى روحي .. ضعفي و ألمي.. مشاعري و سعادتي .. لذا اذا جاء يوم و جعلت شخص ما يقرأ ما كتبت حينها سيكون مميز و استثنائي جدا داخل قلبي .
فأطرق برأسه ثم ابتسم ببرود و قال :
- لم أكن اعتقد انكِ صريحة هكذ لذا أريد سؤالك سؤال آخر و لنجعله الأخير هل تعرفين الجد جمال معرفة وثيقة لأنني اخر مرة رأيتك تتحدثين معه و تبتسمين و هل شعرت يوما بأي عاطفة اتجاهي مهما كانت ؟
شعرت أن قلبي على وشك الخروج و أن يدي بدأت ترتعش من التوتر و الألم ، فأنا لم أعد أستطيع التمثيل أكثر ، اشعر أنني اتمزق و هذا سيبدأ في الظهور على ملامحي ، فتمالكت نفسي اخيرا و قلت :
- هذان سؤالان لكنني سأجيبك عليهم ، جدي تعرفت عليه يوم تقابلنا في المحل فأصبح صديقي الوحيد منذ ذلك الحين.
- اذا لدينا صديق مشترك !
فإبتسمت بسخرية لأنني قلت نفس الكلام حين عرفت أنه صديقه.
- نعم لدينا صديق مشترك ،أما بالنسبة لسؤالك ثاني اظنني اجبتك عليه لكن نعم لقد شعرت بعاطفة واحدة تجاهك هي الامتنان لأنكَ اخرجتني من الدوامة التي كنت فيها ، لولاك لما مضيت و تقبلت واقعي .
- نعم فهذا عملي عوضا عن انني أعلم أن وفاة والديكِ وحدها لم يكن هو ما جعلكِ تشعرين هكذا انها التراكمات التي حملها قلبكِ طويلا.
فنظرت له بحزن و للحظة كدت أن أخبره أن وجودكَ فقط ما جعلني أشعر أنني لم أعد وحيدة .. للحظة أردت أن أخبره أن لقائنا قدر و حضوره نجاة .. أنه الوحيد الذي فهم داخلي .. أردت أن أقول له أن كوابيسي قد اختفت بدخوله حياتي.. اردته أن يعلم أنني هربت من الواقع للأوهام لأعيش معه كل ما لن اعيشه معه في الواقع .. لست أنا من تغلب على مرضي أنا لم أفعل أي شيئ و هو أيضا لم يفعل اي شيئ .. لقد كان هو فقط .. بوجوده و حضوره.
لكن عوضا عن كل هذا قلت و أنا أنظر لساعتي :
- انا سأذهب لقد تأخرت تشرفت بمعرفتك و شكرا جزيلا لك لأنك عالجتني .
فوقف و نظر لي نظرة عميقة و غريبة ثم مد يده دليلا على الوداع ، اليد التي لمستني مرة برقة ، سألمسها اليوم بوداع مؤلم.
اليد التي كانت دليلا للقاء اصبحت الآن دليلا للفراق .
فمددت يدي و امسكت يده فشعرت بنفس التيار الذي شعرت به كل ما لمستها لكن هذه المرة التيار آلمني.. فأحسست بكل ذرة في كياني تنتفض و تتألم .. شعرت أنني سأبكي و أن عينيان ستذرفان الآن دموعا ، و ما حبسها سوى قبضة يده و هي تشتد على يدي , ثم قال بهمس :
- اهتمي بنفسك و اذا شعرت بحاجة لشخص يستمع لك عودي للاستشارة.
حتى لو كنت انت الوحيد على وجه الأرض لن أعود اليكَ.
- حسنا أيها الطبيب .. الوداع.
- إلى اللقاء .
و افترقنا.. أقصد افترقت عنه.
خرجت امشي منكسة الرأس متألمة القلب و دموعي تختنق داخلي .. امشي تحت السماء الرمادية التي على وشك أن تمطر .. امشي و أنا أحمل قلبي المليئ بالكدمات و اطمئنه من حين لآخر و أعالجه بكلمات لا تسمن و لا تغني .. امشي و أنا أتذكر عينيه التي لن أراها بعد اليوم .. عينيه التي لا اعلم للآن كيف سأصبر لفراقها. اريد اقناع نفسي أنه لم يكن حب بل اعجاب .. أريد اقناعه ليخف حجم الدمار الذي بداخلي .
اقتنع يا قلبي.. اقتنع ارجوك هذا ليس حبا .
حينها تذكرت فجأة اغنية" كلمات" لماجدة الرومي و هي تغني بخيبة :
"يبني لي قصرا من وهم لا اسكن. فيه سوى لحظات".
"و أعود لطاولتي ، لا شيئ معي. الا الكلمات ".
لقد صدقت يا ماجدة فأنا عدت للواقع و لا أحمل معي سوى كلمات عبثية و لحظة كانت خيالية .. لقد اعادني لطاولة الحياة و لا شيئ معي سوى الألم .. لقد افقت يا ماجدة من وهم اللحظات التي عشتها معه .
و لا شيئ معي سوى الخيبة التي مازالت تراقصني و تحتضنني الآن.
فوجدت نفسي أمام المكان نفسه .. البحر نفسه الذي شهد إيماني بالحب مع ثوران امواجه و غضبه .. مع نفس الجو الغائم و المطر الذي يوشك على النزول .
لقد أعاد الزمن نفسه لكن الفرق الوحيد كان انا .
ذهبت و وقفت امامه اتأمله بشرود و أفكر في ما كان سيحدث اذا لم التقيه .. ما الذي كان سيحدث اذا لم يموتا والديَّ؟ .. ما الذي كان سيحدث اذا ذهبت لطبيب آخر غيره؟.. ما الذي كان سيحدث اذا لم تلتقي خالتي بصديقتها و لم تخبرها عنه ؟ ما الذي كان سيحدث اذا لم يجمعنا ديسمبر ؟
ما الذي كان سيحدث اذا لم تتشابك طرقنا و لم نلتقي؟
الآن فقط و في هذه اللحظة فهمت عبارة محمود درويش حين قال:
لم نفترق لكننا لن نلتقي ابدا .
نحن لم نفترق ايضا يا محمود لكننا لن نلتقي .. لا في الأحلام و لا في الواقع ..لا اليوم و لا بعد سنوات .. لا في هذه الحياة و لا في حياة اخرى .
فأحسست بقطرات رقيقة تسقط و تلامس كتفيَّ فتذكرت اليوم الذي أتيت فيه هنا و أنا ارقص بعبثية غير آبهة بكل شيئ .. ارقص متجردة من ترددي و من تزمتي و أنا منغمسة في الخيال و الأوهام عنه و فيه و إليه.
فشعرت ان كل شيئ يتحرك ببطئ .. تلاطم الامواج .. سقوط المطر .. دقات قلبي .. و انفاسي .. و اللحظة التي رقصت فيها .
فحملت المظلة التي اعطتها لي خالتي و أنا أشعر بارتطام الأمطار عليها و معها يرتطم كل ما شعرت به.. ترتطم معها أحلامي .. شغفي .. لهفتي .. اشتياقي .. ألمي أحمل مظلتي بكل واقعية و أنا أشعر أنني لم أعد أنا.. لست توليب التقليدية المترددة و لا توليب الحالمة المملوءة بنشوة الحب .
انا نوع آخر.. نوع فارغ مجرد من كل الأحاسيس .. نوع لا يعرف حجم الدمار الذي بداخله .
أنا توليب التي بدأت و انتهت .
أنا توليب التي ما بين لحظات شهر ديسمبر وُلِدت و اندثرت .
فأنا للآن لا أعلم لماذا اختار الحب طريقه ليفاجئني بطريقة قاسية .. طريقة مؤلمة لماذا من بين الجميع جعلتني أتجاوز فقد بفقد آخر؟ ما الذي فعلته ؟ لماذا لست مثل باقي النساء اللاتي جمعهن القدر بمن يحبون ؟ لماذا يا ديسمبر؟ لماذا آلمتني و أنا التي كانت تقدس ايامك وساعاتك؟ .
لماذا يا ديسمبر جعلتني أؤمن بخرافة الرحيل و الغياب و أنا التي كانت تؤمن قبلا بخرافة لهفة الحب و اللقاء الزاخر.. لماذا يا دسيمبر اوهمتني أنه قدري ؟ لماذا؟.
لم أشعر سوى بعينايَّ تفيضان دمعا فجأة , فبقيت اتلمس عيني كالمسحورة .. أنا أبكي! و أخيرا استطعت البكاء .. أنا أبكي! .. انا عدت شخص طبيعي مجددا .. أنا أبكي.
فالأمر بدأ بقطرات ثم اصبحت سيولا تنافس الامطار.. حينها نزلت على ركبتاي بانهيار و أنا أحمل مظلتي و دموعي تنهمر مع انهمار الأمطار .. أبكي بحرقة كما لم ابكِ من قبل و أنا أتذكر اللحظات التي كان من المفترض ان ابكي فيها ، اتذكر وحدتي حين كنت اتمنى اصدقاء .. وفاة والديَّ و برودة جسديهما .. اتذكر عملي الذي طُردت منه .. اتذكر ألمه و معاناته التي عاشها .. و اتذكره هو قيصر.
فالآن فقط تأكدت انني ما أشعر به معه لم يكن مجرد اعجاب لحظي بل أعمق هذا اشد من كل ما شعرت به من مشاعر قط .. أنا أحببت.. أنا أحببته هو .
اتذكر كل ما شعرت به و أنا أبكي و اصرخ بإسمه الذي تبتلعه الامواج معها .. اصرخ به عله يأتي و يأخذني إليه.. اصرخ به و استنجده ليأتي.. لكنني أعلم أنه لن يأتي هو لم يحبني و يشتاق لي كما أحببته و أشتقت إليه.. كلهم تركوني .. حتى هو .. هو الذي اعتبرني مريضة مؤقتة ستتعالج و تذهب في طريقها .. هو أيضا تركني .. هو لم يحبني .. هو مثلهم .
قيصر الذي اصرخ الآن بإسمه و اناديه بكيت لألمه .. لمعاناته.. لطفولته .. لإغترابه لهروبه من الواقع.. أبكي لحياته التي امضاها وحيدا .. قيصر الذي قتلني و آلمني اليوم أنا ابكيه و ابكي عليه .. قيصر الذي اعادني للواقع انا أبكي عليه .
لا لا توقفي يا توليب ! .. لا هو فقط من يستحق أن أبكي عليه بحرقة .. هو من يستحق أن اصرخ بإسمه في الامواج .. هو من يستحق أن أشتاق إليه و لا المسه .. هو من يستحق أن أهيم فيه في أحلامي و واقعي .. هو من يستحق أن اُخلد ذكراه في قلبي و في أوراقي .
هو الرجل الوحيد الذي يستحق أن أحبه و اتعمق فيه هكذا .
لأنه لا وجود لشخص مثله بتناقضاته .. لأنه الرجل الذي لا طالما حلمت بلقائه . لأنه تألم مثلي .. عانى من الفقد مثلي .. لأنني و هو نتشابه .
قيصر و توليب تألما معاً .. و عاشا الألم سويا .
لماذا القدر لا يجمعنا معا ؟ اوليست الحياة تجمع المتشابهين في التجارب و اللحظات فلماذا لا يجمعنا ؟
أيها القدر لماذا جعلتني التقيه اذا كنت ستبعده عني؟
لماذا جعلت قلبي يتعلق به اذا كنت ستمزق روحي هكذا؟
لماذا جعلت يدي تتمسك به اذا كنت ستؤلمني بها ؟
الا ترى أيها القدر أنني أبكي .. الا ترى أنني و أخيرا استطعت البكاء و التوسل. أنا التي كبريائها يصل الى عنان سماء اتوسل أمامك و أمام البحر و أمام خالق الموجودات أن ترفق بقلبي قليلا .. أن تجعله يلتقي بطريقي و لو بعد مئة سنة .. أن يكون هو قدري أيضا أيها القدر .
بحق هذه الدموع التي تهطل مع هطول امطارك .
انقذني .